الأحد , 4 ديسمبر 2016
الرئيسية » المكتبة الرقمية » مشكلة الغلو نظرة شرعية شاملة

مشكلة الغلو نظرة شرعية شاملة

مشكلة الغلو نظرة شرعية شاملة

17/02/2004

عبد الرحمن بن معلا اللويحق

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله

الغلو نوع من أنواع مواقف الخلق من دعوات الرسل، إذ الناس ما بين:

1- متمسك بالحق، مستقيم على طريقه.

2- ومفرط زائغ مضيع لحدود الله.

3- وغال تجاوز حدود الله. وكل أولئك وجدوا فيمن سبق أمة محمد -ص- وهم في أمته متوافرون.

والغلو الذي وقع في الأمة على نوعين:

1- الغلو الكلي الاعتقادي: وهو: المتعلق بكليات الشريعة وأمات مسائلها، وهذا الغلو الكلي الاعتقاديُّ أشدُّ خطرًا من الغلو الجزئي العملي؛ لأنه يتجاوز حدود خاصة عمل الإنسان ليكون هو المحدد لمواقفه من الخلق، ومنه يحدث الافتراق.

2- الغلو الجزئي العملي: وهو ما كان متعلقًا بجزئية أو أكثر من جزئيات الشريعة العملية، سواء أكان قولاً باللسان أم عملاً بالجوارح وذلك مثل : قيام الليل كله. لقد أضحت مشكلة الغلو من أهم المشكلات في العصر الحديث، وصارت همًّا يؤرق أعداء الإسلام والمسلمين، كما هي همّ يؤرق أهل الإسلام ولهذا الاهتمام مظاهر منها:

– اهتمام الساسة بهذه المشكلة في معظم أصقاع العالم، إذ تجد لها مكانًا في تصريحاتهم، والبيانات الختامية للقاءاتهم، والبيانات الختامية للمؤتمرات.

– كثرة الكتابات والمؤلفات، والمقالات والندوات عن هذه المشكلة.

– تصدر الأخبار المتعلقة بالغلو نشرات الأخبار، والصفحات الأولى من الجرائد، وأغلفة المجلات . لقد صارت مشكلة الغلو مشكلة مركبة، فلم تعد قاصرة على غلو الغلاة، بل اكتنفتها ظروف زادت الأمر إشكالاً، فمن ذلك:

1- عالمية المشكلة: إن الغلو من السمات الظاهرة في هذا العصر، إذ صار في كل بلد وفي كل حضارة طوائف عرفت بتلك الأعمال، وتختلف طبيعة كل فئة بحسب الحضارة التي تنتمي إليها، أو الدين والمذهب الذي يعتنقه أفرادها.كما أن للعالمية وجهًا آخر: فقد نقل الإعلام المعاصر الأحداث (الإرهابية) من المحلية إلى العالمية، وصار الحدث منقولاً في الساعة ذاتها إلى العالم كله.

2- اندراس المفهوم الصحيح للغلو: حيث أصبحت المفاهيم المتعلقة بالغلو، مفاهيم نسبية تحملها كل طائفة على ما يوافق أهواءها، وذلك على المستوى المحلي.وعلى المستوى العالمي أصبحت المفاهيم ضائعة في جو من الضبابية، والاختلاف.

3- تعقد المظاهر و الأسباب وتشابكها: إن مما يعقد المشكلة في العصر الحديث: تعدد مظاهر المشكلة، وتعدد أسبابها ومواردها، حيث لم تعد تلك المشكلة التي ليس لها مظهرٌ أو مظهران، بل تعددت المظاهر وتنوعت. وفي الأسباب يقال مثل ذلك، فقد تنوعت وتعددت وتشابكت لتشكل المشكلة المعاصرة، وأضحى الكلام في هذه المشكلة بعدل مقتضيًا توسيع النظر في هذه الأسباب وتلك المظاهر.

4- تصدي أصناف متعددة لهذه المشكلة: إن الواقع المعاصر يظهر أن هذه المشكلة أضحت نهبًا لآراء متباينة تباين اتجاهات المتكلمين والكاتبين فيها، بحسب تباين عقولهم ومشاربهم وعقائدهم، بل وأصبح التصدي للغلو و (الإرهاب) سلمًا لأغراضٍ دنيوية كثيرة.وكل ذلك زاد المشكلة تعقدًا، وزاد في اضطراب الرؤية ورشد الرأي والقرار حولها.

5- انقسام الناس ما بين مهوِّل ومهوِّن: إن تهويل المشكلة يفقد الدارس لها الرؤية الصحيحة كما أن تهوينها يفقده الرؤية الصحيحة أيضًا، وعندما يفتقد العدل في التعامل مع القضايا المتشابهة تزداد المشكلة تعقدًا، بل يصبح ذلك الجور في التعامل جزءًا من المشكلة ذاتها.إنه بهذا يتضح أن المشكلة لم تعد مشكلة الغلو فقط ولكنها: مشكلة الغلو ومشكلة الخطأ في فهم الغلو. ومشكلة تصدي من ليس بأهل للكلام في المشكلة للكلام فيها. ومشكلة اتخاذ الغلو ذريعة لمحاربة الإسلام. ومشكلة انقسام الناس ما بين مهوِّل ومهوِّن.

6- إنها مشكلة مرتبطة بمشكلات… إنه ابتغاء ضبط منهجي رشيد لدراسة الغلو لا بد من ضبط للمصطلحات والألفاظ التي تدور حين الكلام عن هذه المشكلة ذلك أن المصطلحات لها أثرها الخطير في دراسة الظواهر الفكرية والاجتماعية.

ضبط المصطلحات

ولقد أصبحت المصطلحات أدوات في الصراع الحضاري والفكري سواء بين الأمم والحضارات، أم في داخل الأمة ذاتها؛ إذ يهتم أعداء أي مبدأ أو فكرة في الصراع مع المبادئ الأخرى بالألفاظ والمصطلحات. وهما مصطلحان يرمزان إلى حالة معينة في التاريخ الغربي، ونقلها إلى العالم الإسلامي اتسم بكثير من التشويش وعدم الوضوح.ولقد شهدت الساحات الإعلامية والثقافية مولد مصطلحات كثيرة ذات صلة بالغلو، ولعل من أشهر ذلك مصطلحي: (الأصولية، والإرهاب). ثم لا يزال هذا المصطلح ينتشر بحسب وجود الأحداث وطبيعتها ولا أخال أن وقتًا كثر ترديد المصطلح فيه كهذه الفترة الزمنية التي نعيشها، فقد أصبح هذا المصطلح مصطلحًا عالميًا، بل صار معيارًا للتفريق بين الدول والهيئات.فمصطلح الإرهاب مثلاً فيه اختلاف كبير، ومع أن القضية لها وجه قانوني ومن طبيعة القضايا القانونية أنها محددة إلا أنها تحولت إلى كونها إعلامية، وأضحى استخدام مصطلح (الإرهاب) نوعًا من الإرهاب الفكري، وقد جمعت عشرات التعريفات لجهات رسمية وعلمية في أنحاء العالم، ولاحظت من خلال هذا الحشد لتعريفات (الإرهاب) الملاحظ التالية:

1- أن المفهوم غامض غير محدد.

2- شدة التباين في تحديد معنى المصطلح.

3- تعدد التعريفات.

4- أن التعريفات نسبية وحمّالة وجوه.

5- افتقاد المعيار.

6- عدم وفاء اللفظة للمعاني الداخلة فيها.

إن أظهر الألفاظ الشرعية المتعلقة بهذا النوع من الانحراف: الغلو ، وعليه مدار هذا اللقاء، وبالتأمل في النصوص الناهية عن الغلو، والنصوص التي فيها معالجة لبعض قضاياه، والنصوص التي فيها بيان قيام الدين على اليسر ورفع الحرج تتضح ملامح الغلو فيما يلي:

1- أن يكون الغلو متعلقًا بفقه النصوص، وذلك بأحد أمرين: – تفسير النصوص تفسيرًا متشددًا.

– تكلف التعمق في معاني التنزيل .

2- أن يكون الغلو متعلقًا بالأحكام وذلك بأمور:

– إلزام النفس أو الآخرين بما لم يوجبه الله – عز وجل – تعبدًا وترهبًا.

– تحريم الطيبات التي أباحها الله – عز وجل – على وجه التعبد.

– ترك الضروريات أو بعضها.

3- أن يكون الغلو متعلقًا بالموقف من الآخرين، وذلك بأحد أمرين:

– أن يقف الإنسان من البعض موقف المادح الغالي الذي يوصل ممدوحه سواء أكان فردًا أم جماعة إلى درجة العصمة فيجعله مصدر الحق.

– أن يقف الإنسان من بعض الناس أفرادٍ أو جماعات موقف الذام الغالي فيصم المسلم بالكفر والمروق من الدين ، أو يصم المجتمع المسلم بأنه مجتمع جاهلي.

ولقد اجتهد العلماء في وضع تعريف للغلو بعبارة موجزة وهذه بعض تلك التعريفات:

1- قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- : «الغلو : مجاوزة الحد، بأن يزاد في الشيء، في حمده أو ذمه على ما يستحق ونحو ذلك» وبنحو هذا التعريف عرَّفه الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب – رحمهم الله – 2- وعرفه الحافظ ابن حجر -رحمه الله- بأنه «المبالغة في الشيء والتشديد فيه بتجاوز الحد» .

على هامش المصطلح

وهنا يحسن أن أنبه في ضوء ما سبق على بعض الملاحظ:

1- أنّ الغلو في حقيقته حركة في اتجاه القاعدة الشرعية والأوامر الإلهية، ولكنها حركة تتجاوز في مداها الحدود التي حدّها الشارع.

2- أنّ الغلو ليس دائما فعل بل يدخل فيه الترك أيضًا.

3- أن نسبة الغلو إلى الدين بقول (الغلو الديني) أو (التطرف الديني) تجوز في العبارة إذ الغلو إنما هو في أسلوب التدين لا الدين نفسه.

4- أنَّ الحكم على العمل بأنه غلو يجب أن يُتأنى فيه، ويُنظر إلى العمل بدقة، فقد يحكم عليه بأنَّه غلو مع أنه سليم ولكن الوسيلة إليه قد تكون من باب الغلو فيقع الخلط من هذا الباب .

5 – أنه ليس من الغلو طلب الأكمل في العبادة ولكن من الغلو الإثقال على النفس إلى درجة الملل . طبيعة مشكلة الغلو وحجمها:تعد معرفة طبيعة الغلو، مدخلاً مهمًا لتقويم المشكلة وعلاجها في كل عصر من العصور، وبدون هذه المعرفة يخبط الباحث أو الدارس المعالج لهذه المشكلة خبط عشواء، وكثير من الأخطاء التي يقع فيها الدارسون للمشكلة سببها غياب الفهم لطبيعتها، ويمكن إجمال التساؤلات التي تجلي الإجابةُ عنها طبيعةَ الغلو في العصر الحديث فيما يلي:

1- هل المشكلة فعل أم رد فعل؟ 2- هل هي مشكلة مرحلية أم مشكلة دائمة؟

3- هل هي مشكلة تربوية اجتماعية أم سياسية أم هي أعم من ذلك؟

4- هل هي مشكلة محلية في بلد واحد أم عالمية؟

5- هل هي مشكلة نابعة من المجتمع أم هي وافدة؟

6- هل المشكلة فردية أو جماعية؟ وسأحرص على بيان الإجابة عن هذه التساؤلات بما يكشف طبيعة الغلو في حياة المسلمين المعاصرة.

أولاً: هل المشكلة فعل أو رد فعل؟

إن الغلو في أصله استجابة سلوكية يميل السلوك البشري عادة إلى الانطباع بها كانعكاس لعدد من العوامل الداخلية المتعلقة بصميم الحياة النفسية للفرد، والخارجية المتعلقة بتأثيرات البيئة بمفهومها الشامل: عقديًا وثقافيًا واجتماعيًا واقتصاديًا وغير ذلك.وغالبًا ما يحدث الغلو في البيئات أو الأزمنة المضطربة، فهو في حقيقة الأمر رد فعلٍ أكثر من كونه فعلاً؛ بدليل أن الغلو باستعراض التاريخ، يحدث غالبًا في أوقات الأزمات واضطراب أحوال الأمم. ولا يَرِدُ على هذا حدوث الغلو في عهد النبي- صلى الله عليه وسلم – وعهود صحابته – رضوان الله عليهم – أو العهود ذات الحكم العادل الرشيد؛ إذ إن الغلو الذي حدث في عهودهم رد فعل لأوضاع خاطئة بزعم الغالي.وليس هذا تبرئة لساحة الغلاة وتبريرًا لما وقعوا فيه. إذ إن الغلاة مرضى بما يمكن تسميته «بالقابلية للغلو» فهم:- غير أسوياء في الناحية العلمية بشرع الله.- غير أسوياء في الفكر من حيث المنهج المستخدم لفهم نصوص الشارع.- قليلو الاتصال بأهل الذكر والعلم.وهذه القابلية أو التربة الصالحة للغلو يقع وزر تهيئتها وإصلاحها لاستنبات الغلو على الغلاة أولاً. وإن عدم فهم هذين الجانبين للمشكلة وهما:

1- أن هناك أفعالاً هي التي أوجدت رد الفعل.

2- أن هناك قابلية للغلو عند الغلاة.أوجد خللاً في فهم المشكلة، الأمر الذي أدى إلى خلل في تقويمها و علاجها. ويكاد هذا – أي القول: إن الغلو في هذا العصر الحديث رد فعل – أن يكون محل اتفاق بين الباحثين المهتمين بهذه المشكلة.

ثانيًا: هل هي مشكلة مرحلية، أو مشكلة دائمة؟

الذي يراه الباحث أنه للإجابة عن هذا السؤال لا بد من التفريق بين الأفراد و والأمة، فهي بالنسبة للأفراد مشكلة مرحلية في غالب الأحوال، وهي بالنسبة للأمةً مشكلة دائمة .هذا بالنسبة للأفراد، أما بالنسبة لمجموع الأمة فالأمر غير هذا إذ إن الغلو حالة دائمة تتسع وتضيق بحسب اتساع عواملها، فلا يكاد يخلو زمان من وجود غلاة، واستعراض التاريخ من لدن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يشهد لهذا.

ثالثًا: هل المشكلة محلية في بلدٍ واحدٍ أو هي عالمية؟

إن هذه المشكلة ليست مشكلة محلية، مقتصرة على بلد واحدٍ، بل أصبحت مشكلة عالمية تشمل جميع أرجاء الوطن الإسلامي ،والمشكلة مطروحة على الساحة في كثير من البلاد الإسلامية. ولكنها تتفاوت في الحدة، فهي في بعض البلدان أكبر وأظهر من البعض الآخر؛ وهذا يعود لقوة العوامل المنتجة لهذه المشكلة وضعفها في كل بلد من البلاد الإسلامية، ونحن في بلادنا لسنا بدعًا من الناس، بل وقع الغلو في بلادنا، ووقوع الغلو في العالم كله في هذه المرحلة الزمنية يعني فيما يعني أن العوامل العالمية المشتركة هي الأظهر في أحداث الغلو، أما النظر المحلي الخاص لعوامل الغلو، مع أن الحدث عالمي ففيه نوع من الظلم والإجحاف.

رابعًا: هل المشكلة نابعة من المجتمع أو وافدة؟

تعد هذه الإشكالية الأكثر ترددًا على الألسنة وفي المقالات بعد حوادث الغلو، وتجد الناس ينزعون إلى أحد منزعين:

المنزع الأول: القول بأنها وافدة، وكثيرًا ما يطرح هذا الراغبون في تبرئة المجتمع، ومؤسساته.

المنزع الثاني: القول بأنها نابعة من المجتمع، بل قد يزيد هؤلاء، فيقولون: بل غلو الآخرين نابعٌ من مجتمعنا، وكثيرًا ما يطرح هذا الرأي الراغبون في إدانة المجتمع أو مؤسساته، أو مناهج التعليم فيه، ونحو ذلك.وأحسب أن كثيرًا من الكتابات المتعلقة بهذه الإشكالية لم تكن ناتجة عن دراسات علمية، بقدر ما هي مجرد انطباعات نابعة من مواقف مسبقة.إنَّ حل هذه الإشكالية يكمن في وضع دراسات علمية؛ لتحديد منابعها، وأسبابها وعواملها، وبمعرفة هذه العوامل والأسباب يظهر مصدر المشكلة.

خامسًا: هل المشكلة فردية أو جماعية؟

إن النظر في أنواع الغلو وأنه على نوعين:

1- غلو كلي اعتقادي.

2- غلو جزئي عملي. يظهر به أن كون المشكلة فردية أو جماعية أمر دائر مع نوع الغلو.فإن كان الغلو غلوًا كليًا اعتقاديًا فهو جماعي، وإن كان غلوًا جزئيًا عمليًا فهو غلو فردي، وهذا في غالب الأحوال.

سادسًا: هل المشكلة تربوية أو اجتماعية أو سياسية أو هي أعم من ذلك؟

يظهر في بعض الكتابات محاولة تضييق طبيعة المشكلة، فتجد من ينزع إلى القول بأنها مشكلة تربوية، وتجد آخرين يرون أنها مشكلة هوية وصراع حضاري، وتجد من يغلب الجانب النفسي في جملة أخرى من الأبعاد.والحق، إن مشكلة الغلو ذات أبعاد مختلفة فهي ليست في طبيعتها مشكلة ذات بعد أُحادي؛ إذ العوامل المساعدة على نشوئها كثيرة ومتنوعة وآثارها كثيرة كذلك، وليست منصبة على جانب واحد.

سابعًا: ما حجم المشكلة؟

إذا أردنا دراسة حجم مشكلة الغلو وهل هي في ازدياد أم نقص؛ فإن النظر يكون من زاويتين:

الأولى: الحجم العددي: أي: عدد الجماعات، أو عدد الأشخاص الموسومين بالغلو، وعدد الحوادث المنسوبة إليهم.

الثانية: الحجم النوعي: أي: نوعية الغلو وقدر خطورته، وبعده عن الوسطية.والمشكلة هنا أن ثم تَّرابطًا بين مفهوم الغلو وتصور حجمه، فالذين يوسعون مفهوم الغلو، فيجعلون الاستقامة على الدين غلوًا يضخمون حجم الغلو، والغلاة الذين يرون ما هم عليه اعتدالاً يضيقون الغلو.كما أن ثمَّ صعوبة أخرى؛ إذ ليس أمام الباحثين إحصاءات موثقة للأفراد والجماعات الغالية. أسباب الغلو :لقد جعل الله – عزَّ وجَلَّ – لكل شيء سببًا، وجعل الظواهر والمشكلات التي يقع فيها الناس راجعة إلى أسباب سائقة إليها، وهذه سنة من سنن الله – عزَّ وجَلَّ – في الخلق والكون وإن كان سبحانه قادرًا على إيجاد الأمر دون أن تكون له أسباب طبيعية فهو الخالق للمخلوق وسببه، فهو مسبب الأسباب جل شأنه. ومشكلة الغلو ليست بدعًا من المشكلات؛ إذ لها أسباب لإيجادها، وأسباب لإمدادها.فأسباب الغلو: هي العوامل المؤدية إلى الوقوع في الغلو بإيجاده من الأصل، أو بالمد للغالي في غلوه، سواء أكانت متعلقة بالجانب الذاتي للغالي، أم للجماعة الغالية، أم كانت متعلقة بالبيئة المحيطة به. ولكن يجب علينا الحذر عند دراسة الأسباب من الوقوع في منحيين خاطئين:

الأول: أن تكون دراسة الأسباب تبريرًا للغلو، وإيجادًا للعذر عند الغلاة، فهذا المنهج التبريري لا يولد في المآل إلا مزيدًا من الغلو؛ ويجعل الغالي يسقط غلوه وجرمه على الناس.وكم من متكلم في قضايا معاصرة كالتفجيرات يذكر بعض الأحداث العالمية ويجعلها مبررًا للفعل، وهذا يهون الأمر في النفوس، بل قد يجمع بعض الناس بذلك مزيدًا من الأدلة ووسائل الإقناع للغلاة أو الجمهور المتلقين.إن الحدث أو الواقع إذا ذكر على أنه سبب للغلو فلا يخلو من أمرين:

1- أن يكون الحدث خاطئًا من وجهة نظر المغالي -المبنية على الجهل والظلم- لا أنه خطأ شرعي بالفعل.وفي الأحداث اليوم ألوان من هذه التخطئة المبنية على الجهل والظلم التي يجعلها بعض الغلاة أصلاً في تكفيرهم للغير، أو قتلهم أو التفجير ونحوه.

2- أن يكون الحدث خاطئًا بالفعل ، ولكن خطأ الفعل لا يوجب الرد بالخطأ والظلم، فمن سابَّ شخصًا أو قاتله فإن ذلك لا يبيح قتله، ولا تمهد المسابة للقاتل العذر.فنحن وإن ذكرنا بعض الأسباب وأنها من العوامل التي أوقعت في الغلو لا نفتح باب للعذر على الغلاة، وإنما نشخص الواقع؛ لتكون المعالجة على أصل قوي. الثاني: ألاّ يكون ذكر الأسباب جلدًا للذات، واتهاما للمجتمع، فكثيرًا ما نرى أن بعض الكاتبين في أسباب الغلو يصعدون الأمر، ويرفعون اللهجة وكأن المجتمع برمته متهم بينما الغلاة أنفسهم مبرءون فهم ضحايا! فترى نقدًا لمؤسسات في المجتمع بصورة عامة وبغير منهجية علمية واضحة، وكأن الغالي، المفجِّر المكفر ليس إلا صنيعة لغيره! وهذا ظلم للمجتمع وللأمة، ويحمل في طياته لونًا من تبرئة الغلاة.إنه إذا تقررت أهمية معرفة الأسباب وأنها سبيل للعلاج، فإن معرفة تلك الأسباب متيسرة بمنهجية علمية عبر وسائل عدةٍ منها:

1- قراءة كتابات الواقعين في الغلو، ومحاولة استنتاج الأسباب التي دفعتهم إلى الآراء الغالية، فمن صريح بعض النصوص ومن ظلال بعض النصوص الأخرى تتبين الأمور التي أثارت حفيظة الغالي -سواء كان ذلك حقًا أم باطلاً- فتسجل هذه الأمور وتقارن بغيرها من أقوالهم؛ لمعرفة مدى تأثير ذلك السبب في نفوسهم.كما تفيد دراسة كتابات الغلاة معرفة المداخل المنهجية التي أدت بهم إلى الغلو، أو الثغرات التي نفذت منها مظاهره، وكتابات الغلاة أقوى المصادر الدالة على سببية الأمر، وسوقه إلى الغلو.

2- الدراسة التاريخية للنظر في نظائر هذه المشكلة في داخل المجتمعات المسلمة -قديمًا وحديثًا- وهذا يفيد من جهتين: الأولى: معرفة المداخل المنهجية السائقة إلى الغلو.

الثانية: معرفة الظروف التي نشأ فيها ذلك الانحراف.

3 – دراسة تاريخ الغلاة أنفسهم، وتتبع أحوال الجماعات الغالية منذ بداية تكوينها، ثم دراسة تطورها وتتبع حالات المد والجزر في تأريخها ودراسة المؤلفات التي ألفت في تلك الحقب؛ لمعرفة التحولات الفكرية والعلمية.

4- دراسة أشباه هذه الظاهرة في مجتمعات غير المسلمين – قديمًا وحديثًا – لمعرفة الأسباب العامة التي يمكن أن تكون مشتركة بين أهل الأديان في النزوع إلى الغلو والعنف.

5- دراسة السياق التأريخي العام الذي حدثت فيه المشكلة.

6- دراسة الواقع الاجتماعي العام.

7- قراءة الكتابات الجادّة التي درست المشكلة، أو عالجت بعض جوانبها.

8- دراسة الطبيعة النفسية للمتهمين بالغلو، أو الجانحين إلى شيء منه.وبهذا، يظهر أن تحديد الأسباب عمل علمي يجب أن يتوافر عليه مختصون يدرسون عن علم هذه المشكلة ويضعون الفروض ويختبرون صدقها، لا أن تكون الأقوال ملقاة على عواهنها، فتحديد الأسباب يجب أي يمر بمرحلتين أساسيتين:

الأولى : جمع البيانات الأولية والآراء والأقوال حول الأسباب.

الثانية: الدراسة للأسباب، ومحاولة الكشف عن صدق تأثيرها، ومدى ذلك التأثير.ولعل ما يسهم في ضبط المنهج لدراسة أسباب هذه المشكلة؛ التأكيد على جملة ملاحظ:

الملحظ الأول: أن مشكلة الغلو ونحوها من المشكلات المركبة لا يمكن تفسير حدوثها بسبب واحدٍ فهي مشكلة مركبةٌ ذات أبعاد مختلفة تتجاذبها من كل جانب، ومن ثمَّ لا ينبغي أن يكون تشخيص المشكلة وذكر عواملها، وسبل علاجها منحصرًا في إطار واحدٍ مهما بدت له من أهمية.

واعتبار الملحظ الثاني: أن أسباب الغلو متفاوتةٌ في مدى تأثيرها، ولا يمكن القول بتساوي تأثير هذه الأسباب على الأشخاص أو على المجتمعات، فالأسباب متفاوتة باعتبارات عدةٍ أهمها:

1- التفاوت من جهة المجتمعات في الوجود أو التأثير.

2- التفاوت من جهة الأشخاص وجودًا وتأثيرًا.

3- التفاوت من جهة الفترات التاريخية.

4- التفاوت من جهة مصدرها.

الملحظ الثالث: أن الأسباب نوعان:

1- الأسباب الأساسية.

2- الأسباب المباشرة.فالأسباب الأساسية: هي التي تولد المشكلة وهي التي تنميها بعد ولادتها وتغذي أفكارها، وهي غالبًا ما تكون متعلقةً بالجوانب العلمية والفكرية، أو الأوضاع العامة.وأما الأسباب المباشرة: فهي التي تولد الحدث، وهذه الأسباب المباشرة تعد عرضًا للسبب الرئيس المتجذر في بناء المجتمع.

الملحظ الرابع: أن الكاتبين في هذه المشكلة وفي ذكر أسبابها يقفون بين ثلاثة اتجاهات:

الاتجاه الأول: الاقتصار على سبب أو اثنين، والزعم بأن المشكلة عائدة إلى هذا السبب دون غيره.

الاتجاه الثاني: الإحاطة الشاملة بكل الأسباب.وعند التأمل نجد أن الاقتصار على سبب واحد ليس منهجًا رشيدًا؛ إذ تقرر أن المشكلات والظواهر البشرية لا يمكن أن تحصر مواردها في سبب واحد.وأما الإحاطة الشاملة بجميع الأسباب فهي غير ممكنة إذ طرق الشر و الانحراف غير منحصرة في الأصل.

الملحظ الخامس: أن أسباب الغلو منها ما يكون مؤديًا لموارد من الغلو وغيره

الملحظ السادس: أن محاولة استخراج الأسباب محاولة تحتمل الإصابة والخطأ من جهتين: الأولى: من جهة تحديد السبب. الثانية: تقدير مدى تأثير السبب فقد يكون الأمر المحدد سببًا لكنه ليس بذلك الحجم من التأثير.

الملحظ السابع: أنه بعد استخراج الأسباب يتبين تفاوتها من جهة موضوعها، وذلك يستلزم توسعًا في البحث والنظر.

الملحظ الثامن: أنه يظهر بدراسة الأسباب أن مشكلة الغلو في الدين – مثلها مثل أي ظاهرة من الظواهر المتعلقة بالناس والأديان – تتسم بالتعقيد، وتعدد الجوانب، كما أن هناك انقسامات في صفوف المتهمين بهذه المشكلة مما يحتم وجود الفوارق والاعتبارات المختلفة

الملحظ التاسع: أن ذكر الأوضاع والظروف المنتجة للغلو، لا يعني أن هذه الأوضاع لم تؤثر إلا في الغلاة فقط، فقد أثرت في الجميع، فتنادى أهل الخير للدعوة إلى إعادة الأمة إلى دينها، ثم وقع الاختلاف في أمرين ببيانهما يتضح افتراق المعتدلين عن الغلاة:الأول: فهم الموقف القائم الذي يراد تغييره.الثاني: فهم وسائل التغيير بتحديدها ابتداءً ثم بالعمل بها إنه بهذا تتضح حاجتنا الأكيدة لضبط منهجيٍّ في دراسة هذه المشكلة .إنَّ الناس يختلفون في تحليل الأحداث التاريخية، أو المذاهب و النظريات من جهاتٍ عدَّة: -فيختلفون في الوصف.-ويختلفون في الربط بين أطراف المشكلة. -ويختلفون في تحليل الأسباب.- ويختلفون في تحديد النتائج التي بنيت على كل ما سبق.

أخطاء منهجية

ومن خلال الدراسة لأسباب الغلو، ومراجعة المؤلفات التي ألفت في هذا الموضوع تبدت لي جملة من الأخطاء المنهجية التي وقع فيها بعض الكتاب وهي:

1- الدراسة السطحية لأسباب، وردّها إلى عاملٍ واحدٍ، والفرار من الدراسة الجادَّة للمشكلة من مثل: الزعم بأن المشكلة ناتجةٌ عن اختلال عقلي.ولقد ظهر في بعض الكتابات مثل ذلك الطرح السطحي الذي قد ينطلي على غير العارفين بالأمر من مثل القول: إن مناهجنا التعليمية سبب لظهور الغلو عندنا، بينما مناهجنا ذاتها خرجت الملايين على مر السنين فأين غلو هؤلاء؟! 2- التشيع لمذهب أو رأي أو قول، ومحاكمة الغلو والغلاة من خلاله.

الأول: في دراسة المشكلة ذاتها في حقيقتها ومظاهرها من وجهة نظر مخالفة؛ فيَعُدُّ منها ما ليس داخلاً فيها.

الثاني: عند دراسة الأسباب يركز على ما يتفق مع مذهبه ورأيه.

3- المقاصد والنوايا: إن دراسة المشكلة مكتنفة بكثير من المقاصد السيئة والأهواء، بل ولها صلة بالصراع الحضاري بين الأمم.

4- الاعتماد على النقل عن الآخرين دون دراسة لمؤلفات وكتابات الغلاة والمهتمين بالغلو، ودون رجوع إلى المختصين في هذا الباب العارفين بما فيه من إشكالات.

5- الإفراط في التجزئة أو التعميم: إن هذه المشكلة تتميز بتعددية الجوانب التي يمكن النظر من خلالها: تعددية من جهة الجماعات الغالية نفسها،وتعددية من جهة مظاهر الغلو .وهناك توجهان أخطآ في ذلك: توجه يفرط في التجزئة،وتوجه يفرط في التعميم.

6- التهوين في ذكر الأسباب وفي الجملة فكما شهدنا المصيبة بوقوع التفجيرات التي هي جرم عظيم فجعنا بمصيبة أخرى في بعض أبنائنا الذين قالوا وكتبوا، فبان من قولهم زيغ يقابل زيغ الغلاة، وهذا يذكرنا بخطورة هذه القضية (الغلو) إذ الكلام فيها سير في حقل ألغام، ومظنة انزلاقات خطيرة، والأمر يجب أن يوكل إلى أهله ويكون الكلام فيه عبر دراسات وحوارات عمل وفي سياق جهد عام للإصلاح الذي لا يزال ولاة الأمر – زادهم الله من فضله – يدأبون على الدعوة إليه والبذل في سبيله.وابتغاء توضيح جملة من أسباب الغلو التي أرى تأثيرها في إحداث المشكلة، أذكر هذه الأسباب مع شرح وجيز لها:

أولاً: الأسباب المتعلقة بالجهل:

1- الجهل بالكتاب العزيز.

2- الجهل بالسنة.

3- الجهل بمنهج السلف.

4- الجهل بمقاصد الشريعة.

5- الجهل بالسنن الرباية.

6- الجهل بحقيقة الإيمان وعلاقته بالأعمال.

7- الجهل بمراتب الأحكام.

8- الجهل بمراتب الناس.

9- الجهل باللغة العربية.

10 -الجهل بالتاريخ.

ثانيًا: الأسباب المتعلقة بالمنهج العلمي:

1- الإعراض عن العلماء.

2- التأويل والتحريف.

3- اتباع المتشابه.

4- عدم الجمع بين الأدلة.

5- التعامل المباشر مع النص والفهم الحرفي له.

6- الاجتهاد من غير أهلية.

7- الانحراف في الاهتمام بأحاديث الفتن.

ثالثًا: الأسباب المتعلقة بالمنهج العملي:

1- الاستعجال.

2- التعصب.

3- عدم تقدير ظروف الناس وأعذارهم.

رابعًا: الأسباب النفسية:

1- افتقاد التوافق.

2- عدم إشباع الحاجات الإنسانية.

3- الاضطرابات النفسية والسلوكية.

4- الاضطرابات الانفعالية.

5- طبيعة الشخصية الموجهة أو القائد.

خامسًا : الأسباب التربوية:

1- ضعف الصبر.

2- اليأس.

3- طبيعة الشباب.

4- اتباع الهوى.

5- الجدال.

6- اختلال مناهج التعليم.

سادسًا: الأسباب الاجتماعية:

1- مسألة الحكم بغير ما أنزل الله.

2- الفساد العقدي.

3- ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

4- اختلال العلاقة بين الحاكم والمحكوم.

5- الاتهام والاستهزاء و الطعن بالدين .

6- العنف والتعذيب.

7- اختلال الأوضاع الاقتصادية.

8- الأسباب المتعلقة بغياب دور العلماء.

9- مشكلة غياب الهوية.

10 – انتشار العلمانية في كثير من المجتمعات المسلمة.

11 – فساد كثير من وسائل التوجيه والتأثير.

12 – ضعف الشورى.

13 – الهزائم السياسية والعسكرية.

سابعًا: الأسباب العالمية:

أولاً: التآمر على الدين الإسلامي عالميًا.

ثانيًا: سقوط الدولة العثمانية(الخلافة).

علاج الغلو إنه بالنظر في النصوص الشرعية بضميمة أقوال العلماء الكاشفة عن معانيها، مع دراسة واقع السلف – رحمهم الله – في معالجة الغلو والبدع؛ يتبيَّن للدارس لهذه المشكلة أن هناك ضوابط وأسسًا لا بد أن يرجع إليها المعالج وتكون حاضرة في ذهنه، مطبقة في واقع أمره، وما وقع المعالجون لمشكلات الغلو والبدع في الخطل والزلل إلا لعدم اعتبار الأسس والضوابط.

أولاً: أن مرجع تحديد الغلو هو إلى الشريعة:

ففي تحديد حقيقة الغلو وماهيته، المرجع إلى نصوص الشريعة التي تظهر أن في الأمر مجاوزة للحدود.

وفي الحكم على عمل من الأعمال أو قول بأنه مظهر من مظاهر الغلو، لا بد من دراسة الأمر، والنظر في النصوص مع النظر في الواقع؛ للخروج بأن هذا المظهر من مظاهر الغلو. وفي استخراج أسباب الغلو ومداخله، الحاجة قائمة إلى دراسة النصوص؛لمعرفة أسباب الزيغ والانحراف. وفي الحكم على الغالي بأنه غلا، وتحديد سبل التعامل معه، لا بد من الرجوع إلى الشرع المطهر.

ثانيًا: أن يكون المعالج مؤهلاً للمعالجة:

إن معالجة الغلو مهمة من المهمات التي يجب أن يتولاها المؤهلون لذلك، وإذا أريد للمعالجة أن تحقق أهدافها فلا بد من جملة أمور يتحلى بها المعالج من أهمها:

1- الإخلاص.

2- العلم.

ثالثًا: التوازن والرجوع إلى الوسطية:

إنه ابتغاء تحقيق التوازن في معالجة مشكلة الغلو في الدين في العصر الحديث، لا مناص من الرجوع فيه إلى الوسطية التي هي سمة الدين، ولا بد من التوازن في تلك المعالجة. وهنا جملة ملاحظ، تعين على تصور جوانب الموضوع:

الملحظ الأول: لقد تبين من دراسة الأسباب ، أن هناك جانبين لا بد من العلم بهما، لفهم أسباب حدوث المشكلة:

الجانب الأول: العوامل الداخلية المتعلقة بمن وقع في الغلو.

الجانب الثاني: العوامل الخارجية.فهناك رد فعل لعوامل خارجية؛ وافق أرضية قابلة لحدوث الغلو. وإن عدم فهم هذين الجانبين للمشكلة، وهما:

1- الأفعال الشاذة الموجدة لردة الفعل.

2- القابلية للغلو عند الغلاة. أوجد خللاً في فهم المشكلة. وفهم هذا مع عدم مراعاته في التطبيق أدى إلى الخلل في التقويم والعلاج.

الملحظ الثاني: إن من العدل أن نضع الأمور في نصابها، فنفرق مثلاً بين مطلق الغلو، والغلو المطلق. ذلك أن المتتبع لألفاظ الشارع، يجد أن الأسماء التي يسمى بها المنحرف عن شرع الله، لا تطلق إطلاقًا عامًا، بل يختلف الأمر بحسب اختلاف درجة الانحراف.

الملحظ الثالث: إن المتأمل في الطروحات التي عالج بها أقوام الغلو، يجد أن المعالجين قد وقعوا في نظر ما اتهموا به الغلاة، فتجد من المعالجين من يشنع على الغلاة لمصادرتهم آراء الآخرين، حتى ولو كانوا مجتهدين، وتعصبهم لآرائهم. ثم يشنع ويصادر بعض آراءهم التي أصابوا فيها الحق.

الملحظ الرابع: إن من التوازن الذي يجب أن يدعى إليه في معالجة هذه المشكلة: التوازن بجعل الأمور في نصابها من جهة تحديد الغلو والغلاة؛ إذ جعل بعض الناس محاربة الغلو تكأة لمحاربة الدين ذاته.

الملحظ الخامس: إن الغلو عند المسلمين يأتي في سياق ألوان من ” التطرف ” في المذاهب والأديان الأخرى. فمن التوازن أن يوضع الأمر في نصابه، فقد أثبتت الدراسات الإحصائية، أن الغلو عند المسلمين أقل منه عند غير المسلمين، بل غلو غير المسلمين يصدر عن دول وجمعيات، وغلو المسلمين في الغالب صادر عن أفراد.

الملحظ السادس: إن التصدي لهذه المشكلة، يجب أن يكون مقدرًا بقدرها. فلا ينزع إلى أي من الجانبين: التهوين أو التهويل.

الملحظ السابع: إن الظلم لا يقابل بظلم، والخطأ لا يقابل بخطأ، فلا يكفر أهل الغلو بذلك، حتى وإن كفّروا غيرهم، ما لم يأتوا مكفِّرًا من المكفرات.

الملحظ الثامن: إن من فقدان التوازن في معالجة انحراف المجتمع: الازدواجية، بأن ينظر – مثلاً – إلى جانب من جانب الغلو العملي، ولا ينظر إلى انحرافات عقدية أو عملية أخطر وهي من قبيل التفلت من الدين.

الملحظ التاسع: إن من التوازن: التفريق بين أحوال المغالي أو المخطئ ومعاملته في كل حال بحسبها.إن تحقيق التوازن في المعالجة، له فوائد عديدة، فمنها:

1- السلامة من الانحرافات المتقابلة.

2- كسب ثقة المُعالجَ.

3- الوصول إلى نتيجة المعالجة

رابعًا: النظر في الاعتبارات التي ينبني عليها اختلاف حكم الغلو والغالي وهي:

1- التفريق بين الغلو المكفر والغلو غير المكفر.

2- التفريق بين الغلو في أمر جزئي والغلو في أمر كلي.

3- التفريق بين الغلاة بالنظر للعلم وعدم العلم.

4- التفريق بين الغلاة بالنظر للاجتهاد والتقليد.

5- التفريق بين الغالي المتأول والغالي غير المتأول.

6- التفريق بين الداعية إلى الغلو وغير الداعية.

7- التفريق بين الغلاة المقاتلين والغلاة غير المقاتلين.

وأما منهج معالجة الغلو على سبيل التفصيل فإنذلك يختلف باختلاف حالة الغلو المعينة والأسباب التي أدت إليها.ولكني أضع هنا معالم رئيسة أرجو أن تكون هادية في سبيل معالجة رشيدة، وهذه المعالم منها ما يختص بمن وقع في الغلو، ومنها ما هو متعلق بالمجتمع، وهذا بيان لها:

1- الاعتصام بالكتاب والسنة.

2- الالتزام بمذهب السلف.

3- نشر مذهب السلف.

4- العلم بحقيقة الإيمان، وعلاقته بالأعمال.

5- الإيمان بالمتشابه والعمل بالمحكم.

6- ضبط العلاقة بين الحاكم والمحكوم.

7- الاجتهاد في الدعوة والإصلاح.

8- معالجة الفساد العقدي.

9- حماية الدين من المستهزئين.

10- طلب العلم الشرعي.

11- ضبط منهج الاستدلال والاستنباط.

12- ضبط منهج فهم الألفاظ الشرعية.

13 – التلقي عن العلماء ورعاية حقوقهم.

14 – العلم بمقاصد الشريعة.

15- العلم بالتاريخ.

16 – العلم بمراتب الناس.

17 – العلم بمراتب الأحكام.

18- العلم باللغة العربية.

19- العناية بمناهج التعليم.

20- التفاؤل والثقة بالله.

21 – الاشتغال بالأعمال النافعة.

22- الالتزام بمنهج أهل السنة والجماعة في العمل.

23 – فتح مجالات الدعوة والإصلاح.

24- المناصحة والموعظة الحسنة.

25- نبذ التعصب.

26 – الحــوار.

27 – الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

28 – التزام اليسر والأخذ بالسماحة في التعامل مع الناس.

29 – النظر في أحوال الناس، واعتبار أعذارهم.

30 – الاعتدال في الحكم على زلاَّت العلماء.

31 – قيام العلماء بواجبهم.

32- علاج الجوانب الاقتصادية.

33- العقوبة.

-- عبد الرحمن بن معلا اللويحق

المرفقات

المرفقات المرفقات

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*