الإثنين , 5 ديسمبر 2016
الرئيسية » المكتبة الرقمية » الإرهاب والعنف والتطرف في ضوء القرآن والسنة

الإرهاب والعنف والتطرف في ضوء القرآن والسنة

الإرهاب والعنف والتطرف

في ضوء القرآن والسنة إعداد أ د . عبد الله بن الكيلاني الأوصيف قسم الثقافة الإسلامية – كلية الشريعة جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية

بسم الله الرحمن الرحيم

العلاقة بين المصطلحات الإرهاب التطرف العنف بسم الله ، والحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله محمد بن عبد الله ، وآله وصحبه ومن والاه .

يثير كل من المفردات الثلاث معنى ما في الذهن عند سماعها ، فلو رسمنا دائرة افتراضية ، ترمز إلى كل معنى منها على حدة ، ثم قارنا بينها ، لتبين لنا أن ثمة مساحة كبيرة من تلك الدوائر مشتركة بينها جميعًا ، ثم تختص كل منها بأجزاء خاصة بها .

هذا المجال المشترك من المساحة بينها ، هو القدر الذي يُبْرِزُ العلاقة بين تلك المصطلحات في واقع الفكر ، والسلوك الفردي والجماعي والدولي ، في مظاهر الحياة المعاصرة ، وهو في كل الحالات يقع خارج نطاق الوسط ، والوسطية ، في سلم السلوك السوي : أي الذي يقره ويرضى عليه المجتمع ، ويدافع عنه ويجازي عليه حسب الجزاء المناسب ، ووفق المعايير والنظم السائدة ، ويعمل على تثبيته بطرق التربية والتنشئة الدينية والمدنية .

وأما الأجزاء المستقلة المتبقية من الدوائر المشار إليها ، فهي ترمز إلى فروق المعنى بالنسبة لكل مصطلح على حدة ، ومن الصعوبة بمكان التمييز والفصل بين حدود معانيها ، ويتعذر على الناظر تحديد نقاط التلاقي والافتراق بينها ، وهذا من أهم أسباب صعوبة تعريف كل منها على حدة ، في ظل الأنظمة المختلفة ، بين الدول ، والثقافات واللغات .

ولذا فإني سأتناول أولًا مفهوم الإرهاب ، لكونه الأكثر جريانًا على الألسُن ورواجًا ، ثم أُتْبِعُ بالحديث عن التطرف والعنف ، ودفع شبه إلصاقها بالإسلام والمسلمين ، من حيث هم حقًا كذلك ، أي يلتزمون بالإسلام .

موقف الإسلام من الإرهاب تقدمت الإشارة إلى أن مصطلح الإرهاب لم يعد بينًا بسيطًا في دلالته مثلما كان من قبل ، بل أصبح معناه مركبًا معقدًا ، حتى كاد كل ناظر أو متكلم بالإرهاب يرى فيه ، ويجد ما لا يراه ولا يجده الآخر ، من حيث مدى مصداقية دلالة الكلمة على معناها ، على وجه الحقيقة ، وفي نفس الأمر والواقع ، لا من حيث هي مجرد لفظ فارغ ، واسم بدون مسمى ، تتنازعه الألسن والأقلام .

ولإثارة الجوانب الأساسية لهذه القضية ، يمكن طرح الأسئلة الآتية :

هل لمصطلح الإرهاب اليوم معنى واحد في أذهان المتكلمين والمخاطبين؟

وهل مفهومه لا يختلف باختلاف الثقافات واللغات ومصادر التشريع؟

وهل يجب تعديل مفهومه وإعادة ضبطه كلما حصل له نَقْلٌ من لغة وبيئة إلى أخرى ، كما تعدل قيمة العملات المختلفة ويعاد تقديرها . . ؟

لعل فيما تقدم من تنبيهات على كون مصطلح الإرهاب ، ومصطلحات أخرى مشابهة له ، أصبحت حمَّالة أوجه ، بسبب ما لحقها من المستجدات في مضامينها ، وأصبح تداولها بين المتكلمين والمخاطبين يعتريه الظلال ، ولمزيد بيان ما طرح من الأسئلة السابقة ينبغي تتبع أمثلةٍ ونماذج من مصادر اللغة العربية ، ثم من القرآن الكريم ، والسنة المشرفة ، لتحديد معنى الإرهاب في الوضع اللغوي ، وفي المفهوم الشرعي ، لكي تتأتى بعد ذلك متابعة معنى الإرهاب المتداول في المحافل والأوساط الثقافية والفكرية والإعلامية والسياسية .

الإرهاب في مصادر اللغة جاء في لسان العرب ، ما يأتي : (رَهِبَ بمعنى خاف والاسم الرَّهَبُ ، كقوله تعالى : ” مِنْ الرَّهْبِ ” أي بمعنى الرهبة ، ومنه : (لا رهبانية في الإسلام) . . . كاعتناق السلاسل ، والاختصاء ، وما أشبه ذلك مما كانت الرهابنة تتكلفه ، وقد وضعها الله عز وجل عن أمة محمد صلى الله عليه وسلم ، وأصلها من الرَّهْبَنَةِ : الخوف ، وترك ملاذ الحياة كالنساء . . ) .

وفي المعجم لابن فارس : (رهب الراء والهاء والباء أصلان : أحدهما يدل على خوف ، والآخر يدل على دقة وخفة ، فالأول الرهبة ، تقول : رهبت الشيء رُهبًا ، ورَهْبَةً ، ومن الباب الإرهاب ، وهو قَدْعُ الإبل من الحوض ، وذيَادُهَا ، والأصل الآخر الرَّهَبُ ، الناقة المهزولة) .

وفي المعجم الوسيط ، الإرهابيون : (وصف يطلق على الذين يسلكون سبيل العنف والإرهاب لتحقيق أهدافهم السياسية) .

وفي المنجد كلمة الإرهابي تدل على كل (من يلجأ إلى الإرهاب لإقامة سلطة) .

والملحوظ أن تعريف الإرهابي والإرهابيين في المرجعين الأخيرين : المعجم الوسيط والمنجد ، قد أصبح معنى الإرهاب فيهما يدل على كل من يسلك سبيل العنف لتحقيق غرض سياسي ، فردًا كان أو جماعة أو دولة ، وهذا معنى خاص ، من إحداث الخوف ، الوارد بصيغة العموم ، في المصدرين السابقين : لسان العرب ومعجم مقاييس اللغة ، وهو أي المعنى الأخير الخاص ، قريب من قول ابن فارس : (قدْعُ الإبل من الحوض) لما في كلٍّ من العنف ، فَصَرْفُ الإبل عن حوض الماء يتم عادة بزجرها وتعنيفها .

وأما الأصل الثاني الذي ذهب إليه ابن فارس عند قوله : (الناقة المهزولة) الذي يدل على الضعف ؛ فلأن العنف المسلط على من وقع تعنيفهم يحصل لهم ذلك بالخوف ، والعلاقة الجامعة : الإخَافة في الطرفين ، الفاعل والمفعول به ، هذا على مستوى اللغة بصفة عامة ، لكونها تمثل العقل الجمعي ، والإطار العام للفكر الكلي بالنسبة للمجتمع الذي يتكلمها ، وتصل بين أفراده عبر المكان ، وأجياله عبر الزمان ، وعن طريقها يتم نقل التجارب والخبرات ، متضمنة الأحاسيس والمشاعر ، لتحقيق وظيفة التواصل بين السابق واللاحق في محيط المجتمع .

وبناءً على ذلك فإن المعنى العام الذي نحن بصدده (الإرهاب – الإخافة) هو المعنى الأصيل في اللغة قديمًا ، والمراد الآن عند قراءة النصوص التي تحترم سلامة اللغة .

وتأسيسًا على ما تقدم فإن أي معنى آخر إضافي سيكون مستجدًا ، لسبب أو آخر قد طرأ على الكلمة وأثّر في معناها .

الإرهاب في القرآن والسنة

ورد في بعض آيات القرآن الكريم ذكرٌ لكلمة “الإرهاب” ، في مناسبات متعددة من سوره ، وبصيغ مختلفة ، منها قول الله عز وجل في سورة البقرة : ( يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ)(سورة البقرة الآية 40)

قال ابن كثير في تفسيره : [وإياي فارهبون] (أي فاخشون ، ترهيبٌ ، والرهبة من أجل الرجوع إلى الحق ، والاتعاظ بما عسى أن ينزل بهم من العقاب) .

وبمثل ما تقدم ، فسر قوله تعالى في سورة النحل : ( وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ) [النحل : 51] (أي ارهبوا أن تشركوا بي شيئًا وأخلصوا لي الطاعة) .

وكذلك في تفسيره لقوله تعالى : سورة الأنبياء الآية 90 وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا قال : (رغبا فيما عندنا ، ورهبة مما عندنا ، خائفين ، الخشوع هو الخوف المستمر ، خاشعين أي متواضعين) .

وفسر قوله تعالى : ( وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ)(سورة الأنفال الآية 6) فسرها بقوله : (ترهبون أي تُخَوِّفُون به عدو الله وعدوكم ، هم المنافقون) .

ولا يختلف الشوكاني ، صاحب تفسير فتح القدير ، عما ذهب إليه ابن كثير ، في شرحه لمعنى “الإرهاب” في الآيات القرآنية السابقة ، من ذلك تفسيره لقول الله عز وجل : (فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ)(سورة النحل الآية 51 ) قال : (فاخشون أن أُنزِل عليكم ما أنزلته بمن قبلكم من العذاب والعقاب ، بما أخلفوا ما عاهدوا الله عليه ، وعصوا أوامره ، وأكثروا في الأرض الفساد) .

وجاء في فتح القدير أيضًا عند تفسيره لقوله تعالى : ( وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ)(سورة النحل الآية 51) ما نصه : (لما بين سبحانه أن مخلوقاته السماوية والأرضية منقادة له خاضعة لجلاله ، أتبع ذلك بالنهي عن الشرك بقوله : ( وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ)(سورة النحل الآية 51) فنهى سبحانه عن اتخاذ إلهين اثنين . . . ثم نقل الكلام سبحانه من الغيبة إلى المتكلم عن طريق الالتفات لزيادة الترهيب فقال : [فإياي فارهبون] أي إن كنتم راهبين شيئًا فإياي فارهبون ، لا غيري ، وأنه الذي يجب أن يخص بالرهبة منه ، والرغبة إليه) .

وورد في تفسير المراغي عند شرحه لقول الله عز وجل : ( وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ )(سورة الأنفال الآية 60)

قال : (الإرهاب والترهيب : الإيقاع في الرهبة ، وهي الخوف المقترن بالاضطراب) .

ويزداد معنى الآية وضوحًا عند النظر إليها في ضوء الآية التي سبقتها ، وذُكِر فيها الخوف من خيانة المعاهدين بسبب نقضهم العهود ، قال تعالى : (وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ)(سورة الأنفال الآية 58 ) كما يزداد المعنى وضوحًا أيضًا وتأكيدًا ، عند مواصلة القراءة إلى تمام الآية التي تليها ، وهي قوله تعالى : ] ( وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا)(سورة الأنفال الآية 61) حيث يتجلى أنَّ معنى [ترهبون به عدو الله وعدوكم] هو من أجل منع العدوان والظلم ، ولحماية أمة الإسلام التي أُمرت بالتزام الحق والعدل ، وأمرت بتحصل القوة لتثبيتهما إزاء الناس كافة ، ولأن الاستعداد المستمر والجاهزية للجهاد عند الاقتضاء يدفع الحرب ويمنع وقوعها بسبب خوف من يعتزم نقض العهود ، ويبيت الاعتداء ، ويضمر الخيانة والغدر ، وإرهابه إرهابٌ مشروع ، ولا يتحقق له ذلك ، ويحصل له الخوف والرهبة الزاجرة إلا متى علم بشدة قوة المسلمين . فالآية التي تأمر المسلمين بوجوب تحصيل القوة ، وتوفير أسبابها ومقوماتها ، بما يتناسب مع كل عصر ، إنما لتكون رادعًا وزاجرًا يرهب كل من تسول له نفسه مباغتتهم بالحرب ، فيتضرر المسلمون ، وتتعطل رسالة الإسلام الذي يسعى إلى تحقيق السلام ، ويأمر بالجنوح له ؛ لأنه -أي : الإسلام- من بين مقاصده وغاياته ، وفي تحصيل القوة سدٌّ لأبواب المفاسد والحروب ، وحفظ للأمن ، وجلب مصالح ومنافع العباد ، فيهنأ الجميع باتقاء الفتن ، ويسعد الجميع بانفتاح أبواب التعاون وتنمو روابط المودة ويزدهر العمران في الأرض ، قال تعالى : ( لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ)(سورة الممتحنة الآية 8)

ويتمحص من ذلك أن الإرهاب المأمور به الوارد في القرآن الكريم ، إنما هو خاص ، يتعلق بالمعتدين ، لصدهم عن عدوانهم متى حصل منهم ، وليس هو إرهابًا عدوانيًّا بالمعنى المعاصر ، المرفوض إسلاميًّا .

ولعل ما نلحظه لدى بعض الدول اليوم ، عند إقامة المعارض العسكرية ، وإظهار القوة ما يقرِّب المعنى المشار إليه بإظهارهم للعدد والعدة والاستعداد والجاهزية لحماية الوطن والمواطنين ، ولا يوصف هذا بالإرهاب ، وإن ينتج عنه نوع من الرهبة عند الأعداء متى كانت القوة كافية لإحداث الخوف والرهبة ، ولا شك أن في كثير مما يلقى في أوساط الإعلام الدولي من الأحاديث على الإرهاب يختلط فيه الحابل بالنابل ، والصدق بضده ، وتتدخل في توجيهه المصالح الخاصة .

وقد نصت آيات القرآن الكريم في أكثر من موطن على تحريم الاعتداء على غير المحاربين ، وأمر سبحانه فقط بقتال الذين يقاتلون المسلمين ، ونهى عن العدوان ، قال تعالى : (وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ)(سورة البقرة الآية 190 ) وقال عز وجل : ( وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ )(سورة المائدة الآية 87) وقد أخطأ خطأ كبيرًا من نسب إلى الإسلام إباحة الإرهاب بالمعنى المعاصر من حيث هو اعتداء صريح على الآمنين ، وزعم أن مجرد المخالف هو عدو في نظر المسلمين ، . ضاربًا بالواقع عرض الحائط ، متماديًّا في حقده الشديد على الإسلام الذي يأمر ( بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ) [النحل : 90] .

ويرسم منهج الحوار مع المخالف بالتي هي أحسن :( وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ )( سورة العنكبوت الآية 46)

ويستفاد مما تقدم أن عدم تحصيل القوة تفريط من الأمة في مصالحها ، وتقصير في إتيان ما أُمِرت بحفظه وصيانته بصفة عامة : من حفظ الدين ، والأنفس ، والدماء والأعراض والأوطان ، والعمل على تحقيق الأمن والسلام للجميع .

ويتقرر أيضًا أن العدو في الإسلام هو المحارب لله ولرسوله وللمؤمنين ومن يساعده على العدوان ، وليس العدو مجرد المخالف للمسلمين ، أيا كان وجه الخلاف معه ، سواء في الرأي ووجهات النظر ، أو في النظم والتشريع أو في الثقافة والحضارة ، أو في القيم أو في الدين والمبادئ ، طالما أن الاختلاف لا يرتقي إلى العدوان ، قال تعالى :(لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ) [البقرة : 256] وقال تعالى :( لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ)( سورة الكافرون الآية 6)

إن حسن المعاملة والوفاء للمخالفين من غير من ورد استثناؤهم حصرًا ، مطلبٌ مشروع ومرغَّب فيه ؛ لأنه تتطلبه مصالح العباد ، وبه يتحقق ازدهار العمران البشري ويجسم معنى التعاون والتنافس في فعل الخير الذي أمر الشارع به ، وعليها جرى العمل منذ عهد الرسول صلى الله عليه وسلم ، وطوال مراحل تاريخ المسلمين ، في تعايشهم وتجاربهم مع غيرهم ، ومن شأن ذلك فَتْحُ أبوابِ التعاون وتبادل الآراء ، وإتاحة فرص الدعوة إلى الإسلام ، وإظهار حقائقه للآخرين ، وإطلاعهم على محاسنه ومعارفه وفضائله ، وبالإفادة من العلوموالمعارف ووجوه المنافع المختلفة بين الناس جميعًا ، على أسس العدل والاعتدال والوسطية الحقة ، ونبذ الغلو والتطرف والعنف وفق منهج واضح متميز لا لبس فيه ولا غموض ، منهج الحوار الثقافي واحترام الخصوصيات الثقافية ، كما سبق ذكره في آيات الجدل بالتي هي أحسن وعدم الإكراه ، ومما جاء في السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه لم يعاقب من هدده بالقتل ، وتركه وخلى سبيله .

والإسلام ينبذ الأيدلوجيات العنصرية ، وطموحاتها المبنية على الغطرسة والعنف ، والتعالي المتعجرف على الآخرين ، الممعن في الإرهاب تحت عناوين الإصلاح أو التحضر أو التحرر ، القائم على نفي وإلغاء الآخر (النقيض) ليقيم على أنقاضه ورفاته أمجاده ومدنيته ، كما هو الحال في ممارسات إسرائيل مع شعب فلسطين ، وحركات الاستعمار والحروب العالمية والمحلية ، مهما كانت أسباب إشعالها طالما أنها عدوانية كما سبق بيانه ، وهي مهما اختلفت صورها لا تخرج عن وصف الإرهاب والعنف بدون وجه حق ، وهي لا تختلف كذلك عما تقوم به جماعات انفعالية ، احتجاجية قصيرة النظر ، بل هي أشد فتكًا ودمارًا ، وكثيرًا ما يكون إرهاب تلك الجماعات الانفعالية من المجتمعات الإسلامية ناشئًا عن قلة علم شرعي ، ووعي دَعَوي ، وعن انحراف فكري ، وغالبًا ما يكون انعكاسًا للإرهاب الدولي الأكثر مكرًا وخبثًا وضررًا ، فالأخير مترتب عليه ، وراجع له ، وعلة سببية له ، ولا يتوافر له الوجود والبقاء والاستمرار بدونه ؛ لأنه إفرازٌ لا حق له ، مشروط وجوده به ، وإن خالفه في المظهر والاتجاه ، إلا أنه في جوهره ونتائجه من جنس العمل .

هكذا يتضح أن الإرهاب لا يُنتج إلا الإرهاب ، وهو بالقطع غير مشروع ، وهو بالقطع لا يتفق مع ما ورد مقترنًا بصيغة الأمر في سورة الأنفال . ولذا لزم التفريق بين مستويين لمعنى كلمة الإرهاب في اللغة العربية في هذا العصر :

المستوى الأول معنى مشروع ، وهو عبارة عن شعور بالخوف ، يحصل لمن تحدثه نفسه بارتكاب العدوان ، نتيجة إحساسه بوجود قوة مرهبة رادعة ، تصده كلما همَّ أو فكر في ارتكاب جريمته .

هذا النوع من الإرهاب إيجابي محمود ، مأمور بالإعداد له شرعًا ، دعمًا لاستتباب الأمن والاستقرار ، وهو المعنى الأصيل لكلمة الإرهاب لغة وشرعًا .

ومفاده إجمالًا في القرآن الكريم : حصر اختصاص الإرهاب والخوف بالمعنى الحقيقي ، في جنْب الله عز وجل .

وهو المشهور في كتابات أهل الاختصاص في الثقافة الإسلامية فالخشية والخوف ، والتقوى تكون لله وحده بالمعنى الأكمل ، باتقاء حدوده واتباع أوامره .

وأما بين العباد فالشأن أن يعم بينهم السلام ؛ لأنهم جميعًا شركاء في الإنسانية خلقوا من نفس واحدة قال تعالى : ] ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ )(سورة النساء الآية 1)

وأما المستوى الثاني لمعنى كلمة الإرهاب المعاصرة ، فهو الخوف الذي تَعْتَرِيه الأحكام الشرعية : فقد يكون إثمًا وعدوانًا ، وجرمًا عظيمًا ، وقد يكون دون ذلك ، وقد يكون قصاصًا وتطهيرًا ، وتثبيتًا لحياة الآمنين ودفاعًا عن الضعفاء والمظلومين .

وباختصار فقد يجري به العمل على سنن العدل والإنصاف ، وقد يكون هدمًا لتلك السنن ، وتفصيله في أبوابه في علم الفقه وأصوله حسب أنواع وصور حالات وقوعه .

وقد وردت له تعاريف مستحدثة قصرته على المعنى الثاني في الغالب ، واختلطت فيه الأحكام الشرعية والوضعية ، وسأورد بعض التعاريف التي وردت عند بعض أهل الاختصاص من المعنيين بالثقافة الإسلامية ، ومما جاء فيها أنه (كل تخويف للناس أو إيذاء لهم بغير حق أو صد عن سبيل الله ، أو اعتداء على الأموال العامة أو الخاصة بالإفساد .

وهذا النوع من الإرهاب قد يقع من آحاد الناس ، أو جماعة منهم ؛ ومقتضاه إشاعة الذعر بين الناس ، أو القتل والتخريب والإفساد ، ومنه الحرابة ، وقد يكون مصدره الدولة ، إذا وقع التخويف والإيذاء على غير العصاة والمفسدين ، أو كان تجاوزًا للحد في عقوبتهم وإيذائهم ، أو كان بغيًا وعدوانًا على دولة أخرى مسلمة ، عبثًا بأمنها وتنكيلًا بأهلها) .

كما تتبع الدكتور عبد الرحمن بن معلا اللويحق في بحث قيم له ، . عددًا من التعريفات المختلفة للإرهاب ، ونبه إلى مسألة مهمة مفادها أن علماء المسلمين الأوائل قد اهتموا بضبط دلالات الألفاظ وتحرير معانيها ؛ لأنها أكثر اختلافات أهل الرأي ناتجة عن تداخل معانيها ، وفرّق بين الإرهاب عند الغربيين ، الذي اقترن عندهم بالصراع المرير بين الدين وحركات التحرر العقلي والعلمي ، وما ترسب عن ذلك ، مما كان له الأثر السيئ الذي لحق بمصطلح الإرهاب في العربية اليوم ، فأخضعت هذه الكلمة لأداء معنى كلمة (Terrorisme) الفرنسية إبان مخاض الثورة الفرنسية في أوائل العصور الحديثة ، وبيّن أن هذه الكلمة الفرنسية ربما تعادل الحرابة أو البغي والإفساد في الأرض ، وأما كلمة الإرهاب فلا يقابلها اللفظ الفرنسي المذكور .

وكذلك ورد هذا الاتجاه في بيان المفارقة بين معنى الإرهاب ، وكلمة (Terrorisme) الفرنسية لدى الدكتور سليمان الحقيل في كتابه القيم “حقيقة موقف الإسلام من التطرف” .

ومع ذلك فقد غلب الاستعمال بالمعنى الغامض القلق في وسائل الإعلام لكلمة الإرهاب ، وجرى الحوار بين الثقافة الغربية والعربية على غير ما قرره الإسلام ، وحدد معالم منهجه اللائق بالإنسانية على أساس المعرفة النزيهة ، والاحترام المتبادل ؛ قال تعالى : ( وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ )0سورة العنكبوت الآية 46)

ومن التعريفات المعاصرة للإرهاب : (أنه العمل الإجرامي المصحوب بالرعب أو العنف أو الفزع بقصد تحقيق هدف أو غرض معين . . وأنه الاستخدام العمدي والمنظم لوسائل قادرة على خلق خطر عام يهدد الحياة والسلامة الجسدية أو الصحة أو الأموال العامة) .

وجاء في كتاب الإرهاب والعولمة ما يأتي : (الإرهاب هو الأسلوب الأكثر عنفًا في التعبير عن اتجاه مرفوض من السلطة القائمة ، وهو ينشأ ويتطور ويمارس نشاطه في العادة بعيدًا عن القنوات الشرعية المعترف بها . . . ويعمل في سرية شديدة ، ويوجه ضرباته إلى مواقع غير متوقعة . . . ويستهدف المدنيين الذين لا حول لهم . . . لإشاعة الذعر بينهم ، وزعزعة الاستقرار في المجتمع ، وهَزِّ السلطة القائمة في الدولة) .

والمطلوب اليوم هو التأكيد على أصحاب الإعلام والأقلام على وجوب الحذر مما ينشأ على الخلط بين معاني كلمة الإرهاب ، ودلالاتها القديمة والمعاصرة التي لا تزال تفتقر إلى الضبط والتمحيص ، الخلط المعرفي الذي يفسد سلامة معاني اللغة العربية ، وسلامة الهوية الإسلامية .

ومن الوجهة المعرفية الصرفة ، يعد إسقاط تجارب عقدية وثقافية لأمة ما على أمة أخرى تختلف معها اختلافًا جذريًّا في عقيدتها وثقافتها ، جهلًا ، وظلمًا . وينطبق هذا الخلط على كثير من المصطلحات العربية الرائجة اليوم مثل مصطلح “الأصولية ” المختلف في تداعياته بين الديانتين الإسلامية والنصرانية ، في الأوضاع التاريخية التي مرَّت بها كلٌّ منهما ، وطبعت التطورات والأمزجة والمشاعر والرؤى بطابع مميز ومختلف لأتباع الديانتين في أشياء كثيرة ، ومن ضمنها ما ذكر سلفًا .

ولذا يجب منهجيًا احترام الخصوصيات والفروق لكل ثقافة وحضارة مختلفة عن الأخرى ، وإقامة العلاقات المتميزة على أساس الاحترام المتبادل .

وأما إدراج بعض الشبهات عن طريق تحريف المصطلحات التي تتعلق بثوابت الأمة الإسلامية ، وتحويل وجهتها إلى غير ما جعلت له ، فهو ضرب من الإرهاب الخطير المسكوت عنه في الغالب ، ويلجأ إليه بعض دعاة الهَدْمية لإركاع الأمة الإسلامية ، تحت التأثر بالثقافات الغربية ، بهدف تعكير صفو الينابيع ، والمصادر الأساسية التي تغذي فكر الأمة ، وتحفظ عليها نظمها ، وقيمها ، ووحدتها الاجتماعية إن أصواتًا كثيرة ترتفع اليوم تحت عنوان مقاومة الإرهاب ، بإرهاب يتجاوز تخريب الممتلكات والديار ، إلى تخريب القيم والنظم والأفكار ؛ لأن جبر وبناء الديار أيسر من جبر ما تهدم من القيم والنظم والمعتقدات الصحيحة التي هي جماع حقيقة الأمة ، وهُويَّتها وشخصيتها التي لا حياة لها بدونها ، والاعتداء عليها ، أو على عنصر من عناصرها ، يستوجب الإدانة وفق ميزان الشرع الحكيم ، والطبع البشري السليم .

ولما كانت طباع الناس وأمزجتهم تُغَالِبُها عادة الأهواء والشهوات ، فإن معيار تقدير أنواع الإرهاب ، والتطرف ، والعنف ، وميزان درجاتها ، يرجع أساسًا إلى ميزان الشرع الحكيم ، فهو الحَكَم والمقياس عند قياس حالات الإرهاب والغلو ، الذي لا يظلم مثقال ذرة ، ويأبى أن يكيل بمكيالين ، ويزن الأمور بميزانين ، كما نرى ذلك في مجرى الحياة رأي العين .

وليس في ذلك إلغاء لدور العقل ، والفطرة السوية كما قد يتبادر إلى بعض الأذهان ؛ لأنه لا تتناقض بين صحيح المنقول وصريح المعقول في الإسلام ، وفي الشرع عون للعقل على التخلص من الأهواء والأخطاء ؛ لأن معارف العقل نسبية وعرضة للتذبذب والتقلب ، الأمر الذي يفتح باب المضاربة لأصحاب المصالح والغايات التي لا تتقيد بالقيم والمبادئ ، والقوانين الدولية التي تلتزم بها ، كما هو مشاهد في السلوك الدولي في أكثر من مناسبة ، كلما استشعرت دولة ما من نفسها أنها القوة الأولى ، تعالت فوق القانون ، وبادرت ببث الرعب والخوف ، تحت ذرائع وتأويلات لا يمكن أن تصرف الأنظار على واقع التخريب والدمار ، ولا يمكن إخفاء الغايات المضمرة الحقيقية وهي الرغبة في تحقيق المزيد من المصالح المادية ، والمعتقدات الوهمية ، وهذا السلوك الدولي هو الذي في الغالب يفجر ردود أفعال يتوهم مرتكبوها أنهم بها يدفعون عن الأمة الضرر ، ولكنهم يوقعون بأنفسهم وبالآخرين ضررًا أشدّ منه ، وأوسع انتشارًا ، وهذا النوع الأخير هو الذي ينصرف إليه وصف الإرهاب ، ويُخَصُّ به في كثير من وسائل الإعلام ، حتى يكاد إطلاق الإرهاب يقتصر عليه وحده . ولئن كان خطره ظاهرًا إلا أنه لا يجب أن يكون ذريعة لما هو أشد منه ، وفي غياب التعريف الجامع المانع للإرهاب على المستوى الأممي ، بسبب ما تقدم ذكره من اختلاف مصادر التشريع بين الأمم ، وتفاوت القوى ، وعدم التقيد والالتزام بالمثل العليا الرفيعة ، أي بما يتجاوز دائرة المصالح المادية من حقائق الوحي الصحيح سندًا ، ومتنًا ، ونظرًا علميًّا ، (وهي أمور لا تتوافر خارج الوحي : القرآن والسنة) . وستظل إمكانية عرقلة الوصول إلى تعريف متفق عليه ، ملزم للجميع ، بين الأمم ، تهدد السلم ، وتدفع إلى نشوء الإرهاب والعنف ، ولا يعتقد عاقل منصف أن الإسلام والمسلمين هم المسؤولون عن عرقلة الدول لإنجاز مثل هذا التعريف الذي يحمي الإنسانية من الإجحاف والفوضى المفرقة للكلمة اليوم ، ولاسيما في مجلس الأمن الذي يصل فيه التناقض بينهم أقصاه عند وصف من يقاوم الاحتلال والاستعمار من أبناء البلد المحتل هل هو إرهابي أو لا؟

ولا يخفى على منصف أن تعميق وتثْبيتَ مفاهيم الالتزام بالعدل ، وجعلها فرض عينٍ على كل عاقل ، لا توجد خارج دائرة توجيهات الوحي الصحيح ، أي القرآن والسنة ، وأنَّ أي تشريع لا يستند إلى الحقائق الثابتة سيقع في إباحة محظورات كثيرة مثل بعض قضايا المرأة ، والرجل ، والأسرة ؛ كإباحة الزواج المثلي ، والتناسخ ، وبعض حقوق الملكية ، والكسب ، وقوانين الحرب والسلم والإرهاب ، والتطرف والعنف التي نحن بصدد متابعة بيانها .

إن استفتاءَ الضمير المجرد عن الوحي ، لا يطَّرد نجاحه إن أفلح مرة أو أكثر ، كما نرى في بعض الجمعيات الخيرية ، والمحافل السياسية الغربية التي تجابه وتعارض النزوع إلى العنف الدولي والإرهاب على مستوى طغيان بعض الهيئات السياسية أو طغيان بعض الشركات الرأسمالية لتحدَّ من نهمها واستبدادها ؛ لأن وازع الضمير الاصطناعي أي المجرد عن معارف الوحي ، يستيقظُ تحت الشعور بالخوف مما ذكر ، لكنه لا يقوى على الفكاك من التأثر بالمصلحة الذاتية ، أو مصلحة الجماعة المحدودة ، ولا يرتقي إلى المساواة الحقيقة ، إلا متى عَمَرَه الإيمان بالمبادئ العليا ، وشتان بين الضمير الديني والضمير الاصطناعي في مدى حتمية الالتزام باحترام حقوق الآخر ، والتقيد التام بها ، في كل الظروف والأحوال ، وليست مقولة : (من لم يكن معي فهو ضدي) ، كمقولة : (رأيي صواب يحتمل الخطأ ، ورأي الآخر خطأ يحتمل الصواب) .

المقولة الأولى تعكس منهجًا أنانيًّا متطرفًا غاية التطرف ، مغال غاية الغلو ، ضد الآخر ، لا ينظر إلى الأشياء إلا من خلال الذات (الأنا) ، وهو بذلك ينفي الآخر ما لم يكن تابعًا طيعًا (للأنا) ولا يتقبل أن يكون له ندًّا ، ولا وجودًا مستقلًا عن معيته ، وذلك سبب من أخطر أسباب العتو والطغيان والإفساد في الأرض .

وأما المقولة الثانية ، فتدل على منهج متسامح ، يرى صاحبه الصواب ويلتزمه ما لم يتبين له خلافه ، فهي مقولة متفتحة على الرأي الآخر ، تصغي إليه مع استعداد لتقبل الحق أيًّا كان مأتاه لأنه ضالتها وغايتها ، وليست غايتها مجرد المصلحة الذاتية التي تلغي الآخر ، وتقصيه على أساس المصلحة تبرر الوسيلة ولو كان إرهابًا وعنفًا .

إن منهج الإلغاء والإقصاء لا يمكن أن يقره الدين الإسلامي ولا يمكن أن يحقق العدالة والحرية ويحترم حقوق الإنسان ، ولا ينشأ في ظله الضمير الخيِّر الذي يفيض حبًّا وتقديرًا للآخرين . بل هو مرهب مرعب ، يفتقر إلى الوسطية والاعتدال ، هذا المنهج الذي تشتد حاجة الإنسانية إليه ؛ لأنها مهددة بحروب الفناء والدمار ، ولا منجاة منها إلا بسلوك منهج الوسطية والعدل والاعتدال ، وهو ما ينادي به الإسلام ، ويحرم على أتباعه التطرف السلبي والعنف بغير وجه حق .

في اللغة :

جاء في لسان العرب لابن منظور قوله : (/1 L168 تطرف /1 الشيء صار طرفًا . . . وتطرفت الشمس أي دنت للغروب) . وأورد بيتًا من الشعر نصه :

وفي الحي مطرُوفٌ يلاحظ ظله خَبُوط لأيدي اللامسات رَكُوضُ : وفي الشرع :

جاء في القرآن الكريم :(وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى )( سورة طه الآية 130 )

قال ابن كثير في تفسيره للآية : سورة طه الآية 130 وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ أي من ساعاته فتهجد به ، وحمله بعضهم على المغرب والعشاء ، وأطراف النهار في مقابلة آناء الليل .

وفسر المراغي قوله تعالى : ( وَأَطْرَافَ النَّهَارِ)(سورة طه الآية 130) بقول الرسول صلى الله عليه وسلم : (لن يلج النار أحد صلى قبل طلوع الشمس ، وقبل غروبها) .

[متفق عليه] .

ويعني المراغي صلاة الفجر ، وصلاة العصر .

وجاء في العنف من الأحاديث الشريفة ما يأتي :

1 – في صحيح البخاري ، في الأدب : (عن عائشة رضي الله عنها ، أن يهودًا أتوا الرسول صلى الله عليه وسلم فقالوا : السام عليكم ، فقالت عائشة : عليكم ولعنكم الله ، وغضب الله عليكم ، قال : مهلًا يا عائشة عليك بالرفق ، وإياك والعنف والفحش ، فقالت : أولم تسمع ما قالوا؟ قال : أولم تسمعي ما قلتُ؟ رددتُ عليهم ، فيستجاب لي فيهم ، ولا يستجاب لهم في .

2 – وفي صحيح مسلم في البر والصلة والأدب :

عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : يا عائشة إن الله رفيق يحب الرفق ، ويعطي على الرفق ما لا يعطى على العنف ، وما لا يعطي على سواه .

3 – وفي موطأ الإمام مالك -الجامع- ما يؤمر به من العمل في السفر ، قال صلى الله عليه وسلم : إن الله تبارك وتعالى رفيق يحب الرفق ، ويرضى به ، ويعين عليه ما لا يعين على العنف .

وفي الحديث المتفق عليه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ليس الشديد بالصُّرعة ، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب .

وحاصل ما تقدم ، مما تدل عليه اللغة ، وما جرى عليه البيان في التفسير والحديث : أن معنى التطرف سواء من جنس الأفكار والتصورات ، أم من جنس السلوك والوقائع ، هو أخذ الأمور بشدة ، والإقبال عليها بما يجاوز حد الوسط والاعتدال ، ومجانبة اليسر واللين والسماحة .

العلاقة بين التطرف والتشددوالعلاقة بين التطرف والتشدد علاقة اقتضاء وجوار ، بحيث قد يتحول التطرف إلى التشدد والعنف ، وبينهما تبادل وترابط في المعنى .

والتطرف من حيث هو (مصطلح محدث . . . . يكون في الدين ، كما يكون في الفكر والسياسة ، والأخلاق والسلوك ، وهو إتيان غاية الشيء ومنتهاه) .

ويجب أن نفرق في حكمه : بين التطرف في الدين ، المقبول كراهة ، والمنهي عنه كراهة ، وبين التطرف في الدين المحرم شرعًا بالنصوص الصريحة ، الواردة في بابها بحسب أحوال المتلبسين بها ، وهو غالبًا ما يكون رد فعل لتحديات مختلفة دينية واجتماعية واقتصادية وسياسية ، ولأسباب قد تكون داخلية أو خارجية أو هما معًا ، وهذا النوع الأخير في كل الحالات مرفوض قطعًا ، وغير محمود ، وهو مختلف عن النوع الأول ؛ لأنه يخالف الرفق ، كما مر في الأحاديث السابقة ، وهو الظاهر في بعض البلاد الإسلامية اليوم ، وفي غيرها كثير .

وهو ينشأ من التناقض الحاد بين التصورات والمثل في الأذهان وبين الواقع الفعلي في الأعيان الذي يستحيل على الفرد أو الأفراد التوافق معه ، فيكون تطرفًا ، فعنفًا ، فردود أفعال .

ومعظم الدراسات المعاصرة تفرق بينه وبين الأفعال الإجرامية الأخرى ، فتعده (وصفًا لفعل أو سلوك ما ، غالبًا ما يؤدي إلى عنف . . . ومن سماته شدة الانفعال والكراهية للآخر المعارض . . . الذي يعده عدوانيًّا يعمل على إزاحته) .

ويصبح فاقدًا للاعتدال والوسطية ، متجاوزًا حدود المعقول والمنقول ، والفطر السوية السليمة .

الوسطية منهج إسلامي

تأسس البناء الاجتماعي في الإسلام منذ عهده الأول على نقض التطرف والعنف والإرهاب والغلو ، ونحوها مما يعنيه بها أهل العصر اليوم ، تلك الظواهر التي كانت شائعة في الجزيرة العربية ، وفي سائر بلاد العالم القديم ، واتجه إلى محاربة أسبابها المنتجة لها ، من الظلم والعبودية لغير الله سبحانه ، والعدوان بغير وجه حق .

قال تعالى مخاطبًا عباده : ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا )(سورة النساء الآية 1)

جاء في تفسير هذه الآية : (يقول تعالى آمرًا خلقه بتقواه ، وهي عبادته وحده . . . ونشرهُم في أقطار العالم على اختلاف أصنافهم وصفاتهم ، وألوانهم ولغاتهم ، ثم إليه بعد ذلك المعاد والمحشر) .

وقال تعالى : ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ )(سورة الحجرات الآية 13)

بين سبحانه للناس معنى الوسطية وحقيقة المساواة بينهم : بين آحادهم وأجناسهم ، لا فرق بينهم إلا على أساس التقوى والخشية منه سبحانه ، وأن مبدأ التعارف فيما بينهم مشروع ومطلوب ، وفق المنهج القائم على العدل والإحسان : ( إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)(سورة النحل الآية 90)

ومن الإحسان برُّ بعضهم لبعض ، ولو مع المخالف غير المحارب ، ومن في حكمه ، قال تعالى : ( لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ )(سورة الممتحنة الآية 8)

وحث المؤمنون على اتباع نهج السلام ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً)(سورة البقرة الآية 208)

ونهى عن الإثم والعدوان ، والتعاون عليهما ، وأمر بالبر والتقوى : ( وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ)(سورة المائدة الآية 2)

وكره سبحانه الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم ، ورغب في العفو وعمل الخير (لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا سورة النساء الآية 149 إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا)(سورة النساء الآية 148 )

والآيات الدالة على نهج الوسطية ، والسماحة ، والاستقامة ، واليسر في القرآن الكريم كثيرة ومثلها الأحاديث النبوية ، وهي تتضافر لإبراز معالم مسلك الوسطية في العقيدة ، وفي الشريعة ، ومن خصائص الإسلام مثلًا على مستوى العقيدة في مجال الوسطية السمحة : أن الإسلام كان وسطًا بين الأديان في النظر إلى النبوة ، فقد زكى الإسلام الأنبياء جميعًا ، وغلا اليهود في نظرتهم إلى عيسى عليه السلام بأن زعموا أنه ابن زنا ، وغلا النصارى بأن رفعوه إلى مرتبة الإلهية والتقديس ، وتوسط الإسلام بأن عده بشرًا رسولًا عبد الله ، وخص الإلهية لله وحده دون سواه ، لا شريك له ، ولا ند ولا مثيل .

وأوجب على المسلمين التزام هذا المنهج المستقيم قال تعالى : ( اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ)(سورة الفاتحة الآية 6-7)

وكما توسط الإسلام في حق عيسى عليه السلام ، توسط أيضًا في حق أمه ، فأثبت له النبوة ، ولها الطهر والشرف العظيم ، وخص بالإلهية الله وحده سبحانه .

وتميز منهج الإسلام بالبعد عن التطرف والغلو ، وينبغي أن نلحظ أن من يدعي أنه مسلم ، ولا يتمسك بما جاء به الإسلام ، ويرى ذلك هو الوسطية والسماحة ، ويعيب عمن يتمسك بفرائض الإسلام ويعده متطرفًا ، هذا الادعاء هو أحد أشكال التطرف ؛ لأن التطرف يكون بالتجاوز للوسطية ، كما يكون بالتخلي والتقصير في شأنها ، وهو خروج عن الوسطية ، وميل وانحراف إلى أقصى اليسار أو إلى أقصى اليمين .

وقد تصدى المسلمون مبكرًا إلى الظواهر السلبية المذكورة : من التطرف ، والعنف والغلو ، ونحوها ، وقد لحق بالمسلمين أذىً كثيرًا مبكرًا مثلمًا لحق بالخلفاء الراشدين ، فكان مقتل الخليفة عمر رضي الله عنه على يد أبي لؤلؤة غلام المغيرة ، وكان نصرانيًّا .

وكان مقتل الخليفة الثالث عثمان رضي الله عنه من طرف بعض الغلاة المتأولة ، تأولوا في شأنه الحق بالباطل ، والباطل بالحق ، وكان مقتل الخليفة الرابع علي رضي الله عنه بسبب الغلو المرهب ، وأيضًا لحق ببعض أبنائه ، رضي الله عنهم وأرضاهم جميعًا .

ومظاهر التطرف والعنف لم تكن مقبولة أبدًا في الإسلام على مر التاريخ ؛ لأن من طبيعة الإسلام أنه (وسط بين التضييق والتساهل . . ذلك المعنى الذي نوه له أساطين الحكماء ، واتفقوا على أن قوام الصفات الفاضلة هو الاعتدال ، أي التوسط بين طرفين : الإفراط والتفريط ؛ لأن ذَيْنِكَ الطرفين يدعو إليهما الهوى الذي حذرنا الله منه في مواضع كثيرة ، منها : قوله تعالى : ( وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ )(سورة ص الآية 26) .

والتوسط بين الإفراط والتفريط هو مبلغ الكمالات .

وباختصار فإن وصف الإسلام بالسماحة واليسر والوسطية ثبت بالقرآن والسنة :

قال تعالى : ( يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ )(سورة البقرة الآية 185)

وقال تعالى : ( وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) [الحج : 78] .

وفي الحديث عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : أحب الدين إلى الله الحنيفية السمحة [أخرجه البخاري تعليقًا] .

وجاء في صحيح البخاري عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إن الدين يسر ولن يشاد هذا الدين أحد إلا غلبه ، أي كان الدين غالبًا .

والأدلة على رفع الحرج في الأمة الإسلامية بلغت مبلغ القطع ، وانتفاء كل الشبه نصًّا ، وعقلًا ، وتطبيقًا ، وكان ذلك سر نجاحها في عزها وقوتها ، وكان ذلك سر تأخرها في ضعفها وهوان أمرها .

فأما النص فقد تقدم طرف منه ، وكذا الرأي ، وأما التطبيق فيصح التعميم الآتي :

كلما فهم المسلمون الوحي الصحيح فهمًا واضحًا جليًّا ، وأحسنوا تطبيقه تطبيقًا سليمًا سويًّا ، كلما حصل لهم تقدم ورقي وعزة واقتدار ، وكلما اختل الفهم الواضح الجلي ، والتطبيق السليم السوي ، أو أحدهما ، إلا وحصل التقهقر والتفكك والتأخير ، وعلى نسبة ما يتوافر من حسن الفهم وحسن التطبيق لكل شعب ، يحصل من التقدم .

ولا يغير الله ما بهم حتى يغيروا ما بأنفسهم .

أ د . عبد الله الأوصيف

كلية الشريعة

قسم الثقافة الإسلامية

-- أ د . عبد الله بن الكيلاني الأوصيف

المرفقات

المرفقات المرفقات

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*