الخميس , 8 ديسمبر 2016
الرئيسية » المكتبة الرقمية » معاملة الحكام في ضوء الكتاب والسنة

معاملة الحكام في ضوء الكتاب والسنة

المقدمة إن الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فبلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

وأشهد أن لا إله إلا الله – وحده لا شريك له -.

وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

(يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)(سورة آل عمران الآية 102 ) ( يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا )(سورة النساء الآية 1)( يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا سورة الأحزاب الآية 71 يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا)(سورة الأحزاب الآية 70) أما بعد

فهذه رسالة وجيزة مبنية على النصوص الشرعية، ومؤيدة بالآثار السلفية، تشرح شيئاَ مما ينبغي أن يعرفه المسلم عن أحكام معاملة ولاة أمر المسلمين في كل زمان ومكان.

كتبتها براءة للذمة، ونصحاً للأمة، إذ قد رأيت حاجة الناس في هذه الأزمان إلى معرفة تلك الأحكام والإطلاع عليها أما للتذكير بها، أو لتعليمها، فإن نسيانها – أو الجهل بها –من أعظم الأبواب التي تلج الشرور إلى المسلمين منها، يعرف هذا من نظر في التواريخ والسير واعتبر بما جاء فيها من العبر.

اسأل الله – جل وعلا – أن ينتفع بهذه الرسالة، وأن يجعلها خالصة لوجهه الكريم، مقربة إليه من جنات النعيم.

وصلي الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

كتب ذلك

عبد السلام بن برجس العبد الكريم

الرياض 20\7\1415 هـ

تمهيد إن السمع والطاعة لولاة أمر المسلمين جاروا وظلموا العقيدة السلفية قل أن يخلو كتاب فيها من تقريره وشرحه وبيانه، وما ذاك إلا لبالغ أهميته وعظيم شأنه، إذ بالسمع والطاعة لهم تنتظم مصالح الدين والدنيا معاً، وبالافتيات عليهم قولاً أو فعلاً فساد الدين والدنيا.

وقد علم بالضرورة من دين الإسلام أنه لا دين إلا بجماعة، ولا جماعة إلا بإمامة ولا إمامة إلا بسمع وطاعة. يقول الحسن البصري – رحمه الله تعالى – في الأمراء : (( هم يلون من أمورنا خمساً : الجمعة، والجماعة، والعيد، والثغور، والحدود. والله لا يستقيم الدين إلا بهم، وإن جاروا وظلموا والله لما يصلح الله بهم أكثر مما يفسدون، مع أن طاعتهم – والله – لغبطة وأن فرقتهم لكفر )) ا.هـ

وذكر السلطان عند أبي العالية، فقال الله بهم أكثر مما يفسدون .اهـ

لقد كان السلف الصالح – رضوان الله عليهم – يولون هذا الأمر اهتماما خاصاً، لا سيما عند ظهور بوادر الفتنة، نظراً لما يترتب على الجهل به – أو إغفاله – من الفساد العريض في العباد والبلاد والعدول عن سبيل الهدى والرشاد.

واهتمام السلف بهذا الأمر تحمله صور كثيرة نقلت إلينا عنهم أقتصر على صور، منها:

الصورة الأولى: التحذير من الخروج عليه: مثال ذلك: ما قام به الإمام أحمد بن حنبل إمام أهل السنة – رحمه الله تعالى -، حيث كان مثالاً للسنة في معاملة الولاة.

فلقد تبني الولاة في زمنه أحد المذاهب الفكرية السيئة وحملوا الناس عليه بالقوة والسيف، وأريقت دماء جم غفير من العلماء بسبب ذلك، وفرض القول بخلق القرآن الكريم على الأمة، وقرر ذلك في كتاتيب الصبيان…. إلى غير ذلك من الطامات والعظائم، ومع ذلك كله فالإمام أحمد لا ينزعه هوى، ولا تستجيشه العواطف (( العواصف )) بل ثبت على السنة، لأنها خير وأهدى فأمر بطاعة ولي الأمر، وجمع العامة عليه ووقف كالجبل الشامخ في وجه من أراد مخالفة المنهج النبوي والسير السلفية، انسياقاً وراء العواطف المجردة عن قيود الكتاب والسنة، أو المذاهب الثورية الفاسدة.

يقول حنبل – رحمه الله تعالى -:

((اجتمع فقهاء بغداد في ولاية الواثق إلى أبي عبد الله – يعني الإمام أحمد بن حنبل – رحمه الله تعالى – وقالوا له: إن الأمر قد تفاقم وفشا – يعنون: إظهار القول بخلق القرآن، وغير ذلك ولا نرضى بإمارته ولا سلطانه !

فناظرهم في ذلك، وقال: عليكم بالإنكار في قلوبكم ولا تخلعوا يداً من طاعة، ولا تشقوا عصا المسلمين، ولا تسفكوا دماءكم ودماء المسلمين معكم وانظروا في عاقبة أمركم، واصبروا حتى يستريح بر، ويستراح من فاجر.

وقال ليس هذا – يعني نزع أيديهم من طاعته – صواباً، هذا خلاف الآثار )) ا هـ

فهذه صورة من أروع الصور التي نقلها الناقلون، تبين مدى اهتمام السلف بهذا الباب، وتشرح – صراحة – التطبيق العلمي لمذاهب أهل السنة والجماعة فيه.

الصورة الثانية: التأكيد على الدعاء له:

مثال ذلك: ما جاء في كتاب (( السنة )) للإمام الحسن بن علي البربهاري – رحمه الله تعالى – حيث قال:

(( إذا رأيت الرجل يدعو على سلطان: فاعلم أنه صاحب هوى.

وإن سمعت الرجل يدعو للسلطان بالصلاح فاعلم أنه صاحب سنة – إن شاء الله تعالى -:

يقول الفضيل بن عياض: لو كان لي دعوة ما جعلتها إلا في السلطان.

فأمرنا أن ندعو لهم بالصلاح، ولم نؤمر أن ندعو عليهم – وإن جاروا وظلموا -، لأن جورهم وظلمهم على أنفسهم وعلى المسلمين ا هـ

الصورة الثالثة: التماس العذر له: (( كان العلماء يقولون: إذا استقامت لكم أمور السلطان، فأكثروا حمد الله – تعالى – وشكره.

وإن جاءكم منه ما تكرهون، وجهوه إلى ما تستوجبونه بذنوبكم وتستحقونه بآثامكم.

وأقيموا عذر السلطان، لانتشار الأمور عليه، وكثرة ما يكابده من ضبط جوانب المملكة، واستئلاف الأعداء وإرضاء الأولياء، وقلة الناصح وكثرة التدليس والطمع )) ا هـ ـ من كتاب (( سراج الملوك )) للطرطوشي ( ص 43 )

ولو ذهبنا نستقصي مثل هذه الصور الرائعة عن سلفنا الصالح، لطال المقام، واتسعت دائرة الكلام.

وفيما ذكرنا تنبيه على المقصود وإيضاح للمنشود، فمن تأمل فيه وأنصف بان له غلط من تعسف وأجحف، ولم ير لولاة الأمر حقاً، ولم يرع لهم قدراً ، فجردهم عن الحق الذي فرضه الشارع لهم ،اتباعاً للهوى وتأثراً بمذهب أهل الردى.

ومما يجدر العلم به أن قاعدة السلف في هذا الباب زيادة الاعتناء به كلما ازدادت حاجة الأمة إليه، سداً لباب الفتن وإيصاداً لطريق الخروج على الولاة الذي هو أصل فساد الدنيا والدين.

ولقد تجسدت هذه القاعدة فيما كتبه أئمة الدعوة النجدية – رحمهم الله تعالى – في هذا الباب، عندما تسربت بعض الأفكار المنحرفة فيه إلى جماعة من المنتسبين إلى الخير والصلاح.

فلقد أكثروا – رحمهم الله تعالى – من تقرير هذا الأمر، وأفاضوا فيه وكرروا بيانه زيادة في الإيضاح واستئصالاً للشبه الواردة عليه، ولم يكتفوا بكلمة واحدة ولا تقرير فرد منهم لهذا الأمر الخطير لعلمهم بما ينتج عن الجهل به من البلاء والشر المستطير.

وفي ذلك يقول الإمام الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ – رحم الله الجميع – في كلام متين، يكشف شيئاً من الشبه الملبسة في هذا الباب ويرد على من أشاعها من الجهال: ((…. ولم يدر هؤلاء المفتونون أن أكثر ولاة أهل الإسلام – من عهد يزيد بن معاوية – حاشا عمر بن عبد العزيز ومن شاء الله من بني أمية – قد وقع منهم من الجراءة والحوادث العظام والخروج والفساد في ولاية أهل الإسلام ومع ذلك فسيرة الأئمة الأعلام والسادة العظام – معهم – معروفة مشهورة، لا ينزعون يد من طاعة فيما أمر الله به رسوله من شرائع الإسلام وواجبات الدين.

وأضرب لك مثلاً بالحجاج بن يوسف الثقفي، وقد اشتهر أمره في الأمة بالظلم والغشم، والإسراف في سفك الدماء وانتهاك حرمات الله وقتل من قتل من سادات الأمة كسعيد بن جبير، وحاصر ابن الزبير – وقد عاذ بالحرم الشريف -، واستباح الحرمة وقتل ابن الزبير – مع أن ابن الزبير قد أعطاه الطاعة وبايعه عامة أهل مكة والمدينة واليمن، وأكثر سواد العراق، والحجاج نائب عن مروان، ثم عن ولده عبد الملك ولم يعهد أحد من الخلفاء إلى مروان ولم يبايعه أهل الحل والعقد -، ومع ذلك لما توقف أحد من أهل العلم في طاعته والانقياد له فيما تسوغ طاعته فيه من أركان الإسلام وواجباته.

وكان ابن عمر – ومن أدرك الحجاج من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم – لا ينازعونه، ولا يمتنعون من طاعته فيما يقوم به الإسلام، ويكمل به الإيمان.

وكذلك من في زمنه من التابعين، كابن المسيب والحسن البصري وابن سيرين، وإبراهيم التيمي، وأشباههم ونظرائهم من سادات الأمة.

واستمر العمل على هذا بين علماء الأمة من سادات الأمة وأئمتها، يأمرون بطاعة الله ورسوله والجهاد في سبيله مع كل إمام بر أو فاجر – كما هو معروف في كتب أصول الدين والعقائد -.

وكذلك بنو العباس استولوا على بلاد المسلمين قهراً بالسيف ولم يساعدهم أحد من أهل العلم والدين، وقتلوا خلقاً كثيراً وجمعاً غفيراً من بني أمية وأمرائهم ونوابهم، وقتلوا ابن هبيرة أمير العراق، وقتلوا الخليفة مروان، حتى نقل أن السفاح قتل في يوم واحد نحو الثمانين من بني أمية، ووضع الفرش على جثثهم وجلس عليها، ودعا بالمطاعم والمشارب.

ومع ذلك فسيرة الأئمة كالأوزاعي، ومالك، والزهري، والليث بن سعد، وعطاء بن أبي رباح، مع هؤلاء الملوك لا تخفى على من لهم مشاركة في العلم واطلاع.

والطبقة الثانية من أهل العلم، كأحمد بن حنبل، ومحمد بن إسماعيل، ومحمد بن إدريس، وأحمد بن نوح، وإسحاق بن راهويه، وإخوانهم… وقع في عصرهم من الملوك ما وقع من البدع العظام وإنكار الصفات، ودعوا إلى ذلك، وامتحنوا فيه وقتل من قتل، كأحمد بن نصر، ومع ذلك، فلا يعلم أن أحداً منهم نزع يداً من طاعة، ولا رأى الخروج عليهم.. )) ا هـ.

فتأمل هذا الكلام البديع وانظر فيه بعين الإنصاف، تجده من مشكاة السلف الصالح، على وفق الكتاب والسنة والقواعد العامة بعيداً عن الإفراط والتفريط.

وكلام أئمة الدعوة – رحمهم الله تعالى – كثير في هذا الباب، ترى طائفة منه في الجزء السابع من كتاب (( الدرر السنية في الأجوبة النجدية )).

كل هذا يؤيد ضرورة الاهتمام بهذا الأصل العقدي، وترسيخه عند غلبة الجهل به، أو فشوا الأفكار المنحرفة عن منهج أهل السنة فيه.

ولا ريب أن الزمن الذي نعيش فيه الآن اجتمع فيه الأمران:

غلبة الجهل بهذا الأمر، وفشوا الأفكار المنحرفة فيه.

فواجب أهل العلم وطلبته: الالتزام بالميثاق الذي أخذه الله عليهم في قوله – تعالى -(لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ)( سورة آل عمران الآية 187 ) فليبينوا للناس هذا الأصل محتسبين لله – تعالى -، مخلصين له أعمالهم، ولا يمنعهم من بيانه تلك الشبهات المتهافتة التي يروجها بعض من خلاق له.

كقول بعضهم من المستفيد من بيان هذا الأمر ؟

يشير إلى أن المستفيد منهم الولاة فقط ! وهذا جهل مفرط وضلال مبين، إذ منشؤه سوء الاعتقاد فيما يجب لولاة الأمر أبراراً كانوا أو فجاراً.

على أن الفائدة مشتركة بين الراعي والرعية كما لا يخفي على أهل العلم – بل قد تكون الرعية أكثر فائدة من الرعاة.

ومن الشبه – أيضاً – قول بعضهم : إن الكلام في هذا الموضوع ليس هذا وقته.

سبحان الله ‍‍‍‍! متى وقته إذن ؟ أ إذا طارت الرؤوس وسفكت الدماء ؟ أإذا عمت الفوضى ورفع الأمن ؟

إن الكلام في هذا الموضوع يجب أن يكثف من قبل العلماء وطلبة العلم في هذه الأيام خاصة، لما حصل لفئة من الناس من تلوث فكري في هذا الباب، قاد زمامه شراذم من أصحاب الاتجاهات الدخيلة، فأفسدوا أيما إفساد، وشوشوا على عقيدة أهل السنة والجماعة في هذا الباب الخطير بما ألقوه من الشبه الفاسدة، والحجج الكاسدة.

ولا تغتر بمن ينكر وجود هؤلاء، ويقول ( أن موضوع البيعة والسمع والطاعة لم يشكك فيه أحد ) فإنه أحد رجلين: أما متستر عليهم يخشى من تصنيفهم بما هم عليه، أو جاهل لا يدري ما الناس فيه.

فليتقي الله – تعالى – هؤلاء المرجفون، ولينتهوا عن صد الناس عن سبيل الله تعالي، خدمة لأحزابهم، أو ترويجاً لمذاهبهم الفاسدة بمثل هذه الشبة الواهية، أو إتباعاً لهؤلاء بغير هدي من الله.

وعلى من أراد لنفسه النجاة والفلاح أن يتأمل في نصوص الشرع الواردة في هذا الباب، فيعمل بها ويذعن لها، ولا يجعل للهوي عليه سلطاناً، فإن العبد لا يبلغ حقيقة الإيمان حتى يكون هواه تبعاً لما جاء به الشرع المطهر.

وأكثر فساد الناس في هذا الباب إنما هو من جراء إتباع الهوى وتقديم العقل على النقل.

فبين لديه – أيها الطالب للحق – نصوص وشرعية، ونقول سلفية، فأرع لها سمعك، وأمعن فيها بصرك، جعل الله التوفيق حليفك، والتسديد رفيقك، وجنبنا – وإياك – مضلات الأهواء والفتن .

الفصل الأول

في قواعد تتعلق بالأمانة

القاعدة الأولى وجوب عقد البيعة للإمام القائم المستقر المسلم والتغليظ على من ليس في عنقه بيعة والترهيب من نقضها

قال الإمام الحسن بن على البربهاري – رحمه الله تعالى – في كتاب (( السنة ))- له – :

(( من ولي الخلافة بإجماع الناس عليه ورضاهم به، فهو أمير المؤمنين، لا يحل لأحد أن يبيت ليلة ولا يرى أن ليس عليه إمام براً كان أو فاجراً … هكذا قال أحمد بن حنبل )) اهـ .

وقد دل على ذلك ما أخرجه الإمام مسلم في ((صحيحه )) ( 12\240- النووي ) – كتاب الإمارة – أن عبد الله بن عمر جاء إلى عبد الله بن مطيع – حين كان أمر الحرة ما كان: زمن يزيد بن معاوية -، فقال عبد الله بن مطيع: اطرحوا لأبي عبد الرحمن وسادة، فقال: إني لم آتك لأجلس، أتيتك لأحدثك حديثاً سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوله، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من خلع يداً من طاعة، لقي الله يوم القيامة لا حجة له، ومن مات ليس في عنقه بيعة، مات ميتة جاهلية .

عبد الله بن مطيع هو: ابن الأسود بن حارثة القرشي العدوي المدني

قال بن حبان في (( الثقات )) له صحبة ، ولد في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم (( ومات في فتنة ابن الزبير )) ا هـ.

وقال الحافظ في (( التقريب )) :

(( له رؤية وكان رأس قريش يوم الحرة، وأمره ابن الزبير على الكوفة، ثم قتل معه سنة ثلاث وسبعين )) ا هـ.

قال الذهبي في (( العبر )) – في حوادث سنة ثلاث وستين -:

(( كانت وقعة الحرة، وذلك أن أهل المدينة خرجوا على يزيد لقلة دينه فجهز لحربهم جيشاً عليهم مسلم بن عقبة )) ا هـ.

(( وكان سبب خلع أهل المدينة له أن يزيد أسرف في المعاصي )) قال الحافظ بن كثير في (( البداية والنهاية )) (( ولما خرج أهل المدينة عن طاعته – أي: يزيد -، وولوا عليهم بن مطيع، وابن حنظلة، لم يذكروا عنه – وهم أشد الناس عداوة له – إلا ما ذكروه عنه من شرب الخمر وإتيانه بعض القاذورات… بل قد كان فاسقاً، والفاسق لا يجوز خلعه، لأجل ما يثور بسبب ذلك من الفتنة ووقوع الهرج – كما وقع في زمن الحرة –

وقد كان عبد الله بن عمر بن الخطاب وجماعات أهل بيت النبوة ممن لم ينقض العهد، لا بايع أحد بعد بيعته ليزيد كما قال الإمام أحمد : حدثنا إسماعيل ابن علية : حدثني صخر بن جورية، عن نافع قال : لما خلع الناس يزيد بن معاوية جمع ابن عمر بنيه وأهله، ثم تشهد، ثم قال :

(( أما بعد، فإننا بايعنا هذا الرجل على بيع الله ورسوله، وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إن الغادر ينصب له لواء يوم القيامة، يقال : هذا غدرة فلان .

وإن من أعظم الغدر – إلا أن يكون الإشراك بالله – : أن يبايع رجل رجلاً على بيع الله ورسوله، ثم ينكث بيعته فلا يخلعن أحد منكم يزيد ولا يسرفن أحد منكم في هذا الأمر، فيكون الفيصل بيني وبينه .

وقد رواه مسلم والترمذي من حديث صخر بن جويرية، قال الترمذي: حسن صحيح )) ا هـ. كلام ابن كثير.

قلت: هو في كتاب الفتن من (( صحيح البخاري )) بالقصة نفسها.

قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله تعالى – في (( الفتح )) (( وفي هذا الحديث جواب طاعة الإمام الذي انعقدت له البيعة، والمنع من الخروج عليه ولو جار في حكمه، وأنه لا ينخلع بالفسق )) ا ه ـ.

قال الحافظ ابن كثير – رحمه الله – في (( البداية والنهاية )):

(( ولما مضى ابن مطيع: المدينة من عند يزيد، مشى عبد الله بن مطيع وأصحابه إلى محمد بن الحنفية فأرادوه على خلع يزيد، فأبي عليهم.

فقال ابن مطيع : أن يزيد يشرب الخمر، ويترك الصلاة ويتعدى حكم الكتاب.

فقال لهم: ما رأيت منه ما تذكرون، وقد حضرته وأقمت عنده، فرأيته مواظباً على الصلاة متحرياً للخير، يسأل عن الفقه، ملازماً للسنة.

فقال: فإن ذلك كان منه تصنعاً لك.

فقال : وما الذي خاف مني أو رجا حتى يظهر إلى الخشوع ؟ ! أفأطلعكم على ما تذكرون من شرب الخمر ؟ فلئن كان أطلعكم على ذلك: إنكم لشركائه، وإن لم يكن أطلعكم فما يحل لكم أن تشهدوا بما لا تعلموا.

قالوا: إن عندنا لحق، وإن لم يكن رأيناه.

فقال لهم: أبى الله ذلك على أهل الشهادة فقال: سورة الزخرف الآية 86 إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ، ولست من أمركم في شيء

قالوا: فلعلك تكره أن يتولى الأمر غيرك، فنحن نوليك أمرنا

قال: ما استحل القتال على ما تريدونني عليه – تابعاً ولا متبوعاً -.

قالوا: قد قاتلت مع أبيك – أي: على بن أبي طالب – رضي الله عنه – ؟قالوا: : جيئوني بمثل أبي أقاتل على مثل ما قاتل عليه.

قالوا : فمر ابنيك أبا القاسم والقاسم بالقتال معنا.

قال: قو أمرتهما قاتلت.

قالوا: فقم معنا مقاماً تحض الناس فيه على القتال معنا.

قال: سبحان الله ! آمر الناس بما لا أفعله ولا أرضاه إذاً ما نصحت لله في عباده !

قال:: إذاً نكرهك.

قال : إذا آمر الناس بتقوى الله، ولا يرضون المخلوق بسخط الخالق.

وخرج إلى مكة )) ا هـ.

القاعدة الثانية

من غلب فتولى الحكم واستتب له، فهو إمام تجب بيعته وطاعته، وتحرم منازعته ومعصيته

((.الإمام أحمد – رحمه الله تعالى – في العقيدة التي رواها عنه عبدوس بن مالك العطار:

(( … ومن غلب عليهم يعني: الولاة – بالسيف حتى صار خليفة، وسمي أمير المؤمنين، فلا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يبيت ولا يراه إماماً، براً كان أو فاجراً )) ا هـ

واحتج الإمام أحمد بما ثبت عن ابن عمر – رضي الله عنه – أنه قال : (( … وأصلي وراء من غلب )) وقد أخرج أبو سعيد في (( الطبقات )) – بسند جيد – عن زيد ابن أقال:ن ابن عمر كان في زمان الفتنة لا يأتي أمير إلا صلى خلفه، وأدي إليه زكاة ماله.

وفي (( صحيح البخاري )) – كتاب الأحكام باب كيف يبايع الإمام الناس – عن عبد الله بن دينار قال : شهدت ابن عمر حيث اجتمع الناس على عبد الملك، قال :

(( كتب: إني أقر بالسمع والطاعة لعبد الله عبد الملك أمير المؤمنين، على سنة الله وسنة رسوله ما استطعت، وإن بني قد أقروا بمثل ذلك )).

قوله: (( حيث اجتمع الناس على عبد الله بن عبد الملك ))، يريد: ابن مروان بن الحكم.

والمراد بالاجتماع : اجتماع الكلمة، وكانت قبل ذلك مفرقة، وكان في الأرض قبل ذلك اثنان، كل منهما لفقهاء بالخلافة، وهما عبد الملك بن مروان، وعبد الله بن الزبير – رضي الله عنه –

وكان ابن عمر في تلك المدة امتنع أن يبايع لابن الزبير أو لعبد الملك، فلما غلب عبد الملك واستقر له الأمر بايعه وهذا الذي فعله ابن عمر من مبايعة المتغلب هو الذي عليه الأئمة، بل انعقدت عليه الإجماع من الفقهاء :

ففي (( الاعتصام )) للشاله: فقال:يحيى بن يحيى قيل له: البيعة مكروهة ؟ قال: لا. قيل له: فإن كانوا أئمة جور ؟ فقال : قد بايع ابن عمر لعبد الملك بن مروان ، وبالسيف أخذ الملك، أخبرني بذلك مالك عنه، أنه كتب إليه : وأقر لك بالسمع والطاعة على كتاب على كتاب الله وسنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم .

قال يحيى بن يحيى: والبيعة خير من الفرقة )) ا هـ.

وروى البيهقي في يقول: قول الشافعي )) عن حرملة قال:

(( سمعت الشافعي يقول : كل من غلب على الخلافة بالسيف حتى يسمي خليفة، ويجمع الناس عليه، فهو خليفة انتهى.

وقد حكى الإجماع على ذلك الحافظ ابن حجر – رحمه الله تعالى – في (( الفتح )) ، فقال:

((وقد أجمع الفقهاء على وجوب طاعة السلطان المتغلب والجهاد معه، وأن طاعته خير من الخروج عليه لما في ذلك من حقن الدماء، وتسكين الدهماء )) انتهى.

وقد حكى الإجماع – أيضا – شيخ الإسلام الشيخ محمد بن عبد الوهاب – رحمه الله تعالى – فقال:

(( الأئمة مجموعون من كل مذهب على أن من تغلب على بلد – أو بلدان – له حكم الإمام في جميع الأشياء… )) العلم.

وقال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ – رحم الله الجميع – :

((وأهل العلم …. متفقون على طاعة من تغلب عليهم في المعروف، يرون نفوذ أحكامه، وصحة إمامته، لا يختلف في ذلك اثنان، ويرون المنع من الخروج عليهم بالسيف وتفريق الأمة، وإن كان الأئمة فسقة ما لم يروا كفراً بواحاً ونصوصهم في ذلك موجودة عن الأئمة الأربعة وغيرهم وأمثالهم ونظرائهم )) اهـ

قال الغزالي : (( لو تعذر وجود الورع والعلم فيمن يتصدى للإمامة – بأن يغلب عليها جاهل بالأحكام، أو فاسق – وكان في صرفه عنها إثارة فتنة لا تطاق، حكمنا بانعقاد إمامته.

لأنا بين أن نحرك فتنة بالاستبدال، فما يلقي المسلمون فيه – أي: في هذا الاستبدال – من الضرر يزيد على ما يفوتهم من نقصان هذه الشروط التي أثبتت لمزية المصلحة.

فلا يهدم أصل المصلحة شغفاً بمزاياها، كالذي يبني قصرا ويهدم مصراً.

وبين أن نحكم بخلو البلاد عن الإمام، وبفساد الأقضية وذلك محال.

ونحن نقضي بنفوذ قضاء أهل البغي في بلادهم لمسيس حاجتهم، فكيف لا نقضي بصحة الإمامة عند الحاجة والضرورة ؟ ! اهـ.

وقد نقل الشاطبي في (( الاعتصام )) كلاماً للغزالي نحو هذا، لما مثل ل (( المصالح المرسلة )) هذا نصه:

(( أما إذا انعقدت الإمامة بالبيعة، أو تولية العهد لمنفك عن رتبة الاجتهاد وقامت له الشوكة، وأذعنت له الرقاب، بأن خلا الزمان عن قرشي مجتهد مستجمع جميع الشروط وجب الاستمرار [ على الإمامة المعقودة إن قامت له الشوكة ]إمامته.ن قدر حضور قرشي مجتهد مستجمع للورع والكفاية وجميع شرائط الإمامة واحتاج المسلمون في خلع الأول إلى تعرض لإثارة فتن، واضطراب الأمور، لم يجز لهم خلعه والاستبدال به، بل تجب عليهم الطاعة له، والحكم بنفوذ ولايته وصحة إمامته…. )، ثم ضرب الغزالي مثلاً رائعاً وهو أن العلم اشتط الإمام لتحصيل مزيد من المصلحة في الاستقلال بالنظر والاستغناء عن التقليد.

إذا علم ذلك، فإن المرة المطلوبة من الإمامة: تطفئة الفتن الثائرة من تفرق الآراء المتنافرة .

قال الغزالي بعد ذلك:

فكيف يستجيز العاقل تحريك الفتنة وتشويش النظام وتفويت أصل المصلحة في الحال، تشوفاً إلى مزيد دقيقة في الفرق بين النظر والتقليد قال الشاطبي – تعليقاً على كلام الغزالي – :

(( هذا ما قال – يعني : الغزالي -، وهو متجه بحسب النظر المصلحي وهو ملائم لتصرفات الشرع وإن لم يعضده نص على التعيين. وما قرره هو أصل مذهب مالك … ))

ثم ساق الشاطبي رواية عن مالك بن أنس في هذا الباب – تقدم ذكرها – وقال:

(( فظاهر هذه الرواية أنه إذا خيف عند خلع غير المستحق وإقامة المستحق أن تقع فتنة وما لا يصلح، فالمصلحة الترك.

وروى البخاري عن نافع، قال :

لما خلع أهل المدينة يزيد بن معاوية، جمع ابن عمر حشمه وولده، فقال : إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ينصب لكل غادر لواء يوم القيامة ، وإنا قد بايعنا هذا الرجل على بيعة الله ورسوله، وإني لا أعلم أحد منكم خلعه ولا تابع في هذا الأمر إلا كانت الفيصل بيني وبينه قال ابن العربي :

وقد قال ابن الخياط أن بيعة عبد الله لزيد كانت كرها، وأين يزيد من ابن عمر ؟ ولكن رأى بدينه وعلمه التسليم لأمر الله، والفرار من التعرض لفتنة فيها من ذهاب الأموال والأنفس ما لا يفي بخلع يزيد، لو تحقق أن الأمر يعود في نصابه، فكيف ولا يعلم ذلك ؟

قال وهذا أصل عظيم فتفهموه والزموه، ترشدوا – إن شاء الله – )). انتهى من (( الاعتصام )) للشاطبي

القاعدة الرابعة

يصح في الاضطرار تعدد الأئمة ،ويأخذ كل إمام منهم في قطره حكم الإمام الأعظم

((ومن لم يفرق بين حالي الاختيار والاضطرار، فقد جهل المعقول والمنقول )) قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب – رحمه الله تعالى – : (( الأئمة مجموعون من كل مذهب على أن من تغلب على بلد – أو بلدان – له حكم الإمام في جميع الأشياء ولولا هذا ما استقامت الدنيا، لأن الناس من زمن طويل – قبل الإمام أحمد إلى يومنا هذا – ما اجتمعوا على إمام واحد ولا يعرفون أحداً من العلماء ذكر أن شيئاُ من الأحكام لا يصح إلا بالإمام الأعظم اهـ.

وقال العلامة الصنعاني – رحمه الله تعالى – في شرح حديث أبي هريرة – رضي الله عنه – مرفوعاً : من خرج عن الطاعة وفارق الجماعة ومات، فميتته ميتة جاهلية خليفة أي قطر ((قوله : ((عن الطاعة ))، أي : طاعة الخليفة الذي وقع الاجتماع عليه ،وكأن المراد خليفة أي قطر من الأقطار، إذ لم يجمع الناس على خليفة في جميع البلاد الإسلامية من أثناء الدولة العباسية بل استقل أهل كل إقليم بقائم بأمورهم، إذ لو حمل الحديث على خليفة أجتمع عليه أهل الإسلام، لقلت فائدته.

وقوله : (( وفارق الجماعة ))، أي : خرج عن الجماعة الذين اتفقوا على طاعة إمام انتظم به شملهم واجتمعت به كلمتهم وحاطهم عن عدوهم )) ا هـ.

وقال العلامة الشوكاني – رحمه الله تعالى – في شرح صاحب (( الأزهار )) : (( ولا يصح إمامان )) :

(( وأما بعد انتشار الإسلام واتساع رقعته وتباعد أطرافه، فمعلوم أنه قد صار في كل قطر – أو أقطار – الولاية إلى إمام أو سلطان، وفي القطر الآخر كذلك، ولا ينعقد لبعضهم أمر ولا نهي في قطر الآخر وأقطاره التي رجعت إلى ولايته.

فلا بأس بتعدد الأئمة والسلاطين ويجب الطاعة لكل واحد منهم بعد البيعة له على أهل القطر الذي ينفذ فيه أوامره ونواهيه، وكذلك صاحب القطر الآخر.

فإذا قام من ينازعه في القطر الذي ثبت فيه ولايته، وبايعه أهله، كان الحكم فيه أن يقتل إذا لم يتب.

ولا تجب على أهل القطر الآخر طاعته، ولا الدخول تحت ولايته، لتباعد الأقطار، فأنه قد لا يبلغ إلى ما تباعد منها خبر إمامها أو سلطانها، ولا يدري من قام منهم أو مات، فالتكليف بالطاعة والحال هذا تكيف بما لا يطاق.

وهذا معلوم لكل من له إطلاع على أحوال العباد والبلاد ….

فاعرف هذا، فإنه المناسب للقواعد الشرعية، والمطابق لما تدل عليه الأدلة، ودع عنك ما يقال في مخالفته، فإن الفرق بين ما كانت عليه الولاية الإسلامية في أول الإسلام وما هي عليه الآن أوضح من شمس النهار.

ومن أنكر هذا، فهو مباهت ولا يستحق أن يخاطب بالحجة لأنه لا يعقلها )) ا هـ.

فهذه أقوال ثلاثة من علماء الأمة المجتهدين تقرر صحة تعدد الأئمة في بيعة الاضطرار، ومعولها على الأدلة الشرعية والقواعد المرعية والمصالح الكلية، وقد سبقهم إلى نحو هذا ثلة من العلماء المحققين.

من ذلك قول العلامة ابن الأزرق المالكي قاضي القدس :

(( أن شرط وحدة الإمام بحيث لا يكون هناك غيره لا يلزم مع تعذر الإمكان.

قال بن عرفة – فيما حكاه الأبي عنه – : فلو بعد موضع الإمام حتى لا ينفذ حكمه في بعض الأقطار البعيدة، جاز نصب غيره في ذلك القطر.

وللشيخ علم الدين – من علماء العصر بالديار المصرية – : يجوز ذلك للضرورة … )) ا هـ.

وقد حكي العلامة بن كثير الخلاف في هذه المسألة، وذكر قول الجمهور القائلين بعدم الجواز، ثم قال :

(( وحكي إمام الحرمين عن الأستاذ أبي إسحاق أنه جوز نصب إمامين فأكثر إذا تباعدت الأقطار، واتسعت الأقاليم بينهما، وتردد إمام الحرمين في ذلك .

قلت : وهذا يشبه حال الخلفاء من بني العباس بالعراق والفاطميين بمصر والأمويين بالمغرب … )) اهـ.

وقال المازري في (( المعلم )) (( العقد لإمامين في عصر واحد لا يجوز وقد أشار بعض المتأخرين من أهل الأصول إلى أن ديار المسلمين إذا اتسعت وتباعدت، وكان بعض الأطراف لا يصل إليه خبر الإمام ولا تدبيره حتى يضطروا إلى إقامة إمام بدبرهم، فإن ذلك يسوغ لهم )) ا هـ

وبهذه النقول الواضحة يتجلى ما عليه بعض المحققين من أهل العلم من جواز تعدد الأئمة للضرورة والحاجة.

وعليه يثبت شرعاً لهؤلاء الأئمة المتعددين ما يثبت للإمام الأعظم يوم أن كان موجوداً فيقيمون الحدود ونحوها ويسمع ويطاع لهم، ويحرم الخروج عليهم.

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله تعالى – :

(( والسنة أن يكون للمسلمين إمام واحد والباقون نوابه، فإذا فرض أن الأمة خرجت عن ذلك لمعصية من بعضها، وعجز من الباقين – فكان لها عدة أئمة، لكان يجب على كل إمام أن يقيم الحدود، ويستوفي الحقوق …. )) ا هـ .

القاعدة الخامسة

الأئمة الذين أمر النبي صلى الله عليه وسلم بطاعتهم هم الأئمة الموجودون المعلومون، الذين لهم سلطان وقدرة

أما من كان معدوماً أو لا قدرة له على شيء أصلاً، فليس داخلاً فيما أمر النبي صلى الله عليه وسلم من طاعة الولاة .

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله تعالى – (( أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بطاعة الأئمة الموجودين المعلومين، الذين لهم سلطان يقدرون به على سياسة الناس، لا بطاعة معدوم ولا مجهول ولا من ليس له سلطان ولا قدرة على شيء أصلاً )) انتهى.

وحجة هذا : أن مقاصد الإمامة التي جاء الشرع بها من إقامة العدل بين الناس وإظهار شعائر الله –تعالي – وإقامة الحدود ونحو ذلك لا يمكن أن يقوم بها معدوم لم يوجد بعد، ولا مجهول لا يعرف.

وإنما يقوم بها الإمام الموجود الذي يعرفه المسلمون عموماً علماؤهم وعوامهم، شبابهم وشيبهم، رجالهم ونسائهم، والذي له قدرة على إنقاذ مقاصد الإمامة، فإذا أمر برد مظلمة ردت، وإذا حكم بحد أقيم، وإذا عزر نفذ تعزيزه في رعيته ونحو ذلك مما هو من مظاهر السلطان والولاية، فهذا هو الذي يحقق الله على يديه مصالح السلطان والولاية، فهذا هو الذي يحقق الله على يديه مصالح المسلمين، فتأمن به السبل وتجتمع عليه الكلمة، وتحفظ به بيضة أهل الإسلام.

فمن نزل نفسه منزلة ولي الأمر الذي له القدرة والسلطان على سياسة الناس، فدعا جماعة للسمع والطاعة له أو أعطته تلك الجماعة بيعة تسمع وتطيع له بموجبها، أو دعا الناس إلى أن يحتكموا إليه في رد الحقوق غلي أهلها تحت أي مسمي كان ونحو ذلك، وولي الأمر قائم ظاهر : فقد حاد الله ورسوله، وخالف مقتضى الشريعة، وخرج من الجماعة.

فلا تجب طاعته، بل تحرم، ولا يجوز الترافع إليه ولا ينفذ له حكم ومن آزره أو ناصره بمال أو كلمة أو أقل من ذلك، فقد أعان على هدم الإسلام وتقتيل أهله وسعى في الأرض فساداً، والله لا يحب المفسدين.

القاعدة السادسة

مراعاة الشارع الحكيم لتوقير الأمراء واحترامهم

وذلك من طريقين :

الأول : الأمر بذلك والتأكيد عليه.

الثاني : النهي عن كل ما يقضي إلى التفريط في توقيرهم واحترامهم من سبهم وانتقاصهم، والتأليب عليهم، ونحو ذلك.

فمن الطريق الأول : ما بوب له الحافظ ابن أبي عاصم في كتابه (( السنة ))، حيث قال :

باب في ذكر فضل تعزيز الأمير وتوقيره ثم ساق بسنده عن معاذ بن جبل، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

خمس من فعل واحدة منهن كان ضامناً على الله – عز وجل – : من عاد مريضاً، أو خرج مع جنازة أو خرج غازياً أو دخل على إمامه يريد تعزيزه وتوقيره، أو قعد في ببيته، فسلم الناس منه وسلم من الناس وبسنده أيضاً عن أبي بكرة – رضي الله عنه – قال : سمعت رسول الله ً يقول : السلطان ظل الله في الأرض، فمن أكرمه أكرم الله، ومن أهانه أهانه الله ومثل الإمام ابن أبي عاصم : الأمام أبو القاسم الأصبهاني – الملقب بقوام السنة – حيث قال في كتابه (( الحجة في بيان المحجة وشرح عقيدة أهل السنة )) (( فصل في فضل توقير الأمير )) وساق حديث معاذ – رضي الله عنه – السابق وحديث أبي ذر – رضي الله عنه – الآتي.

ومثلهما – أيضاً – : التبريزي، حيث قال في كتابه (( النصيحة )) :

باب ذكر النصيحة للأمراء وإكرام محلهم، وتوقير رتبتهم، وتعظيم منزلتهم. ا هـ

ومن الطريق الثاني : ما بوب له ابن أبي عاصم – أيضاً – في كتاب ((السنة )) حيث قال :

باب ما ذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم من أمره بإكرام السلطان وزجره عن إهانته ثم ساق بسنده حديث أبي بكر – السابق – :

من أهان سلطان الله أهانه الله وبسنده – أيضاً – عن أبي ذر – رضي الله عنه – ن قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :

سيكون بعدي سلطان، فمن أراد ذله ثغر في الإسلام ثغرة وليست له توبة إلا أن يسدها وليس يسدها إلى يوم القيامة .

وقد أخرج بن أبي عاصم في (( السنة )) هذا الحديث من وجه أخر صحيح، عن معاوية بن أبي سفيان، قال : لما خرج أبو ذر إلى الزبدة، لقيه ركب من أهل العراق، فقالوا : يا أبا ذر قد بلغنا الذي صنع بك فاعقد لواءً يأتيك رجال ما شئت.

قال : مهلاً مهلاً يا أهل الإسلام، فغني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : سيكون بعدي سلطان فأعزوه، من التمس ذله ثغر ثغرة في الإسلام، ولم يقبل منه توبة حتى يعيدها كما كانت وفي الباب أحاديث وآثار كثيرة ذكرت طرفاً منها في ( الفصل السابع، في النهي عن سب الأمراء ) ومن تأمل النصوص الواردة في هذا الباب علم أن الشارع إنما أمر بتوقير الولاة وتعزيزهم، ونهي عن سبهم وانتقاصهم لحكمة عظيمة ومصلحة كبرى، ، وأشار إلى طرف منها الإمام القرافي في كتابه (( الذخيرة )) فقال :

(( قاعدة ضبط المصالح العامة واجب ولا ينضبط إلا بعظمة الأئمة في نفس الرعية، ومتي اختلفت عليهم – أو أهينوا – تعذرت المصلحة … )) ا هـ.

وقد أشار أيضاً العلامة الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين – رحمه الله – إلى الحكمة في ذلك بقوله :

(( فالله الله في فهم منهج السلف الصالح في التعامل مع السلطان، وأن لا يتخذ من أخطاء السلطان سبيلاً لإثارة الناس وإلي تنفير القلوب عن ولاة الأمور، فهذا عين المفسدة، وأحد الأسس التي تحصل بها الفتنة بين الناس.

كما أن ملء القلوب على ولاة الأمر يحدث الشر والفتنة والفوضى.

وكذا ملء القلوب على العلماء يحدث التقليل من شأن العلماء، وبالتالي التقليل من الشريعة التي يحملونها.

فإذا حاول أحد أن يقلل من هيبة العلماء وهيبة ولاة الأمر ضاع الشرع والأمن.

لأن الناس إن تكلم العلماء لم يثقوا بكلامهم وأن تكلم الأمراء تمردوا على كلامهم، فحصل الشر والفساد.

فالواجب أن ننظر ماذا سلك السلف تجاه ذوي السلطان وأن يضبط الإنسان نفسه وأن يعرف العواقب.

وليعلم أن من يثور إنما يخدم أعداء الإسلام، فليست العبرة بالثورة ولا بالانفعال، بل العبرة بالحكمة …)) ا هـ.

ورحم الله سهل بن عبد الله التستري حينما قال :

(( لا يزال الناس بخير ما عظموا السلطان والعلماء، فإن عظموا هذين : أصلح الله دنياهم وأخراهم، وإن استخفوا بهذين : أفسدوا دنياهم وأخراهم )) ا هـ.

وأن شئت أن تتضح لك هذه القاعدة أكثر وتعلم منزلتها عند علماء الأمة، فتأمل حادثة الإمام أبي الوفاء ابن عقيل الحنبلي، ساقها الإمام ابن القيم – رحمه الله – في كتابه (( بدائع الفوائد )) ، حيث يقول :

(( فائدة عوتب ابن عقيل في تقبيل يد السلطان حين صافحه فقال : أرأيتم لو كان والدي فعل ذلك فقبلت يده، أكان خطأ، أم واقعاً موقعه ؟ قالوا : بلي، قال فالأب يربي ولده تربية خاصة والسلطان يربي العالم تربية عامة، فهو بالإكرام أولى.

ثم قال : وللحال الحاضرة حكم من لبسها، وكيف يطلب من المبتلى بحال، ما يطلب من الخالي عنها ؟ )) ا هـ.

الفصل الثاني

في بيان المكانة العلية لولي الأمر في الشرع المطهر

أولو الأمر لهم مكانة علية، ومنزلة رفيعة جلية، منحهم الشارع إياها ليتناسب قدرهم مع علو وظيفتهم ورفيع منصبهم وعظم مسئوليتهم، فإن منصبهم – منصب الإمامة – إنما وضع ليكون خلفاً للنبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا.

أن وضع الشارع ولاة الأمر في هذه المكانة الشريفة والرتبة المنيفة هو عين الحكمة التي يرعاها في سائر تصرفاته، وعين المصلحة التي يتشوق إلى تحقيقها.

فإن الناس لا يسوسهم إلا قوة الإمام وحزمه فلو لم يعطه الشارع ما يناسب طبيعة عمله من فرض احترامه وتعظيمه – ونحو ذلك -، لامتهنه الناس، ولم ينقادوا له، ومن ثم يحل البلاء وتعم الفوضى وتفوت المصالح، فتفسد الدنيا ويضيع الدين.

قال الإمام بدر الدين ابن جماعة في كتابه : (( تحرير الأحكام في تدبير أهل الإسلام )) في مساق ذكر حقوق ولي الأمر :

(( الحق الرابع : أن يعرف أن له عظيم حقه، وما يجب من تعظيم قدره، فيعامل بما يجب له من الاحترام والإكرام، وما جعل الله – تعالى – له من الإعظام، ولذلك كان العلماء الأعلام من أئمة الإسلام يعظمون حرمتهم ويلبون دعوتهم – مع زهدهم وورعهم وعدم الطمع فيما لديهم -.

وما يفعله بعض المنتسبين إلى الزهد من قلة الأدب معهم فليس من السنة )) ا هـ.

ولما أن الشارع أعطى ولي الأمر تلك المنزلة الرفيعة وجدت الناس مفطورين على تعظيمه واحترامه وهيبته ولا يخرج عن ذلك إلا ملوث الفطرة ضعيف الديانة، ولذا قال أمير المؤمنين عثمان بن عفان – رضي الله عنه – ؛

(( ما يزرع الإمام أكثر مما يزرع القرآن ))

أخرجه ابن عبد البر في (( التمهيد )) من طريق ابن القاسم قال : حدثنا مالك : أن عثمان كان يقول … فذكره.

قال ابن القاسم قلت لمالك : ما يزرع ؟ قال يكف.

وأهل الأدب والكاتبون في الساسة يذكرون هذا الأثر بلفظ :

(( ما يزرع الله بالسلطان أكثر ما يزرع بالقرآن )) قال ابن منظور في (( اللسان )) (8\390 ) : معناه : أن من يكف عن ارتكاب العظائم مخافة السلطان أكثر ممن تكفه مخافة القرآن والله تعالي، فمن يكفه السلطان عن المعاصي أكثر ممن يكفه القرآن بالأمر والنهي والإنذار. ا هـ.

فهذا وجه من وجوه المصلحة في تأكيد الشارع على مكانة السلطان ووجوب تعزيزه وتوقيره، مما يظهر عظمة السلطان ويوقع مهابته في النفوس، فتنكف عن المحظور خشية بأس السلطان.

وذلك لأن العلة المانعة من الظلم عقل زاجر، أو دين حاجز، أو سلطان رادع أو عجز صاد، فإذا تأملت لم تجد لها خامساً.

ورهبة السلطان أبلغها، لأن العقل والدين ربما كانا مشغولين بداعي الهوى فتكون رهبة السلطان أشد زجراً وأقوى ردعاً. قاله المناوي في (( الفيض )) ( 4\143).

ونحن نذكر – إن شاء الله تعالى – جملاً في مكانة ولي الأمر في الشرع على جهة الاختصار، لأن كثيراً منها له موضع بسط في هذه الرسالة وذلك ليكون إجلال المسلم سلطانه على جهة التعبد لله – تعالي-، والنصح للسلطان فلا يخل بشيء من حقوقه عليه كما لا يخل بشيء من حقوق والديه عليه، ويحتسب بذلك الأجر الأوفر من الله – عز وجل -.

فمن ذلك

أن الله – تعالى – أمر بطاعة الولاة وقرن طاعته – تعالى – وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم بطاعتهم فدل على ذلك على رفيع شأنهم وعظيم قدرهم، قال – تعالى سورة النساء الآية 59 يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ وهذه الطاعة لولاة الأمر المفروضة على العباد مقيدة بما إذا لم يأمروا بمعصية الله – تعالى – فإذا أمروا بمعصية فلا يطاعون في هذه المعصية لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.

وقد شهدت السنة بهذا القيد في أحاديث عديدة يأتي ذكرها – أن شاء الله تعالي-.

– إخبار الشارع بأن من أكرم السلطان، أكرمه الله، ومن أهانه أهانه الله.

والمعني أن من تجرأ على السلطان فأهانه بفعل أو قول فقد تعدي حدود الله ،وأرتكب محظوراً شنيعاً، فكانت عقوبته من جنس عمله المشين، وهي أن الله – تعالى – يقابل هوانه بهوانه، وهو أن الله أعظم وأشد.

وما هذا العقاب الصارم لمن أهان السلطان إلا لما يترتب على إهانته من إذهاب هيبته وتجرئ الرعاع عليه مما ينافي مقاصد الشارع من نصب السلطان .

وفي المقابل : من أكرم السلطان بحفظ ما أثبته الشارع له من الحقوق والواجبات فأجله وعزره وقدره، ولم يخرج عن أمره في المعروف، كان جزاؤه من جنس عمله المبارك فأكرمه الله – تعالى – في هذه الدنيا برفعته وتسخير قلوب العباد لإكرامه، وفي الآخرة بدخول الجنة.

وقد جاء في بعض ألفاظ حديث أبي بكر – رضي الله عنه – :

(( من أجل سلطان الله، أجله الله يوم القيامة )) أخرجه ابن أبي عاصم في (( السنة )) أن السلطان ظل الله في الأرض وهذه الجملة هي مقولة أهل السنة والجماعة، حكاها عنهم ابن أبي زمنين في كتابه (( أصول السنة )) وهي مروية في عدة أحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ورواها أبو بكر وعمر، وابن عمر، وأبو بكرة، وأنس، وأبو هريرة – رضي الله عنهم -، أشار إلى ذلك السخاوي في (( المقاصد الحسنة )) ، وذكر أنه جمعها في جزء سماه (( رفع الشكوك في مفاخر الملوك )) .

قلت حديث أبي بكر أصحها، وهو حديث حسن، كما سيأتي بيان ذلك، ولفظه عند ابن أبي عاصم في السنة (( السنة )) :

السلطان ظل الله في الأرض، فمن أكرمه أكرم الله ومن أهانه أهانه الله .

قوله (( السلطان ظل الله ))، أي يدفع الله به الأذى عن الناس، كما أن الظل يدفع أذى حر الشمس

وأضيف إلى الله – تعالى – هنا في قوله (( ظل الله )) – وفي بعض الألفاظ (( سلطان الله ))-، إعلاماً للناس بأنه ظل ليس كسائر الظلال، فهو أرفعها وأجلها، وأعظمها فائدة ونفعاً.

وهذه الإضافة إلى الله إنما هي إضافة تشريف كما يقال بيت الله، وكعبة الله، ونحو ذلك، ففيه إشارة إلى علو مكانة السلطان وشرف منزلته.

نهي الشارع عن سب السلطان وزجره لمن وقع في ذلك، وقد ورد في هذا المعني عدة أحاديث لا تصح ،ولكن ثبت عن الصحابة من هذا شيء كثير.

يقول أنس – رضي الله عنه – :

((نهانا كبراؤنا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا : لا تسبوا أمرائكم ..)) قال المناوي في (( فيض القدير )) (( جعل الله – السلطان – معونة لخلقه، فيصان منصبه عن السب والامتهان ليكون احترامه سبباً لامتداد فيء الله ودوام معونة خلقه.

وقد حذر السلف من الدعاء عليه فإنه يزداد شراً ويزاد البلاء على المسلمين )) ا هـ.

وقد أخرج البيهقي في (( الشعب )) من طريق أبي عثمان سعيد ابن اسما عيل الواعظ الزاهد : حدثنا موسى بن نصر : حدثنا جرير، عن سهيل بن أبي صالح عن عطاء بن يزيد الليثي، عن تميم الداري، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم

الدين النصيحة الحديث.

قال : أبو عثمان الزاهد :

(( فانصح للسلطان وأكثر له من الدعاء بالإصلاح والرشاد، بالقول والعمل والحكم، فإنهم إذا صلحوا، صلح العباد بصلاحهم.

وإياك أن تدعو عليهم بالعنة، فيزدادوا شراً، ويزداد البلاء على المسلمين ولكن ادعوا لهم بالتوبة فيتركوا الشر، فيرتفع البلاء عن المؤمنين )) ا هـ

– نقل بدر الدين ابن جماعة عن الطرطوشي في قوله – تعالى – (وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ)(سورة البقرة الآية 251 ) ، قال :

(( قيل في معناه : لولا أن الله تعالى أقام السلطان في الأرض يدفع القوي عن الضعيف، وينصف المظلوم من ظالمه، لتواثب الناس بعضهم على بعض، (( فلا ينتظم لهم حال، ولا يستقر لهم قرار، فتفسد الأرض ومن عليها، ثم أمتن الله – تعالى – على عباده بإقامة سلطان لهم بقوله (وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ) اهــ

قال الألوسي في تفسير هذه الآية : (( وفي هذا تنبيه على فضيلة الملك، وأنه لولاه ما استتب أمر العالم.

[ص-21] ولهذا قيل : الدين والملك تؤمان، ففي ارتفاع أحدهما ارتفاع الأخر، لأن الدين أس والملك حار س، وما لا أس له فمهدوم، وما لا حارس له فضائع )) ا هـ

فامتنان الله – تعالى – على عباده بآثامه السلطان بين أظهرهم دليل على فضل السلطان، إذ أن الله – تعالى – إنما يمتن على عباده بالأمور العظام، تنبيه على ما دونها، وإظهار لعظيم فضله – تعالى -.

– الإجماع المنعقد من الأمة على أن الناس لا يستقيم لهم أمر من أمور دينهم، ولا دنياهم إلا بالإمامة، فلولا الله ثم الإمامة لضاع الدين وفسدت الدنيا.

وفي هذا المعني يقول الفقيه أبو عبد الله القلعي الشافعي في كتابه (( تهذيب الرياسة )) (( نظام أمر الدين والدنيا مقصود، ولا يحصل ذلك إلا بإمام موجود.

لو لم نقل بوجوب الإمامة، لأدي ذلك إلى دوام الاختلاف والهرج إلى يوم القيامة.

لو لم يكن للناس إمام مطاع، لانثلم شرف الإسلام وضاع .

لو لم يكن للأمة إمام قاهر، لتعطلت المحاريب والمنابر، وانقطعت السبل للوارد والصادر.

لو خلي عصر من إمام، لتعطلت فيه الأحكام، وضاعت الأيتام، ولم يحج البيت الحرام.

لولا الأئمة والقضاة والسلاطين والولاة، لما نكحت الأيامى، ولا كفلت اليتامى.

لولا السلطان، لكان الناس فوضي، ولأكل بعضهم بعضا )) ا هـ.

…. هذا الكلام من أجمع الكلام وأحكمه وأعذبه.

– أن السلطان أعظم الناس أجراً إذا عدل.

يقول العز بن عبد السلام في كتابه (( قواعد الأحكام في مصالح الأنام )) (( وعلى الجملة فالعادل من الأئمة والولاة والحكام أعظم أجراً من جميع الأنام – بإجماع أهل الإسلام -، لأنهم يقومون بجلب كل صالح كامل، ودرء كل فاسد شامل.

فإذا أمر الإمام بجلب المصالح العامة ودرء المفاسد العامة، كان له أجر بحسب ما دعا إليه من المصالح العامة، وزجر عنه من المفاسد، ولو كان ذلك بكلمة واحدة لأجر عليها بعدد متعلقاتها … )) .

قال : (( وأجر الإمام الأعظم أفضل من أجر المفتي والحاكم – يعني القاضي -، لأن ما يجلبه من المصالح ويدرؤه من المفاسد أتم وأعم )) ا هـ.

[ص-22] وقد أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :

سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله : الإمام العادل …. الحديث.

قال الحافظ :

(( المراد به صاحب الولاية العظمى، ويلتحق به كل من ولي شيئاً من أمور المسلمين، فعدل فيه … )) ا هـ.

وإنما جوزي بهذا الجزاء، لأن الناس كانوا في ظله في الدنيا فكان جزاؤه في الآخرة من جنس عمله في الدنيا جزاءً وفاقاً.

وقدمه صلى الله عليه وسلم لأنه أفضل السبعة، وأعلاهم مرتبة، فإنهم داخلون تحت ظله، ولعموم النفع به .

وقد ذكر بعض أهل العلم أن الإمام يوضع في ميزانه جميع أعمال رعيته وهذا ما أشار إليه العز في قوله المتقدم : (( كان له أجر بحسب ما دعا إليه من المصالح … )) الخ.

قال ابن الأزرق المالكي : (( وقاعدة أن فاعل السبب بمنزلة فاعل المسبب قاطعة بذلك.

وإليها يشير قوله صلى الله عليه وسلم :

من دعى إلى هدى، كان له من الأجر مثل أجور من تبعه، لا ينقص من أجورهم شياً، ومن دعا إلى ضلالة، كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئاً .

رواه مسلم عن أبي هريرة ا هـ.

وكما أنه إذا دعا إلى هدى كان له مثل أجر من عمله من رعيته، فإنه لو دعا إلى باطل من معتقد فاسد أو معصية، فعمل بها الناس، فعليه من الآثام مثل آثام من تبعه في ذلك إلى يوم القيامة .

– إجماع المسلمين على أن الولايات من أفضل الطاعات حكاه العز ابن عبد السلام في (( القواعد )) وأنه من أعظم واجبات الدين، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية [ص-23] ولو ذهبنا نستقصي مكانة الولاة في الإسلام لطال بنا الكلام وتشعبت بنا الأبحاث، وفيما ذكرنا تنبيه على المقصود والله من وراء القصد.

الفصل الثالث

حكم الإمامة ، والحكمة منها وبيان مقاصدها

أولاً : حكم الإمامة :

نصب الإمام فرض واجب على المسلمين، وهذا باتفاق الأئمة والأمة ، لا ينازع في ذلك غلا مبطل أصم عن نصوص الكتاب والسنة.

وإجماع الصحابة بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم عن نصب الإمام قبل الاشتغال بدفنه صلى الله عليه وسلم دليل قاطع على أنه من أهم الواجبات .

وقد حكى الإجماع على ذلك أهل التحقيق من العلماء، ففي (( الأحكام السلطانية )) – لأبي الحسن الماوردي- :

(( وعقدها لمن يقوم بها في الأمة واجب – بالإجماع -، وإن شذ عنهم الأصم ))

قلت : الأصم، هو : أبو بكر عبد الرحمن بن كيسان الأصم شيخ المعتزلة ! ولا عبرة بخلافه، بل قال القرطبي – رحمه الله تعالى – في (( الجامع لأحكام القرآن )) (( ولا خلاف في جواب ذلك – أي : عقد الإمامة – بين الأمة، ولا بين الأئمة، غلا ما روي عن الأصم، حيث كان عن الشريعة أصم وكذلك كل من قال بقوله، واتبعه على رأيه ومذهبه )) .اهـ

ومن الأدلة على وجوب نصبه :

أن الشرع المطر علق أحكاماً كثيرة بالإمام منها قوله- تعالى -( يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ)( سورة النساء الآية 59) [ص-24] ومنها قوله صلى الله عليه وسلم : من مات وليس في عنقه بيعة، مات ميتة جاهلية ، فكيف يأمر – تعالى – بطاعة الإمام وليس وجوده واجباً ؟ وكيف يموت – من يموت وليس في عنقه بيعة – ميتة جاهلية، والإمام ليس واجباً وجوده ؟

قال أبو داود في (( سننه )) : باب في القوم يسافرون، يؤمرون أحدهم، وأخرج فيه عن أبي سعيد الخدري – رضي الله عنه -، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إذا خرج ثلاثة في سفر، فليؤمروا أحدهم .

وعن نافع، عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إذا كان ثلاثة فليؤمروا أحدهم .

قال نافع : فقلنا لأبي سلمة : فأنت أميرنا !

رجال الحديثين ثقات ، واضطراب محمد بن عجلان فيه – مرة يجعله من حديث أبي هريرة ومرة يجعله من حديث أبي سعيد – : لا يضر، لأنه انتقال من صحابي إلى آخر وكل حجة، فالحديث صحيح.

أفاد ذلك العلامة الألباني – رحمه الله تعالى – وأخرج الإمام أحمد في ((المسند )) ، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : … ولا يحل لثلاثة نفر، أن يكونون بأرض فلاة، إلا أمروا عليهم أحدهم قال الهيثمي في (( المجمع )) : رواه أحمد، وفيه ابن لهيعة، وهو لين، وبقية رجاله رجال الصحيح. ا هـ.

قلت : يعضده ما سلف .

وأخرج البزار في (( مسنده )) ، عن عمر بن الخطاب – رضي الله عنه -، أنه قال : إذا كنتم ثلاثة في سفر فأمروا عليكم أحدكم، ذاك أمير أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم .

قال ابن كثير : (( هذا إسناد جيد …)) وصور الدارقطني وقفه على عمر وقد دل هذا الحديث على وجوب الإمامة من جهة أنه صلى الله عليه وسلم أوجب على الثلاثة تأمير أحدهم إذا سافروا مع قلة عددهم، وقصر مدة بقائهم فكان نصب الإمامة في الحضر أولي.

[ص-25] أفاد ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية وبناء على هذه الأدلة الشرعية ونحوها، فإن تولي الإمامة فرض كفاية، إذا قام به من يكفي، سقط عن الباقين.

قال القاضي أبو يعلى (( وهي فرض على الكفاية، مخاطب بها طائفتان من الناس، أحدهما : أهل الاجتهاد، حتى يختاروا.

والثانية : من يوجد فيه شرائط الإمامة، حتى ينتصب أحدهم للإمامة )) .اهـ.

ثانياً : الحكمة من الإمامة :

طبع بنوا آدم – إلا الأنبياء والمرسلين – على حب الانتصاف وعدم الإنصاف، فلو لم يكن عليهم سلطان يسوس أمورهم لكانوا كوحوش الغابة وحيتان البحر يأكل القوي الضعيف.

وأن شئت أن تري هذه الحقيقة نصب عينيك فانظر في هذا الزمن – مثلاً – إلى (( إشارات المرور )) كيف تنظم هذه الإشارات سير الناس بسياراتهم، فإذا حصل عطل فهل رأيت شريعة الغاب ترفع أعلامها، فلا تسأل عن المقاحمات الشديدة بين قائدي السيارات، كل منهم يريد أن ينفذ الأول، لا فرق بين متعلمهم ومثقفهم وبين جاهلهم وسوقيهم، حتى إذا أصبحت السيارات – جميعها – ككتلة واحدة، بدأ السباب والشتام، وقد يرتقي غلي الضرب ونحوه، حتى يجيء شرطي المرور، فيحتاج وقتاً لتنظيم هذا السير، وفك هذا الاختناق.

فما بالك بالبلد التي لا سلطان فيها يحكم أمرها فيمنع المظالم وينصف أصحاب الحقوق، وينظم أحوال الناس في معاشهم .. ؟ لا ريب أنها ستكون مسرح فوضى، وفلاة سباع.

ولهذا قال الإمام أمير المؤمنين على بن أبي طالب – رضي الله عنه – : (( لا يصلح الناس إلا أمير بر، أو فاجر ))

قالوا : يا أمير المؤمنين هذا البر، فكيف الفاجر ؟ !

قال : (( إن الفاجر يؤمن الله – عز وجل – به السبيل ويجاهد به العدو ويجيء به الفيء، وتقام به الحدود، ويحج به البيت ويعبد الله فيه المسلم آمنا حتى يأتيه أجله )).

أخرجه وكيع في (( أخبار القضاة )) والبيهقي في (( الشعب )) .

فتأمل – أيها المسلم – هذا الكلام الصادر عن علم من أعلام الإسلام، وأحد الخلفاء الراشدين الكرام، الذي عاني في فترة خلافته من تفرق المؤمنين، والاختلاف بينهم في أمر الدنيا والدين، فكلامه هذا من شرع الله – تعالى – فبه يجب الأخذ والتسليم، ثم هو خلاصة تجربة من بلغ أعلى مراتب السياسة، وأجل مقامات الولاية، فعض على حديثه الرائق بالأسنان، وإياك ثم وإياك من نزعات الشيطان.

[ص-26] ولما وقعت فتنة القول بخلق القرآن في عهد المأمون – وكان فيها ما كان – أنطلق الإمام أحمد بن حنبل من القاعدة الشرعية والتجربة المرعية، فقال _ رحمه الله تعالى – في رواية المروذي عنه :

(( لا بد للمسلمين من حاكم، أتذهب حقوق الناس ؟ !

وقال – أيضاً – :

(( والفتنة إذا لم يكن إمام يقوم بأمر الناس )).

أخرجه الخلال في (( السنة وهكذا كل عالم بل كل عاقل من بني آدم لا يخرج إلا بهذه النتيجة ولا يعقد قلبه إلا على هذه العقيدة.

كل بني آدم لا تتم مصلحتهم – لا في الدنيا ولا في الآخرة – إلا بالاجتماع والتعاون، والتناصر، فالتعاون على جلب منافعهم، والتناصر لدفع مضارهم.

ولهذا يقال : الإنسان مدني بالطبع.

فإذا اجتمعوا، فلابد لهم من أمور يفعلونها، يجتلبون بها المصلحة، وأمور يجتنبونها لما فيها من المفسدة، ويكونون مطيعين للآمر بتلك المقاصد، والناهي عن تلك المفاسد.

فجميع بني آدم لابد له من طاعة آمر وناه … الخ. ا هـ من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية في الحسبة ))

ثالثاً ً مقاصد الإمامة :

جماع مقاصد الإمامة والولاية على المسلمين : الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما قال المولي – عز وجل – : ( الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ )(سورة الحج الآية 41)وقال – عز وجل – : ( وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ)(سورة النور الآية 55) قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله تعالى – : [ص-27] (( المقصود والواجب بالولايات إصلاح دين الخلق الذي متى فاتهم خسروا خسراناً مبينا، ولم ينفعهم ما نعموا به في الدنيا ،وإصلاح ما لا يقوم الدين إلا به من أمر دنياهم )) ا هـ.

فأفاد – رحمه الله – أن مقاصد الإمامية، تتمثل في مقصدين عظيمين :

الأول : القيام بدين الله – عز وجل -.

والثاني : القيام بما يصلح الدنيا وفق ما جاء به الشرع المطهر وأباحه.

فرجع الأمر كله في سياسة الأمة إلى الله وحده ( إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ)(سورة الأنعام الآية 57) …. ، فدين الله الإسلام الذي بعث به نبينا محمد صلى الله عليه وسلم هو خاتم الأديان، وأكملها، جاء لتنظيم مصالح الناس في الدين والدنيا قال تعالى ( مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ )(سورة الأنعام الآية 38)وقال( وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ)( سورة النحل الآية 89) فمن زعم أن هذا الدين العظيم فرط في بعض ما يحتاجه الناس في أمر الدين، أو السياسة الدنيا، فقد رد على الله عز وجل خبره، فخاب وخسر خسراناً مبيناً.

يقول الإمام الشافعي – رحمه الله تعالى – : (( لا سياسة إلا ما وافق الشرع )) وعبارة الشافعي – هذه – صريحة في أن السياسة العادلة المحمود صاحبها هي الموافقة لشرع الله، الذي جاء به قرآن يتلى أو سنة تهدي، أو إجماع أو قياس معتبران في الشرع المطهر، وذلك حق، إذ في هذه الأدلة الأربعة من بيان الأحكام للأمور المستقرة والمستجدة من نوازل كل عصر، ما يكفي لكون هذه الشريعة صالحة لكل زمان ومكان إلى قيام الساعة.

ومن هذا البيان يتضح أن تقسيم الناس الحكم إلى شريعة وسياسة تقسيم باطل ! وضح هذه العالمة ابن قيم الجوزية – رحمه الله تعالى -، فقال في معرض رده على من زعم ذلك : والسياسة نوعان : سياسة عادلة، فهي جزء من الشريعة وقسم من أقسامها لا قسيماتها.

وسياسة باطلة، مضادة للشريعة مضادة الظلم للعدل …))

[ص-28] إلي أن قال (( فهذا الفصل هو فرق ما بين ورثة الأنبياء وغيرهم، وأصله مبني على حرف واحد وهو عموم رسالته صلى الله عليه وسلم بالسنة إلى كل ما يحتاج إليه العباد في معارفهم وعلومهم، التي بها صلاحهم في معاشهم ومعادهم ،وأنه لا حاجة إلى أحد سواه البتة وإنما حاجتنا إلى من يبلغنا عنه ما جاء به.

فمن لم يستقر هذا في قلبه، لم يرسخ قدمه في الإيمان بالرسول.

بل يجب الإيمان بعموم رسالته في ذلك ن كما يجب الإيمان بعموم رسالته بالنسبة إلى المكلفين فكما لا يخرج أحد من الناس عن رسالته البتة كذلك لا يخرج حق من العلم والعمل عما جاء به، فما جاء به هو الكافي الذي لا حاجة بالأمة إلى سواه، وإنما يحتاج إلى غيره من قل نصيبه من معرفته وفهمه فبحسب قلة نصيبه من ذلك تكون حاجته، وإلا فقد توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وما من طائر يقلب جناحيه في السماء إلا وقد ذكر للأمة منه علماًء علمهم كل شيء حتى آداب التخلي وآداب الجماع والنوم والقيام والقعود والأكل والشرب والركوب والنزول ووصف لهم العرش والكرسي ،والملائكة والجنة والنار ويوم القيامة وما فيه حتى أنه رأي عين، وعرفهم بربهم ومعبودهم أتم تعريف حتى كأنهم يرونه بما وصفه لهم به من صفات كماله ،ونعوت جلاله وعرفهم الأنبياء وأممهم، وما جري لهم معهم حتى كأنهم كانوا بينهم، وعرفهم من أحوال طرق الخير والشر – دقيقها وجليلها – ما لم يعرفه نبي لأمته قبله وعرفهم من أحوال الموت وما يكون بعده من البرزخ وما يحصل فيه من النعيم والعذاب للروح والبدن ما جلي لهم ذلك حتى كأنهم عاينوه.

وكذلك عرفهم من أدلة التوحيد والنبوة والمعاد والرد على جميع طوائف أهل الكفر والضلال، ما ليس لمن عرفه حاجة إلى كلام أحد من الناس البتة، وكذلك عرفهم من مكايد الحروب ولقاء العدو وطرق الظفر به ما لو علموه وفعلوه، لم يقم لهم عدو أبداً.

وكذلك عرفهم من مكايد إبليس وطرقه التي يأتيهم منها ويحترزون بها من كيده ومكره، وما يدفعون به شره ما لا يزيد عليه.

وبذلك أرشدهم في معاشهم إلى ما لو فعلوه لاستقامت لهم دنياهم أعظم استقامة.

وبالجملة فقد جاءهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بخير الدنيا والآخرة بحذافيره ولم يجعل الله بهم حاجة إلى أحد سواه، ولهذا ختم الله به ديوان النبوة، فلم يجعل بعده رسولاً، لاستغناء الأمة به عمن سواه، فكيف يظن أن شريعته الكاملة المكملة محتاجة إلى سياسة خارجة عنها ؟ ! أو إلى حقيقة خارجة عنها ؟ ! أو إلى قياس خارج عنها ؟ ! أو إلى معقول خارج عنها ؟ ! فمن ظن ذلك، فهو كمن ظن أن بالناس حاجة إلى رسول آخر بعده وسبب هذا كله خفاء ما جاء به على من ظن ذلك :

قال – تعالى – ( أَوَ لَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ)(سورة العنكبوت الآية 51) وقال – تعالى : ( وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ)(سورة النحل الآية 89) [ص-29] وقال – تعالى – :( إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ)( سورة الإسراء الآية 9) وقال – تعالى – : ( يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ)(سورة يونس الآية 57) وكيف يشفي ما في الصدور كتاب لا يفي بعشر معشار ما في الناس محتاجون إليه – على زعمهم الباطل – ؟!

ويا لله العجب ! كيف كان الصحابة والتابعون قبل وضع هذه القوانين، واستخراج هذه الآراء والمقاييس والأقوال ؟ أهل كانوا مهتدين بالنصوص ؟ أم كانوا على خلاف ذلك حتى جاء المتأخرون أعلم منهم وأهدى منهم ؟ ! هذا ما لا يظنه من به رمق من عقل أو حياء نعوذ بالله من الخذلان.

ولكن من أوتي فهماً في الكتاب أو أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم أستغني بهما عن غيرهما بحسب ما أوتيه من الفهم وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم.

وهذا الفصل لو بسط كما ينبغي لقام منه عدة أسفار، ولكن هذه لفظات تشير إلى ما وراءها. ا هـ كلام ابن القيم – رحمه الله تعالى – من (( بدائع الفوائد )) وقد بين العلماء كثير من المقاصد الأساسية للإمامة في الشريعة الإسلامية ما بين مطول ومختصر، وألف صديق حسن خان ( المتوفى سنة 1307 هـ ) كتاباً بعنوان (( إكليل الكرامة في تبيان مقاصد الإمامة )).

ولما رأيت العلامة ابن جماعة الكتاني – رحمه الله تعالى – قد استوفي جل هذه المقاصد وعبر عنها بالحقوق الواجبة على السلطان، آثرت سياقها كما ذكرها، حيث ذكر الحقوق التي للسلطان والحقوق التي عليه، وهذا مسردها (( للسلطان أو للخليفة على الأمة عشرة حقوق، ولهم عليه عشرة حقوق ))

أما حقوق السلطان العشرة :

فالحق الأول :

بذل الطاعة له ظاهراً وباطناً في كل ما يأمر به أو ينهي عنه إلا أن يكون معصية، قال الله – تعالى -( يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ )( سورة النساء الآية 59) .

وأولو الأمر هم : الإمام ونوابه – عند الأكثرين –

[ص-30] وقيل : هم العلماء وقال النبي صلى الله عليه وسلم : (( السمع والطاعة على المسلم فيما أحب – أو كره – ما لم يؤمر بمعصية )) .

فقد أوجب الله – تعالى – ورسوله : طاعة أولي الأمر ولم يستثن منه سوي المعصية فبقي ما عداه على الامتثال .

الحق الثاني :

بذل النصيحة له سراً وعلانية .

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : الدين النصيحة ، قالوا : لمن ؟ قال : لله، ولرسوله، ولكتابه ولأئمته المسلمين، وعامتهم .

الحق الثالث :

القيام بنصرتهم باطناً وظاهراً ببذل المجهود في ذلك لما فيه نصر المسلمين وإقامة حرمة الدين وكف أيدي المعتدين.

الحق الرابع :

أن يعرف له حقه وما يجب من تعظيم قدره، فيعامل بما يجب له من الاحترام والإكرام، وما جعل الله – تعالى – له من الأعظام، ولذلك كان العلماء الأعلام من أئمة الإسلام يعظمون حرمتهم، ويلبون دعوتهم مع زهدهم وورعهم، وعدم الطمع فيما لديهم وما يفعله بعض المنتسبين إلى الزهد من قلة الأدب معهم، فليس من السنة.

الحق الخامس

إيقاظه عند غفلته ،وإرشاده عند هفوته، شفقة عليه، وحفظاً لدينه وعرضه، وصيانة لما جعله الله إليه من الخطأ فيه

الحق السادس :

تحذيره من عدو يقصده بسوء، وحاسد يرومه بأذى أو خارجي يخاف عليه منه، ومن كل شيء يخاف عليه منه – على اختلاف أنواع ذلك وأجناسه – ن فإن ذلك من أكد حقوقه وأوجبها .

الحق السابع :

إعلامه بسيرة عماله الذين هو مطالب بهم ومشغول الذمة بسببهم، لينظر لنفسه في خلاص ذمته، وللأمة في مصالح ملكه ورعيته.

الحق الثامن :

إعانته على ما تحمله من أعباء الأمة ومساعدته على ذلك بقدر المكنة، قال الله – تعالى – ( وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى )(سورة المائدة الآية 2) ، وأحق من أعين على ذلك ولاة الأمور.

[ص-31] الحق التاسع :

رد القلوب النافرة عنه إليه وجمع محبة الناس عليه لما في ذلك من مصالح الأمة وانتظام أمور الملة .

الحق العاشر :

الذب عنه بالقول والفعل وبالمال والنفس والأهل، في الظاهر والباطن والسر والعلانية .

وإذا وفت الرعية بهذه الحقوق العشرة الواجبة، وأحسنت القيام بمجامعها، والمراعاة لمواقعها، صفت القلوب وأخلصت واجتمعت الكلمة وانتصرت.

[ص-32] وأما حقوق الرعية العشرة على السلطان

فالأول :

حماية بيضة الإسلام والذب عنها إما في كل إقليم – إن كان خليفة – أو في القطر المختص به إن كان مفوضاً إليه، فيقوم بجهاد المشركين، ودفع المحاربين والباغين وتدبير الجيوش و تجنيد الجنود وتحصين الثغور بالعدة المانعة، والعدة الدافعة، وبالنظر في ترتيب الأجناد في الجهات على حسب الحاجات وتقدير إقطاعهم، وأرزاقهم، وصلاح أحوالهم.

الحق الثاني :

حفظ الدين على أصوله المقررة وقواعده المحررة، ورد البدع والمبتدعين، وإيضاح حجج الدين، ونشر العلوم الشرعية، وتعظيم العلم وأهله، ورفع مناره ومحله، ومخالطة العلماء الأعلام النصحاء لدين الإسلام ومشاورتهم في موارد الأحكام، ومصادر النقض والإبرام.

قال الله – تعالى – لنبيه صلى الله عليه وسلم (وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ)(سورة آل عمران الآية 159 ) قال الحسن : (( كان – والله – غنياً عن المشاورة ولكن أراد أن يستن لهم )).

الحق الثالث :

إقامة شعائر الإسلام كفروض الصلوات والجمع والجماعات والأذان والإقامة ،والخطابة، والإقامة، ومنه النظر في أمر الصيام والفطر وأهلته، وحج البيت الحرام وعمرته.

ومنه : الاعتناء بالأعياد وتيسير الحجيج من نواحي البلاد ،وإصلاح طرقها وأمنها في مسيرهم وانتخاب من ينظر أمورهم.

الحق الرابع :

فصل القضايا والأحكام بتقليد الولاة والحكام لقطع المنازعات بين الخصوم ،وكف المظالم عن المظلوم ولا يولي ذلك إلا من يثق بديانته وصيانته من العلماء والصلحاء، والكفاة ليعلم حال الولاة مع الرعية فإنه مسئول عنهم مطالب بالجناية منهم.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : كل راع مسئول عن رعيته الحق الخامس :

إقامة فرض الجهاد بنفسه وبجيوشه أو سراياه وبعوثه، وأقل ما يجب في كل سنة مرة، إن كان بالمسلمين قوة فإن دعت الحاجة إلى أكثر منه، وجب بقدر الحاجة ولا يخلي سنة من جهاد إلا لعذر، كضعف بالمسلمين – والعياذ بالله تعالى – واشتغالهم بفكاك أسراهم واستنقاذ بلاد استولى الكفار عليها.

ويبدأ بقتال من يليه من الكفار إلا إذا قصده الأبعد فيبدأ بقتاله لدفعه.

الحق السادس :

[ص-33] إقامة الحدود الشرعية على الشروط المرعية، صيانة لمحارم الله عن التجرؤ عليها، ولحقوق العباد عن التخطي إليها ويسوى في الحدود بين القوي والضعيف والوضيع والشريف، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

إنما أهلك من كان قبلكم : أنهم كانوا يقيمون الحدود على الوضيع ويتركون الشريف، وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد يدها .

الحق السابع :

جباية الزكوات والجزية من أهلها، وأموال الفيء والخراج عند محلها وصرف ذلك في مصارفه الشرعية وجهاته المرضية، وضبط جهات ذلك إلى الثقات من العمال.

الحق الثامن :

النظر في أوقاف البر والقربات وصرفها فيما هي له من الجهات وعمارة القناطر وتسهيل سبل الخيرات.

الحق التاسع :

النظر في قسم الغنائم وتقسيمها، وصرف أخماسها إلى مستحقيها.

الحق العاشر :

العدل في سلطانه وسلوك موارده في جميع شأنه، قال – تعالى – : (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ)(سورة النحل الآية 90 ) وقال – تعالى – : (وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا)(سورة الأنعام الآية 152 ) وفي كلام الحكمة : عدل الملك حياة الرعية وروح المملكة، فما بقاء جسد لا روح فيه ؟ !

فيجب على من حكمه الله – تعالى – في عباده وملكه شيئاً من بلاده ن أن يجعل العدل اصل اعتماده ن وقاعدة استناده، لما فيه من مصالح العباد، وعمارة البلاد، ولأن نعم الله يجب شكرها، وأن يكون الشكر على قدرها، ونعمة الله على السلطان فوق كل نعمة، فيجب أن يكون شكره أعظم من كل شكر

وأفض ما يشكر به السلطان لله – تعالى – : إقامة العدل فيما حكمه فيه.

وقد اتفقت شرائع الأنبياء ن وآراء الحكماء والعقلاء، أن العدل سبب لنمو البركات ومزيد الخيرات ،وأن الظلم والجور سبب لخراب الممالك واقتحام المهالك ولا شك عندهم في ذلك … )) ا هـ .

34] الفصل الرابع

في وجوب السمع والطاعة في غير معصية

السمع والطاعة لولاة الأمر من المسلمين – في غير معصية – مجمع على وجوبه عند أهل السنة والجماعة وهو أصل من أصولهم التي باينوا بها أهل البدع والأهواء .

وقل أن تري مؤلفاً في عقائد أهل السنة إلا وهو ينص على وجوب السمع والطاعة لولاة الأمر وإن جاروا وظلموا، وإن فسقوا وفجروا.

وقد نقل الإجماع على ذلك حرب الكرماني – صاحب الإمام أحمد – حيث قال في (( العقيدة ))التي نقلها عن جميع السلف :

(( والانقياد لمن ولاه الله – عز وجل – أمركم، لا تنزع يداً من طاعته، ولا تخرج عليه، حتى يجعل الله لك فرجاً ومخرجا، ولا تخرج على السلطان ،وتسمع وتطيع، ولا تنكث بيعته، فمن فعل ذلك، فهو مبتدع مخالف للجماعة )) يقول الحسن البصري – رحمه الله – : (( هؤلاء – يعني الملوك –وإن رقصت بهم المهاليج ووطئ الناس أعقابهم، فإن ذل المعصية في قلوبهم، إلا أن الحق ألزمنا طاعتهم، ومنعنا من الخروج عليهم، وأمرنا أن نستدفع بالتوبة والدعاء مضرتهم، فمن أراد به خيراً لزم ذلك، وعمل به ،ولم يخالفه )) وقد بين العلامة صدر الدين السلمي في رسالته : (( طاعة السلطان )) الحكمة من تأكيد الشارع على وجوب السمع والطاعة للأئمة في غير معصية وتحذيره الشديد من مخالفة أمرهم كذلك فقال – رحمه الله تعالى – :

(( وقد روينا في الأحاديث الصحاح التي بلغت حد التواتر – أو كادت أن تبلغه – : أمر النبي بالسمع والطاعة لولى الأمر ومناصحته ومحبته والدعاء له : ما لو ذكرناه لطال الكلام لكن اعلم – أرشدك الله وإياي إلى الإتباع، وجنبنا الزيغ والابتداع – : أن من قواعد الشريعة المطهرة والملة الحنيفة المحررة : أن طاعة الأئمة فرض على كل الرعية ،وأن طاعة السلطان مقرونة بطاعة الرحمن ،وأن طاعة السلطان تؤلف شمل الدين وتنظم أمر المسلمين.

[ص-35] وأن عصيان السلطان يهدم أركان الملة ,أن أرفع منازل السعادة طاعة السلطان، وأن طاعة السلطان عصمة من كل فتنة ونجاة من كل شبهة، وأن طاعة السلطان عصمة لمن لجأ إليها وحرز لمن دخل فيها، وبطاعة السلاطين تقام الحدود وتؤدي الفرائض وتحقن الدماء وتأمن السبل، وما أحسن ما قالت العلماء : أن طاعة السلطان هدي لمن استضاء بنورها، وموئل لمن حافظ عليها.

وأن الخارج من طاعة السلطان منقطع العصمة من الذمة وأن طاعة السلطان حبل الله المتين ودينه القويم، وجنته الواقية، وأن الخروج منها خروج من أنس الطاعة إلى وحشة المعصية ،ومن أسر غش السلطان ذل وزل ، ومن أخلص له المحبة والنصح حل من الدين والدنيا في أرفع محل.

وقد روينا في الأحاديث الصحاح أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالسمع والطاعة لولي الأمر ومناصحته ومحبته والدعاء له ما لو ذكرناه لكان بما حله الناظر وسأمه الخاطر، كما تقدم فاقتصرنا على ما أوردناه واكتفينا بما بيناه )). ا هـ.

وكل ما ذكره – رحمه الله تعالى – حق ما دام السلطان لم يأمر بمعصية الله – تعالى -، فإن أمر بمعصية الله – تعالى – فقد حرمت طاعته في المعصية وفي ذلك مصالح الدين والدنيا لأن ذلك تقديم لطاعة الملك الديان وعصيان لأولياء الشيطان (إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا(سورة النساء الآية 76 ) .

والإجماع الذي أنعقد عند أهل السنة والجماعة على وجوب السمع والطاعة لهم مبني على النصوص الشرعية الواضحة التي تواترت بذلك، ونحن نذكر طرفاً منها يحصل به المقصود، ويتضح به الحق – إن شاء الله تعالى – :

الدليل الأول :

قول الله – تعالى – : ( فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا )(سورة النساء الآية 59)قال ابن عطية في تفسير هذه الآية :

(( لما تقدم إلى الولاة في الآية المتقدمة – يشير إلى قوله : ( إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا)(سورة النساء الآية 58) تقدم في هذه إلى الرعية فأمر بطاعته – عز وجل -، وهي امتثال أوامره ونواهيه وطاعة رسوله وطاعة الأمراء على قول الجمهور، أبي هريرة وابن عباس وابن زيد وغيرهم … )) ا هـ.

[ص-36] قال النووي – رحمه الله تعالى – :

(( المراد بأولي الأمر من أوجب الله طاعته من الولاة والأمراء هذا قول جماهير السلف والخلف من المفسرين من الولاة والأمراء، هذا قول جماهير السلف والخلف من المفسرين والفقهاء وغيرهم، وقيل : هم العلماء ،وقيل : هم الأمراء والعلماء … )) ا هـ

واختلف أهل العلم – رحمهم الله تعالى – في ) أولي الأمر ( الذين أمر الله عباده بطاعتهم في هذه الآية :

فذهب جماهير أهلا لعلم – كما تقدم – إلى أنها في الأمراء وذهب بعض أهل العلم إلى أنها في أهل العلم والفقه

وقال آخرون : هي عامة تشمل الصنفين.

قال ابن جرير الطبري – رحمه الله تعالى – في تفسيره (( وأولي الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال : هم الأمراء والولاة، لصحة الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأمر بطاعة الأئمة والولاة فيما كان طاعة، وللمسلمين مصلحة …. )) إلى أن قال :

(( فإذا كان معلوماً أنه لا طاعة واجبة لأحد غير الله أو رسوله أو إمام عادل، وكان الله قد أمر بقوله ( يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ)(سورة النساء الآية 59) بطاعة ذي أمرنا كان معلوماً أن الذين أمر بطاعتهم – تعالى ذكره – من ذوي أمرنا هم الأئمة من ولاة المسلمون دون غيرهم من الناس، وإن كان فرضاً القبول من كل من أمر بترك معصية ودعا إلى طاعة الله، وأنه لا طاعة تجب لأحد فيها أمر ونهي فيما لم تقم حجة وجوبه إلا للأئمة الذين ألزم الله عباده طاعتهم فيما أمروا به رعيتهم مما هو مصلحة لعامة الرعية فإن على من أمروا بذلك طاعتهم وكذلك في كل ما لم يكن لله فيه معصية.

وإذا كان ذلك كذلك، كان معلوماًً بذلك صحة ما اخترنا من التأويل دون غيره )). ا هـ

وهذا الذي رجحه ابن جرير هو اختيار البيهقي – رحمه لله – وقد احتج له بحجة أخري، فقال :

(( والحديث الذي ورد في نزول هذه الآية دليل على أنها في الأمراء )) ا هـ .

وقد سبق الجمع إلى ذلك الإمام الشافعي – رحمه الله تعالى – وقرره تقريراً حسناً، كما نقله الحافظ ابن حجر : قال الشافعي : (( كان من حول مكة من العرب لم يكن يعرف الإمارة وكانت تأنف أن تعطي بعضها بعضاً طاعة الإمارة، فلما دانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم بالطاعة لم تكن تري ذلك يصلح لغير النبي صلى الله عليه وسلم ، فأمروا أن يطيعوا أولي الأمر )).

والحديث الذي أشار إليه هو ما أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما )) عن ابن جريح قال :

[ص-37] في عبد الله بن حذافة بن قيس بن عدي السهمي بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم في سرية.

أخبرنيه يعلى بن مسلم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ففي هذه الآية وجوب السمع والطاعة لولاة الأمر.

وهذا مطلق يقيد بما ثبت في السنة في أن الطاعة تكون في غير معصية الله تعالي.

(( ولعل هذا هو السر في حذف الفعل عن الأمر بطاعتهم وذكره مع طاعة الرسول، فإن الرسول لا يأمر إلا بطاعة الله ،ومن يطعه فقد أطاع الله، وأما أولو الأمر فشرط الأمر بطاعتهم أن لا يكون في معصية )) .

الدليل الثاني :

أخرج البخاري في(( صحيحه )) – كتاب الأحكام، باب السمع والطاعة للإمام ما لم تكن معصية – ومسلم في (( صحيحه)) كتاب الإمارة ، عن عبد الله بن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم ، أنه قال :

على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب وكره، إلا أن يؤمر بمعصية، فإن أُمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة .

قوله (( فيما أحب وكره )) أي فيما وافق غرضه أو خالفه.

قال المباركفوري في (( شرح الترمذي ))

((وفيه : أن الإمام إذا أمر بمندوب أو مباح وجب .

قال المطهر على هذا الحديث :

(( يعني :سمع كلام الحاكم وطاعته واجب على كل مسلم، سواء أمره بما يوافق طبعه أو لم يوافقه، بشرط أن لا يأمره بمعصية فإن أمره بها فلا تجوز طاعته لكن لا يجوز له محاربة الإمام )) ا هـ.

وقوله فلا سمع ولا طاعة يعني : فيما أمر به من المعصية فقط، فإذا أمره أن يرابي أو أن يقتل مسلماً بغير حق فلا يسمع له مطلقاً في كل أوامره، بل يسمع له ويطاع مطلقاً، إلا في المعصية فلا سمع ولا طاعة .

قال حرب في (( العقيدة )) التي نقلها عن جميع السلف : (( وإن أمرك السلطان بأمر فيه لله معصية فليس لك أن تطعه البتة وليس لك أن تخرج عليه ولا تمنعه حقه )) ا هـ. الدليل الثالث :

أخرج الإمام مسلم في (( صحيحه )) – كتاب الإمارة – عن أبي هريرة – رضي الله عنه -، قال :

[ص-38] قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : عليك السمع والطاعة، في عسرك ويسرك، ومنشطك ومكرهك، وأثره عليك قوله : (( منشطك ) مفعل من النشاط، أي : في حالة نشاطك. وكذلك قوله : (( ومكرهك )) أي : حالة كراهتك.

والمراد : في حالتي الرضي والسخط والعسر واليسر والخير والشر. قاله ابن الأثير قال العلماء – كما حكي النووي – :

(( معناه تجب طاعة ولاة الأمور فيما يشق وتكرهه النفوس وغيه مما ليس بمعصية، فإن كانت معصية فلا سمع ولا طاعة ))

قال : (( والأثرة : الاستئثار والاختصاص بأمور الدنيا عليكم.

أي : أسمعوا وأطيعوا وأن أختص الأمراء بالدنيا، ولم يوصلوكم حقكم مما عندهم )) ا هـ.

الدليل الرابع :

أخرج مسلم في (( صحيحه )) – وبوب عليه النووي فقال – : باب في طاعة الأمراء وأن منعوا الحقوق، عن علقمة بن وائل الحضرمي عن أبيه قال :

سأل سلمة بن يزيد الجعفي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا نبي الله ! أرأيت إن قامت علينا أمراء يسألونا حقهم ويمنعونا حقنا فما تأمرنا ؟ فأعرض عنه ثم سأله ؟ فأعرض عنه، ثم سأله في الثانية – أو في الثالثة – ؟ فجذبه الأشعث بن قيس، وقال : (( اسمعوا وأطيعوا فإنما عليهم ما حملوا وعليكم ما حملتم وفي رواية لمسلم – أيضاً : فجذبه الأشعث بن قيس، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

اسمعوا وأطيعوا فإنما عليهم ما حملوا وعليكم ما حملتم والمعني : أن الله – تعالي- حمل الولاة وأوجب عليهم العدل بين الناس فإذا لم يقيموه أثموا، وحمل الرعية السمع والطاعة لهم، فإن قاموا بذلك أثيبوا عليه، وإلا أثموا.

الدليل الخامس :

أخرج مسلم في (( صحيحه )) عن حذيفة بن اليمان – رضي الله عنهما – قال :

[ص-39] قلت : يا رسول الله ! إنا كنا بشر فجاء الله بخير فنحن فيه فهل من وراء هذا الخير شر ؟ قال ((نعم ))، قلت : هل وراء ذلك الشر خير ؟ قال (( نعم )) قلت فهل وراء الخير شر ؟ قال : (( نعم )) قلت : كيف ؟ قال (( يكون بعدي أئمة لا يهتدون بهداي، ولا يستنون بسنتي، وسيقوم فيهم رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان إنس )) قال : قلت : كيف أصنع يا رسول الله – أن أدركت ذلك ؟ قال : (( تسمع وتطيع للأمير وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك فاسمع وأطع .

وهذا الحديث من أبلغ الأحاديث التي جاءت في هذا الباب إذ قد وصف النبي صلى الله عليه وسلم هؤلاء الأئمة بأنهم لا يهتدون بهديه ولا يستنون بسنته وذلك غاية الضلال والفساد ونهاية الزيغ والعناد فهم لا يهتدون بهديه ولا يستنون بسنته، وذلك غاية الضلال والفساد ونهاية الزيغ والعناد، فهم لا يهتدون بالهدي النبوي في أنفسهم ولا في أهليهم ولا في رعاياهم … ومع ذلك فقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بطاعتهم – في غير معصية الله – كما جاء مقيداً في حديث آخر – حتى لو بلغ الأمر إلى ضربك وأخذ مالك، فلا يحملنك ذ لك على ترك طاعتهم وعدم سماع أوامرهم، فإن هذا الجرم عليهم وسيحاسبون ويجازون به يوم القيامة.

فإن قادك الهوى إلى مخالفة هذا الأمر الحكيم والشرع المستقيم، فلم تسمع ولم تطيع لأميرك لحقك الآثم ووقعت في المحظور.

وهذا الأمر النبوي من تمام العدل الذي جاء به الإسلام، فإن هذا المضروب إن لم يسمع ويطع، وذك المضروب إذا لم يسمع ويطع … أفضي ذلك إلى تعطيل المصالح الدينية والدنيوية فيقع الظلم على جميع الرعية أو أكثرهم، وبذلك يرتفع العدل عن البلاد فتتحقق المفسدة وتلحق بالجميع.

بينما لو ظلم هذا فصبر واحتسب، وسأل الله الفرج، وسمع وأطاع لقامت المصالح ولم تتعطل، ولم يضع حقه عند الله – تعالى -، فربما عوضه خير منه وربما ادخره له في الآخرة.

وهذا من محاسن الشريعة، فإنها لم ترتب السمع والطاعة على عدل الأئمة، ولو كان الأمر كذلك، لكانت الدنيا كلها هرجاً ومرجاً، فالحمد لله على لطفه بعباده.

الدليل السادس :

أخرج مسلم في (( صحيحه )) عن عوف بن مالك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال :

خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم، ويصلون عليكم وتصلون عليهم وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم وتلعنونهم ويلعنونكم قيل : يا رسول الله ! أفلا ننابذهم بالسيف ؟ فقال : لا، ما أقاموا فيكم الصلاة، وإذا رأيتم من ولاتكم شيئاً تكرهونه فاكرهوا عمله، ولا تنزعوا يداً من طاعة [ص-40] وفي لفظ أخر له :

ألا من ولي عليه وال فرآه يأتي شيئاً من معصية الله فليكره ما يأتي من معصية الله، ولا ينزعن يداً من طاعة الدليل السابع :

أخرج البخاري ومسلم في (( صحيحيهما )) عن أبي هريرة رضي الله عنه -، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

من أطاعني، فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن أطاع أميري، فقد أطاعني، ومن عصى أميري فقد عصاني وفي لفظ لمسلم : ومن يطع الأمير فقد أطاعني، ومن يعصي الأمير، فقد عصاني وقد أبوب البخاري – رحمه الله – على هذا الحديث في كتاب الأحكام من (( صحيحه ))، فقال : باب قول الله – تعالى –( يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ )( سورة النساء الآية 59)قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله – :

(( وفي الحديث وجوب طاعة ولاة الأمور، وهي مقيدة بغير الأمر بالمعصية، والحكمة في الأمر بطاعتهم : المحافظة على اتفاق الكلمة، لما في الافتراق من الفساد )) ا هـ.

الدليل الثامن :

أخرج البخاري في (0 صحيحه )) – كتاب الأحكام، باب السمع والطاعة – للإمام ما لم تكن معصية -، عن أنس ابن مالك – رضي الله عنه -، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

اسمعوا وأطيعوا، وإن أستعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة الدليل التاسع :

أخرج البخاري ومسلم في (( صحيحيهما )) ، عن عبادة ابن الصامت – رضي الله عنه -، قال :

دعانا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فبايعناه، فكان فيما أخد علينا أن بايعنا على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا، وعسرنا ويسرنا، وأسره علينا وأن لا ننازع الأمر أهله، قال : إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم من الله فيه برهان هذا لفظ لمسلم.

وقد أخرجه ابن حبان في (( صحيحه )) بلفظ :

[ص-41] اسمع وأطع في عسرك ويسرك، ومنشطك ومكرهك وأثره عليك، وإن أكلوا مالك وضربوا ظهرك إلا أن يكون معصية الدليل العاشر :

أخرج ابن أبي عاصم في (( السنة )) بسند جيد، عن معاوية – رضي الله عنه -، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال :

إن السامع المطيع لا حجة عليه، وإن السامع العاصي لا حجة له الدليل الحادي عشر :

أخرج ابن أبي عاصم في (( السنة )) أيضاً عن عدي ابن حاتم – رضي الله عنه -، قال : قلنا : يا رسول الله ! لا نسألك عن طاعة من أتقي، ولكن من فعل وفعل – فذكر الشر -، فقال :

اتقوا الله واسمعوا وأطيعوا .

الدليل الثاني عشر :

أخرج ابن زنجوية في كتاب (( الأموال )) ، عن أبي هريرة – رضي الله عنه -، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال :

ليس السمع والطاعة فيما تحبون، فإذا كرهتم أمراً تركتموه، ولكن السماع والطاعة فيما كرهتم وأحببتم، فالسامع المطيع لا سبيل عليه والسامع العاصي لا حجة له الدليل الثالث عشر :

أخرج ابن حبان في (( صحيحه )) ، عن عبد الله ابن الصامت، قال : قدم أبو ذر على عثمان من الشام، فقال :

يا أمير المؤمنين ! أفتح الباب حتى يدخل الناس، أتحسبني من قوم يقرأ ون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية، ثم لا يعدون فيه، حتى يعود السهم على فوقه، وهم شر الخلق والخليقة.

والذي نفسي بيده لو أمرتني أن أقعد لما قمت ،ولو أمرتني أن أكون قائماً لقمت ما أمكنني رجلاي، ولو ربطتني على بعير لم أطلق نفسي حتى تكون أنت الذي تطلقني .

ثم أستأذنه يأتي الربذة، فأذن له ،فأتاها ،فإذا عبد يؤمهم فقالوا :أبو ذر فنكص العبد، فقيل له : تقدم، فقال : أوصاني خليلي صلى الله عليه وسلم بثلاث : أن أسمع وأطيع، ولو لعبد حبشي مجدع الأطراف … الحديث .

الدليل الرابع عشر :

أخرج ابن أبي عاصم في (( السنة )) ، عن المقدام بن معدي كرب ،أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :

[ص-42] أطيعوا أمراءكم مهما كان فإن أمروكم بشيء مما لم آتكم به فهو عليهم، وأنتم منه براء ،وأن أمروكم بشيء مما جئتكم به، فإنهم يؤجرون عليه وتؤجرون عليه، وذلك بأنكم إذا لقيتم ربكم قلتم : ربنا لا ظلم، فيقولون : ربنا أرسلت إلينا رسلاً، فأطعناهم ،واستخلفت علينا خلفاء فأطعناهم وأمرت علينا أمراء فأطعناهم، فيقول : صدقتم، وهو عليهم، وأنتم منه براء .

الدليل الخامس عشر :

أخرج ابن أبي عاصم في (( السنة )) عن أبي أمامة الباهلي، قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :

(( أنه لا نبي بعدي ولا أمة بعدكم، ألا فاعبدوا ربكم وصلوا خمسكم ،وصوموا شهركم، وأد رأوا زكاة أموالكم، طيبة بها نفوسكم وأطيعوا أمرائكم، تدخلوا جنة ربكم )). إسناده صحيح.

الدليل السادس عشر :

أخرج ابن سعيد أن زيد بن وهب قال : لما بعث عثمان إلى ابن مسعود يأمره بالقدوم إلى المدينة، أجتمع الناس فقالوا : أقم ونحن نمنعك أن يصل إليك شيء تكرهه، فقال :

(( أن له علي حق طاعة، ولا أحب أن أكون أول من فتح باب الفتن ))

فتأمل فعل ابن مسعود هنا وفعل أبي ذر المتقدم مع أمير المؤمنين عثمان – رضي الله عن الجميع – يظهر لك ما كان عليه جماعة السلف من التسليم المطلق لأمر الشارع صلى الله عليه وسلم وتقديم قوله على ما تهوي النفس.

وإن الإثارة على الولاية القائمة فتح باب شر على الأمة.

قال أئمة الدعوة – رحمهم الله تعالى – عند إيرادهم لطائفة من الأحاديث النبوية في هذا الباب :

(( إذا فهم ما تقدم من النصوص القرآنية والأحاديث النبوية وكلام العلماء المحققين في وجوب السمع والطاعة لولي الأمر وتحريم منازعته والخروج عليه، وأن المصالح الدينية والدنيوية لا انتظام لها إلا بالإمامة والجماعة، تبين :

أن الخروج عن طاعة ولي الأمر والافتيات عليه بغزو أو غيره معصية ومشاقة لله ورسوله ومخالفة لما عليه أهل السنة والجماعة )) وقال شيخ الإسلام – رحمه الله – :

((وأما أهل العلم والدين والفضل فلا يرخصون لأحد فيما نهي الله عنه من معصية ولاة الأمور وغشهم ،والخروج عليهم – بوجه من الوجوه -، كما قد عرف من عادات أهل السنة والدين قديماً وحديثاً، ومن سيرة غيرهم ))

43] الفصل الخامس

في الحث على إنكار المنكر وكيفية الإنكار على الأمراء

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أصل من أصول الدين به يظهر الخير ويعم ويختفي الباطل ويضمحل.

ولقد فرق الله بين المؤمنين والمنافقين بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فدل ذلك على أن أخص صفات المؤمنين قيامهم به.

فقال – تعالى – : (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ)(سورة التوبة الآية 71 ) الآية. وقد ذكر قبلها : ( الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ)(سورة التوبة الآية 67) وقد أوجبه الله تعالى على هذه الأمة في قوله :( وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)( سورة آل عمران الآية 104) فيجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على هذه الأمة بدلالة هذه الآية ،ولكن وجوبه وجوب كفائي ن إذا قام به من يكفي سقط الآثم عن الباقين، في أصح أقوال أهل العلم.

وهذه الأمة المحمدية إنما حازت الشرف والخيرية على الأمم الماضية بهذه الخصلة الشريفة، كما قال – تعالى (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ)(سورة آل عمران الآية 110 ) فمن تحقق فيه هذا الوصف فهو من أفض الأمة .

[ص-44] وقد لعن الرسل – صلوات الله وسلامه عليهم – من كفر من بني إسرائيل بسبب تركهم إنكار المنكر، كما قال – تعالى – : ( لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ* كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ )(سورة المائدة الآية 78-79)فقوله : ( ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ) ، أي أن لعنهم بسبب عصيانهم واعتدائهم، ثم فسر الاعتداء بقوله :( كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ) ، أي : لا ينهي بعضهم بعضاً عن المنكر، ثم أقسم الله تعالى على ذم هذا ( لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ) .

وقد جاءت السنة مقررة هذه الأحكام المنصوص عليها في كتاب الله تعالي، ففي (( صحيح مسلم )) ، عن أبي سعيد الخدري – رضي الله عته -، قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :

من رأي منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان فهذا حديث خطاب لجميع الأمة وهو دال على وجوب إنكار المنكر بحسب القدرة، وأن إنكاره بالقلب لابد منه، فمن لم ينكر قلبه المنكر فقد هلك، كما قال ابن مسعود – عندما سمع رجلاً يقول : هلك من لم يأمر بالمعروف ولم ينه عن المنكر -، قال ابن مسعود : (( هلك من لم يعرف بقلبه المعروف والمنكر )) قال العلامة ابن رجب – رحمه الله – شارحاً هذا الأثر :

(( يشير إلى أن معرفة المعروف والمنكر بالقلب فرض لا يسقط عن أحد، فمن لم يعرفه هلك )) ا هـ .

وقد ذهب بعضهم إلى أن الإنكار باليد للولاة ومن قاربهم وبالقول للعلماء وهذا القول ضعيف إذ هو تخصيص بلا مخصص، فالإنكار باليد لكل من قدر عليه من المسلمين.

ولعل قائل هذا القول إنما أتي من تلازم السيف واليد في ذهنه ففرق هذا التفريق حذراً من الوقوع في المحظور وهو التغيير بالخروج على ولاة الأمر، وليس كذلك.

قال الإمام أحمد في – رواية صالح – :

(( التغيير باليد ليس بالسيف والسلاح ))

[ص-45] وقال المروذي : (( قلت لأبي عبد الله كيف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ قال: باليد واللسان، وبالقلب وهو أضعف قلت: كيف باليد قال: يفرق بينهم )).

قال : (( ورأيت عبد الله مر على صبيان الكتاب يقتتلون ففرق بينهم )) ا هـ.

فعموم الحديث يقضي بمشروعية الإنكار باليد لمن قدر عليه، كمن استطاع أن يكسر مزماراً أو أن يطمس صورة ونحو ذلك.

لكن هذا مشروط بشرط منها : ألا يفضي إنكاره هذا إلى منكر اشد منه، وأن لا يكون الإنكار باليد مما اختص السلطان به شرعاً كإقامة حد، أو شهر سيف، ونحو ذلك.

قال ابن الجوزي – رحمه الله تعالى – :

(( الضرب باليد والرجل وغير ذلك وغير ذلك مما ليس فيه إشهار سلاح أو سيف يجوز للآحاد بشرط الضرورة والاقتصار على قدر الحاجة )) ا هـ.

وقال ابن الأزرق في (( بدائع السلك في طبائع الملك )) عندما ذكر أن من المخالفات الافتيات على ولي الأمر، قال :

(( ومن أعظمه فساد تغيير المنكر بالقدر الذي لا يليق إلا بالسلطان )) ا هـ

وهذا كله فيما إذا كان صاحب المنكر غير السلطان، فإن كان السلطان (( فليس لأحد منعه بالقهر باليد، ولا أن يشهر عليه سلاحاً، أو يجمع عليه أواناً لأن في ذلك تحريكاً للفتن وتهييجاً للشر، وإذهاباً لهيبة السلطان من قلوب الرعية وربما أدي ذلك إلى تجريهم على الخروج عليه وتخريب البلاد، وغير ذلك مما لا يخفي )). قال ابن النحاس .

وقد قال الإمام أحمد – رحمه الله – :

(( لا يتعرض للسلطان، فإن سيفه مسلول )) طريقة الإنكار على الولاة

فإن سألت عن الطريقة الشرعية للإنكار على السلاطين فهي مبسوطة في كتب السنة وغيرها من كتب أهل العلم.

وفي مقدم الإجابة عن هذا السؤال أمهد بنقلين ثم أورد الأدلة على ما أقروه والله الموفق :

النقل الأول :

[ص-46] قال ابن مفلح في (( الآداب الشرعية )) :

(( ولا ينكر أحد على سلطان إلا واعظاً له وتخويفاً أو تحذيراً من العاقبة في الدنيا والآخرة فإنه يجب، ويحرم بغير ذلك. ذكره القاضي، وغيره.

والمراد : ولم يخف منه بالتخويف والتحذير وغلا سقط وكان حكم ذلك كغيره.

والمراد : ولم يخف منه بالتخويف والتحذير، وإلا سقط المنكر مع السلاطين : التعريف والوعظ فأما تخشين القول نحو : يا ظالم، يا من لا يخاف الله، فإن كان ذلك يحرك فتنة يتعدى شرورها إلى الغير لم يجز، وإن لم يخف إلا على نفسه فهو جائز عنه جمهور العلماء.

قال : والذي أراه المنع من ذلك )) ا هـ

النقل الثاني :

قال ابن النحاس في كتابه (( تنبيه الغافلين عن أعمال الجاهلين، وتحذير السالكين من أفعال الهالكين )) (( ويختار الكلام مع السلطان في الخلوة على الكلام معه على رأس الأشهاد بل يود لو كلمة سراً ونصه خفية من غير ثالث لها )) ا هـ.

لقد كان موقف سلفنا الصالح من المنكرات الصادرة من الحكام وسطاً بين طائفتين :

أحدهما : الخوارج والمعتزلة، والذين يرون الخروج على السلطان إذا فعل منكراً.

والأخرى : الروافض الذين أضفوا على حكامهم قداسة، حتى بلغوا بهم مرتبة العصمة.

وكلا الطائفتين بمعزل عن الصواب وبمنأى عن صريح السنة والكتاب.

ووفق الله أهل السنة والجماعة – أهل الحديث – إلى عين الهدى والحق، فذهبوا إلى وجوب إنكار المنكر، لكن بالضوابط الشرعية والحق، فذهبوا إلى وجوب إنكار المنكر، ولكن بالضوابط الشرعية التي جاءت بها السنة، وكان عليها سلف هذه الأمة.

ومن أهم ذلك وأعظمه قدراً أن يناصح ولاة الأمر سراً فيما صدر عنهم من منكرات، ولا يكون ذلك على رؤوس المنابر وفي مجامع الناس لما ينجم على ذلك – غالباً – من تأليب العامة وإثارة الرعاع، وإشعال الفتن.

وهذا ليس من دأب أهل السنة والجماعة بل سبيلهم ومنهجهم جمع قلوب الناس على ولاتهم والعمل على نشر المحبة بين الراعي والرعية والأمر بالصبر على ما يصدر عن الولاة سراً ،والتحذير من المنكرات عموماً أمام الناس دون تخصيص فاعل، كالتحذير من الزنى عموماً ومن الربا عموماً، ومن الظلم عموماً، ونحو ذلك .

يقول العلامة الشيخ عبد العزيز ابن باز – رحمه الله تعالى – :

[ص-47] (( ليس من منهج السلف التشهير بعيوب الولاة وذكر ذلك على المنابر، لأن ذلك يفضي إلى الفوضى ،وعدم السمع والطاعة في المعروف ويفضي إلى الخوض الذي يضر ولا ينفع.

ولكن الطريقة المتبعة عند السلف : النصيحة فيما بينهم وبين السلطان والكتابة إليه، أو الاتصال بالعلماء الذين يتصلون به حتى يوجه إلى الخير.

وإنكار المنكر من دون ذكر الفاعل، فينكر الزنى، وينكر الخمر، وينكر الربا، من دون ذكر من فعله، ويكفي إنكار المعاصي والتحذير منها من غير ذكر أن فلانا يفعلها، ، لا حاكم ولا غير حاكم ولما وقعت الفتنة في عهد عثمان، قال بعض الناس لأسامة ابن زيد – رضي الله عنه – : لا تنكر على عثمان ؟

قال : أأنكر عليه عند الناس ؟ لكن أنكر عليه بيني وبينه ولا أفتح باب شر على الناس.

ولما فتحوا الشر في زمن عثمان – رضي الله عنه – وأنكروا على عثمان جهرة تمت الفتنة والقتال والفساد الذي لا يزال الناس في آثاره إلى اليوم، حتى حصلت الفتنة بين على ومعاوية، وقتل عثمان وعلى بأسباب ذلك وقتل جم كثير من الصحابة وغيرهم بأسباب الإنكار العلني وذكر العيوب علناً حتى أبغض الناس ولي أمرهم وحتى قتلوه. نسأل الله العافية )) وهذا الذي قرره الشيخ – رحمه الله – هو امتداد لما قرره أئمة الدعوة – رحمهم الله تعالى – في كتبهم وهو في الحقيقة امتداد لما عليه السف الصالح من الصحابة والتابعين ومن سلك مسلكهم من أهل العلم والدين.

وفي هذا يقول أئمة الدعوة : الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ، والشيخ محمد بن عبد اللطيف آل الشيخ، والشيخ سعد بن عتيق ،والشيخ عمرو بن سليم والشيخ عبد الله العنقري – رحم الله الجمع – عندما شغب بعض المنتسبين إلى الدين والدعوة في زمنهم على هذا الأصل، وإثارة الشبه الشيطانية حوله فقال أولئك الأئمة :

(( وأمما ما قد يقع من ولاة الأمور من المعاصي والمخالفات التي لا توجب الكفر والخروج من الإسلام فالواجب فيها : مناصحتهم على الوجه الشرعي برفق ،وإتباع ما كان عليه السلف الصالح من عدم التشنيع في المجالس ومجامع الناس.

واعتقاد أن ذلك من إنكار المنكر الواجب إنكاره على العباد، غلط فاحش، وجهل ظاهر، لا يعلم صاحبه ما يترتب عليه من المفاسد العظام في الدين والدنيا، كما يعرف ذلك من نور الله قلبه، وعرف طريقة السلف الصالح ،وأئمة الدين.

قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب – رحمه الله – في رسالة له نوردها – هنا – لعظم فائدتها، وقال – رحمه الله تعالى – : (( بسم الله الرحمن الرحيم : من محمد بن عبد الوهاب إلى من يصل إليه هذا الكتاب من الأخوان :

سلام الله عليكم ورحمته وبركاته : وبعد :

[ص-48] يجري عندكم أمور تجري عندنا من سابق وننصح إخواننا إذا جرى منها شيء حتى فهموها وسببها أن بعض أهل الدين ينكر منكراً، وهو مصيب، ولكن يخطئ في تغليظ الأمر إلى شيء يوجب الفرقة بين الإخوان : وقد قال – تعالى – :( يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ*وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ)( سورة آل عمران الآية 102-103) وقال صلى الله عليه وسلم : إن الله يرضي لكم ثلاثاً : أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً، وأن تعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم وأهل العلم يقولون الذي يأمر بالمعروف وينهي عن المنكر يحتاج إلى ثلاث : أن يعرف ما يأمر به وينهي عنه، ويكون رفيقاً فيما يأمر به وينهي عنه، صابراً على ما جاءه من الأذى.

وأنتم محتاجون للحرص على فهم هذا والعمل به فإن الخلل إنما يدخل على صاحب الدين من قلة العمل بهذا أو قلة فهمه.

وأيضاً يذكر العلماء أن إنكار المنكر إذا صار يحصل بسببه افتراق لم يجز إنكاره.

فالله الله في العمل بما ذكرت لكم، والتفقه فيه فإنكم لم تفعلوا صار إنكاركم مضرة على الدين والمسلم لا يسعى إلا في صلا ح دينه ودنياه.

وسبب هذه المقالة التي وقعت بين أهل الحوطة – لو صار – أهل الدين واجب عليهم إنكار المنكر فلما غلظوا الكلام صار فيه اختلاف بين أهل الدين، فصار فيه مضرة على الدين والدنيا.

وهذا الكلام وإن كان قصيراً فمعناه طويل ،فلازم لازم، تأملوه وتفقهوا فيه، واعملوا به، فإن عملتم به صار نصراً للدين واستقام الأمر – إن شاء الله –

والجامع لهذا كله أنه صدر المنكر من أمير أو غيره، ، أن ينصح برفق خفية، ما يشترف أحد، فإن وافق وإلا استلحق عليه رجلاً يقبل منه بخفية، فإن لم يفعل فيمكن الإنكار ظاهراً، إلا إن كان على أمير ونصحه ولا وافق، واستلحق عليه ولا وافق، فيرفع الأمر إلينا خفية.

[ص-49] هذا الكتاب كل أهل بلد ينسخون منه نسخة، ويجعلونها عندهم، ثم يرسلونها لحرمه والمجمعة، ثم للغاط والزلفى، والله أعلم )) ا هـ.

وهذا الذي قرره هؤلاء الأئمة – رحمهم الله تعالى – من كون مناصحة ولي الأمر إنما تكون سراً قد نطقت به النصوص النبوية وشهدت له الآثار السلفية، وها هي الأدلة على ذلك :

الدليل الأول :

قال الإمام أحمد – رحمه الله – :

(( حدثنا أبو المغيرة : ثنا صفوان : حدثني شريح بن عبيد الحضرمي – وغيره -، قال : جلد عياض بن غنم صاحب ( دارا ) حين فتحت، فأغلظ له هشام بن حكيم القول حتى غضب عياض، ثم مكث ليالي، فأتاه هشام بن حكيم، فاعتذر إليه ثم قال هشام لعياض : ألم تسمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول : إن من أشد الناس عذاباً أشدهم عذاباً في الدنيا للناس .

فقال عياض ابن غنم : يا هشام بن حكيم ! قد سمعنا ما سمعت، ورأينا ما رأيت أولم تسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :

من أراد أن ينصح لسلطان بأمر فلا يبد له علانية، ولكن ليأخذ بيده، فيخلو به، فإن قبل منه فذاك، وإلا كان قد أدى الذي عليه له وإنك يا هشام لأنت الجريء إذ تجترئ على سلطان الله فهلا خشيت أن يقتلك السلطان فتكون قتيل سلطان الله – تبارك وتعالي – )) ا هـ.

عياض بن غنم، هو : ابن زهير ابن أبي شداد أبو سعيد الفهري صحابي جليل، وهو ممن بايع بيعة الرضوان، وتوفي سنة عشرين بالشام.

وهشام بن حكيم، هو : ابن حزام بن خويلد، القرشي الأسدي، صحابي جليل، توفي في أول خلافة معاوية.

وشريح بن عبد الخضرمي الحمصي : تابعي ثقة.

قال الهيثمي في (( المجمع )) :

(( قلت : في (( الصحيح )) طرف منه من حديث هشام فقط، رواه أحمد، ورجاله ثقات، إلا أني لم أجد لشريح من عياض وهشام سماعاً وإن كان تابعاً )) ا هـ

قلت : شريح سمع هذا الحديث من جبير بن نفير عن عياض وهشام فقد أخرجه ابن أبي عاصم في (( السنة )) من طريق محمد ابن إسماعيل بن عياش، عن أبيه، عن ضمض بن زرعة الحمصي، عن شريح بن عبيد، قال : قال جبير بن نفير : قال عياض بن غنم لهشام بن حكيم ….. الحديث.

[ص-50] ومحمد بن إسماعيل : ضعيف الحديث.

وأخرجه أبو نعيم في (( معرفة الصحابة )) من طريق عبد الوهاب بن الضحاك عن إسماعيل بن عيا ش …. به

وعبد الوهاب متروك.

قال أبو نعيم – عقبه – :

(( رواه بقية من صفوان بن عمرو، عن شريح، عن جبير )) ا هـ.

وبقية قد صرح بالحديث عن ابن أبي عاصم.

وقد ذكر أبو نعيم – أيضاً – متابعين لشريح في هذا الحديث فقال :

رواه الزبيدي، عن الفضيل بن فضالة، عن ابن عائذ، عن جبير بن نفير.

رواه الزبيري عن عروة بن الزبير عن عياض بن غنم … ))

قلت : أما المتابعة الأولي : فقد أخرجها الحاكم في (( مستدركه )) من طريق عمرو بن إسحاق بن إبراهيم بن العلاء بن زبريق الحمصي : ثنا أبي : ثنا عمرو ابن الحارث عن عبد الله بن سالم عن الزبيدي، ثنا الفضيل بن فضالة يرده إلى ابن عائذ إلى جبير بن نفير، أن عياض بن غنم … الحديث.

وأخرجه الطبراني في الكبير )) ، قال :

(( حدثنا عمرو بن إسحاق بن زريق الحمصي : ثنا أبي. ( ح ) وحدثنا عمارة بن وثيمة المصري وعبد الرحمن بن معاوية العتبى قالا : ثنا إسحاق بن زبريق الحمصي : ثنا عمرو بن الحارث … به )) :

قال الهيثمي في (( مجمع الزوائد )) (( رجاله ثقات ،وإسناده متصل )) ا هـ.

قلت : إسحاق بن إبراهيم بن العلاء، قال فيه أبو حاتم : شيخ لا بأس به ،ولكنهم يحسدونه، سمعت يحي بن معين أثني عليه خيراً )).

وجاء في (( تاريخ ابن عساكر )) – كما في (( تهذيبه )) لابن بدران – أن النسائي قال : إسحاق ليس بثقة، إذ روي عن عمر بن الحارث )) ا هـ.

[ص-51] وهذا طريق من روايته عن عمر بن الحارث.

وقد قال الحافظ ابن حجر في حال إسحاق :

(( صدوق يهم كثيراً، وأطلق محمد بن عوف أنه يكذب ))

ولذا فإن الحاكم لما صحح الحديث تعقبه الذهبي فقال :

(( ابن زبريق : واه )).

وأما شيخة عمر بن الحارث، فقد ذكر بن حبان في ((ثقاته )) وقال : (( مستقيم الحديث ))

وذكر الذهبي في (( الميزان )) ، وقال :

(( تفرد بالرواية عنه إسحاق بن إبراهيم بن زبريق ومولاة له أسمها : علوة، فهو غير معروف العادلة … )) ل هـ.

ولهذا الطريق إسناد آخر، أخرجه ابن أبي عاصم في (( السنة)) وفي (( الآحاد والمثاني )) : حدثنا محمد بن عوف : ثنا عبد الحميد بن إبراهيم، عن عبد الله بن سالم، عن الزبيدي عن الفضل بن فضالة يرده إلى ابن عائذ إلى جبير بن نفير، عن عائض بن غنم، قال لهشام بن حكيم ….. الحديث.

ورجاله كلهم ثقات، سوى عبد الحميد بن إبراهيم – وهو الحضرمي -، قال الحافظ ابن حجر في حاله :

(( صدوق إلا أنه ذهبت كتبه فساء حفظه )) اهـ. أما المتابعة الثانية التي أشار إليها أبو نعيم، فقد أسندها هو، فقال: (( حدثنا الحسن بن علان :ثنا الحسين بن أبي الأحوص : ثنا محمد بن إسحاق البلخي : ثنا ابن المبارك : ثنا يونس، ثنا يونس ن عن الزهري عن عروة بن الزبير عن عياض بن غنم، أنه رأى نبطيا يشمس في الجزيرة فقال لعاملهم : أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إن الله – عز وجل – يعذب الذين يعذبون الناس في الدنيا .

ورواه الليث بن سعد عن يونس ا هـ.

قلت : الحسن بن أبي الأحوص ، وهو الحسين بن عمرو بن أبي الأحوص .

ترجمة الخطيب في (( تاريخ بغداد )) ، وقال : (( ثقة ))

ومحمد بن إسحاق هو : ابن حرب اللؤلؤي البلخي، كان أحد الحفاظ إلا أن صالح بن محمد جرة قال : (( كذاب )) ا هـ من (( ميزان الاعتدال )) [ص-52] والمعروف أن هذا الحديث من مسند هشام بن حكيم بن حزام، لا من مسند عياض بن غنم فلعل هذا ما قبل البلخي، فقد أخرجه الإمام مسلم في صحيحه – كتاب البر والصلة والآداب – من طريق هشام بن عروة عن أبيه عن هشام بن حكيم ابن حزام قال : مر بالشام على أناس وقد أقيموا في الشمس وصب على رؤوسهم الزيت فقال : ما هذا ؟ قيل : يعذبون في الخراج، فقال : أما إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إن الله يعذب الذين يعذبون في الدنيا كما أخرجه من طريق يونس عن الزهري عن عروة بن الزبير، أن هشام بن حكيم وجد رجلاً – وهو على حمص – يشمس ناساً من النبط في أداء الجزية فقال : ما هذا ؟ إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إن الله يعذب الذين يعذبون الناس في الدنيا .

وهذه متابعة قوية، ولذا، فإن الهيثمي لما ذكر حديث عياض بن غنم من رواية شريح بن عبيد عند الإمام أحمد، قال :

(( قلت : في (( الصحيح )) طرف منه من حديث هشام فقط .. )) ا هـ.

فعلى هذا فالحديث صحيح بهذا الطريق ،وليس حسناً كما قال بعضهم فضلاً عن تضعيفه.

وممن صححه المحدث الشيخ ناصر الدين الألباني في كتابه (( ظلال الجنة في تخريج السنة )) وهذا الحديث أصل في إخفاء نصيحة السلطان ،وأن الناصح إذا قام بالنصح على هذا الوجه، فقد برئ وخلت ذمته من التبعة.

قال العلامة السندي في (( حاشيته على مسند الإمام أحمد )) قوله : (( من أراد أن ينصح لسلطان ))، : نصيحة السلطان ينبغي أن تكون في السر، لا بين الخلق )) ا هـ.

وفي القصة التي وردت بين الصحابيين الجليلين هشام بن حكيم بن حزام وعياض بن غنم أبلغ رد على من أستدل بإنكار هشام بن حكيم علانية على السلطان، أو بإنكار غيره من الصحابة، إذ إن عياض بن غنم أنكر عليهم ذلك وساق النص القاطع للنزاع الصريح في الدلالة وهو قوله صلى الله عليه وسلم : من أراد أن ينصح لذي سلطان، فلا يبده علانية ، فما كان من هشام بن حكيم – رضي الله عنه – إلا التسليم والقبول لهذا الحديث الذي هو غاية في الدلالة على المقصود.

والحجة إنما هي في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لا في قول أو فعل أحد من الناس، مهما كان.

[ص-53] قال الله تعالى :( إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ *وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ)( سورة النور الآية 51-52) وقال – تعالى – : ( وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا)(سورة الأحزاب الآية 36) وقال – تعالى – : ( وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا)(سورة النساء الآية 61) إلى قول – تعالى – ( فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)(سورة النساء الآية 65) وبناء على هذا الحديث العظيم جاءت أقوال السلف وأفعالهم على وفقه، كما سترى النقل عن بعضهم في هذا المسطور .

قال الشوكاني في (( السيل الجرار )) (( ينبغي لمن ظهر له غلط في بعض المسائل أن تناصحه ولا يظهر الشناعة عليه على رؤوس الأشهاد.

بل كما ورد في الحديث : أنه يأخذ بيده ويخلوا به، ويبذل له النصيحة، ولا يذل سلطان الله.

وقد قدمنا : أنه لا يجوز الخروج على الأئمة وإن بلغوا في الظلم أي مبلغ ما أقاموا الصلاة ولم يظهر منهم الكفر البواح والأحاديث الواردة في هذا المعني متواترة.

ولكن على المأموم أن يطيع الإمام في طاعة الله ،ويعصيه في معصية الله، فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق )) انتهى.

الدليل الثاني :

أخرج البخاري في (( صحيحه )) ، كتاب الإيمان وكتاب الزكاة ،ومسلم في (( صحيحه )) ، كتاب الإيمان وكتاب الزكاة عن سعد بن أبي وقاص – رضي الله عنه -، قال : أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم رهطاً – وأنا جالس فيهم [ص-54] -، قال : فترك رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم رجلاً لم يعطه، وهو أعجبهم إلي، فقمت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فساررته، فقلت : يا رسول الله أما لك عن فلان ؟ والله إني لأراه مؤمناً، قال : (( أو مسلماً … وفيه قال صلى الله عليه وسلم :

إني لأعطي الرجل وغيره أحب إلى منه خشية أن يكب في النار على وجهه .

قال النووي – رحمه الله – :

(( فيه التأدب مع الكبار، وأنهم يسارون بما كان من باب التذكير لهم والتنبيه ونحوه، ولا يجاهرون فقد يكون في المجاهرة به مفسدة )) ا هـ الدليل الثالث :

أخرج الترمذي في (( سننه )) – أبواب الفتن -، قال :

حدثنا بندار : حدثنا أبو داود : حدثنا حميد بن مهران، عن سعد بن أوس، عن زياد بن كسيب العدوى، قال :

كنت مع أبي بكرة تحت منبر ابن عامر – وهو يخطب وعليه ثياب رقاق -، فقال أبو بلال :

انظر إلى أميرنا يلبس ثياب الفساق !

فقال أبو بكرة : اسكت، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :

من أهان سلطان الله في الأرض أهانه الله .

قال الترمذي : (( حسن غريب )) ا هـ.

وأخرجه الإمام أحمد في المسند من الطريق نفسه دون ذكر القصة ولفظه : من أكرم سلطان الله – تبارك وتعالي – في الدنيا، أكرمه الله يوم القيامة، ومن أهان سلطان الله – تبارك وتعالي – في الدنيا، أهانه الله يوم القيامة وقال الهيثمي في (( المجمع )) :

(( رواه أحمد والطبراني باختصار، وزاد في أوله : (( الإمام ظل الله في الأرض ))، ورجال أحمد ثقات )) ا هـ.

قلت : زياد بن كسيب العدوى، قال الحافظ ابن حجر : (( مقبول )) ا هـ.

[ص-55] وقد تابعه عبد الرحمن بن أبي بكرة، كما عند ابن أبي عاصم في (( السنة )) ، وفي إسناده ابن أبي لهيعة ورجل مجهول.

وقد حسن الحديث الشيخ الألباني – رحمه الله – في (( السلسلة الصحيحة )) قال الشيخ صالح بن عثيمين – رحمه الله تعالى – في كتابه (( مقاصد الإسلام )) – عندما قرر أن النصيحة تكون للولاة سراً لا علانية وساق بعض الأدلة على ذلك، ومنها هذا الحديث -، قال : (( فإذا كان الكلام في الملك بغيبة، أو نصحه جهراً والتشهير به من إهانته التي توعد اله فاعلها بإهانته، فلا شك أنه يجب مراعاة ما ذكرناه – يريد الإسرار بالنصح ونحوه – لمن استطاع نصيحتهم من العلماء الذين يغشونهم ويخالطونهم، وينتفعون بنصيحتهم دون غيرهم …

إلي أن قال : (( فإن مخالفة السلطان فيما ليس من ضروريات الدين علناً ،وإنكار ذلك عليه في المحافل والمساجد والصحف ومواضع الوعظ وغير ذلك، ليس من باب النصيحة في شيء، فلا تغتر بمن يفعل ذلك، وإن كان عن حسن نية، فإنه خلاف ما عليه السلف الصالح المقتدي بهم، والله يتولى هداك ))

الدليل الرابع :

قال الإمام أحمد في (0 المسند ) :

(( ثنا أبو النضر : ثنا الحشرج بن نباتة العبسي – كوفي – : حدثنا سعيد بن جمهان قال أتيت عبد الله بن أبي أوفى وهو محجوب البصرة فسلمت عليه.

قال لي : من أنت ؟ فقلت : أنا سعيد بن جهمان.

قال : فما فعل والدك ؟ قال : قلت : قتلته الأزارقة.

قال : لعن الله الأزارقة، لعن الله الأزارقة، حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم كلاب النار.

قال : قلت : فإن السلطان يظلم الناس ويفعل بهم، قال : فتناول يدي فغمزها بيده غمزة شديدة، ثم قال :

ويحك يا ابن جمهان، عليك بالسواد الأعظم، عليك بالسواد الأعظم إن كان السلطان يسمع منك، فائته في بيته، فأخبره بما تعلم، فإن قبل منك وإلا فدعه فإنك لست بأعلم منه )).

قال الهيثمي في (( المجمع )) :

[ص-56] (( رواه أحمد والطبراني ، ورجال أحمد ثقات )) ا هـ.

وقد حسنه الشيخ الألباني في (( تخريج السنة )) ، وهو كما قال.

الدليل الخامس :

أخرج البخاري، ومسلم في (( صحيحيهما )) ، عن أسامة بن زيد ن أنه قيل له : ألا تدخل على عثمان لتكلمه ؟ فقال :

( أترون أني لا أكلمه إلا أسمعكم ؟ والله لقد كلمته فيما بيني وبينه ما دون أن أفتح أمراً لا أحب أن أكون أول من فتحه )) هذا سياق مسلم.

قال الحافظ في (0 الفتح )) قال المهلب : قوله : (( قد كلمته سراً دون أن أفتح باباً ))، أي باب الإنكار على الأئمة علانية، خشية أن تفترق الكلمة … وقال عياض : مراد أسامة أنه لا يفتح باب المجاهرة بالنكير على الإمام لما يخشى من عاقبة ذلك، بل يتلطف به وينصحه سراً، فذلك أجدر بالقول. ا هـ.

وقال الشيخ الألباني في تعليقه على (( مختصر صحيح مسلم )) يعني المجاهرة بالإنكار على الأمراء في الملأ، لأن في الإنكار جهاراً ما يخشى عاقبته، كما أتفق في الإنكار على عثمان جهاراً، إذ نشأ عنه قتله )) ا هـ .

الدليل السادس :

أخرج هناد بن السري في (( الزهد )) عن عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – ن أنه قال :

(( أيتها الرعية ! إن عليكم حقاً، النصيحة بالغيب، والمعاونة على الخير … ))

الدليل السابع :

أخرج ابن أبي شيبة في (( المصنف )) ، وسعيد بن منصور في (( سننه )) وابن أبي الدنيا في (( الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر )) والبيهقي في (( الشعب )) عن سعيد بن حبير قال : قلت لابن عباس آمر إمامي بالمعروف [ص-57] ؟ فقال : ابن عباس : (( إن خشيت أن يقتلك فلا، فإن كنت فاعلاً ففيما بينك وبينه، ولا تغتب إمامك ))، وهذا أثر صحيح.

الدليل الثامن :

أخرج ابن أبي شيبة في (( المصنف )) ، وسعيد بن منصور في (( سننه )) عن خيثمة بن عبد الرحمن بن أبي سبرة، قال : قال عبد الله : (( إذا أتيت الأمير المؤمر، فلا تأته على رؤوس الناس ))، هذا لفظ سعيد.

الفصل السادس

في

الصبر على جور الأئمة أصل من أصول السنة والجماعة لا تكاد تري مؤلفاً في السنة يخلو من تقرير هذا الأصل، والحض عليه

وقد بلغت الأحاديث حد التواتر في ذلك .

وهذا من محاسن الشريعة فإن الأمر بالصبر على جور الأئمة وظلمهم يجلب من المصالح ودرأ من المفاسد ما يكون به صلاح العباد والبلاد.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله تعالى -.

(( وأما ما يقع من ظلمهم وجورهم بتأويل سائغ أو غير سائغ، فلا يجوز أن يزال لما فيه من ظلم وجور، كما هو عادة أكثر النفوس، تزيل الشر بما هو شر منه ،وتزيل العدوان بما هو أعدى منه، فالخروج عليهم يوجب من الظلم والفساد أكثر من ظلمهم فيصبر عليه، كما يصبر عند الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على ظلم المأمور والمنهي – [ص-58] في مواضع كثيرة – كقوله – تعالى – : ( يَابُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ)(سورة لقمان الآية 17) وقوله( فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ)( سورة الأحقاف الآية 35) ،وقوله ( وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا)(سورة الطور الآية 48) )) انتهى.

فاصبر على السلاطين إذا جاروا من عزائم الدين ومن وصايا الأئمة الناصحين جاء في (( الشريعة )) للآجري : عن عمر بن يزيد، أنه قال :

(( سمعت الحسن – أيام يزيد بن المهلب يقول – وأتاه رهط – فأمرهم أن يلزموا بيوتهم ويغلقوا عليهم أبوابهم، ثم قال : والله لو أن الناس إذا ابتلوا من قبل سلطانهم صبروا على ما لبثوا أن يرفع الله – عز وجل – ذلك عنهم وذلك أنهم يفزعون إلى السيف فيوكلون إليه، والله ما جاءوا بيوم خير قط، ثم تلا : ( وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ)(سورة الأعراف الآية 137) وقال الحسن – أيضاً – : (( أعلم – عافاك الله – أن جور الملوك نقمة من نقم الله – تعالى -، ونقم الله لا تلاقي بالسيوف، وإنما تتقي وتستدفع بالدعاء والتوبة والإنابة والإقلاع عن الذنوب.

إن نقم الله متي لقيت بالسيوف كانت هي أقطع

ولقد حدثني مالك بن دينار أن الحجاج كان يقول :

اعلموا أنكم كلما أحدثتم ذنباً أحدث الله في سلطانكم عقوبة.

ولقد حدثت أن قائلاً قال للحجاج : إنك تفعل بأمة رسول الله صلى الله عليه وسلم كيت و كيت ! فقال : أجل، إنما أنا نقمة على أهل العراق لما أحدثوا في دينهم ما أحدثوا، وتركوا من شراع نبيهم عليه السلام – ما تركوا )) ا هـ.

[ص-59] وقيل : سمع الحسن رجلاً يدعو على الحجاج، فقال : لا تفعل – رحمك الله -، إنكم من أنفسكم أتيتم، إنما نخاف إن عزل الحجاج أو مات : أن تليكم القردة والخنازير.

ولقد بلغني أن رجلاً كتب إلى بعض الصالحين يشكو إليه جور المال فكتب إليه :

يا أخي ! وصلني كتابك تذكر ما أنتم فيه من جور العمال، وإنه ليس ينبغي لمن عمل بالمعصية أن ينكر العقوبة، وما أظن الذي أنتم فيه إلا من شؤم الذنوب والسلام ا هـ .

فهذا موقف أهل السنة والجماعة من جور السلطان يقابلونه بالصبر والاحتساب، ويعزون حلول ذلك الجور بهم غلي ما اقترفته أيديهم من خطايا وسيئات، كما قال الله – جلا وعلا – : ( وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ)(سورة الشورى الآية 30) ، فيهرعون إلى التوبة والاستغفار ن ويسألون الله – جل وعلا – أن يكشف ما بهم من ضر.

ولا يقدمون على شيء مما نهي عنه الشرع المطهر في هذه الحال – من حمل السلاح أو إثارة فتنة أو نزع يد من طاعة -، لعلمهم أن هذه الأمور إنما يفزع إليها من لا قدر لنصوص الشرع في قلبه من أهل الأهواء الذين تسيرهم الآراء لا الآثار، وتتخطفهم الشبه، ويستنزلهم الشيطان.

ولقد جاء في النصوص (( من التحذير عن مذاهب الخوارج ما فيه بلاغ لمن عصمه الله – عز وجل الكريم – عن مذهب الخوارج ولم ير رأيهم وصبر على جور الأئمة وحيف الأمراء، ولم يخرج عليهم بسيفه، وسال الله العظيم كشف الظلم عنه وعن جميع المسلمين، ودعا للولاة بالصلح، وحج معهم، وجاهد معهم كل عدو للمسلمين، وصلى خلفهم الجمعة والعيدين وإن أمروه بطاعتهم فأمكنته طاعتهم أطاعهم ،وإن لم يمكنه اعتذر إليهم وإن أمروه بمعصية لم يطعهم وإذا دارت بينهم الفتن لزم بيته، وكف لسانه ويده ،ولم يهو ما هم فيه ،ولم يعلن على فتنة فمن كان هذا وصفه كان على الطريق المستقيم – إن شاء الله – )) وقد وردت أحاديث كثيرة عن النبي صلى الله عليه وسلم تأمر بالصبر على جور الأئمة وظلمهم، أسوق طرفاً منها :

الدليل الأول :

أخرج البخاري ومسلم في صحيحيهما عن عبد الله بن عباس – رضي الله عنهما – أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : من رأى من أميره شيئاً يكرهه فليصبر ، فإنه من فارق الجماعة شبراً فمات فميتة جاهلية [ص-60] وفي رواية لمسلم : من كره من أميره شيئاً ،فليصبر عليه، فإنه ليس أحد من الناس خرج من السلطان شبراً، فمات عليه إلا مات ميتة جاهلية .

قال ابن أبي جمرة :

(( المراد بالمفارقة السعي في حل عقد البيعة التي حصلت لذلك الأمير ولو بأدنى شيء، فكنى عنها بمقدار الشبر، لأن الأخذ في ذلك يؤول إلى سفك الدماء بغير حق )) ا هـ.

والمراد بالميتة الجاهلية : حالة الموت كموت أهل الجاهلية على ضلال، وليس له إمام مطاع، لأنهم كانوا لا يعرفون ذلك وليس المراد أنه يموت كافراً، بل يموت عاصياًً، قاله الحافظ في (( الفتح )) الدليل الثاني :

أخرج البخاري ومسلم في (( صحيحيهما )) – أيضا-، عن عبد الله بن مسعود – رضي الله عنه – :

أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إنها ستكون بعدي أثرة وأمور تكرهونها ، قالوا : يا رسول الله ! فما تأمرنا ؟ قال : تؤدون الحق الذي عليكم، وتسألون الله الذي لكم قوله : (( أثرة )) هي : الانفراد بالشيء عمن له فيه حق.

وقوله أمور تنكرونها : يعني : من أمور الدين.

وقد أرشدهم النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الحالة – وهي استئثار الأمراء بالأموال وإظهارهم للمخالفات الشرعية … – إلى المسلك السليم والمعاملة الحسنة التي يبرا صاحبها من الوقوع في الإثم، وهي إعطاء الأمراء الحق الذي كتب لهم علينا ،من الانقياد لهم وعدم الخروج عليهم.

وسؤال الله الحق الذي لنا في بيت المال بتسخير قلوبهم لأدائه أو بتعويضنا عنه.

قال النووي – رحمه الله تعالى – على هذا الحديث :

(( فيه الحث على السمع والطاعة وإن كان المتولي ظالماً عسوفاً، فيعطي حقه من الطاعة، ولا يخرج عليه، ولا يخلع، بل يتضرع إلى الله – تعالى – في كشف أذاه، ودفع شره، وإصلاحه )) انتهى.

وقال ابن علان : (( فيه الصبر على المقدور والرضي بالقضاء حلوه ومره والتسليم لمراد الرب العليم الحكيم )) ا هـ.

الدليل الثالث :

[ص-61] أخرج البخاري ومسلم في (( صحيحيهما )) – أيضا -، عن أسيد بن حضير أن رجلاً من الأنصار خلا برسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : ألا تستعملني كما استعملت فلاناً ؟ فقال :

إنكم ستلقون بعدي أثرةً فاصبروا حتى تلقوني على الحوض .

وقد بوب عليه النووي في (( شرح مسلم )) ، فقال :

(( باب الأمر بالصبر عند ظلم الولاة واستئثارهم )) ا هـ.

وبوب عليه ابن أبي عاصم في (( السنة ))، فقال :

(( باب ما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم من الصبر عندما يري المرء من الأمور التي يفعلها الولاة )) ا هـ.

الدليل الرابع :

أخرج الإسماعيلي في (( مسند عمر بن الخطاب )) ، عن عمر ابن الخطاب – رضي الله عنه – مرفوعاً، قال :

أتاني جبريل، فقال : إن أمتك مفتتنة من بعدك، فقلت : من أين ؟ فقال : من قبل أمرائهم، وقرائهم، يمنع الأمراء الناس الحقوق فيطلبون حقوقهم فيفتنون. قلت : فكيف يسلم من سلم منهم ؟ قال : بالكف والصبر إن أعطوا الذي لهم أخذوه ،وإن منعوه تركوه قال ابن كثير في مسند الفاروق عمر بن الخطاب )) : (( حديث غريب من هذا الوجه، فإن مسلمة بن على الخشني ضعيف )) ا هـ.

الدليل الخامس :

أخرج ابن أبي شيبة في (( المصنف )) ، والخلال في (( السنة )) وأبو عمرو الداني في (( الفتن )) ، وابن أبي زمنين في (( أصول السنة )) بإسناد جيد عن سويد بن غفلة قال :

قال لي عمر – رضي الله عنه – :

[ص-62] (0 يا أبا أمية إني لا أدري لعلى لا ألقاك بعد عامي هذا ،فإن أمر عليك عبد حبشي مجدع، فاسمع له وأطع، وإن ضربك فاصبر وإن حرمك فاصبر وإن أراد أمراً ينقض دينك فقل : سمعاً وطاعة، ودمي دون ديني، ولا تفارق الجماعة ))

الدليل السادس :

أخرج أبو عمرو الداني في (( الفتن )) ، عن محمد بن المنكدر، قال : لما بويع يزيد بن معاوية ذكر ذلك لابن عمرو فقال : (( إن كان خيراً رضينا وإن كان شراً صبرنا )) .

وأخرجه ابن أبي شيبة وابن أبي زمنين في (( أصول السنة )) .

الدليل السابع :

روي التبريزي في (( النصيحة للراعي والرعية )) ، عن كعب الأحبار، أنه قال :

(( السلطان ظل الله في الأرض، فإذا عمل بطاعة الله، كان له الأجر وعليكم الشكر، وإذا عمل بمعصية الله، كان عليه الوزر وعليكم الصبر، ولا يحملنك حبه على أن تدخل في معصية الله ولا بغضة على أن تخرج من طاعته )).

ففي هذه الأحاديث والآثار – وغيرها كثير – وجوب الصبر على جور الأئمة واحتمال الأذى مهم، لما في ذلك من درء المفاسد العظيمة التي تترتب على عدم الصبر عليهم.

يقول ابن أبي العز الحنفي – رحمه الله – :

(( وأما لزوم طاعتهم وإن جاروا لأنه يترتب على الخروج من طاعتهم من المفاسد أضعاف ما يحصل من جورهم بل في الصبر على جورهم تكفير السيئات ومضاعفة الأجور، فإن الله – تعالى – ما سلطهم علينا إلا لفساد أعمالنا والجزاء من جنس العمل، فعلينا الاجتهاد في الاستغفار والتوبة وإصلاح العمل.

قال – تعالي- ( وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ)(سورة الشورى الآية 30) قال – تعالى – (أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ )(سورة آل عمران الآية 165 )قال – تعالى – : ( مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ )(سورة النساء الآية 79)[ص-63] قال – تعالى – : ( وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ )(سورة الأنعام الآية 129)فإذا أراد الرعية أن يتخلصوا من ظلم الأمير الظالم، فليتركوا الظلم.

وعن مالك بن دينار أنه جاء في بعض كتب الله :

(( إنا الله مالك الملك، قلوب الملوك بيدي، فمن أطاعني جعلتهم عليه رحمة ومن عصاني جعلتهم عليه نقمة، فلا تشغلوا أنفسكم بسبب الملوك، ولكن توبوا أعطفهم عليكم )) انتهى.

وهذا الأثر الذي ذكره في الإسرائيليات، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم مرفوعاً ،ولا يثبت وإنما أخرجه ابن أبي شيبة في (0 المصنف )) بسند صحيح إلى مالك بن مغول، قال : كان في زابور داود : إني أنا الله لا إله إلا أنا … بنحوه.

وقد جزم ابن الجوزي في (( العلل )) أن هذا الكلام الوارد في بعض الكتب السابقة وتبعه على ذلك السخاوي في (( تخريج أحاديث العادلين )) .

الفصل السابع

في النهي عن سب الأمراء

الوقيعة في أعراض الأمراء، والاشتغال بسبهم، وذكر معا يبهم خطيئة كبيرة ،وجريمة شنيعة، نهى عنها الشرع المطهر، وذم فاعلها.

وهي نواة الخروج على ولاة الأمر، الذي هو أصل فساد الدين والدنيا معاً.

وقد علم أن الوسائل لها أحكام المقاصد، فكل نص في تحريم الخروج وذم أهله دليل على تحريم السب ،وذم فاعله.

وقد ثبت في (0 الصحيحين )) من حديث أبي هريرة – رضي الله عنه -، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :

[ص-64] من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليقل خيراً أو ليصمت وفي (( الصحيحين )) – أيضاً – عن أبي موسى الأشعري – رضي الله عنه -، قالوا يا رسول الله أي الإسلام أفضل ؟ قال من سلم المسلمون من لسانه ويده .

وقد ورد النهي عن سب الأمراء على الخصوص لما في سبهم من إذكاء نار الفتنة وفتح أبواب الشرور على الأمة وها هي النصوص في ذلك :

الدليل الأول :

أخرج الترمذي عن زياد بن كسيب العدوى قال : كنت مع أبي بكرة تحت منبر ابن عامر – وهو يخطب وعليه ثياب رقاق – فقال أبو بلال : انظروا إلى أميرنا يلبس ثياب الفساق.

فقال أبو بكرة : اسكت، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :

من أهان سلطان الله في الأرض أهانه الله الدليل الثاني :

قال ابن بشران في (( أماليه )) أخبرنا دعلج بن أحمد : ثنا حامد بن محمد بن شعيب البلخي : ثنا سريج بن يونس : ثنا مروان بن معاوية الفزاري، عن محمد ابن أبي قيس : ثنا أبو المصبح الجهني الحمصي، قال : جلست إلى نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيهم شداد أبن أوس، قال : فقالوا : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :

إن الرجل ليعمل بكذا وكذا من الخير ،وإنه لمنافق ، قالوا : وكيف يكون منافقاً وهو مؤمن ؟ قال : يلعن أئمته ويطعن عليهم .

رجاله ثقات، سوى محمد بن أبي قيس، وهو شامي، لم أعرفه، ولعله من المجاهيل، إذ مروان بن معاوية معروف بالرواية عنهم والله أعلم.

الدليل الثالث :

أخرج البزار في (( مسنده )) ، ومن طريقة الطبراني في (( المعجم الكبير )) حدثنا محمد بن المثني : حدثنا إبراهيم بن سليمان الدباس : حدثنا مجاعة بن الزبير العتكي، عن عمرو البكالي، قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :

[ص-65] إذا كان عليكم أمراء يأمرونكم بالصلاة والزكاة والجهاد، فقد حرم الله سبهم وحل لكم الصلاة خلفهم قال الهيثمي في (( المجمع )) : وفيه مجاعة بن الزبير العتكي، وثقه أحمد، وضعفه غيره، وبقية رجاله ثقات. ا هـ

قلت ضعفه الدارقطني وذكره العقيلي في (( الضعفاء )) ، أم ابن عدي فقال : (( هو ممن يحتمل ويكتب حديثه )) ا هـ.

وكان جاراً لشعبة بن الحجاج، وفيه يقول شعبة : هو كثير الصوم والصلاة .

وقد تابعه على هذا الحديث : صدقة بن طيسلة، كما عند أبي نعيم في (( معرفة الصحابة )) ، وصدقة ذكره أبي حاتم في (( الجرح والتعديل )) ، ولم يذكر فيه شيئاً.

وأخرجه البخاري في (( التاريخ الصغير )) ، ومحمد بن نصر في (( قيام الليل ))، وابن منده – كما أفاد الحافظ في (( الإصابة )) وأبو نعيم في (( معرفة الصحابة )) من طريق الجريري عن أبي تميمة الهجيمي، أنه سمع عمر اً البكالي يقول :

(( إذا كانت عليكم أمراء يأمرونكم بالصلاة والزكاة، حلت لكم الصلاة خلفهم، وحرم عليكم سبهم )) ، وهذا لفظ أبي نعيم.

قال الحافظ في (( الإصابة )) : وسنده صحيح.

قال : وأخرجه ابن السكن من هذا الوجه فقال : عمر بن عبد الله البكالي يقال : له صحبة، سكن الشام، وحديثه موقوف، ثم ساقه كما تقدم لكن قال : فسمعته يقول : إذا أمرك الإمام بالصلاة ،والزكاة ،والجهاد، فقد حلت لك الصلاة خلفه ،وحرم عليك سبه .

[ص-66] وقال أبو سعد الأشبح : حدثنا حفص بن غياث عن خالد الحذاء، وعن قلابة، عن عمرو البكالي – وكان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان ذا فقه – فذكر حديثاً موقوفاً ،وهذا سنده صحيح. ا ه.

الدليل الرابع :

قال ابن أبي عاصم – رحمه الله – : حدثنا هدية بن عبد الوهاب : ثنا الفضل بن موسي : حدثنا حسين بن واقد، عن قيس ابن وهب، عن أنس بن مالك، قال : نهانا كبراؤنا عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال :

لا تسبوا أمراءكم، ولا تغشوهم، ولا تبغضوهم، واتقوا الله واصبروا ،فإن الأمر قريب .

إسناده جيد، ورجاله كلهم ثقات والحسن بن واقد ثقة له أوهام ،وقد توبع، فقد رواه ابن حبان في (( الثقات )) ،وابن عبد البر في (( التمهيد )) من طريق يحي ابن يمان، قال : حدثنا سفيان عن قيس بن وهب، عن أنس بن مالك – رضي الله عنه -، قال :

(( كان الأكابر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهوننا عن سب الأمراء )) سفيان : هو الثوري.

وقد روي هذا الأثر الحافظ أبو القاسم الأصبهاني، الملقب ب ( قوام السنة ) في كتابه (( الترغيب والترهيب )) وكتابه (( الحجة في بيان المحجة وشرح عقيدة أهل السنة )) ، من طريق على بن الحسين بن شقيق : حدثنا الحسين بن واقد، عن الأعمش، عن زيد بن وهب، عن أنس بن مالك – رضي الله عنه -، قال :

(( نهانا كبراؤنا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا تسبوا أمراءكم، ولا تغشوهم، ولا تعصوهم ،واصبروا ،واتقوا الله – عز وجل -، فإن الأمر قريب .

وبوب عليه في كتابه (( الحجة )) بقوله : (( فصل في النهي عن سب الأمراء والولاة وعصيانهم )) ا هـ.

كما أخرج هذا الأثر – أيضاً – البيهقي في كتابه (( الجامع لشعب الإيمان )) من طريق قيس بن وهب، بلفظ :

(( أمرنا أكابرنا من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أن لا نسب أمراءنا … ))، الخ ،وإسناده جيد.

وأخرج أيضا- أبو عمرو الداني في (( السنن الواردة في الفتن .

[ص-67] ففي هذا الأثر : اتفاق أكابر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على تحريم الوقيعة في الأمراء بالسب.

وهذا النهي منهم – رضي الله عنهم – ليس تعظيماً لذوات الأمراء وإنما لعظم المسئولية التي وكلت إليهم في الشرع، والتي لا يقام بها على الوجه المطلوب مع وجود سبهم والواقعية فيهم، لأن سبهم يفضي إلى عدم طاعتهم في المعروف وإلي إيغار صدور العامة عليهم مما يفتح مجالاً للفوضى التي لا تعود على الناس إلا بالشر المستطير ،كما أن مطاف سبهم ينتهي بالخروج عليهم وقتالهم وتلك الطامة الكبرى والمصيبة العظمي.

فهل يتصور بعد الوقوف على هذا النهي الصريح عن سب الأمراء – أن مسلماً وقر الإيمان في قلبه ،وعظم شعائر الله يقدم على هذا الجرم ؟ أو يسكت عن هذا المنكر ؟

لا نظن بمسلم هذا ولا نتصور وقوعه منه، لأن نصوص الشرع وما كان عليه صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم أعظم في قلبه من العواطف والانفعالات التي هي في الحقيقة إيحاءات شيطانية ونفثات بدعية لم يسلم لها إلا أهل الأهواء الذين لا قدر للنصوص في صدورهم بل لسان حالهم يقول : إن النصوص في هذا الباب قد قصرت ، ( كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا )(سورة الكهف الآية 5)الدليل الخامس :

قال ابن أبي شيبة – رحمه الله تعالى – حدثنا ابن عيينة، عن إبراهيم بن ميسرة عن طاووس قال :

ذكرت الأمراء عند ابن عباس، فانبرك فيهم رجل فتطاول حتى ما رأي في البيت أطول منه.

فسمعت ابن عباس يقول (( لا تجعل نفسك فتنة للقوم الظالمين ))، فتقاصر حتى ما أري في البيت أقصر منه. ا هـ

الدليل السادس :

أخرج البيهقي في (( شعب الإيمان )) ،وابن عبد البر في (( التمهيد )) عن أبي الدرداء – رضي الله عنه – أنه قال : (( إن أول نفاق المرء طعنه على إمامه )).

الدليل السابع :

أخرج ابن أبي عاصم في (( السنة )) ، عن أبي اليمان الهوزني، عن أبي الدرداء – رضي الله عنه -، قال :

[ص-68] (( إياكم ولعن الولاة، فإن لعنهم الحالقة، وبغضهم العاقرة ))

قيل : يا أبا الدرداء ! فكيف نصنع إذا رأينا منهم ما لا نحب ؟

قال : (( اصبروا ،فإن الله إذا رأي ذلك منهم حبسهم عنكم بالموت ))

رجاله ثقات، غير أبي اليمان الهوزني ،وأسمه عامر بن عبد الله بن لحي الهوزني الحمصي.

روي عن أبي أمامة وأبي الدرداء وأبيه عبد الله بن لحي وكعب الأحبار.

وعنه صفوان بن عمرو، وأبو عبد الرحمن الحلبي : عبد الله بن يزيد ، والشاميون.

ذكره ابن حبان في (( الثقات )) وقال ابن القطان : لا يعرف له حال وقال الحافظ ابن حجر : مقبول.

والأثر أخرجه ابن زنجويه في كتاب (( الأموال )) في الطريق نفسه الدليل الثامن :

جاء في (( التاريخ الكبير )) للبخاري، عن عون السهمي، قال :

أتيت أبا أمامة فقال :

(( لا تسبوا الحجاج فإنه عليك أمير ،وليس علي بأمير ))

قوله : ليس على بأمير ))، لأن أبا أمامة في الشام ،والحجاج والِ في العراق.

الدليل التاسع :

جاء في (( التاريخ الكبير )) للبخاري – أيضا -، عن أبي جمرة الضبعي قال:

لما بلغني تحريق البيت خرجت إلى مكة، واختلفت إلى ابن عباس، حتى عرفني واستأنس بي، فسببت الحجاج عند ابن العباس فقال :

(( لا تكن عوناً للشيطان ))

الدليل العاشر :

[ص-69] أخرج ابن سعيد في (( الطبقات )) : أخبرنا عبد الله بن إدريس عن محمد بن أبي أيوب عن هلال بن أبي حميد، قال : سمعت عبد الله بن عكيم يقول :

(( لا أعين على دم خليفة أبداً بعد عثمان )).

فيقال له : يا أبا معبد أو أعنت على دمه ؟ ! فيقول :

(( أني أعد ذكر مساوية عوناً على دمه ))

وأخرجه ابن أبي شيبة في (( المصنف )) والفسوي في (( المعرفة والتاريخ )) ، عن ابن نمير … به، وهذا إسناد صحيح.

الدليل الحادي عشر :

أخرج هناد في (0 الزهيد )) : حدثنا عبدة، عن الزبرقان، قال : كنت عند أبي وائل – شقيق بن سلمة -، فجعلت أسب الحجاج، وأذكر مساويه.

قال : (( لا تسبه، وما يدريك لعله يقول : اللهم اغفر لي فغفر له )).

الدليل الثاني عشر :

أخرج ابن أبي الدنيا في كتاب (( الصمت وآداب اللسان )) ، وابن الأعرابي في (( معجمه )) ،وأبو نعيم في (( الحلية )) عن زائدة بن قدامة، قال : قلت لمنصور بن المعتمر : إذا كنت صائماً أنال من السلطان ؟

قال : لا قلت : فأنال من أصحاب الأهواء ؟

قال : (( نعم ))

الدليل الثالث عشر :

أخرج ابن عبد البر في (( التمهيد )) ، وأبو عمرو الداني في (( الفتن )) عن أبي إسحاق السبيعي، أنه قال :

(( ما سب قوم أميرهم، إلا حرموا خيره )).

[ص-70] الدليل الرابع عشر :

أخرج أبو عمر الداني في (( السنن الواردة في الفتن )) ، عن معاذ بن جبل، قال :

(( الأمير من أمر الله – عز وجل -، فمن طعن في الأمير فإنما يطعن في أمر الله – عز وجل ))

الدليل الخامس عشر :

أخرج ابن زنجويه في (( كتاب الأموال )) بسند حسن، عن أبي مجلز، قال :

سب الإمام الحالقة لا أقول : حالقة الشعر، ولكن حالقة الدين )).

الدليل السادس عشر :

أخرج ابن زنجوية – أيضا – بسنده، عن أبي إدريس الخولاني أنه قال : (( إياكم والطعن على الأئمة فإن الطعن عليهم هي الحالقة، حالقة الدين ليس حالقة الشعر، ألا إن الطعانين هم الخائبون وشرار الأشرار )) الدليل السابع عشر :

ذكر ابن الجوزي في (( مناقب معروف الكرخي وأخباره )) بسنده من طريق ابن حكمان، أن معروفاً قال :

(( من لعن إمامه حرم عدله )) وفي (( المنتظم في تاريخ الملوك والأمم )) لابن الجوزي، أن خالد بن عبد الله القسري خطب يوم أن كان والياً على مكة، فقال : (( إني والله ما أوتي بأحد يطعن على إمامه إلا صلبته في الحرم )).

ففي هذه الآثار وما جاء في معناها – دليل جلي، وحجة قوية على المنع الشديد والنهي الأكيد عن سب الأمراء، وذكر معايبهم.

فليقف المسلم حيث وقف القوم فهم خير الناس بشهادة سيد الناس صلى الله عليه وسلم عن علم وقفوا وببصر نافد كفوا فما دونهم مقصر وما فوقهم محسر.

فمن خالف هذا المنهج السلفي، واتبع هواه، فلا ريب أن قلبه مليء بالغل إذ أن السباب والشتائم ينافي النصح للولاة، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ثلاث لا يغل عليهن قلب امرئ مسلم : إخلاص العمل لله، ومناصحة ولاة الأمر ولزوم جماعة المسلمين [ص-71] ومن ظن أن الوقوع في ولاة الأمر بسبهم وانتقاصهم من شرع الله – تعالى – أو من إنكار المنكر ونحو ذلك، فقد ضل وقال على الله وعلى شرعه غير الحق، بل هو مخالف لمقتضى الكتاب والسنة، وما نطقت به آثار سلف الأمة.

فالواجب على من وقف على هذه النصوص الجليلة أن يزجر كل من سمعه يقع في ولاة الأمر حسبه لله – تعالى -، ونصحاً للعامة.

وهذا هو فعل أهل العلم والدين، يكفون ألسنتهم عن الولاة ويأمرون الناس بالكف عن الوقوع فيهم، لأن العلم الذي حملوه دلهم على ذلك وأرشدهم إليه.

وقد ذكر العلامة ابن جماعة أن من حقوق ولاة الأمر :

(( رد القلوب النافرة عنه إليه، وجمع محبة الناس عليه، لما في ذلك من مصالح الأمة ،وانتظام أمور الملة.

والذب عنه بالقول والفعل وبالمال والنفس والأهل في الظاهر والباطن، والسر والعلانية )) ا هـ.

هذا وإن أكثر الناس إنما يقعون في أمرائهم بالسب ويعصونهم بسبب الدنيا إن أعطوا منها رضوا ،وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون.

ومن هذه حاله فإن جرمه أشد، إذ قد جمع ألواناً من البلايا، وباء بإثم عظيم :

ففي (( الصحيحين )) من حديث أبي هريرة – رضي الله عنه – قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم : رجل على فضل ماء بالفلاة يمنعه من ابن السبيل ،ورجل بايع رجل بسلعة بعد العصر فحلف له بالله لأخذها بكذا وكذا فصدقه ،وهو على غير ذلك، ورجل بايع إماماً لا يبايعه إلا لدنيا، فإن أعطاه منها وفى وإن لم يعطه منها لم يف .

قال شيخ الإسلام – رحمه الله تعالى – :

(( فطاعة الله ورسوله واجبة على كل أحد، وطاعة ولاة الأمور واجبة لأمر الله بطاعتهم.

فمن أطاع الله ورسوله بطاعة ولاة الأمر لله، فأجره على الله .

ومن كان لا يطيعهم إلا لما يأخذ من الولاية والمال فإن أعطوه أطاعهم وإن منعوه عصاهم، فما له في الآخرة من خلاق …. )) انتهي.

وقد روي ابن عساكر في (( تاريخ دمشق )) والتبريزي في (( النصيحة )) أن ابن مبارك – رحمه الله تعالى -، قال :

[ص-72] (( من استخف بالعلماء ذهبت آخرته، ومن استخف بالأمراء، ذهبت دنياه ،ومن استخف بالإخوان ذهبت مروءته ))

من بدأ بالطعن على أئمة المسلمين ؟

الطعن في الأمراء – تحت شعار الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر – بدعة سبئية، ابتدأها عبد الله بن سبأ، لتفريق الأمة وإشعال الفتن بين أبنائها ،وكان نتاج بدعته هذه : قتل خليفة المسلمين عثمان بن عفان – رضي الله عنه -.

قال ابن عساكر في (( تاريخ دمشق )) : عبد الله بن سبأ الذي ينسب إليه السبيئة – وهم الغلاة من الرافضة -، وأصله من أهل اليمن، كان يهودياً ،وأظهر الإسلام ،وطاف بلاد المسلمين، ليلفتهم عن طاعة الأئمة ويدخل بينهم الشر، وقد دخل دمشق لذلك في زمن عثمان بن عفان. ا هت.

قلت : طاف بن سبأ البلاد لذلك، فبدأ بالحجاز، ثم البصرة ثم الكوفة ثم الشام، فأخرجه أهلها منها، فأتي مصر، وزعم أن محمداً صلى الله عليه وسلم يرجع وهو أحق بالرجوع من عيسي – عليه السلام -، فقبل ذلك منه، ثم زعم أن على بن أبي طالب – رضي الله عنه وأرضاه – وصي رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال بعد ذلك :

« من أظلم ممن لم يجز وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم ووثب على وصي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم تناول أمر الأمة » ، ثم بعد ذلك قال: (( إن عثمان ابن عفان قد جمع أموالاً أخذها بغير حقها، وهذا وصي رسول الله صلى الله عليه وسلم – يشير إلى على بن أبي طالب – فانهضوا في هذا الأمر فحركوه، وابدؤوا بالطعن على أمرائكم، وأظهروا الأمر بالمعروف ،والنهي عن المنكر واستميلوا الناس، وادعوا إلى هذا الأمر )).

فبث دعاةً، وكاتب من كان استفسد في الأمصار، وكاتبوه ودعوا في السر إلى ما عليه رأيهم وأظهروا الأمر بالمعروف وجعلوا يكتبون إلى الأمصار بكتب يضعونها في عيوب ولاتهم ويكاتبون إخوانهم بمثل ذلك، فكتب أهل كل مصر فيهم غلي أهل مصر آخر ما يصنعون، فيقرؤه أولئك في أمصارهم، وهؤلاء في أمصارهم، حتى تناولوا بذلك المدينة وأوسعوا الأرض إذاعة.

وهم يريدون غير ما يظهرون ويسرون غير ما يبدون، فيقول أهل كل مصر : إنا لفي عافية مما ابتلي به هؤلاء، إلا أهل المدينة فإنهم جاءهم ذلك عن جميع أهل الأمصار، فقالوا : إنا لفي عافية مما الناس فيه [ص-73] فأتوا عثمان فقالوا : يا أمير المؤمنين، أيأتيك عن الناس الذي يأتينا ؟

قال : لا والله ما جاءني إلا السلامة.

قالوا : فإنا قد أتانا ن وأخبروه بالذي أسقطوا إليهم.

قال : فأنتم شركائي، وشهود المؤمنين، فأشيروا علي.

قالوا : نشير عليك أن تبعث رجالاً ممن تثق بهم من الناس إلى الأمصار، حتى يرجعوا إليك بأخبارهم .

فدعا محمد بن مسلمة، فأرسله إلى الكوفة ،وأرسل أسامة ابن زيد إلى البصرة، وأرسل عمار بن ياسر إلى مصر وأرسل عبد الله ابن عمر إلى الشام، وفرق رجالاً سواهم، فرجعوا جميعاً قبل عمار.

وقالوا : أيها الناس، والله ما أنكرنا شيئاً، ولا أنكره أعلام المسلمين ولا عوامهم.

وقالوا جميعاً – : الأمر أمر المسلمين إلا أن أمرائهم يقسطون بينهم ويقومون عليهم.

واستبطأ الناس عماراً حتى ظنوا أنه قد اغتيل واشتهروه.

فلم يفاجئهم إلا كتاب من عبد الله بن سعد بن أبي سرح يخبرهم أن عماراً قد استماله قوم بمصر وقد انقطعوا إليه فيهم عبد الله بن السوداء، وخالد بن ملجم وسودان بن حمران، وكنانة بن بشر، يريدونه على أن يقول بقولهم يزعمون أن محمداً راجع ويدعونه إلى خلع عثمان ويخبرونه أن رأي أهل المدينة على مثل رأيهم، فإن رأي أمير المؤمنين أن يأذن لي في قتله وقتلهم قبل أن يتابعهم.

فكتب إليه عثمان لعمري إنك لجريء يا ابن أم عبد الله والله لا أقتله، ولا أنكاه، ولا إياهم، حتى يكون الله – عز وجل – ينتقم منهم ومنه بمن أحب، فدعهم، ما لم يخلعوا يداً من طاعة، ويخوضوا ويلعبوا.

وكتب عثمان ابن عمار : إني أنشدك الله أن تخلع يداً من طاعة أو تفارقها فتبوء بالنار.

ولعمري إني على يقين من الله تعالى لأستكملن أجلي ولأستوفين رزقي غير منقوص شيئا ً من ذلك فيغفر الله لك.

فثار أهل مصر فهموا بقتله وقتل أولئك، فنهاهم عنه عبد الله ابن سعد وأقر عماراً حتى أراد القفل، فحمله وجهزه بأمر عثمان فلما قدم على عثمان، قال :

يا أبا اليقظان قذفت ابن أبي لهب أن قذفك وغضبت على أن أوطئك فعنفك وغضبت على أني أخذت لك بحقك وله بحقه، اللهم إني قد وهبت ما بين أمتي وبيني من مظلمة، اللهم إني مقترب إليك بإقامة حدودك في كل أحد ولا أبالي، أخرج عني يا عمار، فخرج، فكان إذا لقي العوام نضح عن نفسه، وانتقل من ذلك وإذا لقي من يأمنه أقر بذلك، وأظهر الندم، فلامه الناس، وهجروه، وكرهوه.

الفصل الثامن

في عقوبة المثبط عن ولي الأمر والمثير عليه

التثبيط عن ولي الأمر له صور عديدة بعضها أشد من بعض ، وكذلك إثارة الرعية عليه.

فإذا دعا رجل إلى التثبيط – أو الإثارة -، فإن لولي الأمر إيقاع العقوبة المتلائمة مع جرمه، من ضرب، أو حبس، أو نفي … أو غير ذلك، لأن التثبيط والإثارة من أعظم مقدمات الخروج والخروج من أشنع الجرائم وأبشعها، فكان ما يفضي إليه كذلك.

قال الشوكاني – رحمه الله في شرح قول صاحب (( الأزهار )) :

(( ويؤدب من يثبط عنه، فالواجب دفعه عن هذا التثبيط، فإن كف، وإلا كان مستحقاً لتغليظ العقوبة، والحيلولة بينه وبين من صار يسعى لديه بالتثبيط بحبس أو غيره، لأنه مرتكب لمحرم عظيم، وساع في إثارة فتنة تراق بسببها الدماء، وتهتك عندها الحرم ،وفي هذا التثبيط نزع ليده من طاعة الإمام.

وقد ثبت في الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم ،أنه قال :

من نزع يداً من طاعة الإمام، فإنه يجيء يوم القيامة ولا حجة له، ومن مات وهو مفارق للجماعة، فإنه يموت موتة جاهلية ا هـ.

وقال ابن فرحون في (( تبصرة الحكام )) من تكلم بكلمة لغير موجب في أمير من أمراء المسلمين لزمته العقوبة الشديدة ،ويسجن شهراً.

ومن خالف أمير اً، وقد كرر دعوته، لزمته العقوبة الشديدة بقدر اجتهاد الإمام. ا هـ

وقد ذكر ابن الأزرق بعض المخالفات التي من الرعية ف يحق السلطان، فقال:

المخالفة الثانية : الطعن عليه، وذلك لأمرين :

أحدهما : أنه خلاف ما يجب له من الجلة والتعظيم، فقد قيل : من إجلال الله إجلال السلطان، عادلاً كان أو جائراً.

ومن كلام الصاحب بن عباد : تهيب السلطان فرض أكيد، وحتم على من ألقى السمع وهو شهيد.

الثاني : أن الاشتغال به سبب تسليط السلطان، وجزاء على المخالفة بذلك، ففي بعض الكتب أن الله – تعالى – يقول : (( إنني أنا الله، ملك الملوك، قلوب الملوك بيدي، فمن أطاعني جعلتهم عليه نعمة ،ومن عصاني جعلتهم عليه نقمة، فلا تشغلوا بسبب الملوك ،ولكن توبوا إلي أعطفهم عليكم )) [ص-75] والمخالفة الثالثة : الافتيات عليه في التعرض لكل ما هو منوط به :

ومن أعظمه فساداً تغيير المنكر بالقدر الذي لا يليق إلا بالسلطان، لما في السمح به والتجاوز به إلى التغيير عليه.

وقد سبق أن من السياسة تعجيل الأخذ على يد من يتشوق لذلك، وتظهر منه مبادئ الاستظهار به، وإن كان لا ينجح له سعي ولا يتم له غرض …)) ا هـ

وبهذا يعلم أن إثارة الرعية على الولاة وتأليب العامة عليهم داء عضال، تجب المبادرة إلى كيه وورم خبيث يتعين استئصاله لئلا يستفحل فيخرج خبثه، فتسحتكم البلية، وتعظم الرزية، ولا ينفع الندم عندئذ.

فإن المثير والمثبط كفارة السد إن تركت أغرقت العباد والبلاد وأشعت في الأرض الفساد.

فيتعين على الناس عموماً : التكاتف لدفع المثير الساعي إلى الفتنة ،وعزله كما تعزل الجرباء، ونفيه من المجتمع كل حسب جهده وطاقته.

وهذا من أفضل الأعمال وأجل القرب إلى الله تعالي، إذ به يندفع شر عظيم وتطفأ فتنة عمياء.

نعوذ بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن.

الفصل التاسع

أداء العبادات مع الولاة

الصلاة :

أخرج ابن أبي شيبة في (( المصنف )) ، عن الأعمش إبراهيم النخعي – رحمه الله – أنه قال :

(( كانوا يصلون خلف الأمراء ما كانوا )).

هذا إخبار عن عمل الصحابة – رضي الله تعالى عنهم -، فقد كانوا يصلون خلف الأمراء حتى لو كانوا فجرة فسقة، بل ينكرون على من لا يصلي خلفهم ،ويحتجون عليه بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ففي (( مصنف ابن أبي شيبة )) عن إبراهيم بن أبي حفصة قال : قلت لعي بن حسين : إن أبا حمزة الثمالي – وكان فيه غلو – يقول : لا نصلي خلف الأئمة ولا نناكح إلا من يري مثل ما رأينا فقال على بن حسين (( بل نصلي خلفهم ونناكحهم بالسنة ))

[ص-76] وأنكر سفيان الثوري على الحسن بن صالح بن حي تركع صلاة الجمعة خلف الأئمة بل ذكر عند بشر بن الحارث : عبد الرحمن بن عفان الصوفي، فقال : سمعت حفص بن غياث يقول : هؤلاء يرون السيف – أحسبه عن ابن حي وأصحابه -، ثم قال بشر : هات من لم ير السيف من أهل زمانك كلهم إلا قليل ولا يرون الصلاة – أيضاً – ثم قال :

كان زائدة يجلس في المسجد يحذر الناس من ابن حي وأصحابه، قال : كانوا يرون السيف .

ولما وقعت الفتنة في زمن أمير المؤمنين عثمان بن عفان – رضي الله عنه – فحاصره الخوارج في بيته بالمدينة، دخل عليه عبيد الله بن عدى بن الخيار، فقال له: إنك إمام عامة، ونزل بك ما نرى، ويصلي لنا إمام فتنة ونتحرج ؟

فأجابه عثمان رضي الله عنه – بتأكد الصلاة خلفه، حيث قال :

(( الصلاة أحسن ما يعمل الناس، فإذا أحسن الناس، فأحسن معهم، وإذا أساءوا فاجتنب إساءتهم )).

رواه البخاري في (( صحيحه ))، قال : وقال لنا محمد بن يوسف : حدثنا الأوزاعي : حدثنا الزهري … به قوله : (( إمام فتنة ))، هو كنانة بن بشر، أحد الخوارج على عثمان – رضي الله عنه -، رواه سيف بن عمر في كتاب (( الفتوح )) وقوله (0 نتحرج )) : التحرج : التأثم، أي : نخاف من الوقوع في الإثم.

وفي رواية ابن المبارك : (( وإنا لنتحرج من الصلاة معه )) .

). بوب البخاري – رحمه الله تعالى – – على هذا الأثر فقال : (( باب إمامة المفتون، والمبتدع )) ا هـ.

قال الحافظ (( في الفتح )) (( المفتون أي الذي دخل في الفتنة فخرج على الإمام.

قال : وفي هذا الأثر الحض على شهود الجماعة، ولا سيما في زمن الفتنة لئلا يزداد تفرق الكلمة )) ا هـ.

وهكذا من جاء بعد عثمان من كبار علماء الصحابة – رضي الله عنهم -، كانوا يصلون خلف الأمراء، ويعتدون بها.

وتابعوهم على ذلك – أيضاً – فابن عمر صلي خلف الحجاج ابن يوسف، وهكذا أنس بن مالك .

وصلي ابن عمر خلف نجدة الحروري، رواه ابن أبي زمنين .

[ص-77] وصلي الحسن والحسن خلف مروان ابن أبي شيبة في (0 المصنف )) .

وصلي سعيد بن جبير خلف الحجاج، رواه ابن أبي شيبة – أيضاً – .

وبناء على هذا وغيره من الآثار – جاء اعتقاد السلف مصرحاً بمدلول ما ورد في هذا الباب مودعاً في (( العقائد )) التي نقلها السلف، ودونها.

وقد خص أكثر السلف الحديث عن صلاة الجمعة والعيدين خلف الأمراء، إذ صلاة الفرض غير الجمعة، لا يفتقد من صلاها مع غير الإمام، لكثرة المساجد وصحة إقامة أكثر من جماعة في البلد.

أما الجمعة فلا يجوز إقامة أكثر من جمعة في البلد خشية التفرق، إلا لحاجة ملحة، كسعة البلد وتباعد أطرافه.

فلما كان الأصل في الجمعة والعيدين عدم تعددها، نص السلف على صلاتها خلف الأمراء.

جاء في معتقد الإمام سفيان الثوري – رحمه الله – الذي رواه عنه شعيب بن حرب :

(( يا شعيب : لا ينفعك ما كتبت حتى تري الصلاة خلف كل بر وفاجر.

قال شعيب لسفيان : يا أبا عبد الله : الصلاة كلها ؟

قال : لا، ولكن صلاة الجمعة والعيدين، صل خلف من أدركت.

وأما سائر ذلك فأنت مخير لا تصل إلا خلف من تثق به، وتعلم أنه من أهل السنة والجماعة … )) أخرجه اللالكائي في (( أصول اعتقاد أهل السنة )) وأخرج – أيضاً – في اعتقاد الإمام أحمد بن حنبل، الذي رواه عنه عبدوس بن مالك العطار، أنه قال :

وصلاة الجمعة خلفه وخلف من ولي جائزة، تامة ركعتين، من أعاداهما فهو مبدع، تارك للآثار، مخالف للسنة، وليس له من فضل الجمعة شيء إذا لم ير الصلاة خلف الأئمة من كانوا برهم وفاجرهم.

فالسنة أن تصلي معهم ركعتين، من أعادهما فهو مبتدع وتدين بأنها تامة، ولا يكن في صدرك من ذلك شك )) ا هـ.

وحكى حرب إجماع أهل العلم على ذلك، في (( مسائلة )) المشهور والتي جاء فيها :

(( هذه مذاهب أهل العلم وأصحاب الأثر، وأهل السنة المتمسكين بها، المقتدي بهم فيها، من لدن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا، وأدركت من أدركت من علماء أهل الحجاز والشام وغيرهم عليها.

[ص-78] فمن خالف شيئاً من هذه المذاهب، أو طعن فيها، أو عاب قائلها، فهو مخالف مبتدع، خارج عن الجماعة، زائل عن منهج السنة وسبيل الحق.

قال : وهو مذهب أحمد، وإسحاق بن إبراهيم، وعبد الله بن مخلد وعبد الله بن الزبير الحميدي ،وسعد بن منصور، وغيرهم ممن جالسنا ،وأخذنا عنهم العلم، وكان من قولهم …. والجمعة والعيدان، والحج مع السلطان، وإن لم يكونوا بررة عدولاً أتقياء، ودفع الصدقات، والخراج والأعشار والفيء، والغنائم إليهم، عدلوا فيها، أو جاروا … ا هـ وقد بوب أبو داود في (( سننه )) كتاب الجهاد : باب في الغزو مع أئمة الجور، ذكر فيه حديثين ضعيفين، أحدهما عن مكحول، عن أبي هريرة، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

الجهاد واجب عليكم مع كل أمير براً كان أو فاجراً، وإن عمل الكبائر الزكاة :

كانت الصدقات تدفع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وإلي من أمر بها، ثم إلى أبي بكر ثم إلى عمر ثم إلى عثمان، فلما قتل عثمان اختلفوا، فمنهم من اختار أن يقسمها ومنهم من اختار دفعها للسلطان ،وأما إن طلبها السلطان، فيجب دفعها إليه.

وأكثر السلف على أن دفع زكاة المواشي إلى السلطان ذكره عنهم أبو حاتم الرازي، وأبو زرعة الرازي وقال ابن زنجوية في (0 الأموال )) :

(( أحسن ما سمعنا في زكاة الورق والذهب أنه كان الإمام عدلاً، دفعها إليه، لأن السنة قد مضت بذلك.

وإن كان غير عدل، تولي قسمتها بنفسه.

ولو أخذها منه وهو غير عدل، أجزأ ذلك، ولم يكن عليه أن يتولى قسمتها بنفسه مرة أخرى )). ا هـ.

وقد أخرج مسلم في (( صحيحه )) ، عن جرير بن عبد الله، قال : جاءنا ناس من الأعراب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : إن ناسا صلى الله عليه وسلم من المصدقين يأتوننا فيظلموننا، قال : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أرضوا مصدقكم .

[ص-79] قال جرير ما صدر عني مصدق منذ سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا وهو عني راض.

فيه من العلم : أن السلطان الظالم لا يغالب باليد، ولا ينازع بالسلاح. وأخرج أبو داود في (( سننه )) ، عن بشير بن الخصاصية – رضي الله عنه – قال : قلنا : إن أهل الصدقة يعتدون علينا، أفنكتم من أموالنا بقدر ما يعتدون علينا ؟ فقال : (( لا )).

ثم رواه أبو داود – مرفوعاً – إلى النبي صلى الله عليه وسلم

وفي إسناده ديسم الدوسي، لم يوثقه سوى ابن حبان.

قال الخطابي ،في (معالم السنن )) : (( وفي هذا تحريض على طاعة السلطان ،وإن كان ظالماً، وتوكيد لقول من ذهب إلى أن الصدقات الظاهرة لا يجوز أن يتولاها المرء بنفسه، ولكن يخرجها إلى السلطان )). ا هـ.

وأخرج عبد الرازق في (0 المصنف )) وعبد الرحمن بن القاسم في (( المدونة )) وابن أبي شيبة في(( المصنف )) وابن زنجوية في (( الأموال )) ، والبيهقي في (0 السنن)) ، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه قال :

(( اجتمع عندي مال، قال : فذهبت إلى ابن عمر، وأبي هريرة ،وأبي سعيد الخدري وسعد بن أبي وقاص، فأتيت كل رجل منهم وحدة، فقلت : إنه اجتمع عندي مال، وإن هؤلاء يضعونها حيث ترون، وإني قد وجدت لها موضعاً فكيف تري ؟ فكلهم قالوا : أدها إليهم )) هذا لفظ عبد الرازق.

وأخرج ابن أبي شيبة وأبو عبيد في ( الأموال )) ‘ وابن زنجوية عن ابن عمر، أنه قال :

((ادفعوا زكاة أموالكم إلى من ولاة الله أمركم، فمن بر فلنفسه ، ومن أثم فعليها )).

وأخرج ابن قتيبة في (( عيون الأخبار )) عن العجاج – وهو عبد الله العجاج بن رؤبة ، ((قال :قال لي أبو هريرة :

[ص-80] من أنت ؟قال :قلت :من أهل العراق

قال يوشك أن يأتيك بقعان الشام، فيأخذوا صدقتك، فإذا أتوك ،فتلقهم بها ،فإذا دخلوها ،فكن في أقاصيها ،وخل عنهم وعنها ،وإياك وأن تسبهم، فإنك إن سببتهم ذهب أجرك وأخذوا صدقتك، وأن صبرت جاءتك في ميزانك يوم القيامة.

وفي رواية أخري، أنه قال : (( إذا أتاك المصدق فقل : خذ الحق ودع الباطل، فإن أبى فلا تمنعه إذا أقبل، ولا تلعنه إذا أدبر فتكون عاصياً خفف عن ظالم )).

الحج والجهاد :

قال حرب في (( عقيدته )) التي ذكر إجماع السلف على ما جاء فيها :

(( والجهاد ماض قائم مع الأئمة بروا أو فجروا، ولا يبطله جور جائر ولا عدل عادل، والجمعة والعيدان والحج مع السلطان وإن لم يكونوا بررة عدولا أتقياء .. )) ا هـ وقال الإمامان أبو حاتم وأبو زرعة – رحمهما الله تعالى – :

(( أدركنا العلماء في جميع الأمصار حجازاً وعراقاً، ومصراً، وشاماً ويمناً فكان من مذهبهم :

نقيم فرض الحج مع أئمة المسلمين، لا يبطله شيء، والحج كذلك . ا هـ.

ومما تقدم يتضح ما عليه أئمة الإسلام من الأمر بالصلاة خلف الأمراء أبراراً كانوا أو فجاراً ،ودفع الزكاة إليهم، ومن الحج والجهاد معهم، وكل ذلك قامت عليه أدلة شرعية من الوحيين الشريفين، وبه يعلم كمال دين الله – تعالى – الإسلام، حيث أمر بتحصيل المصالح ودرء المفاسد، ولو وكل الله تعالى الأمر إلى الخوارج – ومن تأثر بهم – لما قامت في الإسلام جمعة ولا جماعة، ولما حج بيت الله الحرام، ولا جاهد المسلمون الكفار.

والحجة في ذلك الإجماع البين من السلف الصالح، والآثار الكثيرة عن الصحابة – رضي الله عنهم – فقد أخرج ابن أبي شيبة في (( المصنف )) ، عن أبي حمزة قال : سألت ابن عباس عن الغزو مع الأمراء، وقد أحدثوا ؟ فقال :

(( تقاتل على نصيبك من الآخرة، ويقاتلون على نصيبهم من الدنيا )).

وأخرج – أيضاً – عن سليمان اليشكري، عن جابر قال : قلت له : أغزو أهل الضلالة مع السلطان ؟ قال :

(( اغز، فإنما عليك ما حملت، وعليهم ما حملوا )).

[ص-81] وفيه – أيضاً – عن ابن سيرين ،والحسن سئلا عن الغزو مع أئمة السوء، فقالا :

(( لك شرفه وأجره وفضله، وعليهم إثمهم )).

وفيه – أيضاً -، عن محمد بن عبد الرحمن بن يزيد النخعي ، قال ((قلت لأبي :يا أبه في إمارة الحجاج تغزو ؟ قال :يا بني لقد أدركت أقواماً أشد بغضاً منكم للحجاج، وكانوا لا يدعون الجهاد على حال ولو كان رأي الناس في الجهاد مثل رأيك، ما أري الإتاوة – يعني : الخراج – )).

وأخرج سعيد بن منصور في (( سننه )) ، عن المغيرة قال : (( سئل – أي : إبراهيم النخعي – عن الغزو مع بني مروان ، وذكر ما يصنعون ؟ فقال :

(( إن عرض به إلا الشيطان ليثبطهم عن جهاد عدوهم )).

الفصل العاشر

مشروعية الدعاء لولاة الأمر بالصلاح

صلاة ولاة الأمر مطلب لكل مسلم غيور على دينه إذ صلاحهم صلاح للعباد والبلاد، كما قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب – رضي الله عنه -، عند موته :

(( أعلموا أن الناس لن يزالوا بخير ما استقامت لهم ولاتهم وهداتهم )).

وأخرجه البيهقي في (( السنن )) – كتاب قتال أهل البغي، باب فصل الإمام العادل – بإسناد صحيح.

وفيها – أيضا – عن القاسم بن مخيمرة قال :

(( إنما زمانكم سلطانكم، فإذا صلح سلطانكم، صلح زمانكم، وإذا فسد سلطانكم، فسد زمانكم )).

وصلاح الولاة إلى الله – تعالي- وحده يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم، فكان حقا على كل مؤمن بالله – تعالى – واليوم الآخر، أن يدعوا لهم بالهداية والتوفيق إلى طاعة الله – تعالى -، والسير في مرضاته، لأن نفع ذلك يعود على كل مؤمن بالخير في الدين والدنيا .

ذكر ابن المنير المالكي – رحمه الله – في (( الانتصاف )) ، أنه نقل عن بعض السلف أنه دعا لسلطان ظالم فقيل له : أتدعو له وهو ظالم ؟

[ص-82] فقال : إي – والله -، أدعو له إن ما يدفع الله ببقائه أعظم مما يدفع بزواله. ا هـ.

وأخرج البيهقي في (( شعب الإيمان )) عن أبي عثمان سعيد ابن إسماعيل الواعظ الزاهد أنه قال – بعد روايته لحديث تميم الداري – مرفوعاً – : (( الدين النصيحة ))، قال :

(( فانصح للسلطان، وأكثر له من الدعاء بالصلاح والرشاد بالقول والعمل والحكم، فإنهم إذا صلحوا، صلح العباد بصلاحهم. وإياك أن تدعوا عليهم بالعنة، فيزدادوا شراً ويزداد البلاء علي المسلمين ،ولكن أدعو لهم بالتوبة، فيتركوا الشر، فيرتفع البلاء عن المؤمنين … )) ا هـ.

ولقد أعتني علماء المسلمين بهذه القضية – الدعاء لولاة الأمر – عناية واضحة وتجلت في صور ناصعة رائعة منها :

أولاً : إيداع الأمر بالدعاء لولاة الأمر في مختصرات العقائد السلفية التي يطالب المسلم باعتقاد ما فيها لكونه مبنياً على الحجج الشرعية من الكتاب والسنة وإجماع الأئمة، وسيأتي نماذج من ذلك إن شاء الله.

ثانياً : تخصيص بعض علماء الإسلام مؤلفاً في ذلك.

فقد ألف ( الإمام العلامة المفتي المحدث الرحال، بقية السلف، سيد المعمرين الأخيار علم السنة ) يحيى بن منصور الحراني الحنبلي – المعروف بابن الحبشي – كتاباً سماه : (( دعائم الإسلام في وجوب الدعاء للإمام )).

وابن الحبيشي هذا له مناقب جمة، عدد بعضها ابن رجب في (( ذيل طبقات الحنابلة )) فكان منها : قول الحق، وإنكار المنكر على من كان لم يكن عنده من المداهنة والمراءاة شيء أصلاً، يقول الحق ويصدع به. ا هـ.

وإنما ذكرت ذلك ليعلم أن علماء الإسلام والسنة يؤلفون في هذه الأمور بعيداً عن الأغراض الدنيئة الدنيوية، بل ألفوا في ذلك ديانة لله – تعالى – وخوفاً على الأمة من الاختلاف المؤدي إلى الهرج والمرج، وهو الخلاف على السلطان.

فلا تغتر بأولئك المنافقين، الذين ينهون عن التأليف – بل الحديث – في ذلك، ويرجفون بأن ذلك مداهنة ورياء بل هو دين وشرع.

ثالثاً : جعل بعض العلماء المحققين علامة من كان سنياً سلفياً : الدعاء لولاة الأمر ،وعكسه من كان مبتدعاً ضالاً، دعا على ولاة الأمر.

قال العلامة البربهاري – رحمه الله تعالى – في (( شرح السنة )) :

[ص-83] (( وإذا رأيت الرجل يدعوا على السلطان، فاعلم أنه صاحب هوى وإذا رأيت الرجل يدعو للسلطان بالصلاح، فاعلم أنه صاحب سنة – إن شاء الله – )) ا هـ

فأنت ترى هذا الاهتمام القوي من السلف بالدعاء لولاة الأمر واضحاً جلياً وهم في ذلك متبعون، سالمون من الهوى، مقدمون لنصوص الشريعة على حظوظ النفس وما تهوى.

وإليك – أيها الموفق – جملة مما جاء عن أهل السنة المرضيين في ذلك.

أخرج الخلال في (( السنة )) ، عن أبي مسلم الخولاني – رحمه الله – أنه قال عن الأمير :

(( إنه مؤمر عليك مثلك، فإن أهتدي فاحمد الله، وإن عمل بغي ذلك، فادع له بالهدى، ولا تخالفه فتضل ))

أخرج أبو نعيم في (( اللحية )) حدثنا محمد بن إبراهيم : ثنا أبو يعلى الموصلي : ثنا عبد الصمد بن يزيد البغدادي – ولقبه مردويه -، قال : سمعت الفضل بن عياض يقول :

(( لو أن لي دعوة مستجابة، ما صيرتها إلا في إمام. ))

قيل : وكيف ذلك يا أبا على ؟

قال : متي صيرتها في نفسي لم تجزني، ومتي صيرتها في الإمام – يعني : عمت -، فصلاح الإمام صلاح العباد والبلاد … فقبل ابن المبارك جبهته وقال :

يا معلم الخير من يحسن هذا غيرك ؟ ))

إسناده صحيح، محمد بن إبراهيم هو أبو بكر المشهور بابن المقرئ، الإمام، محدث أصبهان، الحافظ الثقة، راوي (( المسند الكبير )) عن أبي يعلي، صاحب سنة .

وعبد الصمد بن يزيد، هو عبد الله الصائغ المعروف بمردويه، خادم الفضيل بن عياض، قال ابن معين : لا بأس به، ليس ممن يكذب، وقال الحسين بن فهم : كان ثقة من أهل السنة والورع. ا هـ من (( تاريخ بغداد )) أخرج الخلال في (( السنة )) ، عن حنبل، أن الإمام أحمد قال عن الإمام :

(( وإني لأدعو له بالتسديد والتوفيق في الليل والنهار والتأييد، وأري ذلك واجباً على )) وأخرج أيضاً عن أبي بكر المروذي، قال :

[ص-84] (( سمعت أبا عبد الله، وذكر الخليفة المتوكل – رحمه الله تعالى – فقال : إني لأدعو له بالصلاح والعافية.

وقال : لئن حدث به حدث، لتنظرن ما يحل بالإسلام )).

وقال أبو عثمان الصابوني المتوفى سنة ( 449 هـ ) في (( عقيدة السلف أصحاب الحديث )) :

(( ويرون الدعاء لهم بالإصلاح والتوفيق والصلاح، وبسط العدل في الرعية )) ا هـ.

وقال البربهاري – أبو محمد الحسن بن على – المتوفى سنة ( 329 هـ ) في (( شرح السنة )) :

(( فأمرهم أن ندعوا لهم بالصلاح، ولم نؤمر أن ندعو عليهم، وإن ظلموا وجاروا، لأن ظلمهم وجورهم على أنفسهم، وصلاحهم لأنفسهم وللمسلمين )) ا هـ.

وقال أبو بكر الإسماعيلي، المتوفى في سنة ( 371 هـ ) في (( اعتقاد أهل السنة )) (( ويرون الدعاء لهم بالصلاح والعطف إلى العدل )) ا هـ.

(( فحقيق على كل رعية أن ترغب إلى الله – تعالى – في إصلاح السلطان، وأن تبذل له نصه، وتحضه بصالح دعائها، فإن في صلاحه صلاح العباد والبلاد وفي فساده فساد البلاد والعباد )) أنشد ابن عبد البر في (( جامع بيان العلم )) عن أحمد ابن عمر بن عبد الله، أنه أنشد لنفسه :

نسأل الله صلاحا للولاة الرؤساء

فصلاح الدين والدنيا صلاح الأمـراء

فبهم يلتئم الشمل على بعد التناء

وقال الآجري المتوفى سنة ( 360 هـ ) في كتاب (( الشريعة )) (( وقد ذكرت من التحذير من مذاهب الخوارج ما فيه بلاغ لمن عصمه الله تعالى عن مذاهب الخوارج ولم ير رأيهم فصبر على جور الأئمة … ودعا للولاة بالصلاح وحج معهم وجاهد معهم كل عدو للمسلمين فصلي خلفهم الجمعة والعيدين.

فمن كان هذا وصفه، كان على الصراط المستقيم – إن شاء الله – )) ا هـ.

فهذه جملة مختارة من نصوص السلف تكفي وتغني لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.

من رسائل العالم العلامة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ – رحمه الله تعالى –

من محمد بن إبراهيم إلى حضرة المكرم الشيخ …………………… المحترم، سلمه الله.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد :

بلغني أن موقفك من الإمارة ليس كما ينبغي، وتدري – بارك الله فيك –أن الإمارة ما قصد بها إلا نفع الرعية وليس شرطها أن لا يقع منها زلل، والعاقل بل وغير العاقل يعرف منافعها وخيرها الديني والدنيوي يربو على مفاسد بكثير.

ومثلك إنما منصبه منصب وعظ وإرشاد وإفتاء بين المتخاصمين ونصيحة الأمير والمأمور بالسر، وبنية خالصة، تعرف فيها النتيجة النافعة للإسلام والمسلمين.

ولا ينبغي أن تكون عثرة الأمير – أو العثرات – نصب عينيك والقاضية على فكرك والحاكمة على تصرفاتك، بل في السر قم بواجب النصيحة، وفي العلانية أظهر وصرح بما أوجب الله من حق الإمارة والسمع والطاعة لها، وأنها لم تأت لجباية أموال وظلم دماء وأعراض من المسلمين ولم تفعل ذلك أصلاً إلا أنها غير معصومة فقط.

فأنت كن وإياها أخوين أحدهما : مبين واعظ ناصح والآخر : باذل ما يجب عليه، كاف عن ما ليس له، إن أحسن دعا له بالخير ونشط عليه، وإن قصر عومل بما أسلفت لك.

ولا يظهر عليك عند الرعية – ولا سيما المتظلمين بالباطل – عتبك على الأمير وانتقادك إياه، لأن ذلك غير نافع الرعية بشيء، وغير ما تعبدت به، إنما تعبدت بما قدمت لك ونحوه وأن تكون جامع شمل لا مشتت، ومؤلف لا منفر.

واذكر وصية النبي صلى الله عليه وسلم لمعز وأبي موسى : يسر ولا تعسر ، وبشر ولا تنفر، وتطاوعا ولا تختلفا أو كما قال صلى الله عليه وسلم .

وأنا لم أكتب لك هذا لغرض سوي النصيحة لك وللأمير ولكافة الجماعة ولإمام المسلمين.

والله ولي التوفيق

والسلام عليكم 20\8\1375 شذرات من در السلف الصالحين مهداة إلى الولاة والسلاطين

أخرج ابن قتيبة في (( عيون الأخبار )) بسنده عن كعب الأحبار، أنه قال :

[ص-86] (( مثل الإسلام والسلطان والناس مثل الفسطاط والعمود والأطناب والأوتاد فالفسطاط الإسلام، والعمود السلطان، والأطناب والأوتاد الناس، لا يصلح بعضه إلا ببعض ))

أخرج البيهقي في (( الشعب )) عن إياس بن معاوية، أنه قال :

(( لا بد للناس من ثلاثة أشياء : لابد لهم من أن تأمن سبلهم ويختار محكمهم حتى يعدل الحكم فيهم، وأن تقام لهم الثغور التي بينهم وبين عدوهم، فإن هذه الأشياء إذا قام بها السلطان احتمل الناس ما سوى ذلك من أثرة السلطان وكل ما يكرهون ))

أخرج البيهقي في (( الشعب )) – أيضاً – بسنده إلى أبي حازم أنه قال :

(( لا يزال هذا الدين عزيزاً منيعاً ما تقع هذه الأهواء في السلطان، لأنهم يؤدبون الناس، ويذبون عن الدين ويهابونهم – قال موسى بن هارون أحد رجال السند : يعني : الناس يهابون السلطان -، فإذا كانت فيهم، فمن يؤدبهم ؟ ))

قال الراغب الأصفهاني :

(( لا شيء أوجب على السلطان من رعاية أحوال المتصدين للرياسة بالعلم فمن الإخلال بها ينتشر الشر، ويكثر الأشرار، ويقع بين الناس التباغض والتنافر …

قال : ولما ترشح قوم للزعامة في العلم بغير استحقاق، وأحدثوا بجهلهم بدعاً استغفروا بها للعامة، واستجلبوا بها منفعة ورياسة، فوجدوا من العامة مساعدة، لمشاركتهم لهم، وقرب جوهرهم منهم، وفتحوا بذلك طرقاً مسندة ورفعوا به ستوراً مسبلة، وطلبوا منزلة الخاصة فوصلوا إليها بالوقاحة، وبما فيهم من الشره، فبدعوا العلماء وجهلوهم اغتصاباً لسلطانهم، ومنازعة لمكانهم، فأغروا بهم أتباعهم حتى وطئوهم بأظلافهم وأخفافهم فتولد بذلك البوار والجور العام والعار )) ا هـ.

خاتمة الكتاب

هذا ختام كتاب (( معاملة الحكام في ضوء الكتاب والسنة ))، هو كما تري – أيها السني – مليء بأدلة الكتاب والسنة وآثار السلف وأقوال العلماء.

به يهتدي من كن محباً للحق، مقدماً له على كل شيء كما به يشرق من كان مريضا بداء الغل على أمة محمد صلى الله عليه وسلم يرقب تفككها ونشد تمزقها.

لقد كتبت في هذا الكتاب لله – عز وجل -، وإني لأرجوه في أفضل أعمالي، إذ به أذب عن أسوار الأمة أن تثلم، وعن أبنائها أن يتخطفهم شياطين الجن والإنس.

كتبت هذا الكتاب حماية للأمة من الفتن وصيانة للعقيدة أن تخدش.

لقيت نصباً في بحث مسائله، وتحرير فوائده، واقتناص أوراده حتى جاء جامعاً لما لم يجمع قبله في كتاب ( قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ )(سورة يونس الآية 58) .

فلما نشرته للناس أثنى عليه أهل الفضل من العلماء وطلاب العلم، منهم من شافهني بذلك، كالشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله تعالى – ومنهم من كتب عنه كالأديب الشيخ حمد الجاسر – رحمه الله تعالى -، حيث كتب مقالاً في (( جريدة الجزيرة )) بعنوان (( معاملة الحكام في ضوء الكتاب والسنة ))

لقد تضمن الكتاب عقيدة الحق، عقيدة السلف فيه معاملة حكام المسلمين، بعيداً عن الغلو المذموم والتفريط المشئوم، فاشتمل على عشرة فصول، أراها لمت شتات الموضوع وهي بين يديك في فهرست الموضوعات بيد أن أهم ما جاء فيها أمور منها :

القواعد الست التي تتعلق بالإمامة، اجتهد في صياغة كل قاعدة صياغة علمية، تسهل للحفظ ،وتستغرق جميع ما وضعت له. .

وقد استدليت على كل قاعدة بما لا يدع مجالاً للتردد في قبولها، والعمل بها.

تحدثت عن إنكار المنكر مؤكداً هذا الواجب العظيم وأن القيام به فرض على الأمة، وإن تخلت عنه جميعها أثمت.

وأوضحت أن الإنكار باليد واللسان والقلب لك ل أحد من المسلمين ولكن التغيير بالسيف ليس لآحاد المسلمين وإنما هو للولاة

[ص-88] ثم تحدثت عن قضية مهمة بل في غاية الأهمية وهي أن الإنكار على ولاة الأمر إنما يكون سراً، وسقت الأحاديث النبوية والآثار السلفية وكلمات العلماء – قديماً وحديثاً – في تأييد ذلك والاحتجاج به.

وقد شغب بعضهم بهذه المسألة، انطلاقا من الهوى أو ضعف العلم أو كليهما.

وكل عجبي ممن يخالف في ذلك إذا كان الإنكار على ولاة الأمر، أما إذا كان الإنكار على غيرهم تلا قول الشافعي – رحمه الله تعالى – :

تعمدني بنصحك في انفرادي وجنبني النصيحة في الجماعـة فإن النصح بين الناس نوع من التوبيخ لا أرضى استماعـه وإن خالفتني وعصيت قولي فلا تجزع إذا لم تعط طاعــة ومن العجب أن أحدهم صحح إسناد حديث عياض بن غنم (( من أراد أن ينصح لذي سلطان فلا يبده علانية … )) الحديث، وذلك في رسالة علمية منشورة له، فلما وقعت الفتنة ( أزمة الخليج ) جاءني من ينقل عنه أنه قال : إنه حديث ضعيف، فقلت للناقل : قد صححه هو في إحدى كتاباته، فقال : أين ؟ فأتيته بالكتاب فأطلعته عليه، فأخبرني فيما بعد أن ذلك عرض على هذا الرجل، فاضطرب ثم أعلن تراجعه عن تصحيح الحديث !!

وقد بينت أن الحديث صحيح – بحمد الله تعالى – كما سقت من أقوال العلماء في أن المشروع هو مناصحة ولاة الأمور سراً بما لا يدعوا مجالاً للتشكيك في صحة هذا المذهب السلفي وأوردت من الآثار في ذلك ما فيه الكفاية لمن أراد الهداية.

أما ما قد ينقل عن بعض السلف مخالفاً فلا عبرة به، لأنه معارض بأقوال وأفعال أكثر السلف.

ثم أن الحجة في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لا في قول أحد من الناس.

تحدثت عن قضية سب الأمراء والحكام بما يجعل اليقين : أن سبهم حرام منصوص على تحريمه، وبينت لم الشرع جاء بتحريم سبهم.

ومن أجمل الآثار التي وقفت عليها بعد أثر أنس بن مالك أثر عمر البكالي – الذي صححه الحافظ ابن حجر وغيره – ولفظه :

(( إذا كانت عليكم أمراء يأمرونكم بالصلاة والزكاة، حلت لكم الصلاة خلفهم وحرم عليكم سبهم )).

تحدثت عن الدعاء لولاة الأمر، ،وأوردت ما يدل على عناية السلف بهذا الجانب، وأن من أعيان السلف من ألف في ذلك.

وقد حاول بعض الباحثين الطعن في آثر الفضيل بن عياض – رحمه الله – :

[ص-89] (( لو أن لي دعوة مستجابة ما جعلتها إلا في السلطان )) ظاناً أنه بذلك يهدم هذا الجانب من عقيدة السلف، وما علم أن هذا الأثر وما جاء في معناه عن أئمة السلف ما هو إلا تأكيد لصحة فهم نصوص الشرع التي استنبط منها هذا الحكم وهو نوعان :

الأول : الأدلة العامة على فضل الدعاء للمؤمنين والمؤمنات وهي كثيرة في الصحاح والسنن والمسانيد، ومن ذلك ما رواه الطبراني – وجود إسناده الهيثمي في (( المجمع )) – عن عبادة ابن الصامت – رضي الله عنه – أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : من استغفر للمؤمنين والمؤمنات كتب الله له بكل مؤمن ومؤمنة حسنة .

الثاني : الأدلة الخاصة في بيان مكانة الولاة، وقد ذكرت طرفاً منها في فصل مستقل من هذا الكتاب، ومنها حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه – قال : قال رسول صلى الله عليه وسلم : خمس من فعل واحدة منهن كان ضامناً على الله عز وجل – : …. أو دخل على إمامه يريد تعزيزه وتوقيره .

فمن هذا مكانه في نصوص الشرع ،ومن هذا موضعه الخطير، أفلا يعان بالدعاء الذي يقدر عليه كل المسلمين ؟ إذا كانت إعانته بالدخول عليه لإظهار توقيره وتعزيزه لتقوي هيبته ويمضي أمره ويهاب من الأعداء، فالدعاء له من باب أولي وهذا مقتضى مقاصد الشرع، وقد فهم الإمام أحمد ذلك، فذهب إلى أن الدعاء لولي الأمر – باستمرار – واجب عليه بالشرع، فقال : (( إني لأدعو الله للخليفة بالتسديد والتأييد والتوفيق في الليل والنهار وارى له ذلك واجباً على )).

وقد أنقدح في ذهني أمر، هو : أن الذين يعنون بالدعاء للولاة ويهتمون به : هم أزهد الناس فيما عند الولاة من الدنيا ،ومن كان متذمما من الدعاء للولاة كارهاً لذلك، مشككاً في مشروعيته : فهم أطمع الناس فيما عند الولاة من الدنيا بل ما فعلوا ذلك – والله أعلم – إلا لأجل التسخط على أمور الدنيا ،وهم يوهمون الناس أنهم إنما يقعون في الولاة ويظهرون كراهتهم من أجل أمور الدين.

اللهم اعصمنا من الفتن ما ظهر منها وما بطن، اللهم أصلح ولاة أمر المسلمين واحفظهم وبارك لهم وعليهم، اللهم أبعد عنهم بطانة السوء، واجعل خاصة بطانتهم أهل العلم الصادقين.

وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

قامت بإعداد هذه المادة راجية عفو ربها : أم عبد العزيز الأثرية

معاملة الحكام في ضوء الكتاب والسنة عبد السلام بن برجس العبد الكريم 5

-- أم عبد العزيز الأثرية

المرفقات

المرفقات المرفقات

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*