الأحد , 4 ديسمبر 2016
الرئيسية » المكتبة الرقمية » الإسلام دين الوسطية والفضائل والقيم الخالدة

الإسلام دين الوسطية والفضائل والقيم الخالدة

الإسلام دين الوسطية

والفضائل والقيم الخالدة إعداد أ د . عبد السلام الهراس فاس – المغرب

بسم الله الرحمن الرحيم

هذا الموضوع مطروق من لدن عدد من الباحثين والدعاة حتى كأن الكتابة فيه أصبحت من قبيل التكرار والاجترار ، ومع ذلك فقد ملت إلى تناوله دون اضطرار لمراجعة الكتابات السابقة التي تتفاوت بين المستويات الثلاثة : الأجود والجيد والأقل جودة .

ومن المعلوم أن القرآن الكريم وصف الأمة الإسلامية بالوسطية في قوله تعالى : ( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا)(سورة البقرة الآية 143) .

ومعنى الوسط كما فسره القرآن الكريم في آية أخرى “الخيرية” : قال تعالى :( كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ )( سورة آل عمران الآية 110) وفي اللغة : المرعى الوسط هو خياره ، ووسط الشيء أفضله وأعدله ، وواسطة القلادة : الدرة التي في وسطها وهي أنفس خرزها . وفي الصحاح : ” واسطة القلادة الجوهر الذي هو في وسطها وهو أجودها” . وقد فسره الإمام على أنه أحسن الأديان ، وفلان من أوسط قومه أي خيارهم وأشرفهم وأطيبهم, ومنها سميت الصلاة الوسطى لأنها أفضل الصلوات وأعظمها أجرا ولذلك خصت بالمحافظة عليها, وقد وُصِفَ النبي صلى الله عليه وسلم بأنه كان من أوسط قومه .

وقال ابن الرومي يبكي أحسن أبنائه بقوله :

توخّى حمام الموت أوسط صبيتي فللــه كــيف اختــارَ واسـطةَ العقـد

والإسلام مبناه على الخير والعدل والإحسان والمعروف والأمانة والصدق والعفة وسلامة الصدر وسيادة العقل والحرية المسؤولة واحترام الآخر والتواضع والرحمة والاستقامة والحياء إلى غير دلك من القيم التي هي جديرة بالقدوة .

إن الأمة الإسلامية خوطبت بآيات قرآنية عظيمة تحدد لها رسالتها في ظل الإسلام بقوله تعالى :( كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ)( سورة آل عمران الآية 110) .

كأنه قال : ” أنتم خير أمة في الوجود الآن لأن جميع الأمم غلب عليها الفساد فلا يعرف فيها المعروف ولا ينكر فيها المنكر ، وليست على الإيمان الذي يزع أهله عن الشر ويصرفهم إلى الخير ، وأنتم تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر ، وتؤمنون بالله إيمانا صحيحا يعكس أثره في العمل ، وحينئذ تكون كان تامة” .

وقيل ناقصة : ” أي كنتم في علم الله وفي اللوح المحفوظ أو كنتم في الأمم السابقة كما في كتبها المبشرة بكم خير أمة أخرجت للناس ” .

ومهما يكن التقدير فإن أمة محمد هي خير أمة أخرجت للناس ، وقد استحقت هذه الخيرية بالمزايا الثلاث المذكورة ، وهي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والاستمرار على الإيمان بالله والاعتصام جميعا بحبل الله .

فإن كانت هذه الأمة بهذه المكانة والمنزلة التي اختارها الله – سبحانه وتعالى – لها فعليها أن تحقق ذلك من ذاتها ونفسها كما جاء في قوله تعالى : ( وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)(سورة آل عمران الآية 104) وهذا التعبير أجمل وأوفى بالمراد كما تقول : ليكن لي منك صديق . وفيه ما فيه من الحث على العمل وبذل الجهد وإحسان الاتباع حتى تستحق جماعة المؤمنين بهذا الدين أن تحظى بشرف تلك المكانة والمنزلة قبل التمكين لها ، وذلك بالدعوة إلى الخير وبالأمر بالمعروف وبالنهي عن المنكر في دائرة جماعتها ، تتبادل فيما بينها التواصي بالحق والتواصي بالصبر ، وبعد التمكين لها في القيام برسالتها داخل مجتمعها محافظة على الميزات الثلاث التي أهَّلَتها لتكونَ أمّةَ الخير تدعو إلى الخير ، وهل هناك خير وأعظم من الإسلام ( إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ )(سورة آل عمران الآية 19)( وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ)(سورة آل عمران الآية 85) فهو الدين الذي رضيه الله لنا وأمرنا أن نتمسك به ولا نموت إلا ونحن مسلمون . لكن رسالة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بعد التمكين وبالأحرى قبله تكون بالحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالتي هي أحسن ، إذ شعار الإسلام في دعوته : ( لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ)(سورة البقرة الآية 256) وقد أعجبني كلاما ورد في المنار لبيان أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يعني تجريد السيف ورفع السوط لإكراه الناس على الدخول في الإسلام لكونه أعرفَ المعروفات ، وإقلاعهم عن الكفر بكونه أنكرَ المنكرات . يقول صاحب المنار : ” إن هذا القول باطل مبني على قواعد غير ثابتة . . . ومنها :

أن الإكراه على الدين منفي في الإسلام بنص القرآن ، ولم يحارب الرسول صلى الله عليه وسلم أحدا من العرب ولا من غيرهم لأجل الإكراه على الإسلام ، وإنما حارب دفاعا . وكيف يحاول الإكراه والله تعالى يقول :( أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ)( سورة يونس الآية 99) .

وقد فرق بين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وفريضة تغيير المنكر ، وبيّن أن رسالة ذلك ليست الدعوة إلى الإسلام والإلزام به .

وإن قول القفال الذي نقله الرازي مخالف لقوله -تعالى- في سورة الحج في وصف المؤمنين بعد الإذن لهم بقتال المعتدين عليهم : ( الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ)(سورة الحج الآية 41) فجعل – سبحانه وتعالى – الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أوصافهم بعد التمكين في الأرض وذلك لا يكون بالجهاد ، بل بعده .

ومن أجمل وأعظم ما ورد في هذه الآية كما سبقت الإشارة التبشيرُ بخيرية هذه الأمة بشرط أن تجاهد نفسها على الإيمان بالحق والعمل به والسير على هداه والدعوة إليه بالحكمة والموعظة الحسنة وبكل ما هو حسن وأحسن ، والصبر على ذلك . وهذا يعني البحث عن أنجح الوسائل وأجمل الطرق وأجدى الأساليب وأقوم الخطاب الذي يقدم من خلال القدوة الحسنة والأسوة الخيرة تبشيرا بالخير وترغيبا فيه ، وهو أي الخير : ” ما يرغب فيه الكل كالعقل مثلا والعدل والفضل والشيء النافع ، وهو خير مطلق مرغوب فيه من كل أحد وعند كل أحد ” .

وقد وصف الله جماعات المسلمين وأفرادها بأنهم هم المفلحون اختصاصا وتأكيدا ، ولهم درجات عليا وذلك بورود اسم الإشارة “أولئك” لأنهم يدعون إلى الخير ويأمرون بكل معروف وينهون عن كل منكر ، فإذا تم لهم ذلك فهم “أمة الوسط ” و”أمة الشهادة ” على الناس جميعا ، وسيكون الرسول – صلى الله عليه وسلم – عليهم شهيدا . وهكذا نرى هذه الآيات الثلاث متناسقة يترتب بعضها على بعض : فالأولى تبين أن هذه الأمة كانت خير أمة أخرجت للناس في علم الله أو في اللوح المحفوظ ، والثانية : أن على هذه الأمة أن تعمل وتصنع من نفسها ما هو المطلوب منها : ( وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ )(سورة آل عمران الآية 104) . وثمرة ذلك استحقاقها أن تكون أمة الشهادة على الناس . ولا تستحق ذلك إلا إذا تحققت فيها شروط الشهادة وأهمها : العلم والعدالة والاستقامة على الصراط المستقيم وكل الخصال والقيم الخالدة والأخلاق السامية والخلال الحميدة التي عبر عنها القرآن الكريم بإيجاز معجز : ” بالوسط ” وهي العدل والخيار وسمو المنزلة بما تحقق فيها من اشتمالها على جميع حقوق الإنسانية وحسن توازنها بين المادة والروح وتخلصها أو براءتها من إفراط هناك وتفريط هنا وغلو هناك وتقصير هنا . والرسول – صلى الله عليه وسلم – هو الشاهد على أمته التي أكرمها الله – سبحانه وتعالى – بالوسطية لكونه المثال الأكمل لمرتبة الوسط ، وإنما تكون هذه الأمة وسطا باتباعها له – صلى الله عليه وسلم – في سيرته وشريعته . . . فكأن الله يقول : إنما يتحقق لكم وصف ” الوسط ” إذا حافظتم على العمل بهدي الرسول صلى الله عليه وسلم ، واستقمتم على سنته .

وهذه الوسطية هي الواردة في الفاتحة باسم ” الصراط المستقيم ” التي تعبدنا الله بها أي بالفاتحة في كل صلاة لكونها أمّ الكتاب ، ومن خصائص هذا الصراط المستقيم أنه موصل للغاية السامية ، وهو وحده كذلك دون الطرق الأخرى الملتوية والمعوجة والمنحرفة والكؤود أو المليئة بالحفر والأمت ، وأنه طريق مأنوس بالسائرين إلى الله من المنعم عليهم غير المغضوب عليهم ، وهم أولئك الذين عرفوا الحق وخالفوه ، وغير الضالين الذين جهلوا الحق واجتهدوا في جهلهم وتمادوا في غيهم ، فأمة الوسط بين هذين الطرفين المنحرفين عن الحق .

وقد عبر القرآن الكريم عن هذه الوسطية بشجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء . وهي المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك كما ورد في الحديث الشريف . وكما جعل الله الأمة الإسلامية وسطا بين الأمم فقد جعل قبلتها وسطا بين الجهات ، وقد هداها – سبحانه وتعالى – إليها وسماها الصراط المستقيم فقال تعالى : سورة البقرة الآية 142 لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ . فهي إذن أمة وسط في قبلة الصلاة أي في الجهات كذلك جعلها وسطا بين الأمم .

ومن تجليات هذه الوسطية :

تكريم الإنسان

( وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا )(سورة الإسراء الآية 70) . إذ خلقه الله بيده ونفخ فيه من روحه وأسجد له ملائكته سجود تكريم ، وعلّمه الأسماء كلها ، وخلق له زوجا من نفسه وجعل بينهما مودة ورحمة ، وأسكنهما جنته ، وترك لهما الحرية كاملة في التمتع بالأكل منها حيثما شاءا رغدا ، إلا أن لهذه الحرية حدودا ، فنهاهما الله عن الاقتراب من شجرة واحدة معنية بالإشارة إليها تأكيدا للتحذير لما في معصية الأكل منها من سوء العاقبة بالنسبة إليهما ، لكنهما ضعفا أمام إغراء الشيطان فأزلهما عما كانا فيه فأهبطهما إلى الأرض التي قدر الله أن يكون فيها آدم وبنوه خليفة كما أخبر الله ملائكته قبل خلقه بقوله : ( وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً )(سورة البقرة الآية 30) ولم يتركه لنفسه ، ولم يغلق دونه باب رحمته ولا نعمة توبته من نسيانه الذي أضعف عزمه ، بل ألهمه “الاستغفار” وعبادة التوبة : ( فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ )(سورة البقرة الآية 37) وبين له طريق الهدى وسبيل الفلاح ، وحذره من فتنة ذاك الذي أبى أن يطيع ربه بالسجود له مع الملائكة حسدًا من عند نفسه وتكبرًا وغرورا ، فقد رأى نفسه أنه أولى منه بهذا التكريم لأن الله خلقه من نار أما آدم فمخلوق من طين ، وهكذا نجا آدم من الخطيئة التي ارتكب فلم تعد ينوء بها كاهله ، كما لم يورثها لعقبه من بعده وأصبح بنو آدم في حل مما جناه أبوهم بتوبة الله عليه .

وبذلك أصبح آدم وبنوه على اتصال بربهم دون واسطة بشرية أو غير بشرية حتى لا يسقط في الاستغلال ، ولا يعرض نفسه لهتك أسراره وتشويه عرضه ، فما عليه إذ يجترح سيئة إلا أن يبادر بالتوبة والإنابة فيجد الله توابا رحيما :( وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ)( سورة البقرة الآية 186) بل إن بعض السيئات تُبدل لدى الكريم الغفار التواب الحليم حسنات : ( يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا)(سورة الفرقان الآية 70) . وقد رغّب الإسلام في التوبة في الكتاب والسنة بشتى الترغيبات مما لا يدع مجالا للقنوط واليأس من رحمة الله ولو جاء بأكثر ما يمكن تصوره من الذنوب والآثام شرط ألا يشرك بالله : ( إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ)(سورة النساء الآية 48) وبذلك فتح أبواب الخير أمام الإنسان ليعود إلى الوسط بين الخوف والرجاء مع حسن الظن بربه ، وإلى الصراط المستقيم حتى يستظل بظلال رحمة الله وعفوه ويستمد معرفته الصادقة والصحيحة بربه وعندئذ يتمتع بالكلمة الطيبة في حياته التي هي خير كلها مثل شجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها .

إن التوبة إحدى خصائص الوسطية في الإسلام ، وهي تترك الباب مفتوحا لتجديد العبد صلته بربه دون واسطة أو سمسرة ، ودون تيئيس أو قطع الرجاء فيتمادى المذنب والمجترح للسيئات في عناده وغيه ، ذلك أن الله – سبحانه وتعالى – كرم بني آدم إذ خلقهم على الفطرة ، ومهما اعترتها من شوائب وأكدار وحُجُب فإن العمق يظل سليما ، لذلك قال – تعالى – مخاطبا المؤمن :( ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ )( سورة فصلت الآية 34-35) . فإن الإنسان طيب في أعماقه فيه استعداد للمودة وللتسامح وصلة ما انقطع لكن يحتاج إلى مخاطبته ومعالجته ومدافعة عناده وإصراره على العداوة بالتي هي أحسن التي تستطيع أن تخترق تلك الحجب ليمس الفطرة التي فطره الله عليها لتتحول عداوته إلى ولاية حميمة وصداقة وثيقة ، بخلاف الشيطان فإنه شر محض مفطور عليه لا يقبل رشوة لذلك فلا ينفع معه إلا الاستعاذة بالله . ومن تجليات الوسطية إكرام الله الإنسان بعقيدة التوحيد التي تتميز بسمة التوازن العقلي والروحي ، فلا إنكار للألوهية ، ولا غلو فيها ولا وثنية ، فالوحدانية عقيدة بريئة من التفريط والإفراط والتطرف عن الصراط المستقيم يمينا أو يسارا : (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ)(سورة الأنعام الآية 153 )

ومن تكريم الله للإنسان حق الحياة ، فمن قتل نفسا بغير حق أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ، ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا ، لكنه إذا ما أزهق روحا متعمدا فالنفس بالنفس ، وهو في الآخرة خالد في النار ، ومن تكريم الإسلام للإنسان إعلان مبدإ تحرير العبيد عن طريق العتق الذي يعد بابا من أبواب القربات إلى الله ، وعن طريق العقاب المالي مثل بعض الكفارات ، فالسيد في الإسلام لا يملك إنسانية عبده ولكن يملك رقبته أي عمله وخدمته ، أما إنسانيته فلا ، فإن جاز له أن يؤدبه فلا يتعدى عشر ضربات مثلما يؤدب أهله . فإن مثل بعبده عتق عليه وهذا مذهب فقهاء الحديث . ولو استكره الرجل عبده أو أمة غيره على الفاحشة عتقا عليه ويضمن لأمة غيره بمثلها .

ولا يُعرف في تاريخ الفتوحات الإسلامية أنها أبادت شعوبا كما فعلت أمم أخرى من أجل إحلال المسلمين مكانهم ، أو استعبدت شعوبا كما فعل الآخرون عن طريق الغزو والعدوان وجلبها المستعمرات الجديدة وبيعها في الأسواق كما تباع الأنعام لاستغلالها أبشع استغلال ، وإنما كانت الشعوب تسلم عن طواعية ، فمن أبى فإنه يعيش على دينه كما نرى ذلك في كثير من بلاد العرب وغيرها مثل الشام : ” سوريا ولبنان والأردن وفلسطين والعراق ومصر واليهود في المغرب العربي والسودان ” . أما الهند وبلاد فارس والأندلس وغيرها فإن الفتح الإسلامي اعترف أيضا بالآخر ولم يرغم أي واحد على الدخول في الإسلام ، في حين عندما انتصر ملوك شبه الجزيرة النصارى أطبقوا على إبادة المسلمين وإحراق كتبهم وتراثهم وتحويل مساجدهم إلى كنائس ، إذ لم يبق في إسبانيا ولو كتاب واحد من ملايين الكتب التي ألفها واقتناها ونسخها علماء الأندلس ووراقوها ونساخوها . . أما الكتب التي هي بمكتبة الإسكوريال فهي مغربية الأصل قرصنها قرصان فرنسي وتسلط عليه الإسبان فجعلوها في دير الإسكوريال وقد أتلف جلها بالحرق وغيره !!

ولولا الفتح الإسلامي بالأندلس لاستؤصل اليهود الذين كانوا يتعرضون من حين لآخر إلى مصائب وويلات من لدن ملوك شبه الجزيرة قبل الفتح الإسلامي ، وقد نالوا في ظل الإسلام من الحقوق والحظوة والمكانة العلمية والاجتماعية والسياسية ما لا ينكره أحد منهم ، أما المسلمون فلا يزالون يبادون إلى اليوم ، والبوسنة والشيشان مثال على ذلك .

ومن وسطية الإسلام : جعل تحيته ” السلام ” ، وعلاقاته مع الآخرين : السلام : ( وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَ)(سورة الأنفال الآية 61)ا والبر بكل من لا يحاربنا ولا يخرجنا من ديارنا ولا يظاهر عدوا علينا فالإقساط إليهم واجب :( إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ)( سورة المائدة الآية 42) والوفاء بالعهود : ( وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ)(سورة النحل الآية 91) (وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا)(سورة البقرة الآية 177 ) ( وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا )(سورة الإسراء الآية 34)( فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ)(سورة التوبة الآية 7) .

وبما أن الإسلام دين الوسط ومن معاني ذلك العدل : فإن العدل والقسط من أسس الحضارة الإسلامية حتى مع من يشنؤنا :( وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى)( سورة المائدة الآية 8)

والآيات القرآنية والأحاديث النبوية والتطبيقات العملية كثيرة ، وكلها تبين عظمة عدالة هذا الدين الذي ظل قويا بها إلى الآن على رغم ما اعترى هذا الركن من ضعف واضطراب ، ذلك أن قاعدة “العدل أساس الملك” هي قاعدة إسلامية يقول تعالى : ( وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ)(سورة النساء الآية 58) . ولم يقل وإذا حكمتم بين المسلمين فالعدالة شاملة للجميع وقال تعالى : ( إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)(سورة النحل الآية 90) . ويقول ابن القيم : ” فإن الشريعة مبناها وأساسها على الحِكَم ومصالح العِباد في المعاش والمعاد ، وهي عدل كلها ورحمة كلها وصالح كلها وحكمة كلها ، فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور وعن الرحمة إلى ضدها وعن المصلحة إلى المفسدة وعن الحكمة إلى العبث فليست من الشريعة وإن أدخلت فيها بالتأويل ولذلك كان الظلم ظلمات يوم القيامة ، وقد حرم الله الظلم على نفسه كما حرمه على الخلق ، وأوجب عليهم ألا يتظالموا فيما بينهم ، ودعوة المظلوم مستجابة ولو كان هذا المظلوم كافرا إذ ليس بينها وبين الله حجاب ، وقد عنون ابن خلدون فصلا من فصول مقدمته بقوله : الفصل الثالث والأربعون في أن الظلم مؤذن بخراب العمران . ويقول بعد إيراده حكاية دالة عن خراب الأمم بسبب شيوع الظلم : ” فلما كان الظلم كما رأيت مؤذنا بقطع النوع لما أدى إليه من تخريب العمران كان حكمة الخطر فيه موجودة فكان تحريمه مهما ، وأدلته من القرآن والسنة كثيرة أكثر مما يأخذها قانون الضبط والحصر .

وبهذه العدالة استطاعت الحضارة الإسلامية أن تحتفظ للعالم بمجتمع متنوع الثقافات والأديان حتى الثقافات القديمة التي ظلت شاهدة على حضارات بائدة كالحضارة الآشورية والفينيقية والفرعونية وغيرها من الحضارات السابقة على الحضارة الإسلامية ، ولا يقاس التقدم الحضاري بالشاقول كما يقول جورج سارطون فيما أظن صاحب كتاب تاريخ العلم ، أو كما يقول الأستاذ الدكتور فيديريكو مايور سرقسطة Federico mayor zaragoza الإسباني مدير اليونسكو السابق بمقاييس مادية تتجلى في مجتمع الاستهلاك وإشباع رغباته حتى التخمة والإخلاد إلى الخمول . إن المعيار الجديد للرقي الحقيقي هو الذي يتخذ محوره من القيم الخلقية التي ينبغي أن تتوافر في الإنسان بصفته إنسانا . ولا يقاس الرقي بتقدم المعارف وتطبيقاتها التقنية فقد بلغ هذا التقدم حدا هائلا من التضخم جعله يثقل كواهلنا وينسينا الوعي الجاد بخطورة المشكلات المتولدة عنه ، ويتساءل الدكتور فيديريكو سرقسطة : السنا نرى كيف يؤدي التقدم العلمي إلى تدمير الإنسان . ويقتبس من بعض كبار المفكرين الذين درسوا الحضارة الغربية قوله : ” ولكن الحقيقة هي أن كل شيء يسير في طريق خاطئ” .

والخلاصة أن الحضارة الغربية في رأي هذا المفكر الكبير الذي يعزز أفكاره بخلاصات كثيرة لأفكار عظماء الغرب قد صنعت مستقبلا بدل أن يسيطر فيه الإنسان على التقدم أصبح عبدا له .

والحقيقة أن كبار المفكرين متشائمون من عاقبة هذه الحضارة . وينقل الدكتور سرقسطة هذا التشاؤم في كتابه النفيس مثل قول السيدة إستيفانا ألدابا بيم التي تتساءل عن مصير القيم الأخلاقية في عالم الاستهلاك السفيه : ” عالم اختراعات تدميرية ، عالم معقد ، عالم نرى فيه جهود العلماء والمخترعين موجهة إلى تدمير حياة الإنسان بدلاً من تمكينه من البقاء . إن ما يقوله سرقسطة قاله من قبل شبجلر ” ، وقاله كثير من المعاصرين .

إن المجتمع المتقدم يتسم بصفات نبيلة كثيرة يخلو منها مجتمع الاستهلاك ويرى أن اختلاف الثقافات هو التعبير الصادق عن الإنسان المبدع . . . الإنسان الحكيم والعلم الذي يُشقي والتقدم الاستهلاكي الذي يؤخر هو ما عناه الرسول – صلى الله عليه وسلم – بعلم لا ينفع وبطن لا يشبع, وما قاله القرآن الكريم : ( وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ * يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ * أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ *أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ)(سورة الروم الآية 6-9)

وربط العلم والتقنية بالقيم الخلقية هو الجوهر الأساس لوسطية الإسلام بعد توحيد الله والإيمان بالغيب ، ويطلق على هذه القيم : الأخلاق والأدب وتزكية النفس ، لذلك نرى اهتمام الحضارة الإسلامية بالجانب السلوكي والتربوي للرفع من مستوى الإنسان المسلم في جميع مناحي حياته وتصرفاته ، فالأدب كما يقول ابن القيم : ” هو الدين كله ” ويقول عكرمة مولى عبد الله ابن عباس : ” لكل شيء أساس ، وأساس الإسلام الخلق الحسن” . وحقيقة الأدب اجتماع خصال الخير ، ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أدبني ربي فأحسن تأديبي . وقال له ربه : ( وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ)(سورة القلم الآية 4) وما بعث رسول الله – صلى الله عليه وسلم – إلا ليتمم مكارم الأخلاق كما جاء في الحديث الشريف . والأدب يكون أولا مع الله ومع رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ومع الخلق : بشرا وحيوانا ونباتا وجمادا ، لذلك فإن وسطية الإسلام تبرز بشكل قوي في هذه الشبكة العظيمة للأخلاق والآداب التي تحيط بالإنسان في جميع أحواله وعلى جميع مقاماته ومستوياته ومختلف مسؤولياته ، كما أحاطت الإنسان المسلم بأدعية وأذكار وكلها مرتبط بإصلاح الباطن . ومضمون تلك القيم يجعل المسلم متوازنا في حياته نافعا لمجتمعه بل للإنسانية جمعاء ، وما يحيط بها من البيئة . وتجعله عنصر إسعاد لنفسه ولغيره . ولنأخذ مثلا لذلك التعامل مع الجار ومواجهة الجهل والجاهل ، وحق الطريق ، وحق المنابع المائية ، وحق المرافق الاجتماعية ، وحق الحيوان ، وحقوق الوالدين وأصدقائهما ، وحق المسلم على المسلم في شتى الأحوال والعلاقات ، وحق الرحم ولو كانت كافرة ، وحق المواطنين غير المسلمين ، بل حق نفسه على نفسه ، وحق أهله وأولاده . . . وهناك النوافل المختلفة وفروض الكفاية تجعل من المسلم العضو الصالح والنافع والمسهم بحيوية في تغذية المجتمع بثقافة الخير والمحبة والسلام ، وهذه الثقافة تمتاز ما دامت تستمد تعاليمها من منابعها الصافية بالتماسك الداخلي وبالشمول والحيوية والبناء المطرد كالشجرة المباركة .

أما الأدعية والأذكار المشروعة فهي دائما تزكي تلك القيم الروحية والخلقية ، وترسخ الجوانب الجميلة والصالحة في تربية الإنسان المسلم من لدن استيقاظه إلى ذهابه إلى النوم لتجعله أثناء ذلك وبعد ذلك عضوا سليما وصحيحا وفعالا من خير أمة أخرجت للناس ، ومن أمة الوسط يتمثل فيه الخير والحب والرفق والنفع للدوائر المسؤول عنها كلها . وهكذا يحاط المسلم بكل ما يجعله يمثل حقا إنسان الرسالة السماوية الخالدة .

إن أمة الوسط هي أمة الأخلاق ولكن أي أخلاق ، إنها أخلاق حضارية شاملة يعم إشعاعها الداخل والخارج ، فهي لا تعرف عنصرية ولا تحيزا ، ولا الكيل بمكياليْن أو مكاييل كما وقع في الحضارات البائدة وفي مجتمعات عنصرية معاصرة مثل جنوب إفريقيا ، وكما هو واقع الآن في جل المجتمعات الغربية التي فضحتها ممارسات غير أخلاقية غلبت التطبع الذي كان واجهة لا تعبر عن حقيقة ما وراءها . وقد شهدت أخلاق القوم هناك تراجعا وتدهورا تجاه الآخرين ولا سيما المسلمون .

ثم إن للأخلاق الإسلامية حداً متى جاوزت صارت عدوانا ، وما قصرت عنه كان نقصا ومهانة .

وضابط ذلك كله العدل كما يقول ابن القيم وغيره ، فأعدل الناس من قام بحدود الأخلاق والأعمال والمشروعات معرفة وفعلا .

إن الأخلاق الإسلامية تنشأ مع العقيدة وتسري في العبادات وتتفاعل مع المعاملات ، فهي الثمار الجميلة والمفيدة والمطلوبة والمرغوب فيها من الإنسان على اختلاف مشاربه وملله ونحله ، وهي أساسا تبدأ بشد الأفراد في المجتمع برباط متين .

يقول مصطفى صادق الرافعي : ” وما الإسلام في حقيقته إلا مجموعة أخلاق قوية ترمي إلى شد المجموع من كل جهة” . ويقول : إنها تضبط الضمير المسلم ضبطا ينعكس انضباطا في الحياة ، ويتجاوب مع ما يسن من تشريعات وقوانين عادلة ، ذلك الضبط الذي يعبر عنه القرآن بالتقوى . ويقول : إن من خصائص هذا الدين الأخلاقي أنه صُلب فيما لا بد منه للنفس الإنسانية إذا أرادت الكمال الإنساني ، ولكنه مرن فيما لا بد منه لأحوال أزمنة مختلفة مما لا يأتي على أصول الأخلاق الكريمة . ومن تلك التقوى والانضباط الروحي والنفسي والعقلي ينشأ الاعتصام بأمر الله جميعا كما نص القرآن الكريم محذرا في الوقت نفسه من التفرق والتنازع والتناحر يقول تعالى : ( وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ)(سورة آل عمران الآية 103) .

فإذا تحقق الاعتصام وعدم التفرق فإن وراء ذلك نعمة الله على هذه الأمة التي كانت متعادية متفرقة متقاتلة متباغضة فألف الله – سبحانه – بين قلوبهم .

ثم يستمر القرآن الكريم بتحذير هذه الأمة من أن تقع فيما وقعت فيه أمم سابقة ، فيجب عليها أن تعتبر حتى لا تكون كأولئك الذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءتهم البينات (آل عمران 105) . ثم تأتي الآية 110 لتخبر المسلمين بأنهم خير أمة أخرجت للناس بالشروط والسمات المذكورة .

إن روح الإسلام هو الذي جعل من عناصر متفرقة وقبائل متناحرة في أم القرى وما حولها وفي المدينة وما حولها ومن عنصري المهاجرين والأنصار أول مجتمع إسلامي متماسك متراص ومتعاون كأحسن ما يكون التعاون ، حتى كان الرجل في المجتمع الجديد يعرض على أخيه أن ينكحه من يختار من أزواجه بعد أن يطلقها له كي يبني بذلك أسرة . تلك ملامح من وسطية الإسلام ، وهنا يتبادر إلى الذهن سؤال مشروع : أين الأمة التي تمثل وسطية الإسلام ؟ وبعبارة أخرى : أين أمة الوسط ؟ فهل هي التي كانت في العهد الأول على عهد رسول الله وعهد خلفائه الراشدين قبل أن تتحول إلى ملك عضوض ثم جددها الخليفة الخامس عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه ؟ إن تجريد الأمة من وسطيتها من بعد العصرين النبوي والراشدي ظلم كبير ، فقد امتد الإسلام امتداد ضياء الشمس في الأرض وما زال يمتد . وإن تراثه العظيم وحضارته العظيمة وثقافته السامية النبيلة ما يزال العالم يستفيد منها ويشيد بها ، وما يزال لهذا الدين نفوذه وقوته عبر العالم . ولقد أعلنت أمريكا أنه أسلم من جيشها في السعودية فقط أثناء إقامته هناك ثلاثة آلاف فرد(3000), وقد أعلن بعض من كان يمارس الدعوة في وسط الجيش الأمريكي أن العدد أضعاف مضاعفة ، وكذلك الأمر بالكويت وغيرها من بلاد الخليج والآن في العراق ، بل قد أعلنت الدوائر الأمريكية المسؤولة أن عدة حراس بقاعدة “غوانتانامو” أسلموا على يد الأسرى المسلمين هناك ، كما أعلنت داخلية فرنسا أنه أسلم في فرنسا خلال عشر سنوات حوالي خمسين ألف فرنسي . ولعل الرقم مضاعف ثلاث مرات على الأقل حسب ما نشاهد وما يقال لنا من مصادر موثوقة . إن ظاهرة دخول الناس في الإسلام مطردة ومتنامية, ونحن نعيش في وسط هذه الظاهرة بالنسبة لأسبانيا ، فلا يكاد يمر أسبوع دون أن يزور بعض مراكز إخواننا الدعاة في إسبانيا وفي المغرب أفراد وأسر بكاملها دخلت في الإسلام أو تريد أن تشهد للدخول فيه ، وما يقع في العالم الغربي يقع في العالم الثالث وخاصة أفريقيا التي هي مستقبل الإسلام بحول الله وقوته .

وما ذلك إلا لوجود طائفة ذات حجم مهم يدعون إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة ويجادلون بالتي هي أحسن ، فالعالم الإسلامي مصنف – ما عدا ماليزيا – من العالم الثالث ، وهو عموما في مجمله فقير متخلف علميا وتقنياً ، ولكنه عالم غني بقيمه الخلقية السامية وبكثير من عاداته النبيلة مما يجعل ظاهرة التأثير الإسلامي قوية عبر العالم غير الإسلامي متحضرا أو متخلفا . يقول مالكولم إيكس في رسالة مشهورة بعثها أثناء حجه بمكة المكرمة إلى بعض أقربائه ومعارفه وإلى والاس محمد بن شيخه إليجه محمد قال فيها : “لم أعرف أبدا في حياتي ضيافة في مثل هذا الصدق والأخوة وفيما تبعثه من العواطف العميقة كلقاء الرجال والنساء من جميع الأجناس المجتمعين على هذه الأرض القديمة المقدسة ، موطن إبراهيم ومحمد الذين ورد ذكرهما في القرآن الكريم . . . إن أمريكا بحاجة إلى أن تفهم الإسلام لأنه هو الدين الوحيد الذي لا يعرف التمييز العنصري ” .

هذا الحج أرغمني على مراجعة بعض الأفكار التي كنت أعدها أفكاري ، وعلى بعض النتائج التي كنت قد توصلت إليها . . .

لقد فكرت وأنا أراهم لو أن البيض الأمريكيين كانوا يقرون بوحدانية الله كانوا هم أيضا يقرون بوحدانية الإنسان ، وأنهم سوف يكفون عن مجابهة الآخرين والإضرار بهم لأسباب تتعلق باللون .

ونرى أن التمييز العنصري هو سرطان أمريكا الحقيقي ، وأن مصيرها سيكون مثل مصير ألمانيا النازية إلا إذا عكفت على الحل الإسلامي للمشكلة لإنقاذ أمريكا من كارثة توشك أن تحل بها . . . ” . ووقع باسم الحاج مالك ثبار وتحت ذلك مالكولم إيكس . وما زلت أذكر كلمة قالها لي أحد الأمريكيين وكان فيما مضى قاضيا وهو أسود ، وقد أسلم تايسون على يده :

” إن نعمة الإسلام نعمة كبيرة وعظيمة لا يشعر بها المسلمون ، إنما نحن الذين نشعر بها عندما أسلمنا فشعرنا بالفرق الهائل بين النقم التي كنا نعيش بها وضنك الحياة والخواء الروحي وسوء الأخلاق التي كنا نعانيها وبين نعمة الإسلام التي ملأت قلوبنا اطمئنانا وسكينة ، وغيرت أخلاقنا ونظرتنا إلى العالم حتى أصبحنا نرثي لأعدائنا ونعطف عليهم ونسعى لضمهم إلى قافلة المنعم عليهم بالإيمان ” .

لذلك لا غرابة أن يسلم كبار القوم وصغارهم وما بين الطرفين ، وقصص إسلام هؤلاء على رغم أن بعضها سجل إلا أن آلاف الأحوال لم تسجل ، وما أوتينا من علم ذلك إلا قليلا .

وقد أصلح الحاج مالك ثبار بعض آرائه وأفكاره مثل مستر نوكس الذي كان من الفهود السود وصار ينظر إلى الرجل الأبيض نظرة إسلامية بعيدة عن التطرف والتعصب والتمييز العنصري نتيجة للنظرة الأمريكية العنصرية . وقال لي أحد أقطاب جماعة عباد الرحمن ببيروت آخر الستينيات : إنهم احتفلوا بالحاج مالك ثبار ورسخوا في ذهنه فكرة أن التفاضل بين الناس ليس على أساس العرق أو اللون أو المال وإنما أكرمكم عند الله أتقاكم .

ومن المعلوم أن لدعاة المملكة العربية السعودية أثرا واضحا في إصلاح أفكار الرجل وتسديد موقفه من البيض ومن غير المسلمين . . . وقبله أسلم في المملكة على عهد الملك عبد العزيز – رحمه الله – ليوبولد فايس ( محمد أسد ) ولو لم يكن لهذا الرجل في الإسلام إلا ” الإسلام على مفترق ” و ” الطريق إلى مكة” لكفاه . فقد أضاف كتبا أخرى ومنها : ترجمة لمعاني القرآن الكريم إلى الإنجليزية الذي يعده الأستاذ الدكتور سيد دسوقي حسن أحسن ترجمة أنجليزية إلى الآن ، كما يعتمد عليه بعض قدماء الدكاترة المسلمين والإسبان مثل عبد السلام منصور إسكوديرو . وقد ظل محمد أسد يعيش في ظل كرم بعض رجالات السعودية الأكارم إلى وفاته 1992 / 2 / 19 بالأندلس بإسبانيا . إن سر انتشار الإسلام في الأوساط الغربية وكذا روسيا وسطيته وتوازنه وتجاوبه مع الفطرة والعقل السليم انطلاقا من توحيد الله إلى إماطة الأذى عن الطريق ، ولما تحمله تعاليمه من قوة روحية نافذة قد تخترق الحجب لتستقر في الروح والوجدان دون إرادة صاحبه كما يعبر عن ذلك محمد أسد الذي لم يشعر إلا والإسلام قد ملأ روحه وأضاء جميع وجدانه بنور الحق . . . والقصص الرائعة لبعض من أسلم من الغربيين جديرة بالتسجيل . لكن بقدر ما يعتز المسلم بما يحققه الإسلام من انتشار مبارك في العالم يشعر بالحزن والأسى للواجهات المشوهة التي تعرض على العالم غير المسلم بما يصدر عن ” بعض ” المسلمين من تصرفات مشينة وأفكار سيئة ومواقف منفرة . وقد كثر هذا النوع الذي يطلق عليه أستاذنا مالك المحامي المورط الذي يجعل من دفاعه الأرعن عن الإسلام البريء أكبر حجة على إدانته والحكم عليه . وليت الأمر يقف عند حد الكلام ، بل إنه يتحول إلى أفعال مفزعة واندفاعات إجرامية شنيعة . والمؤسف أكثر أن الدعوة الإسلامية تحولت عند هؤلاء إلى محاكم التفتيش تقوم على التكفير والتفسيق واستباحة دماء الأبرياء مما يناقض وسطية الإسلام وسماحته وجماله ورحمته ودعوته إلى الرفق وحسن الظن والتيسير والمحبة والاحترام واللطف وحسن الآداب مع الجميع : سورة آل عمران الآية 159 وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ . وهذا النوع من المسلمين يخلون برسالتهم في تمتين أواصر المحبة بالداخل وفي تشتيت الجهود للبناء الاجتماعي وتضييع الفرص المتاحة لاستدراك ما فات الأمة من اللحاق بالأمم المتقدمة مثلما وقع للمسلمين عندما نبتت خلالهم ومن وسط التقوى والصلاح والزهد وحب آل البيت تيارات زعزعت الشبكة الاجتماعية للبناء الإسلامي كالخوارج ، فإن الجهود الجبارة والشجاعة النادرة والاستماتة العجيبة والاستهانة بالموت في سبيل المبادئ ومظاهر عمق التدين والتعلق بالآخرة وإيثارها على الحياة الدنيا بدل أن تكون هذه الخصال الحميدة قوة دفع للمسلمين ونشر الدعوة في الخارج كانت عوامل هدم للمسلمين بالداخل عاقت الفتوحات ونشرت روح التمرد وفتحت أبواب الفتن بين العوام ، فما تبنيه الحكمة في دهر تهدمه الحدة في وقت وجيز كما يقول محمد عبده فيما ضيعته حدة أستاذه جمال الدين الأفغاني رحمه الله .

إن على المؤسسات العلمية المسؤولة عن الدعوة الإسلامية وعن الجامعات الإسلامية والمنظمات الإسلامية الرسمية التعاون الصادق مع المنظمات وجماعات الدعوة العاقلة والمتزنة والمشهود لها بالحكمة والإخلاص والغيرة على الأمة وقضاياها ، ومع أعلام الفكر الإسلامي ورجالاته العاملين في حقول الدعوة بصفة فردية لتدارك الأخطار المقبلة والمهددة بالقيام بالتخطيطات على المدى القريب والبعيد لانتزاع التوجيه والإرشاد وشؤون الفقه والدين والتربية والتكوين والفتوى من مساعر الحرب والفتن والأيدي والجهات التي انتهجت السلوك المشين والاضطرابات المؤسفة التي لا تزيد الأمة إلا تأخرا وتنشر خلالها روح التقاطع والتدابر وكل ما يمزق الشبكة التي يَمْتَنّ الله بقوتها وتلاحمها وتآلفها على المسلمين .

وقد رأينا محاولات فردية وغير فردية تتصدى لهذا الفكر وتعمل على انتزاع إمامته للشباب منه ، تلك الإمامة التي تعزز اتجاهها المدمِر بإيهام الشباب بأن مرجعيتها من الكتاب والسنة وفقه السلف الصالح وكبار الأئمة والمصلحين . والحقيقة أن هناك من يعتمد في مواقفه وسلوكه وفقهه على أئمة هم براء مما يصدر عن هؤلاء الذين يورطون الأمة ويوقعونها في مشاكلات عويصة لا قِبَل لهم بحلها .

إن السلفية الحقة بريئة من اتجاه التكفير والتفسيق والخروج على الأمة وتوريطها في نزاع مع الخارج وإعطاء صور مشوهة عن الإسلام والمسلمين مما يثير شعوب العالم على هذا الدين وأصحابه في وقت أصبح الإسلام أكثر الأديان تأثيرا وقبولا . . . فلو لم يكن هذا الدين محجوبا بسلوك أولئك الذين يشوهون حقيقته لكان للإسلام والمسلمين في هذا العصر شأن وأي شأن . يقول الإمام الذهبي – رحمه الله – عن شيخه ابن تيمية – رحمه الله – الذي يتكئون على بعض فقهه الذي لم يفهموه : ” كان شيخنا ابن تيمية في أواخر أيامه يقول :

” أنا لا أكفر [ أحدا ] من الأمة ، ويقول : ” قال النبي صلى الله عليه وسلم : لا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن فمن لازم الصلوات بوضوء فهو مسلم ” . ويقول الذهبي : إنه يدين بما سمعه من شيخه وبما بلغه عن الإمام الأشعري رحمه الله” الذي عندما قرب حضور أجله دعا زاهر بن أحمد السرخسي وكان الإمام يقيم معه في داره قال :

” فأتيته فقال : اشهد عليّ أني لا أكفر أحدا من أهل القبلة لأن الكل يشيرون إلى معبود واحد وإنما هذا كله اختلاف في العبارات ” .

بل إن الإمام ابن تيمية – رحمه الله – يرى عدم قتال طائفة وصفها رسول الله صلى الله عليه وسلم بالباغية سواء كان ذلك بتأويل أو بغير تأويل لما ينشأ عن ذلك من الفتنة ، ويقول : ” وكل ما أوجب فتنة وفرقة فليس من الدين ” . وأئمة الإسلام وعلماؤه مجمعون على هذا الفقه ، وهو فقه لا يروق نفسيات ساخطة وعقولاً صغيرة وعلوماً ناقصة .

ومما يغيب عن بال كثير ممن يتعاطى الدعوة أن منشأ الفتنة لا يكون من ترك ما أمر الله به فقط ، وإنما من ترك الصبر أيضا .

وروى ابن تيمية أن الذي لم يعرف الحق وقصر في معرفته وزاد على ذلك فقد أصاب ثلاثة ذنوب .

ومن فقه هذا الإمام أنه يزودنا بأفكار عظيمة مبثوثة في كل كتبه ، من هذه الأفكار الرائعة التي تغيب عن كثير من ذلك النوع من الدعاة الذين كادت الساحات تمتلئ بهم وذلك تجنبا للفتنة وحفاظا على الأمن والاستقرار يقول :

” ولهذا نجد الناس يفضلون من كان من الملوك ونحوهم إنما يظلم نفسه بشرب الخمر والزنا أو الفواحش ويتجنب ظلم الرعية ويتحرى العدل فيهم على من كان يتجنب الفواحش والخمر والزنا وينتصب لظلم الناس في نفوسهم وأموالهم وأعراضهم .

ونرى كذلك من نتائج هذا الفكر المجانب للوسطية الإسلامية أنه يثير فتنا كثيرة بسبب بعض من يراه غير أهل للإمامة لجرح شاع عنه أو رآه عليه فلم يستره وإنما جعله ديدنه ففضحه وهتك أستاره ، وربما حاول أن ينصحه ففضحه أو عنفه واشتد عليه على رؤوس الأشهاد . يقول الإمام ابن تيمية رحمه الله :

” ولو علم المأموم أن الإمام مبتدع يدعو إلى بدعته ، أو فاسق ظاهر الفسق وهو الإمام الراتب الذي لا تمكن الصلاة إلا خلفه كإمام الجمعة والعيدين والإمام في صلاة الحج بعرفة ونحو ذلك فإن المأموم يصلي خلفه عند عامة السلف والخلف” . وهو مذهب أحمد والشافعي وأبي حنيفة وغيرهم .

ولهذا قالوا في العقائد : إنه يصلي الجمعة والعيد خلف كل إمام برا كان أو فاجرا .

فإن الصلاة في جماعة خير من صلاة الرجل وحده وإن كان الإمام فاسقا .

ومن ترك الجمعة والجماعة خلف الإمام الفاجر فهو مبتدع عند الإمام أحمد .

وهذه الأفكار منتشرة كثيرا في تراثنا الإسلامي ، من ذلك ما قاله العالم الجليل الشيخ أحمد زروق الفاسي في قواعده : ” حفظ النظام واجب ، ومراعاة المصلحة العامة لازمة ، فلذلك أجمعوا على تحريم الخروج عن الإمام بقول أو فعل حتى انجر إجماعهم على الصلاة خلف كل بر وفاجر من الولاة وغيرهم ما لم يكن فسقه في عين الصلاة ” .

إن القراءات الجزئية والمبتسرة لفقه بعض العلماء بما يناسب أهواء الغلاة ويرضي انحرافهم أو فهمهم القاصر أو تأويلهم الفاسد كل ذلك أو بعضه يعد المسؤول عن هذه الفتن التي نشأت عن فتاوى وأفكار كانت تغترف من هذه المدارس التي يتزعمها أنصاف العلماء الذين أصبحوا يرددون أمام العوام كلمة قالها قبلهم كبار الأئمة وكانوا يعرفون ما يقولون : ( نحن رجال وهم رجال) دون أن يعرفوا معنى ذلك ، والعجب أن هذه ” المقولة ” أصبح يرددها بعض العوام بإجازة من ” شيوخهم ” الذين ألهاهم التكاثر !! وما أصدق الحكمة الآتية : ” من رأيته مجيبا عن كل ما سئل ، ومعبِّرا عن كل ما شَهِدَ ، وذاكرا كل علم فاستدل بذلك على وجود جهله ” .

إن الدراسة الشاملة والمتأنية لأئمة نسبت إليهم أقوال ومواقف وفتاوى تبين لنا بوضوح أنها لم تكن كذلك لأنهم أسمى من أن يقعوا فيما ينسب إليهم ؛ وممن ظلم فيمن ظلم من أئمتنا بجعله مرجعا لبعض أولئك الشيخ المصلح : محمد بن عبد الوهاب حتى أصبحت”الوهابية” تهمة حتى في بعض البلاد الإسلامية بعدما كانت قد خمدت حدتها لبيان حقيقتها . كما عانت بعض الحركات الإسلامية في عنفوان المذهب الاشتراكي ما عانت بما كان ينشر عنها من دعايات مشينة ونفس الأمر وقع لمصلحين كبار اتهموا اتهامات تخرجهم من الملة .

إن الإمام محمد بن عبد الوهاب مثلا كتب إلى بعضهم رسالة يقول له فيها :

” إذا تبين هذا فالمسائل التي شنع بها ، منها ما هو من البهتان الظاهر ، وهي قوله : إني مبطل كتب المذاهب . وقوله : ” إني أقول : إن الناس من ستمائة سنة ليسوا على شيء . وقوله : ” إن اختلاف العلماء نقمة . وقوله : ” إني أكفر من توسل بالصالحين . وقوله : ” إني أكفر البوصيري لقوله : يا أكرم الخلق . وقوله : ” إني أقول لو أقدر على هدم حجرة الرسول صلى الله عليه وسلم لهدمتها ، ولو أقدر على الكعبة لأخذت ميزابها وجعلت لها ميزابا من خشب . وقوله : ” إني أنكر زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم . وقوله : ” إني أنكر زيارة قبر الوالدين وغيرهم وإني أكفر من يحلف بغير الله . فهذه اثنتا عشرة مسألة جوابي فيها أن أقول :( سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ )( سورة النور الآية 16) .

إن من أخطر ما يورط المسلمين ويعطي انطباعات سيئة عن الإسلام هذه النزعة الخوارجية التي تدعو للدين دون زاد كاف أو فقه سليم أو سلوك قويم ، ومن ذلك دعوة بعضهم لإقامة دولة الخلافة الإسلامية في ديار الغرب حيث تستغلها أجهزة الإعلام المغرضة لإفزاع الشعوب الغربية من الإسلام والمسلمين ، وترسيخ ربط الإرهاب بالدين وبالمسلمين معا على طريقة نظرية ” بافلوف الروسي ” . ومن المظاهر المؤلمة ما يقوم به بعضهم من فتن داخل الشعوب الإسلامية الحديثة العهد بالاستقلال عن روسيا .

لذلك يجب تدارس جدي لإنقاذ أنفسنا قبل فوات الأوان .

إن الوسطية الإسلامية يجب أن تتحول إلى مؤسسات فكرية تربوية ذات مناهج علمية محكمة تهدف إلى صياغة المسلم صياغة تحقق التغيير النفسي الداخلي المشروط في القرآن الكريم ليتحقق التغيير الخارجي : (إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ )(سورة الرعد الآية 11 )( سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلا)(سورة الفتح الآية 23)

وقبل أن نطالب الآخرين أن يتغيروا يجب أن نتغير نحن لكن وفق ما نطمح إليه من ضبط الداخل والخارج حسب مقاصد الشريعة السامية وحقائقها الخالدة . إن المهمة الملحة هي إعداد النفوس لعملية التغير والتغيير الداخليين لصيانة الذات وتحصينها ، وحينئذ نكون قد تجاوزنا دركات النفس الأمارة حتى تترسخ في النفوس تلك الدوافع النبيلة والنوازع الخيْرية فتنضبط حركةً نحو الخير وسكونا عن الشر ، وتنصهر حتى تصبح روحا واحدة وجسدا واحدا في اتجاه البناء الجديد كأن الجميع نفس واحدة ، وإنسان الظالم لنفسه إلى الارتقاء في الشروع في السير خلال النفس اللوامة التي تمثل المسلم المقتصد حتى نحقق الاستقرار على طريق المسيرة في مدارج النفس المطمئنة أو المسلم السابق بالخيرات بإذن الله . فكلما توافرت للأمة النسبة العالية للنوع الثالث استطاعت أن تأخذ مكانتها المحترمة بين أمم العالم ، ولعل هذا ما يعنيه القرآن الكريم والله أعلم بقوله تعالى : ( ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ)(سورة فاطر الآية 32) . فالنوع الثالث أكرمه الله بتربية عالية تجعل حسناته ترجح سيئاته ، وهو من النوع الذي يقضي حقوق الآخرين دون أن يقتضي حقوقه ممن هضمه إياها ، فهو إنسان تضحية ونكران الذات ، وهمه أن تكون أمته قائدة رائدة فلا يحاسبها على ساعة العمل ، فهو يعطي أكثر مما يأخذ . ولا ضير أن يكون بجانبه الإنسان المقتصد الذي يقوم بواجباته قدر ما يأخذ من حقوقه . ولكن النوع الظالم لنفسه هو المثبط والمتثبط فإن ارتفاع نسبته في الأمة يؤذن بالتأخر والتخلف وربما بالسقوط . يقول مالك بن نبي – رحمه الله – في كتبه وأحاديثه : ” إن الرقي والتقدم لا يتحقق إلا في مجتمع يتوافر فيه فائض الواجبات ” ويضرب مثلا بألمانيا واليابان بعد الحرب العالمية الثانية .

ولكي نحقق ذلك يجب إسناد الأمر إلى ذويه وأهله من رجال التربية والسلوك والقدوة الحسنة الذين تتوافر فيهم شروط ، العلم وأعني به علم الشرع وعلم الواقع أي المجال الذي يعمل فيه . والحكمة : وهي الخبرة العميقة التي تجعله قادرا على التعامل بأحسن الأساليب وأنجح الوسائل وأنسب الآليات وأجمل فنون الاتصال لنقل فكرته وتفهيمها بوضوح ودقة مع حسن التأثير والتجاوب وتحقيق أحسن النتائج ، بما يضاف إليها من الصفة الحسنة والجدل بالتي هي أحسن ، ولم توصف الحكمة بأحد الوصفين المذكورين لأنها الأحسن في ذاتها لا تحتاج إلى وصف زائد . ولعل البصيرة تجمع العلم والحكمة ثم الورع والصلاح ليكون الداعية قدوة مؤثرة بالسلوك والعمل .

إن الثروة البشرية العالمة والعاملة في ميدان الدعوة إلى الإسلام داخل البلاد وخارجها كبيرة وكثيرة ومتنوعة وغنية وفي المستويات اللائقة ، لكن عليها أن تتناسق وتتعاون فيما بينها قبل فوات الأوان ، وعليها أن تتعاون أيضا مع الدول الإسلامية وأنظمتها المختلفة ما أمكن لها ذلك وعلى الأقل أن تتجنب الصدام مع أولي الأمر ذلك أن الأمة كلها مهدَّدَة . فقد ظهر جليا أن كل توتر داخلي يشيع روح السخط والتبرم وسوء الظن خلال المجتمع ويجر إلى عواقب وخيمة قد تمتد إلى البنيات التحتية للإسلام والقواعد الراسخة في الأمة مما يجعلها طعمة سائغة للمؤامرات الخارجية بما يصيبها من وهن وتمزق . ولقد اعترف قادة من هنا ومن هناك بأن الأفعال من جانب وردودها من جانب آخر كانت الأمة هي الخاسرة في الأولى والأخيرة ، بل لدينا روايات شفوية مؤكدة أن من الأخطاء الفادحة التعاونَ على تقويض بعض الأنظمة لفسادها أو بدعوى ذلك لما ترتب على تقويضها من فساد أكبر هو الذي نتجرع مرارته كل لحظة بعد أن كانت الأنظمة الثورية تمني شعوبا بالفردوس وبتطهير البلاد من الصهيونية وعملائها فإذا بهذه الشعوب في قعر الجحيم وسواء السعير تبكي على الماضي الصالح الذي كانت الأمة تتمتع فيه بكثير من الحقوق ، وتعيش في مستوى معيشي وثقافي وسياسي واجتماعي وأخلاقي لم تصل في ظل الانقلابات وما بعدها حتى إلى ربعه .

[ص-21] إن وسطية الإسلام يجب أن نمثلها في سلوكنا وأفكارنا وتعاملنا فيما بيننا أولا ثم ننقلها إلى الخارج لا من خلال الأفكار فقط ولكن من خلال السلوك . ولو استطعنا أن نصل إلى قمم القيم الإسلامية وقمم الحقيقة الإسلامية واستطعنا أن ننزل إلى هضاب الحضارة الغربية المتعطشة فنرويها بالحقيقة الإسلامية وبالهدى الإسلامي لأضفنا إليها بعدا جديدا ، ” لأن الحضارة العلمانية ، حضارة الصاروخ ، حضارة الإلكترون اكتسبت هذه الأشياء وضيعت بعدا تشعر بفقدانه وهو بعد السماء ” .

-- أ د . عبد السلام الهراس

المرفقات

المرفقات المرفقات

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*