الخميس , 8 ديسمبر 2016
الرئيسية » المكتبة الرقمية » الإرهاب والعنف والتطرف في ميزان الشرع (2)

الإرهاب والعنف والتطرف في ميزان الشرع (2)

المقدمة

إِنَّ الْحَمْدَ للهِ ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ ، وَنَعُوْذُ بِاللهِ مِنْ شُرُوْرِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا ، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلاَ مُضِلَّ لَهُ . وَمَنْ يُضْلِلْ فَلاَ هَادِيَ لَهُ . وَأَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيْكَ لَهُ . وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُوْلُهُ . اللّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلى آلِه وَصَحْبِه وَمَنْ سَارَ عَلَى نَهْجِهِ وَاتَّبَعَ سُنَّتَهُ إِلَى يَوْمِ الدِّيْنِ . أَمَّا بَعْدُ .

فنظرا لانتشار المكر الشيطاني بأشكاله المختلفة في العالم ، ولاسيما في إلصاق كلمة ” الإرهاب” بالمسلمين ، بغية تحريف تعاليم الله بدينه الحنيف ، وإلحاق الضرر بالمتمسكين به ، وتخويف الناس بالإسلام ، وسد سير الدعوة الإسلامية الهادفة إلى نشر الخير والرحمة والسلام للعالمين . وتلبية لدعوة جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض للمشاركة في المؤتمر العالمي حول هذا الموضوع يسرني أن أساهم مع إخواني الأساتذة الفضلاء في تسليط الأضواء على هذا الموضوع ببعض الحقائق التي وردت في القرآن والسنة وأقوال العلماء والمثقفين بقدر ما لدي من إمكانية وظروف عسى الله أن يفتح بيننا وبين قومنا بالحق وهو خير الفاتحين . وما علينا إلا البلاغ المبين .

فأقول مستعينا بالله ما يأتي :

تعريف الإرهاب عند العرب معنى الإرهاب في اللغة :

إن كلمة “الإرهاب” مصدر للفعل المزيد الثلاثي : رَهِبَ – على وزن عَلِمَ – رهبة ورهبا ورهبانا : خاف وفزع . يقول : أرهب فلانا ، ورهَّبه ، واسترهبه : أخافه وفزَّعه . ومنه قوله تعالى : ( وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ)(سورة الأعراف الآية 116) وفي حديث بهز بن حكيم : إني أسمعك لراهبا . هذا معنى الإرهاب في اللغة العربية . وكذلك معنى الإرهاب في اللغات الأخرى فإنه لا يبعد عن معناه اللغوي في اللغة العربية . ففي اللغة الإنجليزية كلمة Terrorism تعني الإرهاب ، وهي مشتقة من كلمة Terror أي : التخويف . يقول أحد قواميس اللغة الإنجليزية : إن كلمة تيرور (TERROR) يعني : “استعمال العنف لتحقيق أغراض سياسية . ثم يعطينا على هذا الاستعمال مثلا بجملة تقول : “إن حركة المقاومة بدأت حملة من العنف (تيرور) ضد قوات الاحتلال) .

من خلال التعريف اللغوي المذكور تبين أن الإرهاب اللغوي لم يحدد الغرض منه ، ولا يعين طرفي الإرهاب ، ولا يمدح ولا يذم المرهب ، ولا يحدد الوسيلة لذلك الإرهاب والتخويف . والإرهاب قد يكون مشروعا ومحمودا ، وقد يكون مذموما ممقوتا . تبين ذلك خلال أحد الأمثلة بحركة المقاومة ، حيث يكون الإرهاب في تلك الحالة محمودا وذلك للقيام به ضد قوات الاحتلال الممقوتة . تعريف الإرهاب الاصطلاحي :

وقد عرف علماء المسلمين المعاصرين عند اجتماعهم في الدورة السادسة عشرة للمجمع الفقهي الإسلامي التي عقدتها رابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة في شهر يناير 2002م ونشر في رسالة الرابطة إلى الشعب الأمريكي قائلين : “الإرهاب هو العدوان الذي يمارسه أفراد أو جماعات أو دول ، بغيا على الإنسان دينه ، ودمه ، وعقله ، وماله بغير حق وما يتصل بصور الحرابة وإخافة السبيل وقطع الطريق ، وكل فعل من أفعال العنف أو التهديد ، يقع تنفيذا لمشروع إجرامي فردي أو جماعي ، ويهدف إلى إلقاء الرعب بين الناس أو ترويعهم بإيذائهم أو تعريض حياتهم أو حريتهم أو أموالهم للخطر . ومن صنوفه إلحاق الضرر بالبيئة أو بأحد المرافق والأملاك العامة أو الخاصة أو تعريض أحد الموارد الوطنية أو الطبيعية للخطر” .

معنى الإرهاب عند الغربيين

بينما عرف الغربيون الإرهاب بتعاريف مختلفة ؛ منها ما ورد في التقرير الصادر عن وزارة الخارجية الأمريكية في أكتوبر سنة 2001 م أن الإرهاب يعني : “العنف المتعمد ذا الدوافع السياسية ، والذي يرتكب ضد غير المقاتلين وعادة بغية التأثير في الجمهور ، حيث إن غير المقاتلين هم المدنيون ، إلى جانب العسكريين غير المسلحين ، أو الذين هم في غير مهماتهم وقت تعرضهم للحادثة الإرهابية أو في الأوقات التي لا توجد فيها حالة حرب أو عداء . . . ” ، وتعرف وكالة التحقيقات العدلية الأمريكية (FBI) للإرهاب بأنه : استعمال – أو التهديد باستعمال – غير مشروع للعنف ضد أشخاص أو ممتلكات لتخويف أو إجبار حكومة أو المدنيين كلهم أو بعضهم لتحقيق أهداف سياسية أو اجتماعية . وفي قاموس أكسفورد نجد كلمة إرهاب (Terrorism) تعني سياسة ، أو أسلوبًا يعد لإرهاب وإفزاع المناوئين أو المعارضين لحكومة ما . فالإرهابي(Terrorist) هو الشخص الذين يحاول أن يدعم آراءه بالإكراه أو التهديد أو الترويع .

أما الإرهاب عند الأمم المتحدة فيعني : “أعمال العنف الخطيرة التي تصدر من فرد أو جماعة بقصد تهديد الأشخاص أو التسبب في إصابتهم أو موتهم ، وسواء كان يعمل بمفرده أو بالاشتراك مع أفراد آخرين ويوجه ضد الأشخاص أو المنظمات أو المواقع السكنية أو الحكومية أو الدبلوماسية أو وسائل النقل والمواصلات وضد أفراد الجمهور العام دون تمييز أو الممتلكات أو تدمير وسائل النقل والمواصلات بهدف إفساد علاقات الود والصداقة بين الدول أو بين مواطني الدول المختلفة أو ابتزاز أو تنازلات معينة من الدول في أي صورة كانت . لذلك فإن التآمر على ارتكاب أو محاولة ارتكاب أو الاشتراك في الارتكاب أو التحريض على ارتكاب الجرائم يشكل جريمة من جرائم الإرهاب الدولي” .

وباستعراض هذا التعريف الأمريكي وغيره من الغربيين يتبين أن القاسم المشترك فيها هو استخدام العنف والقوة والغدر حيث إن الجميع يتفق على أن الإرهاب هو الاستعمال المطلق للعنف والقوة تجاه المدنيين أو الأهداف المدنية ، أو العسكريين ، أو الأهداف العسكرية في غير حال الحرب المعلنة بين طرفين بهدف بث الرعب بدون إنذار سابق .

وهذا الإرهاب لا خلاف بين العلماء من جميع الأديان أنه منهي عنه وممنوع ، سواء ارتكبه فرد أو جماعة أو دولة ، وسواء ارتكبه مسلم أو غيره . وأخطرها على الأمن والسلام في العالم هو إرهاب الدولة ، كما هو واضح في هذا العصر . والله المستعان .

معنى العنف العنف : هو الخُرْقُ بالأمر وقلة الرفق به ، وهو ضد الرفق . عَنُفَ به وعليه ويعنُفُ عُنفًا وعَنَافَةً ، وأَعْنَفَه وعَنَّفَهُ تعنيفا وهو إذا لم يكن رفيقا في أمره ، واعتنف الأمر : أخذه بعنف . قال صلى الله عليه وسلم : إن الله – تعالى – رفيق يحب الرفق ويعطي على الرفق ما لا يعطى على العنف .

هو ، بالضم ، الشدة والمشقة وكل ما في الرفق من الخير ، ففي العنف من الشر مثله .

فالعنف مكروه ومذموم عند الله ورسوله ، والرفق مطلوب خاصة في عالم الدعوة والمواجهة حتى مع ألد أعداء الإسلام ، فإن موسى وهارون مأموران بدعوة فرعون العنيد بالرفق ، قال تعالى : ( اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى )(سورة طه الآية 43-44)

معنى التطرف التطرف : هو مجاوزة حد الاعتدال وأفرط ولم يتوسط ، وهو الغلو . والإسلام يدين جميع أشكال التطرف والمغالاة وحركاتها المتعددة سواء كانت تحمل اسم الإسلام أو غيره . لأن التطرف ليس من شأن الإسلام في شيء ومرفوض في الإسلام كليا في جميع الجوانب . فالإسلام دين وسط ، كما يقول تعالى : ( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا)(سورة البقرة الآية 143) وينهى عن الغلو ، كما قال تعالى : (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ)(سورة النساء الآية 171 ) وقوله تعالى :( قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ)( سورة المائدة الآية 77)

فإذا كان التطرف هو تجاوز الحد وأفرط عن الاعتدال فإن حقيقة الإرهاب المذموم في الإسلام يكون أكثر من ذلك حيث تجاوز مرحلة التطرف إلى مرحلة أخرى تنطوي على فرض الرأي أو المعتقدات بالقوة ، أو بمعنى آخر فإنه إذا كان التطرف عادة يقوم على العنف الفكري فإن الإرهاب يعتمد على العنف الفكري والمادي معا . فالتطرف ، سواء كان إفراطا أو تفريطا ، مذموم في الإسلام لأن الإسلام هو الصراط المستقيم الذي وقع وسطا بين الإفراط والتفريط . والله أعلم .

الأول : الإرهاب المحمود

الإرهاب المحمود هو الشرعي لدى الإسلام . وبهذا المعنى المحمود المشروع استعملت الكلمة في القرآن ، كما في قوله تعالى : ( وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ)(سورة الأنفال الآية 60) فالمراد بهذه القوة السلاح ، كما قال عقبة بن عامر : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ، وهو على المنبر ، : وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ، ألا إن القوة الرمي ، ألا إن القوة الرمي . تفسير العلماء :

وقد قام العلماء المفسرون ، من القدامى والمحدثين ، بتفسير هذه الآية بما يأتي :

1 – الطبري : يقول أبو جعفر الطبري (ت 310 ه) : ” وأعدوا لهؤلاء الذين كفروا الذين بينكم وبينهم عهد إذا خفتم خيانتهم وغدرهم أيها المؤمنون بالله ورسوله ما استطعتم من قوة تخيفون بذلك عدو الله وعدوكم من المشركين” .

2 – الجصاص : يقول الجصاص (ت 370 ه) : ” أمر الله المؤمنين في هذه الآية بإعداد السلاح والكراع قبل وقت القتال إرهابا للعدو ” .

3 – الفخر الرازي : يقول الفخر الرازي (ت 606 ه) : ” اعلم أنه تعالى لما أوجب على رسوله أن يشرد من صدر منه نقض العهد وأن ينبذ العهد إلى من خاف منه النقض أمره في هذه الآية بالإعداد لهؤلاء الكفار . . . ثم قال : فقال تعالى : ( تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ)(سورة الأنفال الآية 60) وذلك لأن الكفار إذا علموا كون المسلمين متأهبين للجهاد ومستعدين له ومستكملين لجميع الأسلحة والآلات خافوهم . وذلك الخوف يفيد أمورا ؛ منها : أنهم لا يقصدون دخول دار الإسلام عدوانا ، ولا يعينون سائر الكفار للتعدي على دار الإسلام ، وربما صار ذلك داعيا لهم إلى الإيمان ” .

4 – يقول محمد رشيد رضا : ” أن يكون القصد الأول من إعداد هذه القوى والمرابطة إرهاب الأعداء وإخافتهم من عاقبة التعدي على بلاد الأمة أو مصالحها ، أو على أفراد منها ، أو متاع لها حتى في غير بلادها لأجل أن تكون آمنة في عقر دارها ، مطمئنة على أهلها ومصالحها وأموالها . وهذا ما يسمى في عرف هذا العصر بالسلم المسلح وتدعيه الدول العسكرية فيه زورا وخداعا ” .

5 – سيد قطب : يقول سيد قطب (ت 1386 ه) : “إنه لا بد للإسلام من قوة ينطلق بها في الأرض لتحرير الإنسان . . . وأول ما تصنعه هذه القوة في حقل الدعوة أن تؤمن الذين يختارون هذه العقيدة على حريتهم في اختيارها فلا يُصَدوا عنها بعد اعتناقها . والأمر الثاني : أن ترهب أعداء هذا الدين ، فلا يفكروا في الاعتداء على دار الإسلام التي تحميها تلك القوة . والأمر الثالث : أن يبلغ الرعب بهؤلاء الأعداء أن لا يفكروا في الوقوف في وجه المد الإسلامي ، وهو ينطلق لتحرير الإنسان كله في الأرض كلها . والأمر الرابع : أن تحطم هذه القوة كل قوة في الأرض تتخذ لنفسها صفة الألوهية ، فتحكم الناس بشرائعها ولا تعترف بأن الألوهية لله وحده ” . من خلال ما درسنا من أقوال المفسرين تبين لنا ما يأتي :

أولا : أن تكليف إعداد القوة بقدر الاستطاعة واجب على الحكومة الإسلامية خاصة ، وعلى الأمة الإسلامية عامة . وذلك لنزول هذه الآية في عهد المدينة المنورة ، والأمة كلها واحدة تحت قيادة رسول الله صلى الله عليه وسلم . فهي مكلفة للمشاركة في هذا الإعداد ؛ كما يقول أبو السعود الحنفي بأن توجيه الخطاب يعني : ” وأعدوا ” إلى جميع المؤمنين ، لأن المأمور به من وظائف الجميع . والله أعلم .

ثانيا : أن القوة المطلوب إعدادها هي قوة الرمي ، وهو كل ما يوجد في كل عصر ومكان من سلاح يرمى به الأعداء في حالة الحرب . فإذا استطاع أن يعد أفضل وأحدث ما يكون في ذلك العصر فبها ونعمت وإلا فاتقوا الله ما استطعتم .

ثالثا : أن الدلالة اللفظية في الآية تشير إلى أن الغرض الأساس من إعداد القوة هو الإرهاب والتخويف ، وليس القتل والقتال . يقول تعالى : سورة الأنفال الآية 60 تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ ولا يقول : ” تقاتلون به أو تقتلون به عدو الله وعدوكم ” . وبذلك تبين أن اختيار الله هذه الكلمة ( الإرهاب ) هو نوع من رحمته تعالى لخلقه ، تجنبا عن القتل أو القتال الذي هو سفك الدماء وهو الغرض الغالب من أي قوة . وحتى مع الأعداء لا يريد أن يعاملهم الإسلام بالقتل والقتال ، فما بالك مع عامة الناس ولو كانوا غير مسلمين . فإذا اكتفى هؤلاء الأعداء المجرمون أو الكفار بمجرد هذا الإرهاب والتخويف الذي يمنعهم من التعدي والظلم والصد عن سبيل الله فقد تحقق الغرض الأساس من إعداد القوة في الإسلام . فالإرهاب المشروع في الإسلام هو أحد الوسائل لتجنب القتل والقتال . إذ الإسلام دين الدعوة إلى العقل والسلم ، ولا يلجأ إلى القتل والقتال وسفك الدماء إلا إذا لم يكن لديه خيار آخر . فمعنى الإرهاب الوارد في هذه الآية هو دفع الاعتداء والوقاية منه ، وليس الإفساد والتخريب والاعتداء على الآخرين .

رابعا : المرهبون به هم أعداء الله : سورة الأنفال الآية 60 عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ لأن طبيعة دعوة الإسلام التي جاء بها الرسل أنها تواجه المجرمين المعتدين من أعداء الله طول الطريق ، ولاسيما الرسول الخاتم محمد صلى الله عليه وسلم . وقد صرح بذلك قوله تعالى : (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ)(سورة الأنعام الآية 112 ) وقوله تعالى : ( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا)(سورة الفرقان الآية 31) أي : كما جعلنا لك ، يا محمد ، أعداء يخالفونك ويعادونك ويعاندونك ؛ جعلنا لكل نبي من قبلك أيضا أعداء . كما قال ورقة بن نوفل لرسول الله صلى الله عليه وسلم : ” إنه لم يأت أحد بمثل ما جئت به إلا عودي ” . ولا يعادي الرسل إلا شياطين الجن والإنس . وكذلك ورثة الأنبياء من العلماء الصادقين العاملين لإعلاء كلمة الله ، ولإقامة دين الله على وجه الأرض . فهم دائما معادون من قبل المجرمين من شياطين الجن والإنس الذين يستكبرون في الأرض ويدعون الألوهية لأنفسهم فيفرضون شريعتهم على أهل الأرض ويفسدون فيها بدعوى الإصلاح . ويعلم الله أن شياطين الجن والإنس لا يخافون إلا الإرهاب الموجه إليهم . والإرهاب المذكور لا يتم إلا بإعداد القوة على قدر الاستطاعة . لذا نرى أن فقدان الإرهاب الشرعي على الوجه المطلوب هو فتح الطريق للشياطين في بسط نفوذهم الإجرامية على المؤمنين وغيرهم وصدهم عن سبيل الدعوة إلى الله . وهو فتنة في الأرض وفساد كبير . ولا حول ولا قوة إلا بالله .

خامسا : إن الإرهاب الشرعي على ضوء هذه الآية الكريمة هو أحد الأساسيات الفطرية للتعامل مع العالم . فأمم العالم جميعا تعد ما تستطيع من قوة كي تدخل الرهبة في قلوب أعدائها . وهي تستعرض قوتها في المناورات كي يعرف خصومها درجة مناعتها فيحترمونها ولا يعادونها . وهذا أمر مشروع وحق معمول لدى الأمم ومسموح لدى القوانين كلها منذ قديم الزمان وحتى الآن . فلا ينكر عليه إلا مجرم . ويعد ذلك من حق كل دولة ، وكل سلطان ، وكل قوم . فمن حق المسلمين أن يفعلوا ذلك كغيرهم في إعداد القوة المانعة للعدوان الذي قد يقع عليهم . ومع ذلك فإن الشريعة الإسلامية قامت بتحديد مواضع استخدام هذه القوة المعدة للدفاع عن النفس وعن حرمة الدعوة وسلامة الحقوق والأعراض وتحرير الإنسان والأوطان من الضبط والكبت والظلم والطغيان . لذا كان الإرهاب مع أعداء الله وأعداء الفطرة ، ويكون الغرض منه الدفاع عن النفس أو تخويفهم من الاعتداء على الإسلام والوقوف أمام سير الدعوة الإسلامية التي تنشر الرحمة للعالم ؛ فهو مشروع ، وليس ذلك بالإرهاب المحظور . والله أعلم .

فالمقصود من إعداد القوة المادية هو إعداد عامل مهم في حفظ التوازن وعدم الاعتداء بين الطرفين ، فمتى ما علم العدو بوجود قوة تستطيع مقابلته وردعه بها فإنه سيرتدع عن الاعتداء . وبهذا تقي نفسك ونفسه مما يكون سببا في هلاكهما ، وبذلك تبين أن المقصود بقوله تعالى : ( تُرْهِبُونَ بِهِ) هو المعنى الإيجابي ليسد باب الاعتداء والقتل والخراب والفساد الذي يلحق بالمجتمع ضررا كبيرا فهو إذن إرهاب خير للوقاية عن الشر ودفع الاعتداء لا إرهاب شر لاعتداء وقتل وخيانة وتخريب وخروج عن الخير . والله أعلم . وبذلك يترهب الأشرار من اليهود والمنافقين ، كما يقول تعالى : ( لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ)(سورة الحشر الآية 13)

فالإرهاب المحمود والمشروع هو إرهاب خير يقوم للوقاية عن الشر والدفاع عن العدوان والردع عن الظلم ، والإقلاع عن الذنب والاعتداء والتجنب عن القتل والقتال وسفك الدماء ، ولحماية سير الدعوة الإسلامية إلى خير الإسلام ونشر الرحمة بين العالمين . ولا يكون في هذا النوع من الإرهاب أي شر من ظلم ، أو فساد ، أو تطرف أو اعتداء أو إكراه أو عدوان أو سفك دماء . . . إلخ .

الثاني :الإرهاب العدواني الممنوعومن أمثلة الإرهاب العدواني في الإسلام :

1 – تخويف أحد ابني آدم لأخيه ، كما في قوله تعالى : ( وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ )(سورة المائدة الآية 27)

2 – المحاربون الذين يفككون أمن الناس بالنهب والسلب والإفساد في الأرض ، كما في قوله تعالى : ( إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ )(سورة المائدة الآية 33)

3 – محاولة الاعتداء على النفس ، كما في قوله صلى الله عليه وسلم : إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار .

وخير تعريف للإرهاب العدواني الممنوع هو تعريف المجمع الفقهي التابع لرابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة ، وهو : ” العدوان الذي يمارسه أفراد أو جماعات أو دول ، بغيا على الإنسان – دينه ، ودمه ، وعقله ، وماله – بغير حق وما يتصل بصور الحرابة وإخافة السبيل وقطع الطريق ، وكل فعل من أفعال العنف أو التهديد ، يقع تنفيذا لمشروع إجرامي فردي أو جماعي ، ويهدف إلى إلقاء الرعب بين الناس أو ترويعهم بإيذائهم أو تعريض حياتهم أو حريتهم أو أموالهم للخطر . ومن صنوفه إلحاق الضرر بالبيئة أو بأحد الموافق والأملاك العامة أو الخاصة أو تعريض أحد الموارد الوطنية أو الطبيعية للخطر” . فكل هذا من صور الفساد في الأرض التي نهى الله سبحانه وتعالى المسلمين عنها في قوله : ( وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ)(سورة القصص الآية 77) والإرهاب هو بغي بغير حق . قال تعالى : ( قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ)(سورة الأعراف الآية 33) وقال تعالى حكاية عن المنافقين ورؤسائهم اليهود : ( وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ)(سورة البقرة الآية 205)

أهم صفات الإرهاب المذموم

لا شك أن كلا من العنف والتطرف والظلم مذموم في الإسلام . فهذا الثالوث المذموم هو أهم صفات الإرهاب المذموم . فالإرهاب لا يكون مذموما إلا إذا دخل فيه العنف والتطرف والظلم . فالعنف عبارة عن استخدام القوة المادية في غير موضعها ، حيث يمكن فيه أن تستخدم الحجة أو الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة أو المجادلة بالتي هي أحسن ، وبغير ضابط من خلق أو شرع أو قانون ؛ هل يجوز قتلهم أو الاعتداء عليهم أو لا .

فمن الإرهاب المذموم استخدام العنف مع الأبرياء ، أو فيمن ليس بينك وبينه قضية ، وإنما هو وسيلة لإرهاب الآخرين ، وإجبارهم على أن يخضعوا لمطالبك أو لسياستك ، وإن كانت عادلة أو صحيحة في رأيك . ويدخل في ذلك خطف الطائرات ، فليس بين الخاطف وركاب الطائرة – عادة – قضية ولا خلاف بينه وبينهم . وإنما يتخذهم وسيلة للضغط على جهة معينة مثل حكومة الطائرة المخطوفة أو شركتها لتحقيق مطالب له . كإطلاق المسجونين أو نحو ذلك وإلا قتلوا من قتلوا من ركاب الطائرة أو فجروها بمن فيها . وهذا ظلم ، وهو أحد أركان الإرهاب المذموم .

كما يدخل في ذلك احتجاز الرهائن وجميع الانفجارات في كل مكان ، منها ما حدث في الرياض السعودية وفي بالي الأندنوسية ، وقبلهما حادثة اختطاف الطائرات التي تقل المدنيين البرآء والهجوم بها على برجي مركز التجارة العالمي في نيويوك في الحادي عشر من سبتمبر 2001 م ، وفيه أناس لا علاقة لهم باتخاذ القرار السياسي . بل كلهم مواطنون يؤدون عملهم اليومي الذي يعيشون منه ومئات منهم مسلمون!!! .

وهذا إرهاب مذموم لما فيه من اعتداء على أناس أبرياء وإن كانوا غير مسلمين . يقول تعالى : (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى)(سورة الأنعام الآية 164 ) ولما فيه من ترويع البرآء الآمنين وترويعهم في نظر الإسلام ظلم عظيم .

وكذلك التطرف وتجاوز الحد والانحراف عن الحق هو من أهم أركان الإرهاب المذموم ، سواء في الغاية أو في الوسيلة . فالإسلام يلتزم الحق ويلزم بشرف الغاية وطهر الوسيلة معا ، ولا يجيز بحال الوصول إلى الغايات مهما شرفت بطرق غير نظيفة . لأن : الله طيب لا يقبل إلا طيبا . والإسلام يرفض تماما الفلسفة التي تقول : ” الغاية تبرر الوسيلة” .

حكم الإسلام في الإرهاب وإذا كان الإسلام يعد الحرابة والبغي بغير حق من أكبر الجرائم التي يتصور بها الإرهاب في بعض صوره التطبيقية ، فإن جرائم الإرهاب أبعد في أهدافها ومراميها من جرائم الحرابة التي نجد من خلال وصفها في كتب الفقهاء أنها لا تتعدى أن تكون قطعا للطريق وَصَوْلًا على الأموال والأنفس والأعراض . ومع ذلك فقد أغلظ الله العقوبة على من يحترف هذه الجريمة ويسلك سبيلها . إذن فلا أقل من أن يعاقب الإرهابي في قياس النظر الشرعي بعقوبة المحاربين ، لأن الإرهاب بمفهومه أوسع نطاقا وأخطر جرما في تفكك الأمن وسلام المجتمع . وفعله مهما كان لن يخرج عن كونه فسادا في الأرض ، فيكون مشمولا في معنى قوله تعالى : ( إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ)(سورة المائدة الآية 33) والله أعلم .

المفهوم الإسلامي في العلاقات بين الأمم

إن الأصل في العلاقة البشرية عند الإسلام ، فرديا كان أو جماعيا أو دوليا ، علاقة التعارف والتعاون والدعوة والخير ، لا علاقة التصادم والاعتداء والإرهاب والشر . فالإسلام يدعو البشرية إلى التعارف والتعاون على البر والتقوى ويرفض التجاهل والتعاون على الإثم والعدوان . فقد حدد القرآن أساس العلاقة بين البشرية في قوله تعالى :( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ)( سورة الحجرات الآية 13) والتعارف الذي هو محور العلاقات بين البشر على اختلاف شعوبهم وقبائلهم ، له مدلول أبعد من مجرد معرفة شخص اسم آخر ، بل التعارف الذي يؤدي إلى أعلى تبادل المنافع وإيجاد التعاون فيما بينهم . ومن أجل هذا التعارف يتطلب طبيعة العلاقة السلمية الإيجابية . وبذلك كان السلم هو الحالة الأصلية التي تهيئ للتعارف والتعاون وإشاعة الخير بين الناس على مختلف الشعوب والقبائل . فالتعارف الهادف بين الشعوب من أكبر أسباب السلام في المجتمع الإنساني . وقال تعالى : . ( وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ)(سورة المائدة الآية 2) فنظرة التعارف تؤدي إلى التعاون بين الأطراف المتعارفة والإسلام يقيد التعاون المطلوب على أساس البر والتقوى . وهما جماع الخير والسلام للإنسانية في الدارين . أما التعاون على الإثم والعدوان الذي كثيرا ما وقع بين أهل الدنيا فهو ممنوع في الإسلام ؛ إذ هما من جماع الشرور والأضرار التي تفضي إلى الحروب والنزاعات وتؤجج نيران الصراع المدمر لمشروع السلام ولسعادة البشرية .

ومما تقدم تبين بوضوح أن الأصل في العلاقات الخارجية للأمة الإسلامية هو السلم ، وأن الحرب والاعتداء أمر طارئ يحدث بسبب طارئ من اعتداء الكفار على المسلمين ودينهم . فالسلم مقرر لكل الناس ليس نتيجة الإيمان أو الأمان ، وإنما من حيث الأصل وعدم الاعتداء ، أما الحرب فإنما شرعت من أجل حماية الدعوة الإسلامية ودفع الضرر عن معتنقيه ، وضمان سير الدعوة الإسلامية التي تحمل راية الرحمة والسلام . كما أثبتت تاريخيا الحروب التي خاضها رسول الله صلى الله عليه وسلم مع الكفار عن طريق الغزوات والسرايا ، فإنها لا تخرج عن الأسباب المشروعة لها . وأغلب هذه الحروب تكون في موقف الدفاع برد العدوان الواقع فعلا . والله أعلم .

يقول الشيخ محمد رشيد رضا : “تفضيل السلم على الحرب إذا جنح العدو لها ، إيثارا لها على الحرب التي لا تقصد لذاتها ، بل هي ضرورة من ضرورات الاجتماع ، فتقدر بقدرها ، وذلك قوله تعالى عقب الأمر بإعداد كل ما تستطيع الأمة من قوة ومرابطة لإرهاب عدوه وعدوها : ( وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ)(سورة الأنفال الآية 61) ولما كان جنوح العدو للسلم قد يكون خديعة لنا لنكف عن القتال ريثما يستعدون هم له أو لغيره ، وكان من المصلحة في هذه الحال أن لا نقبل الصلح منهم ما لم نستفد كل ما يمكننا منه تفوقنا عليهم ، لم يعد الشارع احتمال ذلك مانعا من ترجيح السلم ، بل قال عز وجل : ( وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ)(سورة الأنفال الآية 62) وهو برهان على أن الإسلام دين السلام ، لكن عن قدرة وعزة ، لا عن ضعف وذلة .

فالإسلام دين يرفض العنف ويمنع العدوان وينشر السلام ، ويوطد معاني العدالة والتسامح وسمو الحوار الهادف والتواصل الإيجابي بين الناس . فهو يضع أفضل الأسس للعلاقات بين الدول وهو العدل ولا يجعل الأساس لهذه العلاقات المصلحة القومية والقوة المادية كما هو السائد في الجاهلية ثم في الحضارة المعاصرة . وقد جرب العالم دوما أن إقامة العلاقات بين الدول على أساس المصلحة القومية والقوة المادية كان سبب الحروب الطاحنة ، كما وقع في الحروب العالمية المشهودة بشراستها في القرن الماضي ومطالع هذا القرن ، والإسلام بريء منها ، ولا عجب ؛ فهذا المبدأ لا يختلف عن مبدأ أي قطاع طريق أو عصابة إجرام . بل أي تجمع من تجمعات الحيوانات المفترسة في الغابة .

وأكبر دليل على أن الإسلام دين السلام أنه لا يشجع الحرب والعنف ، بل يأتي لوقف الحروب الجاهلية الكثيرة وحماية الحقوق الإنسانية خاصة بين الأوس والخزرج فجاء الإسلام وأصلح بينهما صلحا يوصلها إلى شاطئ العزة والوئام تبين ذلك في قوله تعالى : ( وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ)(سورة آل عمران الآية 103)

يقول ابن كثير في تفسيره لهذه الآية : “وهذا السياق في شأن الأوس والخزرج ، فإنه كانت بينهم حروب كثيرة في الجاهلية وعداوة شديدة وضغائن ، طال بسببها قتالهم والوقائع بينهم ، فلمّا جاء الله بالإسلام فدخل فيه من دخل منهم صاروا إخوانا متحابين بجلال الله متواصلين في ذات الله ، متعاونين على البر والتقوى” ، ويقول صلى الله عليه وسلم : يا أيها الناس ، لا تتمنوا لقاء العدو ، وسلوا الله العافية ، وإذا لقيتموه فاصبروا . . . ” .

بل قد حرم الإسلام قتل الكافر المعاهد أو الذمي الذي يعيش تحت نفوذ الحكومة الإسلامية ، ومن ارتكبه فقد ارتكب جرما عظيما حتى حرم الله عليه الجنة ، حفاظا على أمن المجتمع . يقول صلى الله عليه وسلم : من قتل معاهدا – وفي اللفظ : من قتل قتيلا من أهل الذمة- لم يرح رائحة الجنة . . . ” . وقال صلى الله عليه وسلم : من قتل معاهدا في غير كنهه حرم الله عليه الجنة .

ومن هذا المنطلق حدد الإسلام علاقات الأمة الإسلامية بالآخرين ، كما في قوله تعالى : ( لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ)(سورة الممتحنة الآية 8)

فالإسلام دين الرحمة وشريعة السلام ، وهو دين يدعو إلى التعايش السلمي ، وإلى صون الحق الإنساني ، وحسن العلاقات مع الآخرين من جميع الأديان دون ربط لهذا الحق بدين أو اعتقاد أو عرق أو لون . . . فهم في الوقت نفسه مدعوون إلى الإسلام والسلام . ولا يأتي الإسلام بالحرب إلا للضرورة القصوى وقمع الاعتداء ورد الظلم والانتصار للمظلومين ولضمان انتشار دعوة دين الرحمة والسلام . وإنه يمنع الظلم والعدوان والعنف والطغيان على الخلق جميعا . قال تعالى : ( وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ)(سورة البقرة الآية 190) إنه دين الرحمة والعدالة ورسالة الشمول والتوازن التي لا يمكن العالم أن يشفى من أدوائه إلا بها .

على أية حال فإن الإسلام لا يدعو إلى الحرب ، ولا يسمح بقيامها إلا إذا كانت في سبيل الله بأحكامها وشروطها وآدابها السامية ، ولا يتخذ القرار بهذا الشأن إلا إمام المسلمين العام ، لا أي فرد ولا أيّة طائفة . بل لا يجوز أن تؤجج نار الحرب إلاّ عقب مقدّمات من الدعوة الصحيحة إلى الإسلام . وذلك لتحقيق أحد هذه الأغراض السامية وهي :

1 – رد الظلم والعدوان والدفاع عن النفس والأهل والمال والدين والوطن .

2 – تأمين حرية الاعتقاد والتدين للمؤمنين الذين يحاول المعتدون من الكفار أن يفتنوهم عن دينهم ، ويسدوا أمامهم طريق الحرية في التفكير والاعتناق .

3 – حماية الدعوة الإسلامية التي تحمل الرحمة والأمن والسلام حتى تبلغ إلى الخلق جميعا .

4 – تأديب ناكثي العهد من المعاهدين أو الفئة الباغية على جماعة المؤمنين التي تتمرد على أمر الله وتأبى حكم العدل والإصلاح .

5 – إغاثة المظلومين من المؤمنين أينما كانوا والانتصار لهم من الظالمين والمعتدين .

-- د . إسماعيل لطفي بن عبد الرحمن جافاكيا

المرفقات

المرفقات المرفقات

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*