الخميس , 8 ديسمبر 2016
الرئيسية » المكتبة الرقمية » إسلامية لا وهابية

إسلامية لا وهابية

مقدمة

الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه كما يحب ربنا ويرضى ، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله ، ورضي الله عن صحابته الكرام ، وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين ، وعنا معهم بفضلك اللهم .

وبعـــد :

فقد ثبت في الخبر الصحيح عن النبي – صلى الله عليه وسلم – أنه قال : لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين ، على الحق ، لا يضرهم من خذلهم ، حتى يأتي وعد الله وهم كذلك وبين أنهم يقاتل آخرهم الدجال وينزل فيهم عيسى ابن مريم – عليه السلام – عند قيام الساعة .

وعُلم يقينًا أن هذه الطائفة هم من كان على منهاج النبوة ، فعمل بالسنة ولزم الجماعة وسار على نهج السلف الصالح ، وأن هذه الطائفة ( أهل السنة والجماعة ) لا يحصرهم زمان ولا مكان ، لكنهم قد يكثرون في زمان ويقلون في آخر ، وقد يكثرون في مكان ويقلون في آخر كذلك .

والمتأمل لحال المسلمين في القرون الأخيرة يجد أن أبرز أنموذج لهذه المسيرة الخيِّرة هي تلكم الدعوة الإصلاحية المباركة ، ودعوة التوحيد والسنة ، التي قام بها الإمام المجدد ( محمد بن عبد الوهاب ت 1206هـ ) ، وأيدها الأمير الصالح ( محمد بن سعود ت 1179هـ ) ( رحمهما الله ) التي ظهرت في منتصف القرن الثاني عشر الهجري في قلب نجد ، ثم سائر جزيرة العرب ، ثم امتدت آثارها الطيبة إلى كل أقطار العالم الإسلامي ، بل إلى كل أرجاء المعمورة . ولا تزال بحمد الله كذلك .

وقد لوحظ ، لا سيما مع الأحداث الأخيرة ، حروب الخليج ، وسقوط الاتحاد السوفييتي وأحداث ( 11 سبتمبر ) بأمريكا وما أعقبه من تداعيات ، لوحظ بصورة ملفتة ومريبة انبعاث كثير من المفتريات والأوهام والأساطير حول ما يسمونه : ( الوهابية ) .

وشاعت هذه المفتريات وهذه الأكاذيب حول الدعوة وأتباعها وعلمائها ودولتها ( الدولة السعودية ) ، وأسهم في ترويجها الحاسدون والمناوئون والكائدون وربما صدقها الجاهلون بحقائق الأمور .

وإن الباحث في حقيقة هذه الدعوة ومفتريات خصومها ، وتحفظات بعض ناقديها ، والكم الهائل مما قيل في ذلك وكتب ، وما حشي في أذهان الناس تجاهها من تنفير وتضليل ؛ سيصاب بالذهول والحيرة – لأول وهلة .

لكن ما إن يلج المنصف في عمق القضية فسيجد الأمر أيسر وأبين مما يتصوره ، وحين يتجرد من الهوى والعصبية ستنكشف لـه الحقيقة ، وهي : أن هذه الدعوة الإصلاحية الكبرى ، إنما تمثل الإسلام الحق ، ومنهاج النبوة ، وسبيل المؤمنين والسلف الصالح في الجملة .

كما سيظهر لـه جليًا أن ما يثار حولها وضدها من الشبهات ، إنما هو من قبيل الشائعات والمفتريات ، والأوهام والخيالات ، والبهتان . ومن الزبد الذي يذهب جفاء عند التحاكم إلى القرآن والسنة ، والأصول العلمية المعتبرة ، والنظر العقلي السليم .

وما أظن حركة من الحركات الإصلاحية واجهت من التحديات ، والظلم والبهتان ، كما واجهت هذه الدعوة ، ومع ذلك علت وانتصرت وآتت ثمارها الطيبة ( ولا تزال بحمد الله ) في كل مكان .

وما ذلك إلا لأنها قامت على ثوابت الدين الحق ( الإسلام ) لكن هذه الحقيقة خفيت على كثير من الناس ، فكان لا بد من تجليتها .

لذا فقد لزم الإسهام – في هذا المؤلف – في تجلية الحقيقة ، ورفع الظلم ، ودفع الباطل ورد المفتريات والمزاعم ، بالحجة والبرهان ، واستجلاء الحقيقة من خلال الواقع وشهادة المنصفين .

فإنه من الحقائق الثابتة الجليَّة أن هذه الدعوة الإصلاحية إنما هي امتداد للمنهج الذي كان عليه السلف الصالح أهل السنة والجماعة على امتداد التاريخ الإسلامي ، وهو منهج الإسلام الحق الذي كان عليه النبي – صلى الله عليه وسلم – وصحابته الكرام والتابعون وأئمة الدين من الأئمة الأربعة ونحوهم من أهل الحديث والفقه وغيرهم .

إذن فهذه الحركة المباركة لم تكن إلا معبرة عن الإسلام نفسه ، مستهدفة إحياء ما اعترى تطبيقه من قبل كثير من المسلمين من غشاوة وجهل وإعراض وبدع .

وحيث قد اشتهرت عند غير أهلها ، وعند الجاهلين بحقيقتها باسم ( الوهابية ) فإن هذا الوصف انطلق أولًا من الخصوم ، وكانوا يطلقونه على سبيل التنفير واللمز والتعيير ، ويزعمون أنه مذهب مبتدع في الإسلام ، أو مذهب خامس . وهذا ظلم .

فهي ليست سوى الإسلام والسنة كما جاء بها النبي – صلى الله عليه وسلم – وسار عليها السلف الصالح .

ولم يكن استعمال هذا الوصف مرضيًا ولا شائعًا عند أتباعها ، ومع ذلك صار لقب ( الوهابية ) وتسمية الدعوة الإصلاحية السلفية الحديثة به هو السائد لدى الكثيرين من الخصوم وبعض الأتباع والمؤيدين والمحايدين ( تنزلًا ) .

بل تعدى الأمر إلى التوسع في إطلاق ( الوهابية ) على أشخاص وحركات منحرفة عن المنهج السليم ، وتخالف ما عليه السلف الصالح وما قامت عليه هذه الدعوة المباركة ، وهذا بسبب تراكمات الأكاذيب والأساطير التي نسجت حول الدعوة وأهلها بالباطل والبهتان .

إن أتباع هذه الحركة لا يرون صواب هذه التسمية ( الوهابية ) ولا ما انطوت عليه من مغالطات وأوهام ، لاعتبارات مقنعة كثيرة شرعية وعلمية ومنهجية وموضوعية وواقعية ، تتلخص فيما أشرت إليه من أنها تمثل تمامًا الإسلام الحق الذي جاء به النبي – صلى الله عليه وسلم – ومنهج السلف الصالح من الصحابة والتابعين ومن سلك سبيل الهدى ، وإذن فحصره تحت مسمى غير الإسلام والسنة خطأ فادح وبدعة محدثة ومردودة .

كما ذكرت أن هذه الدعوة وأتباعها ودولتها ( الدولة السعودية في مراحلها الثلاث ) قد واجهت ، ولا تزال تواجه ، تحديات كبرى كلها ترتكز على المفتريات والاتهامات ، والشائعات والأكاذيب والأساطير التي لا تصمد أمام البحث الشرعي العلمي الأصيل والمتجرد .

وإن كان الناقدون قد يجدون في تجاوزات بعض المنتسبين للدعوة ما يتذرعون به في نقدها ، لكن عند التحقيق تزول هذه التهم .

إذ إن الناظر في المفردات الجزئية لكل دعوة أو مبدأ ، قد يجد فيها الكثير من الأخطاء والتجاوزات والتصرفات الشاذة والأقوال النادة والأحكام الخاطئة ، أو الأمور المشكلة والمشتبهة التي تحتاج إلى تثبت أو تفسير أو تدقيق أو استقراء للوصول إلى حكم علمي تطمئن إليه النفس .

لكن أهل العلم وعقلاء الناس لديهم موازين علمية وعقليَّة وقواعد شرعية يزنون بها الأمور .

حال نجد قبل دعوة الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب نجد التي سنتحدث عنها هنا هي نجد وسط جزيرة العرب التي انطلقت منها هذه الحركة الإصلاحية المباركة ( لا نجد العراق ) وهي أعني ( نجد الجزيرة ) ما بين الحجاز غربًا والدهناء شرقًا ، والربع الخالي جنوبًا والنفود الكبرى شمالًا .

وقد استوعبت نجد منذ أيام الجاهلية الكثير من قبائل العرب الكبرى .حال نجد في عهد النبي – صلى الله عليه وسلم – والخلفاء الراشدين :

لما جاء الإسلام دانت نجد كلها للدين واستجابت لداعي الحق ، ومنها اليمامة ، وفيها بنو حنيفة ، وكانت ذات أهمية اقتصادية وغيرها ، إذ هي مصدر من مصادر التموين لمكة والمدينة والطائف ، وبخاصة في المنتجات الحيوانية والزراعية ، وأهمها الحنطة .

اليمامــة :

ومن أهم حواضر نجد : ( اليمامة ) وقراها ، كالدرعية والعيينة والرياض وحريملاء ، وموقع اليمامة في قلب نجد .

وكان زعيمها حين هاجر النبي – صلى الله عليه وسلم – إلى المدينة : هوذة بن علي بن ثمامة الحنفي ، وهو ممن دعاهم النبي – صلى الله عليه وسلم – إلى الإسلام كسائر الملوك والرؤساء ، لكن هوذة لم يستجب لداعي الإسلام .

ثم ملك بعده ثمامة بن أثال ، ولـه مع النبي – صلى الله عليه وسلم – قصة عجيبة انتهت بإعلانه للإسلام ونصرته لـه .

وفي عام الوفود ( 9 ، 10هـ ) دخلت سائر القبائل والحواضر والبوادي النجدية في الإسلام .

ولما انتقل رسول الله – صلى الله عليه وسلم – إلى الرفيق الأعلى ، خرجت أحياء وقبائل كثيرة عن الولاء للإسلام ، وهم بين مرتد عن الإسلام ، وبين مانع للزكاة ، ولم يبق على الإسلام إلا مكة والمدينة والطائف ، وبعض الأفراد والجماعات ، ومنهم صاحب اليمامة ثمامة بن أثال ومعه طائفة من قومه ، وقد قاتل مسيلمة مع جيوش أبي بكر – رضي الله عنه – وقبلها .

وحين ظهرت دعاوى النبوة الكاذبة ، كان في نجد منها ، حركة مسيلمة الكذاب ، وكان قد ادعى النبوة قبل موت النبي – صلى الله عليه وسلم – لكن بعده قويت شوكته والتف حولـه المرتدون والمرتابون من أهل اليمامة وما حولها إلى أن هزمتهم جيوش الصديق – رضي الله عنه .

ثم عادت اليمامة وسائر الأقاليم والقبائل النجدية إلى الإسلام بعد قتال المرتدين ، وبقيت نجد كلها في عهد أبي بكر – رضي الله عنه – وكذلك في عهد عمر – رضي الله عنه – وما بعدها ، تنعم بظل الإسلام الوارف وتخضع للدين كله .

نجد في عهد الدولة الأموية :

وفي عهود الدولة الأموية ، كانت نجد في خلافة معاوية – رضي الله عنه – وابنه يزيد وما بعدهما متنازعة بين قوى وسلطات مختلفة ، وفي حال تبعيتها لبني أمية كانت غالبًا تتبع البحرين ( الأحساء ) أو المدينة النبوية .

نجد في عهد الدولة العباسية :

وفي عهد دولة بني العباس ، كانت تبعية نجد للدولة متفاوت قوة وضعفًا ؛ ففي أول العهد العباسي إلى 251هـ كانت نجد خاضعة للحكم العباسي وتتبع الوالي في الحجاز .

وفي سنة ( 251هـ ) استقلت دويلة بني الأخيضر في الحجاز ، وهي دويلة شيعية زيدية اتسمت بالجور وسوء السيرة .

ثم لمّا هزمتهم جيوش العباسيين ، فروا إلى نجد وأقاموا فيها إمارة لهم في منتصف القرن الثالث الهجري ، وامتدت إماراتهم إلى البحرين ( الأحساء ) إلى أن جاء القرامطة الباطنية وكانت دولتهم قد قامت بالبحرين سنة ( 281هـ ) ، وهم يوافقون بني أخيضر في انتحال التشيع ، فلما قويت القرامطة صارت الأخيضرية تتبعها منذ سنة ( 317هـ ) تقريبًا ، وكان لهيمنة هاتين الدولتين على نجد خلال هذه الأحقاب أثر بالغ السوء في انتشار الجهل والبدع والمحدثات والتقاليد الجاهلية ، وشيوع البناء على القبور ، والمشاهد والآثار واندراس الكثير من السنن ، وصرف المسلمين عن إخلاص العبادة لله وحده ، إلى التعلق بالمخلوقين ، إلى أن جاءت دعوة الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب المباركة فأنقذ الله بها العباد والبلاد من أوضار الشركيات والبدع والجهل والفرقة والضعف والهوان ، إلى التوحيد والسنة والعلم والجماعة ، والقوة والعزة .

وفي الفترة ما بين نهاية الأخيضريين والقرامطة في منتصف القرن الخامس الهجري بقيت نجد ممزقة مشتتة بين زعامات وإمارات صغيرة متنازعة ، أو ولاءات رمزية لبعض الولايات المجاورة ، ومشيخة القبائل والعشائر المتنافرة .

نجد في عهد الأتراك :

وكذلك أمر نجد في عهد العثمانيين ، لم يكن أحسن حالًا ، إذ لم تكن الدولة العثمانية ( الأتراك ) تأبه بنجد وأحداثها ، وليست عندها ذات شأن ؛ ولذلك لم يكن لها على نجد سلطة مباشرة ، بل كانت مهملة تتنازعها الإمارات المحلية ، أو المجاورة ، وكان قد اقتصر وجود الدولة العثمانية في جزيرة العرب على اليمن والحجاز والبحرين ( الأحساء ) وقد يكون لوالي الأحساء من قبل الأتراك شيء من الإشراف غير المباشر على نجد واليمامة بخاصة .

وقد انقطع ذلك باستقلال زعيم بني خالد براك بن غرير بالأحساء عن الدولة العثمانية سنة ( 1080هـ ) .

وكذلك من جهة الحجاز لم يكن هناك نفوذ فعلي للأتراك على نجد ، وإن كان بعض الأشراف قاموا بغزو بعض البلاد النجدية غزوات متفرقة ما بين سنة 986هـ وسنة ( 1107هـ ) لكن لم يكن لهم استقرار يذكر ، ولم يكن للأتراك عليهم سيادة فعلية ، عدا التبعية الشكلية والرمزية أحيانًا .

ومع ذلك فإن هذه التبعية الشكلية إنما كانت تهدف إلى مجرد الاعتراف بالسيادة وجلب الضرائب ، أو تأمين السبل وتوفير المؤن ونحو ذلك ، ولم يكن لها تدخل فعلي في الشؤون الداخلية ، فكانت ولايات الإمارة والقضاء ، والحسبة ، والمرافق تتم من قبل أهل الأقاليم أنفسهم وليس للدولة العثمانية وولاتها فيها حل ولا عقد ، وهذا مما يُرد به على الذين توهموا أن الإمام محمد بن عبد الوهاب والدولة السعودية خرجوا على الخلافة .

السمات العامة لنجد إبان ظهور الدعوة :

لقد اتسمت البيئة العامة في نجد التي ظهرت فيها دعوة الإمام بسمات خاصة كان لها أكبر الأثر في مسار الدعوة منها : الوضع الاجتماعي والأمني :

غلبة السمة القروية والبدوية عليها ، ففي نجد عدد كبير من القرى والواحات ، ويقطنها عدد أكبر من القبائل التي تعيش في البادية ، وليس بين الحاضرة والبادية وئام ، وكان العداء والتنافر سائدًا بينهم ؛ لعدم وجود السلطان الذي يجمع الشمل ويحفظ الأمن ، ويقيم العدل ، كانت العلاقات بين البادية والحاضرة في عداء مستمر وسلب ونهب وقتال غالبًا ، بل وكذلك الحال بين قرى الحاضرة نفسها ، حيث تسودها المنافرة والتشتت والحروب ، وكذلك الحياة بين القبائل البدوية تسودها الفوضى والعصبية والحمية الجاهلية ، والقتال والسلب والنهب ، وتحكمها الأعراف والعادات الجاهلية .

تبعًا لذلك نرى نجد في عهد قيام الدعوة مشتتة ومقسمة إلى إمارات ومشيخات صغيرة ومتناحرة .

حتى وصل الحال إلى أن القرية الواحدة تتنازعها عدة زعامات ! ويكثر بينها التنافر والظلم والجور .

الوضع الديني :

كما ساد بينهم – من الناحية الدينية – الجهل والإعراض وشيوع البدع ، فكان التصوف البدعي سائدًا ، بما فيه التصوف الغالي ، كمذهب ابن عربي وابن الفارض ، والتصوف حيثما حل حلت الخرافة ، وساد الجهل ، وانتشرت البدع والخرافات والشركيات وشاعت المنكرات .

وإن كان يوجد – في الحاضرة – شيء من العلم الشرعي والعلماء ، وقليل من التعليم ( قراءة وكتابة ) ، ولكن كانت اهتمامات العلماء مقصورة على الفقه غالبًا ، أما عنايتهم بالعقيدة والحديث والتفسير واللغة فهي قليلة ، وكما أن جهود العلماء أمام البدع والمنكرات ضعيفة .

وقد بين الشيخ الإمام في إحدى رسائله هذه الأوضاع قائلًا : « وعرفت ما عليه الناس من الجهل والغفلة والإعراض عما خُلِقوا لـه ، وعرفت ما هم عليه من دين الجاهلية ، وما معهم من الدين النبوي ، وعرفت أنهم بنوا دينهم على ألفاظ وأفعال أدركوا عليها أسلافهم ، نشأ عليها الصغير ، وهرم عليها الكبير » . إلى أن قال : « فانظر يا رجل حالك وحال أهل هذا الزمان ، أخذوا دينهم عن آبائهم ودانوا بالعرف والعادة » .

وهذا عن الحاضرة ، أما البادية فقد ذكر ابن غنام وغيره ، أنهم : لا يعرفون الدين ولا يقيمون شعائره ، وكثيرون منهم يجحدون ، أو يجهلون الإيمان بالبعث .

حال العالم الإسلامي أثناء قيام الدعوة :

لم تكن نجد بأسوأ حالًا من كثير من البلاد الإسلامية الأخرى ، فقد كان العالم الإسلامي في القرن الثاني عشر الهجري الذي نشأ فيه الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب يعيش أوضاعًا سيئة للغاية من جميع الجوانب ، الدينية والدنيوية .

وكان الإسلام قد عاد غريبًا كما أخبر بذلك النبي – صلى الله عليه وسلم – قال : بدأ الإسلام غريبًا ، وسيعود غريبًا كما بدأ ، فطوبى للغرباء .

وتتجلى غربة الإسلام بمظاهر كثيرة سائدة منها :

– كثرة البدع والمحدثات ، والأهواء والفرق والطرق .

– غربة أهل السنة المستمسكين بالحق ، والمجانبين للبدع .

– وغلبة الجهل على عامة المسلمين ، لا سيما الجهل بالعقيدة ، ومهمات الأحكام .

– إعراض كثير من الناس عن الدين ، لا يتعلمونه ، ولا يعملون به ، إلا ما يوافق الأهواء .

– شيوع التقليد الأعمى والتعصب المذهبي المقيت ، إلى أن وصل الحال في المسجد الحرام وقبلة المسلمين أن افترق المسلمون في صلاة الجماعة ، فصار أتباع كل مذهب يصلون وحدهم . وضعفت الدولة والسلطان ، وأصبح غالب الناس فوضى لا سراة لهم ، يسودهم السفلة والطغام ، وأهل الأطماع والشهوات .

وأعرض الناس عن السنة وقل أهلها ، وعاشوا حال الغربة ، واستحكمت البدع وأهلها ، وزالت مظاهر القوة والعزة والجماعة .

وتفرقت الأمة إلى أشلاء من الفرق المتفرقة ، والطرق المبتدعة ، والشعوب المتنافرة ، والبلدان المتقاطعة .

مما أدى إلى استحكام العدو بالمسلمين ، وتمكنه من تحقيق أغراضه في غزو عقائدهم وعقولهم وأفكارهم وديارهم ، وتحكمه في مصالحهم وأحوالهم .

وأعظم أدواء المسلمين آنذاك وأخطرها إخلالهم بحق الله تعالى ، حيث لم يخلصوا لـه العبادة ، وكثر لدى الغالبية منهم التعلق بغير الله في الدعاء والاستعانة والاستغاثة والذبح [ص-22] والنذر لغير الله ، وكثرت عندهم الشركيات والبدعيات ووسائلها ، من القباب على القبور والمشاهد وتعظيم الأشجار والأحجار ، وتقديس الأشخاص الأموات والأحياء .

مما جعل الأمة تصاب بحياة الذلة والهوان والشتات ، مما مكَّن للأعداء المحتلين من انتهاك أكثر بلاد المسلمين .

ظهور دعوة الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب :

في هذه الظروف الصعبة والأحوال السيئة ، والأزمان الحالكة ، بدأت أنوار الحق والخير تشع في الأفق ، حين شرع الإمام محمد بن عبد الوهاب بالنهوض بدعوة التوحيد والسنة ، في منتصف القرن الثاني عشر الهجري ، وكان ذلك في حياة والده ، وكان والده يشاطره هموم الدين والأمة ، لكنه كان بحكم الإشفاق عليه يأمره بالتؤدة والأناة ، وبعد أن توفي والده عام ( 1153هـ ) شرع الإمام في كشف الحقيقة ؛ يقرِّر التوحيد ، ويعلن السنة ، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ، وينكر البدع والمحدثات في العقيدة والعبادات والعادات ، وينشر العلم ، ويفضح أحوال الجاهلين وأهل البدع والأهواء والشهوات ، ويقيم الحدود .

حينئذٍ اشتهر أمره ، وذاع صيته والتف حولـه المخلصون والمصلحون ، والغيورون ، لا سيما حين شرع يقطع الأشجار التي يقدسها الناس في العيينة ، ثم هدم القبة التي على قبر زيد بن الخطاب – رضي الله عنه – ورجم الزانية التي اعترفت عنده بعد أن توافرت عنده شروط الحد . ولما فعل هذه الأمور ذاع صيته ، واشتهرت دعوته ، وكثر مناصروه وخافه المرتابون ، وانقسم الناس عليه .

ومن هنا بدأت ردود الأفعال من خصومه من أهل البدع والأهواء والغوغاء ، والحسَّاد ، وأهل المطامع والمنتفعين مما عليه الحال السيئة الذين شرعوا بالدعاية المضادة ، وراسلوا واستعدوا الناس في الداخل والخارج ، لا سيما أمراء الأحساء ، ثم ولاة الحجاز ونجران الذين استجابوا للمحرضين وبدأت مرحلة المقاومة المباشرة ، والتي تمثلت بإعلان المعارضة الجادة للدعوة ، وإعلان الحرب ضدها من كل وجه : دينيًا وسياسيًا وإعلاميًا وعسكريًا واقتصاديًا ، مما سنتعرض لشيء منه في هذا الكتاب – إن شاء الله .

الإمام المجدد ودعوته

نشأته وشمائله :

ظهر الإمام محمد بن عبد الوهاب – رحمه الله – المولود سنة ( 1115هـ ) المتوفى سنـة ( 1206هـ ) بدعوته في قلب نجد ، وكانت أحوج ما تكون إلى الإنقاذ من براثن البدع والخرافات والتشتت والجهل والإهمال ، وكانت البواعث للإصلاح قوية وضرورية ، كما سيأتي بيانه بعد قليل .

وقد ولد هذا الإمام ونشأ في بيئة علم وصلاح واستقامة ، فكان أبوه وجده وكثيرون من أفراد أسرته من العلماء والوجهاء ، ولهم باع في الفتيا والقضاء والتدريس ، مما ساعد هذا الناشئ على استغلال مواهبه الفذة وتوجيهها على منهج شرعي متين وأصيل وفي جو علمي مأمون .

ولعل من المفيد أن أشير هنا إلى أهم مقومات الصلاح والإصلاح والزعامة والإمامة في شخصية هذا المصلح الكبير :

فهو منذ نشأته قد ظهرت عليه سمات العبقرية والمواهب الفذَّة والنبوغ من الذكاء والفطنة والحفظ ، والقوة في الفهم ، والعمق في التفكير ، مما أهّله في وقت مبكر للتلقي والرسوخ في العلم والفقه ، مع قوة التدين والإيمان والعبادة والخصال الحميدة من الأمانة والصدق والرحمة والإشفاق والسخاء والحلم والصبر وبُعْدُ النظر وقوة العزيمة ، وغيرها من الصفات القيادية التي قَلَّ أن توجد إلا في الأفذاذ والنوادر من رجال التاريخ .

وذلك بخلاف ما يشيعه عنه خصومه وما يصورونه به لأتباعهم من الغوغاء والجهلة والمحجوبين عن الحقائق من أنه جاهل وغبي وشرير وعنيف وقليل التدين والورع ! ، ونحو ذلك من الأوصاف التي يربأ العاقل بنفسه عن ذكرها فضلًا عن اعتقادها أو تصديقها .

وهل يعقل من جاهل وغبي أن يقوم بهذه الأعمال الجليلة وأن يثير حفيظة هؤلاء الخصوم ويحرك جيوشهم ويقض مضاجعهم ؟ ! وهل يمكن لقليل الورع والتدين أن يقوم بهذه الحركة الإصلاحية التي ملأت سمع العالم وبصره إلى اليوم ؟ ! وينصره الله ويؤيده ويعلي به الدين ؟ ! .

ركائز الدعوة :

لقد قامت دعوته على المنهج الإسلامي السليم وأرست قواعد الدين وأصوله التي أهمها :

تحرير العبادة لله وحده ، والتزام طاعة الله وطاعة رسوله – صلى الله عليه وسلم – ، وما يستلزمه ذلك من :

1 – ترسيخ التوحيد ونبذ الشرك والمحدثات .

2 – ومن إقامة فرائض الدين وشعائره بإقامة الصلاة والحسبة والجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .

3 – وتحقيق العدل ( القضاء وغيره ) وإقامة الحدود .

4 – وبناء مجتمع إسلامي يقوم على التوحيد والسنة والوحدة والفضيلة والأمن والعدل .

وهذه الركائز كلها تحققت في المواطن التي تمكنت فيها الدعوة أو تأثرت بها تأثرًا كبيرًا ، وتتجلى هذه الصورة في البلاد التي شملتها الدولة السعودية المباركة التي حملت لواء الحركة الإصلاحية في مراحلها الثلاث ، فكانت كلما حَلَّت في بلاد حلَّ فيها التوحيد والإيمان والسنة والأمن والرخاء ، وذلك تحقيقًا لوعد الله تعالى في قولـه :( وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ * الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ) [سورة الحج ، الآيتان : 40 ، 41 . ] ، وقولـه تعالى : ( وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ) [سورة القصص ، آية : 5 . ] .

مميزات سيرة الإمام ودعوته :

لقد تميزت سيرة الإمام ودعوته بميزات كثيرة منها :

نقاء السيرة :

إن سيرة الشيخ في شخصه وعلمه وتدينه وأخلاقه وتعامله مع الموافقين والمخالفين ، وفي سائر أحواله ، ما يجلي الحقيقة في فضله واستقامته وزعامته وإمامته من ناحية ، ومن ناحية أخرى إن في سيرته ما يبطل دعاوى الخصوم التي تطعن في شخصه أو دعوته ومنهجه ومنهج أتباعه كذلك .

[ص-25] هذا وقد شرح دعوته ومنهجه ودافع عن ذلك في رسائله وكتبه وسلوكه – هو وأتباعه كذلك – بما فيه الكفاية لكل مريد للحق ومنصف للخلق ، وسنتناول في هذا الكتاب جملة من النقول في ذلك .

صفاء المشرب :

فإن المشارب التي تلقى منها الإمام علمه وأدبه وخلقه مشارب شرعية وفطرية وعرقية صافية تتمثل بالكتاب والسنة وآثار السلف الصالح ، بعيدًا عن الفلسفة والتصوف والكلام ، وبالفطرة السليمة التي لم تحرفها المناهج البدعية ولا الشهوات ولا الشبهات ، وبالبيئة الأسرية النبيلة ذات الفقه والعلم والحسب والنسب .

سلامة المنهج :

لقد كان منهج الإمام في نفسه ودعوته وفي أتباعه ومع مخالفيه منهجًا سلفيًا شرعيًا نقيًا خاليًا من الشوائب ، يتسم بالأصالة والثبات واليقين والوضوح والشمولية والواقعية والأهلية لإقامة مجتمع مسلم يتسم بالتدين والطهر والأصالة والحيوية والرقي والأمن .

كما كان منهج التأليف وتقرير الدين وعرضه عند الإمام وأتباعه منهجًا شرعيًا سلفيًا صافيًا يعتمد على القرآن والسنة والألفاظ الشرعية النقية خاليًا من التخرصات الفلسفية ، والمصطلحات الصوفية ، والمحاورات الكلامية ، والتميُّعات الأدبية .

اعتماد منهج السلف الصالح :

لقد اعتمد الإمام في دعوته منهج السلف الصالح في كل شيء ، وبذلك تميز منهجه بالأصالة والشمول والواقعية والثبات واليقين .

وكان من ثمرة اعتماد هذا المنهج ، أن قامت شعائر الدين وأصوله على أتم وجه وأكمله من التوحيد والصلاة والجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والحدود والقضاء والعدل والأمن ، وظهور الفضائل واختفاء الرذائل ، وشيوع الدين والعلم في كل بلاد وصلتها الدعوة واستقرت فيها دولتها ( الدولة السعودية ) .

[ص-26] فالأسس التي قامت عليها الدعوة هي أسس الدين وثوابت الإسلام ، ولذلك آتت ثمارها اليانعة بحمد الله على صراط الله المستقيم ، وعلى منهاج النبوة .

الطموح وبُعْد النظر :

تميز منهج الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب بالطموح واليقين في إعلاء كلمة الله ونصر الدين ونشر السنة ، ومعالجة أدواء الأمة من البدع والمحدثات والمنكرات ، والجهل ، والفرقة والظلم والتخلف .

وبُعد النظر والطموح في المنهج العلمي والعملي الذي سلكه في منهج الدعوة يتجلى ذلك بأمور كثيرة منها :

1 – تركيزه على الأصول الكبرى والأولويات كالتوحيد وفرائض الدين ، ومع ذلك لم يهمل ما دون ذلك .

2 – استعداده المبكر وتقديره لما ستواجهه الدعوة من الصعاب والعقبات على وجه يدل على بُعد النظر وحسن التقدير للأمور والاستعداد لذلك .

3 – اهتمامه المبكر بالبحث عن سلطة قوية ومؤهلة لحمل أعباء الدعوة وحمايتها ، وحسن اختياره للأمير محمد بن سعود بعدما خذله ابن معمر .

الجَدَارة والنجاح :

كفى الشيخ مجدًا وعزًا وفخرًا أن ينصر الله به الدين ويظهر به السنة ، ولم يمت بحمد الله إلا وهو قرير العين . فقد عاش ورأى ثمار دعوته وهو حي متمثلة براية السنة الخفاقة ، ودولة التوحيد في عهد الإمام عبد العزيز بن محمد وابنه سعود وهي ترفل بثياب العز والنصر والهيبة والقوة والأمن ، واستعلاء الدين وانكماش البدع حتى قامت خلافة مترامية الأطراف في سائر جزيرة العرب . وبمجتمع إسلامي يحاكي مجتمع السلف الصالح في القرون الفاضلة ولله الحمد والمنة .

فكان بحق إمامًا مجددًا ، وقد امتدت آثار دعوته إلى جميع بلاد المسلمين بل العالم كله ، ولا تزال بحمد الله هذه الدعوة قائمة حيَّة .

وهي قائمة أيضًا في أتباعها أهل السنة والجماعة في بلادها وفي أي بلد كانوا ، وهم بحمد الله كثير .

الأمير المؤسس والدولة ( الأمير محمد بن سعود )

أسرته :

الأمير محمد بن سعود بن مقرن هو المؤسس الأول لدولة الدعوة ( الدولة السعودية ) وقد ولد سنة ( 1100هـ ) على الأرجح ( 1689م ) .

وقد ولد في أسرة متميزة وعريقة ، جمعت بين الديانة والاستقامة ، والإمارة والجاه وحسن السمعة ، وهي مؤهلات قد تنبه لها الإمام محمد بن عبد الوهاب حينما خذله أمير العيينة ابن معمر .

وكانت أسرة الأمير محمد بن سعود من آل مقرن تتعاقب الإمارة في الدرعية .

صفاته وشمائله :

وقد اشتهر الأمير محمد بن سعود على وجه الخصوص بحسن السيرة ورجاحة العقل والحنكة وسداد الرأي ، وبالوفاء والكرم والإحسان ، والاستقامة والتدين والعبادة ، مع قوة العزيمة والشجاعة ورباطة الجأش .

وبرهان ذلك : استعداده لاستضافة الإمام الداعية محمد بن عبد الوهاب ، وقبولـه لاحتضان الدعوة والتزامها والقيام بأعبائها ، في تلك الظروف الحرجة والمخاطر التي تكتنف الدعوة وإمامها ، والمسؤوليات التي لم يستطع ابن معمر أمير العيينة تحملها رُغْمَ ولائه أول الأمر للدعوة وحماسه في نصرتها وشروعه في تنفيذ برامجها قبل أن ترد إليه التهديدات الجادة والكثيرة من جهات عديدة أخطرها تهديد ابن غرير حاكم الأحساء .

ومع ظهور هذه المخاطر فإن ابن سعود تكفل بالنصرة للإمام وطمأنه ، وقد صدق ووفَّى جزاه الله عن الإسلام والمسلمين بعامة ، وعن هذه البلاد بخاصة خير الجزاء .

ولم يتوف – رحمه الله – إلا وقد قرت عينه بنصرة الدين ونشر السنة وقيام الدولة ، [ص-28] وبأبناء بررة كرام أبطال ضربوا أروع الأمثلة في الديانة والأمانة والجهاد ، والقيام بأعباء الدعوة والدولة بجدارة واقتدار .

وكانت وفاته – رحمه الله – سنة ( 1179هـ – 1976م ) .

مميزات سيرة الأمير محمد بن سعود ودولته :

إن من أبرز الخصائص التي تميزت بها شخصية الإمام محمد بن سعود الفذة :

أولًا : فقهه في الدين وفهمه للعقيدة السلفية الصافية ، وهذه ميزة نادرة لا تكاد توجد في أمراء ذلك الزمان .

ثانيًا : نصرته للدين ، وإخلاصه لعقيدة التوحيد ، حيث بذل نفسه وجاهه وماله وأولاده ، وسخر كل إمكانياته كأمير وكزعيم ، في خدمة الدعوة ، ويدل على ذلك مبادرته في نصرته للإمام محمد بن عبد الوهاب في ذلك الوقت الحرج .

ثالثًا : وفاؤه بما عاهد عليه الإمام من نصرة الدعوة والقيام بأعبائها .

رابعًا : تأسيسه للدولة الإسلامية بكل معانيها ، وإلغاؤه للحكم العشائري الذي يقوم على العصبية والإقليمية الضيقة ، فقد أقام الحكم على مقومات الدولة من حيث تحكيم الشرع وتحقيق الشورى ، والحسبة ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، والقضاء والموارد والمصارف المالية ، وتطبيق الحدود .

خامسًا : جمعه لكلمة المسلمين على إمام واحد تحت راية واحدة ، وسعيه الجاد لتوحيد البلاد تحت راية لا إله إلا الله محمد رسول الله ، وقد تحقق الكثير من ذلك في وقته وأكثر منه بعد وفاته .

سادسًا : نشره للعدل والأمن ورفعه الظلم ، ومن ذلك إبطالهُ للضرائب والإتاوات التي تثقل كواهل الناس .

سابعًا : إلغاؤه الأعراف الجاهلية والتقاليد العشائرية التي تنافي الشرع القويم ، والعادات [ص-29] السيئة السائدة بين الناس ، وكفُّ أيدي العابثين وأصحاب النهب والسلب والغارات العشائرية والقبلية التي كانت تنشر الفوضى والرعب في نفوس الناس ، وتوجيه النزعة القتالية إلى الجهاد المشروع الذي يحقق الدين والعدل والأمن والاستقرار والاجتماع .

ثامنًا : عمل مع الإمام محمد بن عبد الوهاب على نشر العلم والفقه في الدين ، والعناية بكتاب الله وحديث رسول لله – صلى الله عليه وسلم – وعلوم السلف ، والعلوم الأخرى النافعة ، فقد نشطت الحركة العلمية في وقته وبعده نشاطًا ملحوظًا ، وكثرت الدروس والحِلَق وطلاب العلم ، وما يخدم ذلك من الوسائل والأوقاف والنفقات ، فكان الإمامان ينفقان على نشر العلم وطلابه بسخاء .

تاسعًا : وقد عمل الإمام محمد بن سعود على كل ما يقوِّي دولة التوحيد من القوة العسكرية والمادية والمعنوية ، بإعداد الجيوش والأسلحة ، وبناء الحصون والقلاع ، وحفر الخنادق ، وتدريب الناس والشباب بخاصّة على الفتوة والفروسية .

عاشرًا : كما عمل بكل جِِدٍّ وإِخلاص على تسخير كل إمكانات الدولة التي شيدها في خدمة الدين والدعوة ، فكان يعاضد الإمام محمد بن عبد الوهاب في إرسال الدعاة والمرشدين ، ويبعث العلماء لشرح مبادئ الدعوة والدولة ومقاصدها ، ورد المفتريات حولها .

حادي عشر : من أبرز ما عمله لنصرة الدين من الأعمال الباقية : تربيته لأبنائه وأحفاده وأبناء أُسرته ، ورجال دولته على الدين والفضيلة والعقيدة النقية الصلبة ، والكفاح في سبيل ذلك ، وبرهان ذلك ما كان عليه ابنه عبد العزيز وحفيده سعود وإخوانهم وسلالتهم من خدمة الدين والعلم والفضيلة ، ونصرة أهلها ونشر السنة ، ومحاربة البدع والرذائل ، والعمل بشرع الله تعالى واحترام العلماء وتقديرهم . والاهتمام بشؤون المسلمين ، وتحقيق الأمن والعدل والاستقرار فجزاه الله وجزاهم جميعًا عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء .

الفصل الأول

في حقيقة الحركة الإصلاحية أو ما يسمى ( الوهابية ) وبواعثها ما ينفي المزاعم

المبحث الأول : حقيقة الحركة الإصلاحية والدولة السعودية الأولى : هي الإسلام على منهج السلف الصالح :

من الحقائق الثابتة الجليلة أن الدعوة الإصلاحية التي قام بها المجدد محمد بن عبد الوهاب التميمي – رحمه الله – ( 1115 – 1206هـ ) ( 1703 – 1792م ) ونصرها الإمام المجاهد محمد بن سعود – رحمه الله – ت ( 1179هـ ) ( 1765م ) إنما هي امتداد للمنهج الذي كان عليه السلف الصالح أهل السنة والجماعة على امتداد التاريخ الإسلامي ، وهو منهج الإسلام الحق الذي كان عليه النبي – صلى الله عليه وسلم – وصحابته الكرام والتابعون وأئمة الدين من الأئمة الأربعة ونحوهم من أهل الحديث والفقه وغيرهم .

إذن فهذه الحركة المباركة لم تكن في حقيقتها ومضامينها ومنهجها العقدي والعلمي والعملي ، إلا معبرة عن الإسلام نفسه ، مستهدفة إحياء ما اعترى تطبيقه من قِبَل كثير من المسلمين من غشاوة وجهل وإعراض ، بتصحيح العقيدة ، وإخلاص العبادة ، وإحياء السنة ، ومحاربة الشركيات والبدع والمحدثات في الدين .

يقول الأستاذ عبد الرحمن الرويشد في كتابه « الوهابية حركة الفكر والدولة » مؤكدًا أصالة الفكرة الوهابية وأنها ليست مذهبًا جديدًا ، إنما هي إحياء للدين الحق : « ليست الفكرة الوهابية السلفية ديانة جديدة أو مذهبًا محدثًا كما أشاع ذلك خصومها ، وإنما هي ثمار جهود مخلصة تنادي بالعودة إلى نموذج بساطة الإسلام والاستمداد في التشريع من نبعه الصافي ، كما تدعو إلى حركة تطهير شاملة لكل ما أدخل على المعتقد الديني من شرك وبدع وزيغ وضلال أدت كلها إلى تشويه حقائق الإيمان وأفسدت رواء الدين ، وأبعدت أبناءه عن قوة التزامه معتقدًا وسلوكًا .

تسميتها بالوهابية وبيان الحق في ذلك :

إطلاق ( الوهابية ) على هذه الدعوة الإصلاحية انطلق أولًا من الخصوم ، وكانوا يطلقونه على سبيل التنفير واللمز والتعيير ، ويزعمون أنه مذهب مبتدع في الإسلام أو مذهب خامس .

[ص-34] ولم يكن استعمال ( الوهابية ) مرضيًا ولا شائعًا عند أصحاب هذه الحركة وأتباعهم ، ولا عند سائر السلفيين أهل السنة والجماعة ، وكان كثير من المنصفين من غيرهم والمحايدين يتفادى إطلاق هذه التسمية عليهم ؛ لأنهم يعلمون أن وصفهم بالوهابية كان في ابتدائه وصفًا عدوانيًا إنما يقصد به التشويه والتنفير وحجب الحقيقة عن الآخرين ، والحيلولة بين هذه الدعوة المباركة وبين بقية المسلمين من العوام والجهلة وأتباع الفرق والطرق ، بل وتضليل العلماء والمفكرين الذين لم يعرفوا حقيقة هذه الدعوة وواقعها .

ولقد صار لقب ( الوهابية ) وتسمية الحركة الإصلاحية السلفية الحديثة به هو السائد لدى الآخرين من الخصوم وبعض الأتباع والمؤيدين المحايدين ( تنزلًا ) .

وهو الوصف الرائج عند الكثيرين من الكتَّاب والمفكرين والمؤرخين والساسة ، والمؤسسات العلمية ، ووسائل الإعلام إلى يومنا هذا ، بل تعدى الأمر إلى التوسع في إطلاق الوهابية على أشخاص وحركات منحرفة عن المنهج السليم ، وتخالف ما عليه السلف الصالح وما قامت عليه هذه الدعوة المباركة ، وهذا بسبب تراكمات الأكاذيب والأساطير التي نسجت حول الدعوة وأهلها بالباطل والبهتان .

أما أتباع هذه الحركة فهم لا يرون صواب هذه التسمية ( الوهابية ) ولا ما انطوت عليه من مغالطات وأوهام ، لاعتبارات مقنعة كثيرة ؛ شرعية وعلمية ومنهجية وموضوعية وواقعية ، تتلخص فيما أشرت إليه في التعريف من أنها تمثل تمامًا الإسلام الحق الذي جاء به النبي – صلى الله عليه وسلم – ومنهج السلف الصالح من الصحابة والتابعين ومن سلك سبيل الهدى ، وإذن فحصره تحت مسمى غير الإسلام والسنة خطأ فادح وبدعة محدثة ومردودة .

فالدارس لهذه الدعوة المباركة بإنصاف وموضوعية سيتوصل – حتمًا – إلى أنها إنما تنادي بالرجوع إلى الإسلام الصافي ، وأنها امتداد للدين الحق ( عقيدة وشريعة ومنهاج حياة ) والمتمثل – بعد حدوث الافتراق في الأمة الإسلامية – بالتزام نهج النبي محمد – صلى الله عليه وسلم – وصحابته الكرام والتابعين ومن سلك سبيلهم وهم السلف الصالح أهل السنة والجماعة .

وإذا كان الأمر كذلك ؛ أعني أن الدعوة هي الإسلام والسنة التي جاء بها النبي [ص-35] – صلى الله عليه وسلم – وما عليه سلف الأمة . . . فلا معنى لإفرادها باسم أو وصف ( كالوهابية ) أو غيره ، لكن قد ترد على ألسنة علماء الدعوة ومؤيديها أو غيرهم بعض الأوصاف الشرعية الصحيحة لها أو لأتباعها والتي لا تتنافى مع رسالتها مثل : دعوة الشيخ : الدعوة ، الدعوة الإصلاحية ، دعوة التوحيد ، السلفية ، وقد يوصف أهلها بالسلفيين والموحدين ، وأهل التوحيد ، وأهل السنة ، والحنابلة ، والنجديين . ونحو ذلك من الأوصاف الشرعية الحسنة ، أو المقبولة .

ومن فضل الله على أتباع هذه الدعوة المباركة أن لقب ( الوهابية ) من الخصوم في كثير من الأحيان يحمل معانٍ إيجابية ويعتز بها أتباعها وعموم أهل السنة ، وإن قصد به خصومهم اللمز والسبَّ .

وذاك – على سبيل المثال : حين يطلقونها على من يقيم شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وهو أصل من أصول الإسلام وشعائره العظيمة ، ومن أكبر خصائص الأمة المسلمة ، ومن خصال الخيرية لهذه الأمة كما قال تعالى : ( كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ) [ سورة آل عمران ، من الآية : 110 ] .

وحين يطلقون ( الوهابية ) كذلك على الأخذ بالكتاب والسنة والتمسك بالدين وتوحيد الله تعالى ، ونبذ الشركيات والبدع ، وهذه صفة مدح وتزكية يفرح بها المؤمنون .

وحين يطلقون ( الوهابية ) على اقتفاء منهج السلف الصالح الذي هو سبيل المؤمنين ، وسنة سيد المرسلين – صلى الله عليه وسلم – وهذه تزكية لا تقدر بثمن .

والناظر في مفاهيم الناس حول ما يسمونه ( الوهابية ) يجد الكثير من الغبش والخلط والتناقض والاضطراب .

فالوصف السائد للوهابية عند أغلب الخصوم ومن سار في ركابهم يقصد به : كل من لا يعمل بالبدع ولا يرضاها ، وينكرها ولا يقرها .

وقد يقصد بـ ( الوهابية ) كل مذهب غريب وشاذ .

وآخرون يطلقون ( الوهابية ) على كل من كان على مذهب أهل السنة والجماعة ، مقابل الشيعة أو مقابل الفرق الأخرى . وقد يخصصه بعضهم بالاتجاهات السلفية ، وأهل الحديث ، وأنصار السنة ونحوهم .

وقد توسعت بعض وسائل الإعلام والاتجاهات الغربية ومن دار في فلكها بإطلاق [ص-36] ( الوهابية ) على كل مسلم ينزع إلى التمسك بشعائر الدين وأحكامه وربما ترادف عندهم عبارة ( أصولي ) أو متزمت أو متشدد ، والمتمسك بالدين عندهم : متشدد .

وبعض المؤسسات والدوائر الغربية ومن تأثر بها صارت عندهم ( الوهابية ) ترادف : التطرف ، والإرهاب والعنف ، والعدوانية . ونحو ذلك ، وهذا تصور خاطئ وحكم جائر .

الوهابية وأحداث ( 11 سبتمبر ) :

وفي الآونة الأخيرة وبعد أحداث ( 11 سبتمبر ) في أمريكا وتداعيتها كثرت الأساطير والأوهام حول الوهابية ، إلى حد أن بعض خصوم الدعوة والحاقدين على المملكة العربية السعودية وأهلها ، من المسلمين وغير المسلمين رموها بأنها هي التي وراء هذه الأحداث ، وقد تلقف هذه الأسطورة بعض الإعلاميين ، والكتّاب والساسة .

وهذه التناقضات في التعاريف كافية في الدلالة على أن الناس لا يزالون في أمر مريج يتخبطون في مواقفهم وأحكامهم على هذه الدعوة الإصلاحية وأتباعها ودولتها ، وأن غالبهم لا يعرف حقيقتها ، أو أن الأهواء والتعسف والظلم والتقليد والعشوائية والجهل هي التي تسيطر على مواقف الناس وأحكامهم على هذه الدعوة وأهلها ودولتها .

إن الدعوة الإصلاحية بأي اسم سمَّاها الناس ، أو وصف وصفوها به ، فهي على كل الأحوال : كيان حي يمثل الإسلام ، والسنة النقية الصافية ، كما جاء بها النبي – صلى الله عليه وسلم – وكما فهمها الصحابة والسلف الصالح ، وهي بريئة مما اتهمت به كل البراءة كما سيأتي بيانه .

حقيقة الدعوة كما شهد بها المنصفون وإنه لمن المفيد أن أسوق كلام بعض الشهود من غير النجديين الذين عايشوا هذه الدعوة ودولتها المعاصرة وعلماءها وأهلها عن كثب ومنهم : الأستاذ ( حافظ وهبة ) إذ يقول تحت عنوان : ( ما هي الدعوة الوهابية ؟ ) : « لم يكن الشيخ محمد بن عبد الوهاب نبيًّا كما ادعى نِيْبَهر الدانمركي ، ولكنه مصلح مجدد داع إلى الرجوع إلى الدين الحق ، فليس للشيخ محمد تعاليم خاصة ، ولا آراء خاصة وكل ما يطبق في نجد من الفروع هو طبق مذهب الإمام أحمد بن حنبل وأما في العقائد فهم يتبعون السلف الصالح . ويخالفون من عداهم ، وتكاد تكون عقائدهم وعباداتهم مطابقة تمام المطابقة لما كتبه ابن تيمية وتلاميذه في كتبهم ، وإن كانوا يخالفونهم في مسائل معدودة من فروع الدين . وهم يرون فوق ذلك أن ما عليه أكثر المسلمين من العقائد والعبادات لا ينطبق على أساس الدين الإسلامي الصحيح .

وشاهد آخر وهو الدكتور منير العجلاني إذ يقول مجيبًا على التساؤل :

( ما هي صفة الحركة الوهابية ؟ )

« لقد تساءل غير واحد من المؤلفين هذا السؤال ، وكانت الأجوبة مختلفة . . . فبعضهم يرى أنها حركة دينية خالصة ، تريد الرجوع بالإسلام إلى صفائه الأول ، وأنها لذلك كافحت الشرك في كل ألوانه وأنكرت البدع التي أحدثت بعد النبي – صلى الله عليه وسلم – .

وبعضهم يرى أنها حركة سياسية ، غايتها فصل نجد والبلاد العربية عن الخلافة العثمانية ، وإقامة حكومة عربية مستقلة ، وأن الدين لم يكن إلا وسيلة لتحقيق هذا الغرض .

وآخرون يرونها مزيجًا من الدين والقومية ؛ لأنها كافحت في الميادين لتحقيق غايات دينية وقومية ، وأَلَّفت حكومة ، وأوجدت نظامًا مبنيًا على الإسلام ، ضمن الإطار السلفي .

ويقول المستشرق الفرنسي « هنري لاوست » : إن روح الحركة الوهابية ومعناها لم يتحددا في وضوح كامل .

[ص-38] يقال حينًا إن الوهابية حركة دينية غايتها إعادة الإسلام إلى صفائه الأول . وتعرف حينًا آخر بأنها حركة تطهير ، يغلب عليها التشدد ، وترفض – كالبروتستانتية – عقيدة تقديس الأولياء ، وتكافحها كفاحًا لا هوادة فيه .

وكل هذا إنما هو محاولة لتعريف الوهابية ببعض صفاتها الثانوية المتفرعة عنها ، كما رآها أعداؤها ، أو كما أظهرها الغلاة من أتباعها . . .

ولا سبيل إلى فهم الحركة الوهابية وتعريفها تعريفًا صحيحًا ، إلا بالرجوع إلى كتاب « السياسة الشرعية » ، لابن تيمية ، ومتى فعلنا ذلك استطعنا أن نعرف الوهابية بأنها : حركة إصلاح وتجديد ، سياسية ودينية ، ترمي إلى إنشاء دولة إسلامية على الأسس التي أوردها ابن تيمية ، في كتاب « السياسة الشرعية » .

وحسبنا أن نقرأ المجموعات التي نشرتها الحكومة العربية السعودية باسم : « مجموعة الرسائل والمسائل النجدية » حتى ندرك تمامًا أن الأفكار الوهابية مستمدة من « السياسة الشرعية » و « الحسبة » لابن تيمية ، و « السياسة الحكمية » ، لابن القيم الجوزية .

رأينـــا وعندنا أن دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب : عودة إلى الإسلام في أول أمره ومطلع فجره ، ومتى قلنا ذلك كفينا أنفسنا عناء الجدل العقيم .

ذلك أن من دعا إلى الإسلام الأول ، فإنما يدعو إلى الإسلام كما كان يرى في المدينة ، في عهد الرسول – صلى الله عليه وسلم – ، ثم في عهود الخلفاء الراشدين » .

إلى أن قال : « وحركة محمد بن عبد الوهاب هي حركة تجديد وتطهير : تجديد وإحياء لما أهمله المسلمون من أمور الإسلام وأوامره ، وتطهير للإسلام مما أدخلوه عليه من الشركيات والبدع !

ولم تكن دعوة محمد بن عبد الوهاب دعوة « فيلسوف » معتزل في غرفته ، ولكنها كانت دعوة زعيم مصلح ، يكافح دون عقيدته ، ويعمل لها بلسانه ويده ، وبكل قلبه ، وبكل عقله ، وبكل جهده .

[ص-39] إن دعوة محمد بن عبد الوهاب ليست « نظرية » أو كتابًا ألفه ليقرأه الناس ، ولكنها منهاج رسمه ، وقام وراءه يدعو إلى العمل به ، بالموعظة أولًا ، ثم بالقوة . . . قوة دولة الإسلام التي قامت على أساس الشرع وحده .

فمنهاج الشيخ ليس إصلاحًا دينيًا خالصًا ، بالمعنى الذي يفهمه الأوروبيون اليوم ؛ لأنهم يفرقون بين الدين والدنيا ، ويجعلون الدين صلة خاصة بين العبد وخالقه ، لا يُحمل الناس على اتباعه بالقوة ، ثم هم يفرقون بين الدين ( أو الشرع ) وبين القانون ، ويقولون إن الدولة تلزم الأفراد بالقانون الذي تضعه هي لهم ، ولكنها لا تلزمهم بالشرع ، بل قد يخالف قانونها الشرع ! .

إن الإسلام وحدة ، دين ودنيا ، ودعوة الشيخ لذلك ، دعوة جامعة للأمور الدينية والسياسية » .

ويقول الدكتور عبد الرحيم عبد الرحمن عبد الرحيم :

« يطلق بعض الكتاب على « الدعوة السلفية » اسم « المذهب » ، كما يطلق عليها البعض الآخر اسم « الوهابية » ، والحقيقة أن استعمال هذين الوصفين للدعوة غير دقيق ، فهي ليست بمذهب جديد في الإسلام ، حتى يصح إطلاق لفظ المذهب عليها ، بل إن صاحب الدعوة نفسه كان حريصًا على أن يؤكد للناس أنه لا يدعوهم إلى مذهب جديد في الإسلام ، وذكر في رسائله قائلًا : « فإني لم آت بجهالة ، بل أقولها ، ولله الحمد والمنة وبه القوة إنني هداني ربي إلى الصراط المستقيم ، دينا قيمًا ملة إبراهيم حنيفًا ، وما كان من المشركين ، ولست ولله الحمد أدعو إلى مذهب صوفي أو غيره . . . بل أدعو إلى الله وحده لا شريك لـه ، وأدعو إلى سنة رسول الله – صلى الله عليه وسلم – التي أوصى بها أول أمته وآخرهم » .

« أما وصف الدعوة بالوهابية ، فقد أطلقه عليها خصوم الشيخ محمد بن عبد الوهاب ، حتى يبرهنوا للناس أن مبادئه التي يدعو إليها بدعة جديدة خارجة على مبادئ الإسلام ، بل إن أعداء الدعوة من الترك ، ومن جاراهم غالوا في ذلك ووصفوا أتباع الدعوة بالروافض والخوارج ، [ص-40] حتى إن الوثائق الرسمية المتبادلة بين محمد علي والباب العالي تنعت الأمير السعودي الذي يعمل على نشر مبادئ الدعوة السلفية باسم « الخارجي » .

ويقول محمد جلال كشك : « ودعوة التوحيد التي نادى بها الشيخ تقبلها العلماء في شتى بلدان العالم الإسلامي ، أو قل: لم يستطع أحد منهم أن يرفضها ، بل على العكس ركز خصومها على اتهامها بأنه « لا جديد فيها » واهتموا بمناقشة الشكليات ، وافتراء الاتهامات ، بينما أعلن أكثر من عالم وفقيه أو حتى مستشرق انطباقها على مبادئ الإسلام الصحيحة .

كذلك ذهب ابن بشر إلى أن الشريف غالب وافق على أفكار الشيخ لولا أن الحاشية حذرته بأن الوهابيين إنما يريدون ملكه وليس ضميره ، « فارتعش قلبه وطار » .

ومحمد بن عبد الوهاب ، اهتم اهتمامًا كبيرًا ، هو وورثته من بعده ، بتأكيد أنه لا جديد في دعوته ، وأنه لم يأت بمذهب خامس ، وهذا صحيح بالطبع ، وإن كان الحرص على نفي تهمة المذهب الخامس « أمر مبالغ فيه ؛ لأن المذاهب في حد ذاتها ، ليست أديانًا منزلة ، وإنما هي اجتهادات وهم رجال ونحن رجال » .

لقد ظل هذا الحرص على نفي شبه المذهبية الجديدة يلازم رجال الحركة في المسجد والدولة ، إلى حد اتقاء كلمة « الوهابية » والإصرار على أن « محمد بن عبد الوهاب » ليس أكثر من تلميذ أو فقيه من فقهاء المذهب الحنبلي « المعترف » به ، فلماذا انفرد هو بذلك الأثر الذي أحدثه ، وبتلك القدرة على تفجير طاقات غيرت تاريخ المنطقة ؟ » .

« فهو لا يدعو « إلى مذهب صوفي ، أو فقيه ، أو متكلم ، أو إمام من الأئمة الذين أعظمهم » ، « أدعو إلى سنة رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ، التي أوصى بها أول أمته وآخرهم ، وأرجو أني لا أرد الحق إذا أتاني بل أشهد الله وملائكته وجميع خلقه . إن أتانا منكم كلمة من الحق ، لأقبلنها على الرأس والعين ولأضربن الجدار بكل ما خالفها » .

[ص-41] « وهكذا فتح الشيخ باب الاجتهاد على مصراعيه ، وكتب إلى الشريف غالب يقول : « فإن كانت المسألة إجماعًا فلا كلام ، وإن كانت مسألة اجتهاد ، فمعلومكم أنه لا إنكار في مسائل الاجتهاد » .

لا شك أنه كان أكثر تقدمية وانفتاحًا من المتكلم عن شيوخ مكة ، بل وأكثر قربًا لروح الإسلام في الحوار المشهور بين علماء الوهابية وعلماء مكة . فقد قال الشيخ الحنفي المذهب : أنا لا أقبل إلا ما قاله إمامي أبو حنيفة لأنني مقلد لـه فيما قاله ، ولا أقبل أن تقول لي: قال رسول الله أو قال ذو الجلالة ؛ لأن أبا حنيفة أعلم مني ومنك بقولهما » .

وهكذا نرى أننا نظلم الشيخ ونظلم دعوته ، بل نظلم السلفية والسلفيين عندما نتحدث عنهم بالمفهوم السوقي الشائع » .

« فالدولة السعودية ، أو الثورة الوهابية كانت ضد التخلف العثماني ، كانت محاولة للإفلات من السفينة العثمانية الغارقة ، والتي لم يبق بها إلا طابور انكشاري يعترض طريق كل من يحاول سد خروق السفينة » .

« لم يحس أحد في القاهرة ولا مكة ولا حتى الأستانة بسقوط بخارى وسمرقند والقوقاز ، مع أنها أعرق في تاريخ الإسلام وحضارتها من بلجراد وسالونيك والأستانة ذاتها ، وشعوبها مسلمة مائة بالمائة منذ القرن الأول الهجري . . . ولكن هذه العواصم تنبهت مذعورة على مدفعية الأساطيل الأوروبية عند الشواطئ العربية . . . وبدأ الحديث عن « انقلاب المطبوع » والبحث عن تفسير لظاهرة انتصار الكفار على المؤمنين أو اختلال الناموس كما قالوا ! .

« وطرح السؤال بعنف : ما العمل ؟ كيف نواجه هذا التحدي ؟ وكانت أول إجابة طرحت في العالم العربي ، وما زالت آثارها حية إلى اليوم ، هي المنهج السعودي ، الذي طرحه « محمد بن عبد الوهاب » وتبناه « محمد بن سعود » وهو « لا ينتصر آخر هذا الدين إلا بما انتصر به أوله »

فاجأ ابن عبد الوهاب الجميع بإعلان أنه لا خطأ في الناموس . . . لا خطأ في قوانين الكون ، فالكفار لم يهزموا المؤمنين ، بل هزموا كفارًا عادوا للشرك فخسروا الدين والدنيا ! » .

« فإن مظاهر الوثنية كانت قد تفشت في أنحاء العالم الإسلامي ، ليس فقط في الاعتقاد بالمشايخ والأولياء ، وأصحاب الطرق ، بل حتى في الاعتقاد ببركة أحجار وأشجار ، [ص-42] وكان في مصر شجرة اسمها « أم الشعور » يتبرك بها العامة ويعتقدون بوجود روح داخلها ، وكان العامة يعلقون قطعة من ثيابهم ، أو ثياب غرمائهم في مسامير بوابة المتولي ، طلبًا للمعاونة أو التنكيل بالخصوم . كما كان العامة في مصر يوجهون شكاويهم كتابة للإمام الشافعي المتوفى قبل أكثر من عشرة قرون ! ويعتقدون أنه يقرأها ، ويقضي فيها . . . فهو « قاضي الشريعة » كما يلقبه العامة في مصر » .

المبحث الثاني

بواعث قيام الدعوة الإصلاحية وأهدافها الكبرى قامت الدعوة الإصلاحية في نجد على يد الإمام محمد بن عبد الوهاب ، ومناصرة الإمام محمد بن سعود في الوقت الذي كانت أحوج ما تكون إليه في جميع النواحي الدينية والدنيوية ، وكانت مبررات الدعوة وبواعثها الشرعية منها والواقعية متوافرة ، ومن أهم هذه البواعث والدواعي :

1 – تحقيق التوحيد :

إن أول هذه الدواعي وأعظمها لقيام الدعوة الإصلاحية : مسألة التوحيد ومجانبة الشرك ، وهي القضية الكبرى بين الأنبياء وخصومهم ، وكذلك بين الدعاة والمصلحين وخصومهم ، ألا وهي تحقيق ما أمر الله تعالى به لجميع المكلفين ( أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ)(سورة النحل الآية 36) فقد قامت هذه الدعوة استجابة لأمر الله بإقامة الدين ، بتحرير العبودية لله وحده ، وتعظيم الله تعالى بأسمائه وصفاته ، وإخلاص العبادة لـه سبحانه دون سواه ، والنهي عن الشرك وذرائعه ، وكانت هذه هي الغاية الأولى في هذه الدعوة المباركة .

2 – تنقية مصادر التلقي :

تعددت مصادر التلقي عند أهل الأهواء والبدع ، ولم يخلصوا تلقي الدين عن الكتاب والسنة ، فكان من أهداف هذه الدعوة الإصلاحية ، إعادة الناس إلى مصادر الدين الحق ( القرآن والسنة ) وبفهم السلف الصالح وآثارهم الصافية .

3 – نشر السنن وإظهارها ، ونبذ البدع ومظاهرها :

في العقيدة والعبادات والأعياد وغيرها .

4 – القيام بواجبات الدين وفرائضه العامة :

من الدعوة إلى الخير ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، والجهاد في سبيل الله ، تحقيقًا للخيرية التي وصف الله بها هذه الأمة ( كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ ) [سورة آل عمران ، من الآية : 110] [ص-44] والنصيحة لله تعالى ولكتابه ولرسوله – صلى الله عليه وسلم – ولأئمة المسلمين وعامتهم وإقامة الحدود ، والعدل بين الناس .

5 – تحكيم شرع الله تعالى كما أمر الله :

فقد أعرض كثير من المسلمين ، لا سيما أهل البدع وكثير من العامة ، وأهل البادية ، عن العمل بشرع الله في أكثر أحوالهم الدينية والدنيوية حيث سادت البدع والمحدثات والتقاليد والأعراف والأحكام الجاهلية ، وتحاكم كثير من الناس إلى غير شرع الله ، وكثر لجوء الناس إلى الكهان والمشعوذين والسحرة والدجالين ، فأصابهم ما توعد الله به من أعرض عن ذكره ، من ضنك المعيشة كما قال سبحانه : ( وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا) [سورة طه ، من الآية : 124] .

6 – نشر العلم ومحاربة الجهل والتخلف :

تميز العصر الذي ظهرت فيه الدعوة بشيوع الجهل والتقليد الأعمى بين المسلمين ، فكثر الإعراض عن تعليم العلوم الشرعية ، وعن التفقه في الدين ، وسادت الأمية والتخلف في أكثر مظاهر الحياة الفردية والجماعية ، مما جعل قيام الدعوة ضرورة لنشر العلوم الشرعية ووسائلها والفقه في دين الله ، وأخذ العلم من منابعه الأصلية : القرآن والسنة وآثار السلف الصالح ، مع الأخذ بالعلوم الدنيوية النافعة .

7 – تحقيق الجماعة ونبذ الفرقة :

لقد وقع أكثر المسلمين في وهدة الفرقة والشتات ، والتنازع ، التي أصيب بها المسلمون من جراء كثرة الأهواء والبدع والجهل والإعراض عن الدين ، واتباع سبل الغواية والشهوات والشبهات ، وما نتج عن ذلك من الجهل والذل والهوان والتفرق والفشل الذي حذر الله منه ( وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ) [سورة الأنفال ، من الآية : 46] . فكان لا بد من إصلاح أحوال الأمة بالعقيدة والشرع المطهر ، الذي به تكون الجماعة والاستقامة والعزة .

8 – تحقيق الأمن والسلطان :

إن أعظم ما يحتاجه المسلمون عامة – ونجد وجزيرة العرب بخاصة – بعد التوحيد [ص-45] وفرائض الدين : الأمن والسلطان ، وهما متلازمان فلا يمكن إقامة الدين والعدل إلا بالأمن ، ولا أمن إلا بسلطان ، وهذا ما أدركته الدعوة وإمامها ، فقد ساد ضعف السلطان ، وانفلات الأمن – حيث بدأت الدولة العثمانية في مرحلة الضعف – سيما في جزيرة العرب ، ونجد بخاصة ، وكانت الضرورة تقتضي قيام ولاية شرعية تحفظ للناس أمنهم وأنفسهم وأعراضهم وأموالهم ، وتقوم بالعدل والقضاء بين الناس ، وتقيم الحدود وتنشر العلم والخير وتدفع الشر والظلم ، وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر كما أمر الله تعالى .

9 – رفع التخلف والبطالة :

اتسم العصر الذي قامت فيه الدعوة الإصلاحية ، وما سبقه بالتخلف والبطالة ، مما استلزم ضرورة النهوض بالمجتمع اجتماعيًا واقتصاديًا ، والسعي إلى رفع أسباب التخلف والفقر والبطالة والتواكل .

المبحث الثالث : حال نجد وما حولها يقتضي ضرورة قيام الدعوة :

وليس أصدق في وصف حال نجد وما حولها من أهلها لا سيما العلماء والباحثين الذين عنوا بهذا الأمر ، وعلى رأسهم إمام الدعوة الذي أعلن دعوته الإصلاحية من هذا المنطلق – أعني تشخيص الأمراض التي يعيشها المجتمع النجدي وسائر الأمة – فقد وصف الإمام نفسه الواقع الذي يعيشه كثير من المسلمين في نجد وغيرها ، وما شاع بينهم من بدع وخرافات ومظالم وجهالات ، وكان هذا الواقع هو السبب والباعث لقيام الإمام بدعوته الإصلاحية ، وكثيرًا ما كان يخاطب الناس من هذا المنطلق ، فقال محاورًا لمخالفيه ومبينًا لهم وجود عظائم المخالفات قال : « منها – وهو أعظمها – عبادة الأصنام عندكم ، من بشر وحجر ؛ هذا يذبح لـه ؛ وهذا ينذر لـه ؛ وهذا يطلب إجابة الدعوات وإغاثة اللهفات ؛ وهذا يدعوه المضطر في البر والبحر ؛ وهذا يزعمون أن من التجأ إليه ينفعه في الدنيا والآخرة ولو عصى الله !

فإن كنتم تزعمون : أن هذا ليس هو عبادة الأصنام والأوثان المذكورة في القرآن ، فهذا من العجب ؛ فإني لا أعلم أحدًا من أهل العلم يختلف في ذلك ، اللهم إلا أن يكون أحد وقع فيما وقع فيه اليهود ، من إيمانهم بالجبت والطاغوت ؛ وإن ادعيتم أنكم لا تقدرون على ذلك ، فإن لم تقدروا على الكل ، قدرتم على البعض ؛ كيف وبعض الذين أنكروا عليّ هذا الأمر ، وادَّعوا أنهم من أهل العلم ، ملتبسون بالشرك الأكبر ، ويدعون إليه ، ولو يسمعون إنسانًا يجرد التوحيد ، لرموه بالكفر والفسوق ؛ ولكن نعوذ بالله من رضى الناس بسخط الله .

ومنها : ما يفعله كثير من أتباع إبليس ، وأتباع المنجمين والسحرة والكهان ، ممن ينتسب إلى الفقر ، وكثير ممن ينتسب إلى العلم من هذه الخوارق التي يوهمون بها الناس ، ويشبهون بمعجزات الأنبياء ، وكرامات الأولياء ، ومرادهم أكل أموال الناس بالباطل ؛ والصد عن سبيل الله ، حتى إن بعض أنواعها يعتقد فيه من يدعي العلم : أنه من العلم الموروث عن الأنبياء ، من علم الأسماء ، وهو من الجبت والطاغوت ، ولكن هذا مصداق قولـه – صلى الله عليه وسلم – : لتتبعن سنن من كان قبلكم .

[ص-48] ومنها : هذه الحيلة الربوية التي مثل حيلة أصحاب السبت أو أشد ، وأنا أدعو من خالفني إلى أحد أربع ؛ إما إلى كتاب الله ، وإما إلى سنة رسوله – صلى الله عليه وسلم – وإما إلى إجماع أهل العلم ؛ فإن عاند دعوته إلى مباهلة ، كما دعا إليها ابن عباس في بعض مسائل الفرائض ، وكما دعا إليها سفيان ، والأوزاعي ، في مسألة رفع اليدين ، وغيرهما من أهل العلم ؛ والحمد لله رب العالمين ، وصلى الله على محمد وآله وسلم » .

وقد شخَّص أحد علماء الدعوة الواقع ووصف حال الأمة أثناء ظهور الدعوة وقبلها في بلدان نجد وكذلك في أكثر البلاد الإسلامية المجاورة ، وهو الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن إذ يقول : « كان أهل عصره ومصره – يعني الإمام محمد – في تلك الأزمان ، قد اشتدت غربة الإسلام بينهم ، وعفت آثار الدين لديهم ، وانهدمت قواعد الملة الحنيفية ، وغلب على الأكثرين ما كان عليه أهل الجاهلية ، وانطمست أعلام الشريعة في ذلك الزمان ، وغلب الجهل والتقليد ، والإعراض عن السنة والقرآن ، وشب الصغير وهو لا يعرف من الدين إلا ما كان عليه أهل تلك البلدان ، وهرم الكبير على ما تلقاه عن الآباء والأجداد ، وأحاديث الكهان ، والطواغيت مقبولة ، قد خلعوا ربقة الدين ، وجدوا واجتهدوا في الاستغاثة بغير الله ، والتعلق على غير الله ، من الأولياء ، والصالحين ، والأوثان ، والأصنام ، والشياطين .

وعلماؤهم ، ورؤساؤهم على ذلك ، وبه راضون ، قد أعشتهم العوائد والمألوفات ، وحبستهم الشهوات عن الارتفاع إلى طلب الهدى ، من النصوص والآيات ، يحتجون بما رأوه من الآثار الموضوعات ، والحكايات المختلقة ، والمنامات ، كما يفعله أهل الجاهلية ، وكثير منهم يعتقد النفع والضر ، في الأحجار ، والجمادات ، ويتبركون بالآثار ، والقبور ( نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ) [سورة الحشر ، من الآية : 19] ، ( قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ) [سورة الأعراف ، الآية : 33] .

[ص-49] فأما بلاد نجد : فقد بالغ الشيطان في كيدهم ، وكانوا ينتابون قبر زيد بن الخطاب ، ويدعونه رغبًا ورهبًا ، ويزعمون أنه يقضي لهم الحوائج ، وكذلك عند قبر يزعمون أنه قبر ضرار بن الأزور ، وذلك كذب ظاهر وبهتان .

وكذلك عندهم : نخل – فحَّال – ينتابه النساء والرجال ، ويفعلون عنده أقبح الفعال ؛ والمرأة : إذا تأخر عنها الزواج ، تذهب إليه ، فتضمه بيدها ، وتدعوه برجاء ، وتقول : يا فحل الفحول ، أريد زوجًا قبل الحول ؛ وشجرة عندهم تسمى : الطرفية ، أغراهم الشيطان بها ، وأوحى إليهم التعلق عليها ، وأنها ترجى منها البركة ، ويعلقون عليها الخرق ، لعل الولد يسلم من السوء .

وفي أسفل : بلدة الدرعية : مغارة في الجبل ، يزعمون أنها انفلقت من الجبل لامرأة تسمى : بنت الأمير ، أراد بعض الناس أن يظلمها ويضير ، فانفلق لها الغار ، كانوا يرسلون إلى هذا المكان من اللحم والخبز ما يقتات به جند الشيطان .

وفي بلدتهم : رجل يدَّعي الولاية ، يسمى : تاج ؛ يتبركون به ، ويرجون منه العون ، ويرغبون فيما عنده من المدد – بزعمهم – ولديه ، فتخافه الحكام والظلمة ، ويزعمون أن لـه تصرفًا ، مع أنهم يحكون عنه الحكايات القبيحة الشنيعة التي تدل على انحلاله عن أحكام الملة ، وهكذا سائر بلاد نجد ، على ما وصفنا ، من الإعراض عن دين الله ، والجحد لأحكام الشريعة .

ومن العجب : أن هذه الاعتقادات الباطلة والعوائد والطرق قد فشت وعمت ، حتى بلاد الحرمين الشريفين ! فمن ذلك : ما يفعل عند قبر محجوب ، وقبة أبي طالب ، فيأتون قبره للاستغاثة عند نزول المصائب ، وكانوا لـه في غاية التعظيم ، فلو دخل سارق ، أو غاصب ، أو ظالم قبر أحدهما ، لم يتعرض لـه أحد ، لما يرون لـه من وجوب التعظيم .

ومن ذلك : ما يفعل عند قبر ميمونة ، أم المؤمنين – رضي الله عنها – في سرف ؛ وكذلك عند قبر خديجة – رضي الله عنها – يفعل عند قبرها ما لا يسوغ السكوت عليه ، من مسلم يرجو الله ، والدار الآخرة ، وفيه : من اختلاط النساء بالرجال وفعل الفواحش والمنكرات وسوء الأفعال ما لا يقرّه أهل الإيمان ، وكذلك سائر القبور المعظمة ، في بلد الله الحرام : مكة المشرفة .

[ص-50] وفي الطائف ، قبر ابن عباس – رضي الله عنهما – يفعل عنده من الأمور الشركية التي تنكرها قلوب عباد الله المخلصين ، وتردها الآيات القرآنية ، وما ثبت من النصوص عن سيد المرسلين ، منها : وقوف السائل عند القبر ، متضرعًا مستغيثًا ، مستكينًا ، مستعينًا ، وصرف خالص المحبة ، التي هي محبة العبودية ، والنذر ، والذبح لمن تحت ذاك المشهد ، والبنية .

وأكثر سوقتهم وعامتهم يلهجون بالأسواق : اليوم على الله وعليك يا ابن عباس ، فيستمدون منه الرزق ، والغوث ، وكشف الضر ، وذكر محمد بن الحسين النعيمي الزبيدي – رحمه الله – : أن رجلًا رأى ما يفعل أهل الطائف ، من الشعب الشركية ، والوظايف ، فقال : أهل الطائف لا يعرفون الله ، إنما يعرفون ابن عباس ، فقال لـه بعض من يترشح للعلم : معرفتهم لابن عباس كافية ؛ لأنه يعرف الله .

فانظر إلى هذا الشرك الوخيم ، والغلو ، ووازن بينه وبين قولـه (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ) [سورة البقرة ، من الآية : 186] وقولـه جل ذكره :( وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا ) [سورة الجن ، آية : 18] وقد لعن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – اليهود والنصارى ، باتخاذهم قبور أنبيائهم مساجد يعبد الله فيها ، فكيف بمن عبد الصالحين ، ودعاهم مع الله ، والنصوص في ذلك لا تخفى على أهل العلم .

كذلك ما يفعل بالمدينة المشرفة ، على ساكنها أفضل الصلاة والسلام ، هو من هذا القبيل ، وفي بندر جدة ما قد بلغ من الضلال حده ، وهو : القبر الذي يزعمون أنه قبر حواء ؛ وضعه لهم بعض الشياطين .

وكذلك مشهد العلوي ، بالغوا في تعظيمه ، وخوفه ، ورجائه ؛ وقد جرى لبعض التجار أنه انكسر بمال عظيم لأهل الهند ، وغيرهم ، وذلك في سنة عشر ومائتين وألف ؛ فهرب إلى مشهد العلوي مستجيرًا ، ولائذًا به ، مستغيثًا ؛ فتركه أرباب الأموال ، ولم يجاسر أحد من الرؤساء والحكام على هتك ذاك المشهد ، واجتمع طائفة من المعروفين ، واتفقوا على تنجيمه في مدة سنين ، فنعوذ بالله من تلاعب الفجرة والشياطين .

وأما بلاد : مصر ، وصعيدها ، وفيومها ، وأعمالها ، فقد جمعت من الأمور الشركية ، [ص-51] والعبادات الوثنية ، والدعاوى الفرعونية ما لا يتسع لـه كتاب ، لا سيما عند مشهد : أحمد البدوي ، وأمثاله من المعبودين ، فقد جاوزوا بهم ما ادعته الجاهلية لآلهتهم ، ما لم ينقل مثله عن أحد من الفراعنة ، والنماردة .

وبعضهم يقول : يتصرف في الكون سبعة ؛ وبعضهم يقول : أربعة ؛ وبعضهم يقول : قطب يرجعون إليه ، وكثير منهم يرى الأمر شورى بين عدد ينتسبون إليه ؛ فتعالى الله عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا (كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا ) [سورة الكهف ، من الآية : 5]

وقد استباحوا عند تلك المشاهد من المنكرات ، والفواحش ، والمفاسد ما لا يمكن حصره ، واعتمدوا في ذلك من الحكايات ، والخرافــات ما لا يصدر عمن لـه أدنى مسكة أو حظ من المعقولات ، فضلًا عن النصوص .

كذلك ما يفعل في بلدان : اليمن ، جار على تلك الطريق والسنن ؛ ففي : صنعاء ، وبرع ، والمخا ، وغيرها من تلك البلاد ما يتنزه العاقل عن ذكره .

وفي حضرموت ، والشجر ، وعدن ، ويافع ، ما تستك عن ذكره المسامع ، يقول قائلهم : شيء لله يا عيدروس ! شيء لله يا محيي النفوس ! .

وفي أرض نجران من تلاعب الشيطان ، وخلع ربقة الإيمان ما لا يخفى على أهل العلم ، كذلك رئيسهم المسمى بالسيد ، لقد أتوا من طاعته ، وتعظيمه ، والغلو فيه بما أفضى بهم إلى مفارقة الملة والإسلام ، إلى عبادة الأوثان والأصنام ( اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ) [سورة التوبة ، الآية : 31]

وكذلك ، حلب ، ودمشق ، وسائر بلاد الشام ، فيها من تلك المشاهد ، والنصب ، وهي تقارب ما ذكرنا من الكفريات ، والتلطخ بتلك الوثنية الشركية .

وكذلك : الموصل ، وبلاد الأكراد ، ظهر فيها من أصناف الشرك ، والفجور ، والفساد ؛ وفي العراق : من ذلك بحرة المحيط ، وعندهم المشهد الحسيني قد اتخذه الرافضة وثنًا ، بل ربًا مدبرًا ، وأعادوا به المجوسية ، وأحيوا به معاهد اللات والعزى ، وما كان عليه أهل الجاهلية .

[ص-52] وكذلك : مشهد العباس ، ومشهد علي ، ومشهد أبي حنيفة ، ومعروف الكرخي ، والشيخ عبد القادر ؛ فإنهم قد افتتنوا بهذه المشاهد ، رافضتهم ، وسنيتهم ؛ لم يعرفوا ما وجب عليهم ، من حق الله الفرد ، الصمد ، الواحد » .

ثم قال : « وهذه الحوادث والكفريات والبدع ، قد أنكرها أهل العلم والإيمان ، واشتد نكيرهم ، حتى حكموا على فاعلها بخلع ربقة الإسلام والإيمان ؛ ولكن لما كانت الغلبة للجهال ، انتقضت عرى الدين ، وساعدهم على ذلك من قل حظه ونصيبه من الرؤساء ، والحكام ، والمنتسبين من الجهّال ، فاتبعتهم العامة والجمهور ولم يشعروا بما هم عليه من المخالفة ، والمباينة لدين الله ، الذي اصطفاه لخاصته وأوليائه » .

إلى أن قال عن الإمام محمد بن عبد الوهاب : « وتصدى – رحمه الله – : للرد على من نكب عن هذا السبيل ، واتبع سبيل التحريف والتعطيل على اختلاف نحلهم وبدعهم وتشعب مقالتهم وطرقهم ، متبعًا – رحمه الله – ما مضى عليه السلف الصالح ، من أهل العلم والإيمان ، وما درج عليه القرون المفضلة بنص الحديث ، ولم يلتفت – رحمه الله – إلى ما عدا ذلك ، من قياس فلسفي ، أو تعطيل جهمي ، أو إلحاد حلولي ، أو اتحادي ، أو تأويل معتزلي ، أو أشعري ، فوضح معتقد السلف الصالح ، بعدما سفت عليه السوافي ، وذرت عليه الذواري ، وندر من يعرفه من أهل القرى والبوادي ، إلا ما كان مع العامة من أصل الفطرة ، فإنه قد يبقى ولو في زمن الغربة والفترة ، وتصدى أيضًا : للدعوة إلى ما يقتضيه هذا التوحيد ويستلزمه ، وهو : وجوب عبادة الله وحده لا شريك لـه ، وخلع ما سواه من الأنداد والآلهة والبراءة من عبادة كل ما عبد من دون الله » .

وكذلك : قام بالنكير على أجلاف البوادي وأمراء القرى والنواحي ، فيما يتجاسرون عليه ، ويعفونه من قطع السبيل ، وسفك الدماء ، ونهب الأموال المعصومة ، حتى ظهر العدل واستقر ، وفشا الدين واستمر ، والتزمه كل من كانت عليه الولاية ، من البلاد النجدية ، وغيرها ، والحمد لله على ذلك ؛ والتذكير بهذا يدخل فيما امتن الله به على [ص-53] المؤمنين ، وذكرهم به من بعث الأنبياء والرسل » .

ويقول الشيخ إسماعيل الدهلوي في كتابه رسالة التوحيد في وصف حال المسلمين عمومًا وفي الهند بخاصة تحت عنوان : « استفحال فتنة الشرك والجهالة في الناس » يقول : « اعلم أن الشرك قد شاع في الناس في هذا الزمان وانتشر ، وأصبح التوحيد الخالص غريبًا ، ولكن معظم الناس لا يعرفون معنى الشرك ، ويدعون الإيمان مع أنهم قد تورطوا في الشرك وتلوثوا به ، فمن المهم قبل كل شيء أن يفقه الناس معنى الشرك والتوحيد ، ويعرفوا حكمهما في القرآن والحديث » .

ثم قال تحت عنوان « مظاهر الشرك وأشكاله المتنوعة » : « ومن المشاهد اليوم أن كثيرًا من الناس يستعينون بالمشايخ والأنبياء ، والأئمة والشهداء ، والملائكة ، والجنيات عند الشدائد ، فينادونها ، ويصرخون بأسمائها ، ويسألون عنها قضاء الحاجات ، وتحقيق المطالب ، وينذرون لها ، ويقربون لها قرابين لتسعفهم بحاجاتهم ، وتقضي مآربهم ، وقد ينسبون إليها أبناءهم طمعًا في رد البلاء ، فيسمي بعضهم ابنه بعبد النبي » .

وبالجملة : فإن هذا الواقع المتردي وهذه الأسباب وغيرها كانت من الدوافع الطبيعية التي هي من سنن الله ، والدوافع الشرعية استجابة لأمر الله ، وقد استدعت ( بالضرورة ) قيام دعوة إصلاحية شاملة تقوم على تجديد الدين بإحياء ما اندرس منه ، وبإصلاح أحوال الأمة في سائر نواحي الحياة في العقيدة والعبادة والعلم والسلطة والاقتصاد والاجتماع ، وجماع ذلك كله ( إخلاص العبادة لله وحده ) والعمل بمقتضى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله .

فقامت هذه الدعوة الإصلاحية المباركة تحقيقًا لوعد الله تعالى بتجديد الدين ، ونصر المؤمنين ، وبقاء طائفة من هذه الأمة على الحق ظاهرين إلى قيام الساعة .

ومن المعلوم والبدهي أن هذه الغاية العظمى لا يمكن أن تظهر في أرض الواقع ، ويكون بها الإصلاح المشروع المنشود إلا بالعلم والدعوة ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر [ص-54] والكفاح ، والجهاد والقتال والسلطان ( الدولة ) . وسائر الوسائل المشروعة ، والتي هي من ضروريات قيام أي مبدأ وكيان في كل أمة وكل مكان وزمان .

والكيان الذي يقوم على المنهج الرباني ، وميراث الأنبياء ، وسنة المصطفى – صلى الله عليه وسلم – وسبيل السلف الصالح هو الأولى والأحق بأن يبرز ويظهر ، ويتحقق به للإسلام والمسلمين وللإنسانية جمعاء الأمل الذي تنشده في تحصيل السعادة ونشر العدل بشرع الله الحكيم الخبير .

المبحث الرابع : التكامل في منهج الدعوة والدولة :

نظرًا لأن منهج الدعوة يُمثل الإسلام ، الدين الحق ، لذا فهو يتسم بالشمول والتكامل في الأصول والغايات ، فهو يمثل حقيقة الإسلام والسنة ، ويقوم على تحقيق الدين كله بالتوحيد وإقامة الفرائض ، والأحكام والقضاء والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وكافة أمور الدين ، فإن الإمام محمد بن عبد الوهاب وأتباعه استخدموا كافة الوسائل المشروعة لتحقيق هذه الغايات الكبرى ، ابتداء من تعليم الدين والفقه فيه ، عقيدة وأحكامًا وسلوكًا ، ثم الدعوة إلى ذلك بالحكمة والموعظة الحسنة ، من خلال التعليم والتدريس والخطابة ، والمكاتبة والمراسلة ، وبعث المعلمين والمبلِّغين ، والمؤلفات ، وإرسال الوفود ، واستقبالها ، للبلاغ والبيان ، وشرح أصول الدعوة وأهدافها ، والإجابة عن التساؤلات والشبهات والإشكالات ، من المؤيدين والمعارضين والمحايدين وغيرهم . مما استوجب ظهور نهضة علمية وأدبية قوية ، نثرًا وشعرًا وتأليفًا وخطابة ، ومحاورات علمية ثرية .

وتعدى الأمر إلى قيام مجتمع مسلم متمسك بالدين ومظهر للسنة وعامل بالشرع ، وقيام دولة إسلامية ، ذات كيان ديني وسياسي واقتصادي وعسكري قوي لحماية الدعوة والدولة ، والدفاع عن حقوقها وحقوق أهلها المشروعة .

ثم إلى ما هو أشمل من ذلك وهو قيام هذه الحركة الإصلاحية الدعوية الكبرى بإبلاغ الدين ونشره في العالم كله ، كما أمر الله ، وتثبيته ؛ ليكون الدين كله لله .

الفصل الثاني

في منهج الإمام محمد بن عبد الوهاب وأتباعه في الدين ما يرد الاتهامات

المبحث الأول

وقفة مع الاتهامات والمنهج إن الناظر في المفردات الجزئية والقواعد الفرعية ، والأحكام العلمية النظرية ، والتطبيقات العملية لكل دعوة أو مبدأ قد يجد فيها الكثير من الأخطاء والتجاوزات والتصرفات الشاذة والأقوال النادة والأحكام الخاطئة ، أو الأمور المشكلة والمشتبهة التي تحتاج إلى تثبت أو تفسير أو تدقيق أو استقراء للوصول إلى حكم علمي تطمئن إليه النفس .

لكن أهل العلم وعقلاء الناس لديهم موازين علمية وعقليَّة وقواعد شرعية يزنون بها الأمور .

فالأديان والمبادئ والمذاهب والدعوات لها عقائد وأصول ومبادئ ومناهج وقواعد تكون هي المرجع والميزان الذي ترد إليها المفردات الجزئية ودقائق الأمور ، ومفردات التصرفات والأقوال والأفعال والأحكام والمواقف ، وتكون هذه الأصول هي المرجع والمحتكم والمردّ عند التنازع والاختلاف بين الأتباع أنفسهم ، وبينهم وبين مخالفيهم ، ومع الموافقين والمعارضين ، ومن المتلقين والناقدين .

ودعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب تخضع لهذه القاعدة ، إذ هي دعوة إسلامية محضة ، وسلفية خالصة ، تسير على منهج السلف الصالح ، فمردُّ الخلاف بينها وبين مخالفيها : الكتاب والسنة ومنهج السلف الصالح وما يتهمها به خصومها من الاتهامات على ثلاثة أنواع :

النوع الأول : من الكذب الصريح والافتراء والبهتان وقد ورد ذكر كثير منه في هذا البحث .

النوع الثاني : مما يكون من اللوازم غير اللازمة ، أو التلبيس ، أو التفسير الخاطئ ونحو ذلك مما يلتبس فيه الحق بالباطل ويجب رده إلى النصوص والأصول الشرعية والقواعد المعتبرة عند العقلاء ، والمنهج الذي عليه الدعوة وأهلها .

النوع الثالث : أخطاء وتجاوزات وزلات ليست على المنهج الذي عليه الدعوة ، أو اجتهادات خاطئة أو مرجوحة ، وقد تصدر من أي من العلماء أو الولاة أو العامة ، والمنتسبين للدعوة . وكثير من الشبهات والاتهامات التي يتعلق بها الخصُوم للطعن في الإمام وأتباعه ودعوته من هذا النوع .

[ص-60] ومن هذا المنطلق خصصت هذا الفصل في بيان منهج الإمام محمد بن عبد الوهاب وأتباعه ، وأنه امتداد لمنهج السلف الذي يقوم على : الاعتماد على القرآن وما صح من السنة بفهم السلف الصالح ومنهجهم ، من الصحابة والتابعين وأئمة أهل السنة والجماعة في التلقي والاستدلال والعلم والعمل ، واتباع آثارهم والاقتداء بهديهم ؛ لأن ذلك هو سبيل المؤمنين الذي توعد الله من خالفه فقال سبحانه : (وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا ) [سورة النساء ، آية : 115]

وقد عرضت هذا المنهج هنا ليكون القاعدة والميزان في تقويم الدعوة ، وبيان مدى الظلم والإجحاف الحاصل لها ولأهلها في الاتهامات التي قيلت وذاعت عند الكثيرين ، بل ومدى البهتان والكذب من قبل بعض الخصوم ، والذين صدقوهم دون تثبت ولا نظر في المنهج والأصول التي عليها المعوَّل في النقد والتقويم ، ودون اعتبار للحال والواقع الذي تعيشه الدعوة وأهلها .

المبحث الثاني

معالم المنهج عند الإمام محمد بن عبد الوهاب

وأتباعه وأنهم على منهج السلف الصالح لا يتفرد الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب وأتباعه وعامة أهل السنة والجماعة قديمًا وحديثًا بشيء من الدين – عقيدة ومنهاجًا – عن سائرهم ( كما أسلفت ) .

فإن قولهم في أصول الدين وقطعياته ومسلَّماته واحد ؛ في أركان الإيمان وأركان الإسلام وشروطها ومستلزماتها كذلك .

وفي أسماء الله وصفاته وأفعاله .

وفي مسائل الإيمان والأسماء والأحكام والقدر .

وفي حقوق النبي – صلى الله عليه وسلم – وآله .

وفي الشفاعة والرؤية .

وفي الصحابة والإمامة والأولياء والصالحين وعامة المؤمنين .

وفي السمع والطاعة بالمعروف .

وفي الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .

وفي قطعيات الأحكام والآداب .

ونحو ذلك من المنهاج الذي عليه السلف الصالح في العقيدة والعلم والعمل والتعامل ، فإن السلف الصالح أهل السنة والجماعة ومنهم إمام الدعوة وأتباعها كلهم متفقون على هذه الأصول ، وهي أصول الدين والاعتقاد ، ولهذا فإن كل من نظر في أقوال الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب وعلماء الدعوة ومن سلك سبيلهم من أهل السنة يجزم بأنهم مثَّلوا منهج السلف الصالح أهل السنة والجماعة في الاعتقاد والقول والعمل ومنهج التعامل .

ولذلك نجد أن المخالفين ( أهل الأهواء والافتراق والبدع ) في العصر الحديث يعيرون كل من كان على نهج السلف الصالح أهل السنة والجماعة بأنه ( وهابيًّا ) فهي – بحمد الله – تزكية من الخصوم لا تقدّر بثمن ؛ لأنهم صاروا يطلقون وصف ( الوهابية ) على التمسك بالسنة والتزام سبيل السلف الصالح .

وقد تبين بالدليل والبرهان أن ما يزعمه خصوم السنة ، ( أهل البدع والأهواء [ص-62] والافتراق ) بأن الإمام وأتباعه جاءوا ببدع من الدين ، أو مذهب خامس ، أو أنهم متشددون ومتزمتون ، أو أنهم خوارج ، ونحو ذلك من المفتريات ، إنما هو من البهتان ؛ لأن حقيقة الدعوة ومنهجها وواقعها ( من أئمتها وعلمائها ودولتها وأتباعها ، وكذلك آثارها ومؤلفاتها وجميع أحوالها ) تدل على خلاف ما يزعم خصومها والجاهلون بحقيقتها ، ومن أراد الحقيقة فليرجع إلى ذلك كله أو بعضه وليتأمل ويدرس وينظر إلى المسألة بتجرد وموضوعية وعدل .

وسيتوصل ( إن سلم من الهوى ) إلى ما توصل إليه المنصفون والباحثون المتجردون من المفكرين والعلماء وغيرهم ، كما سأذكر نماذج من شهاداتهم في آخر هذا المؤلف إن شاء الله .

وبالجملة فإن أبرز معالم هذا المنهج الذي قامت عليه الدعوة ولا تزال بحمد الله :

1 – الدخول في الدين كله وتطبيق شمولية الإسلام منهاجًا للحياة في العقيدة والأحكام والعلم والعمل والتعامل في حياة الفرد والجماعة ، والدولة والأمة والبشرية كلها .

2 – سلامة مصادر التلقي ومنهج الاستدلال ، بالاعتماد على القرآن وصحيح السنة وآثار السلف الصالح على المنهج الشرعي السليم .

3 – الاقتداء والاتباع لمنهج السلف وسبيل المؤمنين أهل السنة والجماعة .

4 – تحقيق غايات الدين : من التوحيد والسنة والفضائل والعدل ، ونفي ما يضادها من الشركيات والبدع والمنكرات والظلم ، والسعي إلى كل ما يسعد الإنسان ويليق بكرامته في الدنيا والآخرة .

5 – القيام بواجب النصيحة لله تعالى ولكتابه ولرسوله – صلى الله عليه وسلم – ولأئمة المسلمين وعامتهم . كما أوصى بذلك النبي – صلى الله عليه وسلم – في الحديث الصحيح قال : الدين النصيحة ، قلنا لمن يا رسول الله ؟ قال : لله ولكتابه ، ولرسوله ، ولأئمة المسلمين وعامتهم .

6 – الاستعداد لليوم الآخر ، والفوز بالجنة والنعيم الأبدي الذي لا يحصل إلا برضى الله وطاعته وطاعة رسوله – صلى الله عليه وسلم – ، واتباع شرعه ، كما قال الله سبحانه في سورة العصر : ( وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ) [سورة العصر ، الآيات : 1 – 3] .

هذا وسنعرض في المباحث التالية ما يثبت التزام الإمام محمد بن عبد الوهاب وأتباعه لنهج السلف الصالح في الدين جملة وتفصيلًا . والله المستعان .

المبحث الثالث

عرض لنماذج من منهجهم العام في الدين

واقتفائهم نهج السلف الصالح الأنموذج الأول : بيان الشيخ الإمام لعقيدته ومنهجه ورده لاتهامات الخصوم .

الأنموذج الثاني : عرض لمنهج أئمة الدعوة ودولتها بعده . الأنموذج الأول

عرض الشيخ الإمام لعقيدته ومنهجه ورده على اتهامات الخصوم نظرًا لكثرة خوض الخائضين بالهوى أو الجهل – أو هما معًا – في عقيدة الشيخ الإمام ومنهجه ، وما أشاعوه من مفتريات وتهم ومزاعم عليه وعلى دعوته واتباعه ، أسوق في هذا المقام رسالة واحدة من رسائله الكثيرة التي عبر فيها بنفسه عن عقيدته ومنهجه وموقفه من الاتهامات والدعاوى التي أشيعت عنه ، وهي رسالته التالية التي بعثها إلى أهل القصيم وهي كالتالي :

[ التزامه لعقيدة أهل السنة والجماعة . قال ] بسم الله الرحمن الرحيم

أشهد الله ومن حضرني من الملائكة ، وأشهدكم : أني أعتقد ما اعتقدته الفرقة الناجية ، أهل السنة والجماعة [ أركان الإيمان ] ، من الإيمان بالله ، وملائكته ، وكتبه ، ورسله ، والبعث بعد الموت ، والإيمان بالقدر خيره وشره ؛ [ صفات الله تعالى ] ومن الإيمان بالله : الإيمان بما وصف به نفسه في كتابه على لسان رسوله – صلى الله عليه وسلم – من غير تحريف ولا تعطيل ، بل أعتقد أن الله – سبحانه وتعالى – : ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ، فلا أنفي عنه ما وصف به نفسه ، ولا أحرف الكلم عن مواضعه ، ولا ألحد في أسمائه وآياته ، ولا أكيِّف ، ولا أمثِّل صفاته تعالى بصفات خلقه ؛ لأنه تعالى لا سميَّ لـه ، ولا كفؤ لـه ، ولا ند لـه ، ولا يقاس بخلقه .

فإنه سبحانه أعلم بنفسه وبغيره ، وأصدق قيلًا ، وأحسن حديثًا ، فنزه نفسه عما وصفه به المخالفون ، من أهل التكييف ، والتمثيل ؛ وعما نفاه عنه النافون ، من أهل التحريف والتعطيل ، فقال : (سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ *وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ* وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) [سورة الصافات ، آية : 180 – 182] [ ثم قال مبينًا وسطية أهل السنة والجماعة ] :

« والفرقة الناجية : وسط في باب أفعاله تعالى ، بين القدرية والجبرية ؛ وهم وسط في باب وعيد الله ، بين المرجئة والوعيدية ؛ وهم وسط في باب الإيمان والدين ، بين الحرورية والمعتزلة ؛ وبين المرجئة والجهمية ؛ وهم وسط في باب أصحاب رسول الله – صلى الله عليه وسلم – بين الروافض ، والخوارج » .

[ ثم قال مبينًا التزامه لعقيدة السلف في القرآن ] :

« وأعتقد : أن القرآن كلام الله ، منزل غير مخلوق ، منه بدأ وإليه يعود ؛ وأنه تكلم به حقيقة ، وأنزله على عبده ورسوله ، وأمينه على وحيه ، وسفيره بينه وبين عباده ، نبينا محمد – صلى الله عليه وسلم – » .

[ ثم قرر الحق في القدر فقال : ]

« وأومن : بأن الله فعَّال لما يريد ، ولا يكون شيء إلا بإرادته ، ولا يخرج شيء عن مشيئته ، وليس شيء في العالم يخرج عن تقديره ، ولا يصدر إلا عن تدبيره ، ولا محيد لأحد عن القدر المحدود ، ولا يتجاوز ما خط لـه في اللوح المسطور » .

[ عقيدته فيما بعد الموت قال : ]

« وأعتقد الإيمان بكل ما أخبر به النبي – صلى الله عليه وسلم – مما يكون بعد الموت ، فأومن بفتنة القبر ونعيمه ، وبإعادة الأرواح إلى الأجساد ، فيقوم الناس لرب العالمين ، حفاة عراة غرلًا ، تدنو منهم الشمس ، وتنصب الموازين ، وتوزن بها أعمال العباد ( فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ )[ سورة المؤمنون ، آية : 102 – 103] وتنشر الدواوين ، فآخذ كتابه بيمينه ، وآخذ كتابه بشماله » .

[ عقيدته في حوض نبينا محمد – صلى الله عليه وسلم – قال : ]

« وأومن : بحوض نبينا محمد – صلى الله عليه وسلم – بعرصة القيامة ، ماؤه أشد بياضًا من اللبن ، وأحلى من العسل ، آنيته عدد نجوم السماء ، من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبدًا ؛ وأؤمن بأن الصراط منصوب على شفير جهنم ، يمر به الناس على قدر أعمالهم » .

[ إيمانه بشفاعة نبينا محمد – صلى الله عليه وسلم – قال : ]

« وأومن بشفاعة النبي – صلى الله عليه وسلم – وأنه أول شافع ، وأول مشفع ؛ ولا ينكر شفاعة النبي – صلى الله عليه وسلم – إلا أهل البدع والضلال ؛ ولكنها لا تكون إلا من بعد الإذن والرضى ، كما قال تعالى [ص-66] : ( وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى ) [سورة الأنبياء ، آية : 28] ، وقال تعالى : ( مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ ) [سورة البقرة ، آية : 255] ، وقال تعالى :( وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى ) [سورة النجم ، آية : 26] ، وهو : لا يرضى إلا التوحيد ؛ ولا يأذن إلا لأهله ؛ وأما المشركون : فليس لهم من الشفاعة نصيب ؛ كما قال تعالى :( فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ ) [سورة المدثر ، آية : 48] . [ عقيدته في الجنة والنار والرؤية قال : ]

« وأومن بأن الجنة والنار مخلوقتان ، وأنهما اليوم موجودتان ، وأنهما لا يفنيان ؛ وأن المؤمنين يرون ربّهم بأبصارهم يوم القيامة ، كما يرون القمر ليلة البدر ، لا يضامون في رؤيته » .

[ عقيدته في ختم النبوة بمحمد – صلى الله عليه وسلم – ورسالته ونبوته – صلى الله عليه وسلم – قال : ]

« وأومن بأنّ نبينا محمد – صلى الله عليه وسلم – خاتم النبيين والمرسلين ، ولا يصح إيمان عبد حتى يؤمن برسالته ، ويشهد بنبوته » .

[ عقيدته في الصحابة وأمهات المؤمنين قال : ]

« وأن أفضل أمته أبو بكر الصديق ؛ ثم عمر الفاروق ، ثم عثمان ذو النورين ؛ ثم علي المرتضى ؛ ثم بقية العشرة ؛ ثم أهل بدر ؛ ثم أهل الشجرة أهل بيعة الرضوان ؛ ثم سائر الصحابة – رضي الله عنه – ؛ وأتولى أصحاب رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وأذكر محاسنهم ، وأترضى عنهم ، وأستغفر لهم ، وأكف عن مساويهم ، وأسكت عما شجر بينهم ؛ وأعتقد فضلهم ، عملًا بقولـه تعالى : ( وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ) [سورة الحشر ، آية : 10] وأترضى عن أمهات المؤمنين المطهرات من كل سوء » .

[ عقيدته في الأولياء وكراماتهم قال : ]

« وأقر بكرامات الأولياء وما لهم من المكاشفات ، إلاّ أنهم لا يستحقون من حق الله تعالى شيئًا ، ولا يطلب منهم ما لا يقدر عليه إلا الله » .

[ عقيدته في المسلمين وأنه لا يكفرهم قال : ]

« ولا أشهد لأحد من المسلمين بجنة ولا نار ، إلا من شهد لـه رسول الله – صلى الله عليه وسلم – [ص-67] ولكني أرجو للمحسن ، وأخاف على المسيء ، ولا أكفر أحدًا من المسلمين بذنب ، ولا أخرجه من دائرة الإسلام .

[ عقيدته في الجهاد مع المسلمين والصلاة خلفهم قال : ]

« وأرى الجهاد ماضيًا مع كل إمام : برًا كان أو فاجرًا ، وصلاة الجماعة خلفهم جائزة ، والجهاد ماض منذ بعث الله محمدًا – صلى الله عليه وسلم – إلى أن يقاتل آخر هذه الأمة الدجال ، لا يبطله جور جائر ، ولا عدل عادل » .

[ عقيدته في السمع والطاعة للأئمة المسلمين قال : ]

« وأرى وجوب السمع والطاعة : لأئمة المسلمين برّهم وفاجرهم ، ما لم يأمروا بمعصية الله ، ومن ولي الخلافة ، واجتمع عليه الناس ، ورضوا به ، وغلبهم بسيفه حتى صار خليفة وجبت طاعته ؛ وحرم الخروج عليه » .

[ موقفه من أهل البدع قال : ]

« وأرى هجر أهل البدع ، ومباينتهم حتى يتوبوا ، وأحكم عليهم بالظاهر ، وأكل سرائرهم إلى الله ؛ وأعتقد : أنّ كل محدثة في الدين بدعة » .

[ عقيدته في الإيمان قال : ]

« وأعتقد أن الإيمان : قول باللسان ، وعمل بالأركان ، واعتقاد بالجنان ، يزيد بالطاعة ، وينقص بالمعصية ؛ وهو : بضع وسبعون شعبة ، أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله ، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق ، وأرى وجوب الأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر ، على ما توجبه الشريعة المحمدية الطاهرة .

فهذه عقيدة وجيزة ، حررتها وأنا مشتغل البال ، لتطلعوا على ما عندي ، والله على ما نقول وكيل » .

[ نفيه للمفتريات والاتهامات في التي قيلت فيه قال : ]

« ثم لا يخفى عليكم : أنه بلغني أن رسالة سليمان بن سحيم قد وصلت إليكم ، وأنه قبلها وصدقها بعض المنتمين للعلم في جهتكم ، والله يعلم أن الرجل افترى علي أمورًا لم [ص-68] أقلها ، ولم يأت أكثرها على بال .

فمنها :

1 – قولـه : إني مبطل كتب المذاهب الأربعة .

2 – وإني أقول : إن الناس من ستمائة سنة ليسوا على شيء .

3 – وإني أدعي الاجتهاد .

4 – وإني خارج عن التقليد .

5 – وإني أقول : إن اختلاف العلماء نقمة .

6 – وإني أكفر من توسل بالصالحين .

7 – وإني أكفر البوصيري ، لقوله : يا أكرم الخلق .

8 – وإني أقول : لو أقدر على هدم قبة رسول الله – صلى الله عليه وسلم – لهدمتها .

9 – ولو أقدر على الكعبة لأخذت ميزابها ، وجعلت لها ميزابًا من خشب .

10 – وإني أحرم زيارة قبر النبي – صلى الله عليه وسلم – .

11 – وإني أنكر زيارة قبر الوالدين وغيرهما .

12 – وإني أكفر من حلف بغير الله .

13 – وإني أكفر ابن الفارض ، وابن عربي .

14 – وإني أحرق دلائل الخيرات ، وروض الرياحين ، وأسميه روض الشياطين » .

[ثم قال] :

« جوابي عن هذه المسائل ، أن أقول : سبحانك هذا بهتان عظيم ؛ وقبله من بهت محمدًا – صلى الله عليه وسلم – أنه يسب عيسى بن مريم ، ويسب الصالحين ، فتشابهت قلوبهم بافتراء الكذب ، وقول الزور ، قال تعالى : (إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ )[سورة النحل ، آية : 105] بهتوه – صلى الله عليه وسلم – بأنه يقول : إن الملائكة ، وعيسى ، وعزيرًا في النار ؛ فأنزل الله في ذلك : (إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ ) [سورة الأنبياء : آية : 101]» .

[ص-69] [ دفاعه عن أقواله الموافقة للحق والدليل : ]

قال : « وأما المسائل الأُخر ، وهي :

1 – أني أقول لا يتم إسلام الإنسان حتى يعرف معنى لا إله إلا الله .

2 – وأني أعرّف من يأتيني بمعناها .

3 – وأني أكفر الناذر إذا أراد بنذره التقرب لغير الله ، وأخذ النذر لأجل ذلك .

4 – وأن الذبح لغير الله كفر ، والذبيحة حرام .

فهذه المسائل حق ، وأنا قائل بها ؛ ولي عليها دلائل من كلام الله وكلام رسوله ، ومن أقوال العلماء المتبعين ، كالأئمة الأربعة ؛ وإذا سهل الله تعالى بسطت الجواب عليها في رسالة مستقلة ، إن شاء الله تعالى .

ثم اعلموا وتدبروا قولـه تعالى : ( يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ ) [سورة الحجرات ، آية : 6]» .

وبهذه الرسالة يثبت قطعًا أنه على عقيدة السلف الصالح أهل السنة والجماعة . وأنه تبرأ مما اتهمه به الخصوم وافتروا عليه ، من المزاعم والدعاوى الكاذبة والشبهات الملبسة ، وقد كرر الإمام هذه العقيدة وعمل عليها وتعامل على أساسها ، مع المؤيدين والمعارضين ، وكرر نفي هذه المفتريات وغيرها ، وكل ذلك فعله بالدليل والبرهان ، وإشهاد الناس على ما يقول ويفعل ، ولم نجد من استطاع أن يثبت أن الشيخ الإمام على خلاف ما يقول ويدعي والحمد لله .

الأنموذج الثاني

عرض لمنهج أئمة الدعوة ودولتها بعده وأسوق للقارئ أنموذجًا لمنهج الدعوة العام في الدين ، كما بينه ورسمه أحد علمائها الكبار وهو الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب ، وأحد ولاتها الأفذاذ وهو الإمام سعود بن عبد العزيز بن محمد ، وهو المنهج الذي يمثل منهج السلف الصالح ، أهل السنة والجماعة في جميع الجوانب ، في العقيدة والأحكام والتعامل في البيان الذي كتبه الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب أثناء دخولهم مكة ملبين منتصرين سنة ( 1218هـ ) ، وقد أعلنوا الأمان لسكان البيت الحرام : [ البدء بالبسملة والحمد ] :

أول مظاهر التزام السنة بدؤه بالبسملة والحمد والصلاة على رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ، قال :

« بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على نبينا محمد الأمين ، وعلى آله وصحبه والتابعين » .

ثم حمده لله وشكره لـه ، على ما مَنَّ به على أهل السنة من التمكين ، ولم يظهر منهم ما يفعله خصومهم من العُجب والكبر والغرور والتعالي على الخلق قال :

« وبعد : فإنا معاشر غزو الموحدين ، لما منّ الله علينا – وله الحمد – بدخول مكة المشرفة نصف النهار ، يوم السبت في ثامن شهر محرم الحرام ، سنة 1218هـ » .

تحقيقهم للأمن والأمان لأهل مكة والحجاج :

وكانوا يرعون حق الله تعالى ويعظمون شعائره ويقفون عند حدوده ويرعون حقوق الناس ، ويتقون الله فيهم لا سيما سكان البيت الحرام ، ويرغبون في تحقيق الأمن والسلم [ص-71] والتسامح ، ويحبون العفو عند المقدرة كما كان النبي – صلى الله عليه وسلم – يفعل . لذا نجد أن الأمير سعود استجاب لطلب أشراف مكة وعلمائها ، بل والعامة في ضمان أمنهم وحقوقهم ، رغم أنهم كانوا قد عزموا على حشد الحشود لصد أهل الحق . أما ما أصاب بعض أهل البدع من الرعب آنذاك فهو من مظاهر النصر التي وعد الله بها المؤمنين الصادقين المتقين كما ثبت عن النبي – صلى الله عليه وسلم – أنه قال : « ونصرت بالرعب مسيرة شهر . قال :

« بعد أن طلب أشراف مكة ، وعلماؤها وكافة العامة من أمير الغزو [ سعود ] الأمان ، وقد كانوا تواطئوا مع أمراء الحجيج ، وأمير مكة على قتاله ، أو الإقامة في الحرم ، ليصدوه عن البيت ، فلما زحفت أجناد الموحدين ألقى الله الرعب في قلوبهم ، فتفرقوا شذر مذر ، كل واحد يعد الإياب غنيمة ، وبذل الأمير حينئذٍ الأمان لمن بالحرم الشريف » .

دخولهم كان بملابس الإحرام والنسك :

فقد دخلوا بمنتهى التواضع والتذلل لله تعالى ، معلنين للتوحيد ، كما أعلنه رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ، غير متلبسين بشيء من البدع والمحدثات ، ولا المنكرات التي يفعلها في هذه المواقف وغيرها كثيرون ، كما أنهم لم يدخلوا بالقتال ، ولم يريقوا الدماء كما يزعم كثيرون من خصومهم والجاهلين بحالهم . قال :

« ودخلنا وشعارنا التلبية ، آمنين محلقين رؤوسنا ومقصرين ، غير خائفين من أحد من المخلوقين ، بل من مالك يوم الدين » .

أدبهم وانضباطهم في مكة المكرمة :

وكانوا أثناء دخولهم لمكة المكرمة على غاية السكينة ، والانضباط والأدب وتعظيم شعائر الله تعالى ، بخلاف ما يشيعه عنهم خصومهم والجاهلون بحقيقة أمرهم من أنهم [ص-72] متوحشون وغير مؤدبين قال :

« ومن حين دخل الجند الحرم ، وهم على كثرتهم مضبوطون متأدبون ، لم يعضدوا به شجرًا ، ولم ينفروا صيدًا » .

ولم يباشروا قتالًا في الحرم :

ثم حين دخلوا الحرم كانوا – بخلاف ما يشاع عنهم – حريصين على رعاية حرمة مكة ، وحقن دماء المسلمين . قال :

« ولم يريقوا دمًا إلا دم الهدي ، أو ما أحل الله من بهيمة الأنعام على الوجه المشروع » .

شرح منهجهم وما يدعون إليه ويقاتلون الناس عليه :

ولما أدوا مناسكهم لم يحتجبوا عن الناس ، ولم يلزموهم الحق بالقوة كما يزعم خصومهم ، بل عرضوا منهجهم علنًا ، وبينوا بالدلائل والبراهين أنهم جاءوا لنصر التوحيد والسنة وإعلانها ، وإزالة مظاهر الشرك والبدع وإنكارها ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، كما كانت طريقة المرسلين ، وسنة خاتم النبيين محمد – صلى الله عليه وسلم – وصحابته والتابعين والسلف الصالح . قال : « ولما تمت عمرتنا : جمعنا الناس ضحوة الأحد ، وعرض الأمير – رحمه الله – على العلماء ما نطلب من الناس ونقاتل عليه ؛ وهو : إخلاص التوحيد لله تعالى وحده ؛ وعرفهم أنه لم يكن بيننا وبينهم خلاف لـه وقع إلا في أمرين :

أحدهما : إخلاص التوحيد لله تعالى ، ومعرفة أنواع العبادة ، وأن الدعاء من جملتها ، وتحقيق معنى الشرك ، الذي قاتل الناس عليه نبينا محمد – صلى الله عليه وسلم – ، واستمر دعاؤه برهة من الزمن بعد النبوة إلى ذلك التوحيد ، وترك الإشراك قبل أن تفرض عليه أركان الإسلام الأربعة .

والثاني : الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، الذي لم يبق عندهم إلا اسمه ، وانمحى أثره ورسمه » .

المبحث الرابع

أ – منهجهم في التلقي (مصادر الدين ومنهج الاستدلال)

هو منهج أهل السنة يتميز المنهج الذي عليه الإمام محمد بن عبد الوهاب وأتباعه وعامة أهل السنة والجماعة قديمًا وحديثًا في مصادر الدين ومنهج التلقي والاستدلال بالأصالة والسلامة والثبات واليقين .

فقد التزموا المنهج الشرعي السليم الذي عليه علماء الأمة من أهل الحديث والفقه والأصول ، من سلامة مصادر التلقي ومراعاة قواعد الاستدلال ، فهم يعتمدون في تلقي الدين وتقريره والعمل به على الدليل من كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم الصحيحة (الوحي).

وإجماع السلف معتبر عندهم؛ لأن الإجماع لا يكون إلا على ما لـه دليل من الكتاب والسنة ، كما يعتمدون أقوال علماء الأمة المعتبرين من الصحابة والتابعين والأئمة الأربعة وأتباعهم وغيرهم…

ويعتمدون في الاستدلال على المنهج الشرعي السليم ، منهج السلف الصالح ، على ما يأتي بيانه في قواعد الاستدلال عندهم.

وهم يستخدمون ما أنعم الله به على عباده من الفطرة النقية والعقل السليم في فهم كلام الله تعالى وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم واستنباط الدلالات والأحكام منهما ، والاجتهاد والفقه في دين الله تعالى.

ويستخدمون العقل في التفكر في خلق الله وآلائه ونعمه ، والتوصل بذلك إلى عبادة الله تعالى وذكره وشكره بما شرع.

كما يستخدمون العقل وسائر المواهب التي منحها الله للإنسان في الاجتهاديات والعلوم الطبيعية في عمارة الأرض والاستخلاف فيها وبذل الأسباب؛ أسباب الرزق والقوة والعزة والتمكين ، وأسباب النجاح والفلاح وسعادة البشرية في الدنيا والآخرة على ما شرعه الله تعالى وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم .

لكنهم يتجنبون مسالك أهل الأهواء من الفلاسفة والعقلانيين والمتكلمين ، ومن سلك سبيلهم من تقديس العقل القاصر المحدود الفاني ، المعرض لعوارض النقص وتقديمه على الوحي المعصوم الكامل (كلام الله تعالى وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى).

[ص-98] فالعقل مهما بلغ من الإدراك والتحصيل فإنه تبع للشرع ، لا يمكن أن يقدم على الوحي المعصوم ولا أن يحكم فيه.

وهذا المنهج القويم – أعني منهج التلقي والاستدلال على قواعد شرعية مأمونة – يعد من أكبر الفوارق بين أهل السنة وبين مخالفيهم أهل الأهواء والافتراق والابتداع.

ومصادر التلقي تعدُّ أهم ركيزة يبني عليها دين المسلم في العقيدة والأحكام والسلوك ومنهج الحياة كلها؛ لأن التلقي إنما يعنى : تلقي الدين جملة وتفصيلًا وذلك لا يكون إلا عن الله تعالى وما أمر به من التلقي عن رسوله صلى الله عليه وسلم : ( وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا) [سورة الحشر ، آية (7).].

وإذا كان مبدأ التلقي عن الله تعالى وعن رسوله صلى الله عليه وسلم (القرآن والسنة) معلومًا بالضرورة عند كل مسلم ، ويدعيه المحق والمبطل ، والمتبع والمبتدع.

فإن مجرد الدعوى لا تكفي ، بل لا بد من تحقيق وبرهان ، وعند التحقيق نجد أن السلف الصالح أهل السنة والجماعة ، ومنهم إمام هذه الدعوة الإصلاحية المباركة ، وأتباعها ، هم الذين سلمت عندهم مصادر التلقي نقية صافية ، وكذلك منهج الاستدلال بخلاف خصومهم أهل البدع والأهواء والافتراق الذين حادوا عن الحق ، ولبسوا على الناس ، وسلكوا طريق الغواية وسبل الضلالة ، حينما أخذوا يستمدون دينهم أو بعض دينهم من المصادر الداخلية ، ومن أوهام العقول ، ودعاوي العصمة لمن هم دون الرسول صلى الله عليه وسلم ، من الأئمة وغيرهم ، من الصالحين والطالحين ، والأولياء والأدعياء ، وكذلك دعاوي الكشف والذوق ونحو ذلك ، مما يفعله كثيرون من أهل الكلام والفلسفة والتصوف والرفض ، ومن سلك سبيلهم.

ولذا فإن دعوى الاتباع للكتاب والسنة عند هذه الفئات ، دعوى كاذبة وملبسة فهم : (يلبسون الحق بالباطل).

فكان لزامًا على أهل الحق وأهل العلم أن يبينوا وجه الحق ويكشفوا عن وجه الباطل في هذه المسألة ، وهذا ما فعله وقام به إمام الدعوة وعلماؤها وأتباعها ، وسائر أهل السنة ، ولأن المنهج الحق في التلقي والاستدلال بين واضح بحمد الله لا لبس فيه ولا غموض.

فقد اجتهدت في هذا الفصل في بيان القواعد التي اعتمدها أهل السنة والجماعة ، من علماء هذه الدعوة ومن سبقهم من علماء الأمة ومجتهديها على مقتضى الكتاب والسنة [ص-99] ونهج السلف الصالح – في تلقي الدين والعمل به.

والكشف عن مناهج المخالفين وسبلهم المعوجة الخارجة عن السنة في هذا الموضوع ، التي هي سبل الشيطان ومسالك البدعة والضلالة – نسأل الله السلامة – ليحذر منها من وفقه الله وهداه ، وتقوم بها الحجة على المكابر والمعاند.

وإن من سمات هذه الدعوة وعلمائها وأتباعها – بحمد الله – الحرص على التفقه في دين الله ، والتأصيل الشرعي والتزام السنة والجماعة – من مقل ومكثر – والرجوع إلى أهل العلم ، والتزام أصول الدين ، وإعلان شعائره في كل مكان.

وهذه سمات تبشر بخير فالرجوع إلى مصادر الدين النقية الصافية ، ومناهج السلف في العقيدة والتلقي والاستدلال والتعامل والأحكام – هو وحده – الطريق الذي فيه السلامة والضمانة في تحصيل ما وعد الله به المسلمين من النصر والرفعة والتمكين والاجتماع.

فالعقيدة السليمة وهي التي تجمع المسلمين ، والشريعة الإلهية وهي التي تحكمهم – لا يمكن استمدادها إلا من مصادرها النَّقيَّة الصافية (القرآن والسنة) وعلى نهج سليم وهو نهج السلف الصالح وهو : (سبيل المؤمنين) وهذا ما تميزت به هذه الدعوة الإصلاحية المباركة التي يسمونها (الوهابية) عن سائر الدعوات الإصلاحية الحديثة ، وهذا من أسباب قوتها وتأثيرها وانتشارها.

أما المصادر الدخيلة في الدين والمناهج المعوجة في الاستدلال التي عليها خصوم الدعوة وخصوم السنة (أهل الأهواء والبدع والافتراق) فلن يكون فيها إلا الفرقة والشتات والتنازع والذلة والهوان ، كما هو مبين في النصوص الشرعية ويصدقه الواقع – وكما بينه إمام الدعوة وعلماؤها.

وهذا مصداق قول النبي صلى الله عليه وسلم قد تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك … الحديث .

وقد أصَّل أهل السنة والجماعة – ومنهم إمام الدعوة وعلماؤها – هذا المنهج الشرعي القويم في التلقي ومنهج الاستدلال بقواعد علمية منهجية متينة ، وموازين شرعية استمدوها من القرآن والسنة ونهج السلف الصالح.

[ص-100] وهذا الأصل العظيم هو ما قرره الإمام محمد بن عبد الوهاب واتباعه بقوة ووضوح ودعا إليه كل المخالفين ، واستعد للمباهلة عليه فقال : « وأنا أدعو من خالفني إما إلى كتاب الله ، وإما إلى سنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، وإما إلى إجماع أهل العلم. فإن عاند دعوته إلى المباهلة كما دعا إليها ابن عباس في بعض مسائل الفرائض ، وكما دعا إليها سفيان والأوزاعي في مسألة رفع اليدين وغيرهما من أهل العلم » . وقال في رسالته لرئيس بادية الشام ، فاضل آل مزيد :

« وأنا أذكر لك أمرين قبل أن أذكر لك صفة الدين :

الأمر الأول : أني أذكر لمن خالفني أن الواجب على الناس اتباع ما وصى به النبي صلى الله عليه وسلم أمته ، وأقول لهم : الكتب عندكم انظروا فيها ولا تأخذوا من كلامي شيئاً! لكن إذا عرفتم كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي في كتبكم فاتبعوه ولو خالفه أكثر الناس » .

ثم قال ناصحاً : « واعلم أنه لا ينجيك إلا اتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم » .

وقال بعد أن ذكر أدلة التوحيد من القرآن : « فهذا كلام الله ، والذي ذكره لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ووصانا به » .

ثم قال بعد أن بين اعتراض الخصوم على دعوته لـه للتوحيد : « هذا كلامهم وهذا كلامي أسنده عن الله ورسوله ، وهذا هو الذي بيني وبينكم ، فإن ذكر عني شيء غير هذا فهو كذب وبهتان » .

وقد جعلوا اتباع الدليل من دينهم وعقيدتهم ، فقد سئل ابنا الإمام حسين ، وعبد الله ، عن عقيدة الشيخ في العمل وفي العبادة ؟

فأجابا : « عقيدة الشيخ – رحمه الله تعالى – التي يدين الله بها ، هي : عقيدتنا ، وديننا الذي ندين الله به؛ وهو : عقيدة سلف الأمة وأئمتها ، من الصحابة ، والتابعين لهم [ص-101] بإحسان؛ وهو : اتباع ما دل عليه الدليل من كتاب الله تعالى ، وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وعرض أقوال العلماء على ذلك؛ فما وافق كتاب الله وسنة رسوله قبلناه وأفتينا به ، وما خالف ذلك رددناه على قائله.

وهذا : هو الأصل الذي أوصانا الله به في كتابه ، حيث قال : ( يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) [سورة النساء ، آي : 59] أجمع المفسرون على أن الرد إلى الله هو الرد إلى كتابه ، وأن الرد إلى الرسول هو الرد إليه في حياته ، وإلى سنته بعد وفاته ، والأدلة على هذا الأصل كثيرة في الكتاب والسنة ، ليس هذا موضع بسطها » .

المبحث الخامس

منهجهم في العقيدة تفصيلًا واقتفاؤهم عقيدة السلف الصالح التزامهم منهج الفرقة الناجية أهل السنة والجماعة ومجانبة الفرق المفارقة :

لقد التزم الإمام محمد بن عبد الوهاب وعلماء الدعوة وسائر أتباعها منهج الفرقة الناجية أهل السنة والجماعة اعتقادًا وقولًا وعملا ، وصرح الإمام بذلك فقال : « أشهد الله ومن حضرني من الملائكة ، وأشهدكم أني أعتقد ما اعتقدته الفرقة الناجية أهل السنة والجماعة » .

ثم ذكر الاعتقاد مفصلًا وقال : « والفرقة الناجية وسط في باب أفعاله تعالى بين القدرية والجبرية ، وهم في باب وعيد الله بين المرجئة والوعيدية ، وهم وسط في باب الإيمان والدين بين الحرورية والمعتزلة ، وبين المرجئة والجهمية ، وهم وسط في باب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الروافض والخوارج » .

وقال مخاطبًا كل المسلمين :

« من محمد بن عبد الوهاب إلى من يصل إليه من المسلمين : سلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، وبعد : أخبركم أني – ولله الحمد – عقيدتي وديني الذين أدين الله به ، مذهب أهل السنة والجماعة ، الذي عليه أئمة المسلمين ، مثل الأئمة الأربعة وأتباعهم ، إلى يوم القيامة » .

وقال في رسالته للشيخ عبد الرحمن بن عبد الله السويدي ، ابن العالم العراقي المشهور ، بنحو الكلام السابق : « وأخبرك أني – والله – متبع لست بمبتدع ، عقيدتي وديني الذي أدين الله به ، مذهب أهل السنة والجماعة ، الذي عليه أئمة المسلمين ، مثل الأئمة الأربعة وأتباعهم ، إلى يوم القيامة » .

والناظر فيما ذكره الشيخ وأتباعه وقرروه وكتبوه من تفصيلات أصول العقيدة ومسائلها ، يجد أن ذلك ليس مجرد دعوى ، فقد التزموا مذهب السلف الصالح أهل السنة والجماعة في كل ذلك جملة وتفصيلا .

[ص-106] ويقول حفيد الإمام : إسحاق بن عبد الرحمن بن حسن ، مبينًا أن منهج الشيخ ما كان عليه السلف الصالح :

« قد عرف واشتهر ، واستفاض من تقارير الشيخ ، ومراسلاته ، ومصنفاته ، المسموعة المقروءة عليه ، وما ثبت بخطه ، وعرف واشتهر من أمره ، ودعوته ، وما عليه الفضلاء النبلاء من أصحابه وتلامذته ، أنه على ما كان عليه السلف الصالح ، وأئمة الدين ، أهل الفقه ، والفتوى ، في باب معرفة الله ، وإثبات صفات كماله ، ونعوت جلاله ، التي نطق بها الكتاب العزيز ، وصحت بها الأخبار النبوية ، وتلقاها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقبول والتسليم ، يثبتونها ، ويؤمنون بها ، ويمرونها كما جاءت ، من غير تحريف ولا تعطيل ، ومن غير تكييف ولا تمثيل.

وقد درج على هذا من بعدهم من التابعين ، من أهل العلم ، والإيمان ، من سلف الأمة؛ كسعيد بن المسيب ، وعروة بن الزبير ، والقاسم بن محمد ، وسالم بن عبد الله ، وسليمان بن يسار ، وكمجاهد بن جبر ، وعطاء بن أبي رباح ، والحسن ، وابن سيرين ، والشعبي ، وأمثاله؛ كعلي بن الحسين ، وعمر بن عبد العزيز ، ومحمد بن مسلم الزهري ، ومالك بن أنس ، وابن أبي ذئب ، وكحماد بن سلمة ، وحماد بن زيد ، والفضيل بن عياض ، وابن المبارك ، وأبي حنيفة النعمان بن ثابت ، والشافعي ، وأحمد ، وإسحاق ، والبخاري ، ومسلم ، ونظرائهم من أهل الفقه والأثر؛ لم يخالف هذا الشيخ ما قالوه ، ولم يخرج عما دعوا إليه واعتقدوه » . هذا من حيث الإجمال ، ومن حيث التفصيل نجد التالي :

قولهم في الإيمان.

وقولهم في الإيمان وأركانه وحقيقته ومسائله قول السلف الصالح أهل السنة والجماعة جملة وتفصيلًا إذ يؤمنون بأركان الإيمان الستة كما جاءت في حديث جبريل ، وكذلك يقولون بقول السلف في حقيقة الإيمان ومسائله فيعتقدون أن الإيمان قول وعمل ، [ص-107] (اعتقاد القلب وقول اللسان وعمل الجوارح) وأنه شعب يزيد بالطاعات وينقص بالمعاصي وأنه يجوز الاستثناء في الإيمان .

يقول الإمام محمد بن عبد الوهاب : « وأعتقد أن الإيمان قول باللسان وعمل بالأركان واعتقاد بالجنان ، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية وهو بضع وسبعون شعبة أعلاها شهادة ألا إله إلا الله ، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق » .

عقيدتهم في الله تعالى وأسمائه وصفاته .

إن عقيدة من يسميهم الخصوم (الوهابية) في أسماء الله وصفاته وأفعاله وغيرها ، هي : عقيدة السلف الصالح أهل السنة والجماعة ، من الصحابة والتابعين والأئمة الأربعة وأهل الحديث وسائر أئمة الدين المعتبرين.

ففي أسماء الله تعالى وصفاته ، قال الإمام محمد بن عبد الوهاب : « ومن الإيمان بالله : الإيمان بما وصف به نفسه في كتابه وعلى لسان رسوله من غير تحريف ولا تعطيل ، بل أعتقد أن الله – سبحانه وتعالى – ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ، فلا أنفي عنه ما وصف به نفسه ولا أحرف الكلم عن مواضعه ، ولا ألحد في أسمائه وآياته ، ولا أكيف ، ولا أمثل صفاته تعالى بصفات خلقه؛ لأنه تعالى لا سمي لـه ولا كفء لـه ، ولا ند لـه ، ولا يقاس بخلقه ، فإنه سبحانه أعلم بنفسه وبغيره ، وأصدق قيلًا وأحسن حديثاً ، فنزه نفسه عما وصفه به المخالفون من أهل التكييف والتمثيل ، وعما نفاه عنه النافون من أهل التحريف والتعطيل ، فقال تعالى : ( سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ* وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ) [سورة الصافات ، آية : 180 – 182 ]» .

وقال الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب ، مبينًا أن عقيدتهم هي العقيدة التي كان عليها علماء السلف : « وهي أنا نقرأ آيات الصفات وأحاديثها على ظاهرها ونكل معناها مع اعتقاد حقائقها – إلى الله تعالى – فإن مالكًا – وهو من أجل علماء السلف – لما سئل عن الاستواء في قولـه تعالى : ( الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) [سورة طه ، آية : 5] ، قال الاستواء معلوم [ص-108] والكيف مجهول ، والإيمان به واجب ، والسؤال عنه بدعة » .

وقد بين الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب مذهب السلف الصالح في كتابه ( جواب أهل السنة في نقض كلام الشيعة والزيدية ) قائلا : « مذهب السلف الصالح رحمهم الله : إثبات الصفات وإجراؤها على ظاهرها ونفي الكيفية عنها؛ لأن الكلام في الصفات فرع عن الكلام في الذات ، وإثبات الذات إثبات وجود لا إثبات كيفية ، وعلى هذا مضى السلف كلهم ، ولو ذهبنا نذكر ما اطلعنا عليه من كلام السلف في ذلك لخرج بنا عن المقصود في هذا الجواب ، فمن كان قصده الحق وإظهار الصواب اكتفى بما قدمناه » .

ولما سئل أبناء الشيخ محمد بن عبد الوهاب والشيخ حمد بن ناصر بن معمر ، عن آيات الصفات الواردة في الكتاب ، كقوله تعالى : ( الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ) [سورة طه ، آية : 5] ، وكذلك قولـه : (وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي ) [سورة طه ، آية : 39] ، وقولـه :( أَسْمَعُ وَأَرَى) [سورة طه ، آية : 46] وقولـه : ( بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ ) [سورة المائدة ، آية : 64] ، وقولـه : (لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ ) [سورة ص ، آية : 75] ، وقولـه :( وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا ) [سورة الفجر ، آية : 22] ، وقولـه :( وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) [سورة الزمر ، آية : 67] ، وغير ذلك في القرآن .

ومن السنة قولـه : قلب العبد بين إصبعين من أصابع الرحمن وكذلك النفس ، وقولـه : إن ربكم ليضحك وقولـه : حتى يضع رجله فيها فتقول قط قط وغير ذلك مما لا يحصره هذا القرطاس ، وعلى ما تحملون هذه الآيات وهذه الأحاديث؟

[ص-109] أجابوا بقولـهم : « الحمد لله رب العالمين ، قولنا فيها ما قال الله ورسوله ، وما أجمع عليه سلف الأمة وأئمتها من أصحاب رسول الله ، ومن اتبعهم بإحسان ، وهو الإقرار بذلك ، والإيمان من غير تحريف ولا تعطيل ، ومن غير تكييف ولا تمثيل ، كما قال الإمام مالك لما سئل عن قولـه : سورة طه الآية 5 الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [سورة طه ، آية : 5] ، كيف استوى؟ فأطرق الإمام مالك وعلته الرحضاء – يعني العرق – وانتظر القوم ما يجيء منه ، فرفع رأسه إليه ، وقال : الاستواء مجهول والكيف غير معقول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة ، وأحسبك رجل سوء ، وأمر به فأخرج ، ومن أوّل الاستواء باستيلاء فقد أجاب بغير ما أجاب به مالك ، وسلك غير سبيله ، وهذا الجواب من مالك في الاستواء شاف كاف ، في جميع الصفات مثل النزول والمجيء واليد والوجه وغيرها ، فيقال في النزول : والنزول معلوم والكيف مجهول ، والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة ، وهذا يقال في سائر الصفات الواردة في الكتاب والسنة » .

وقال الشيخ أحمد بن إبراهيم بن عيسى في كتابه (تنبيه النبيه والغبي في الرد على المدراسي والحلبي ) عن معتقد السلف الصالح في هذا الباب ، ردًا على من رماهم بالتشبيه :

« وسئل الشيخ : حمد بن ناصر بن معمر – رحمه الله تعالى – : وما قولكم أدام الله النفع بعلومكم ، في آيات الصفات والأحاديث الواردة في ذلك ، مثل قولـه :( يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ) [سورة الفتح ، آية : 10] ، وقول النبي صلى الله عليه وسلم : ينـزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا وقولـه صلى الله عليه وسلم : قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن إلى غير ذلك مما ظاهره يوهم التشبيه؛ فأفيدونا عن اعتقاد الشيخ محمد بن عبد الوهاب – رحمه الله – تعالى في ذلك؟ وكيف مذهبه؟ ومذهبكم من بعده؟ هل تمرون ما ورد من ذلك على ظاهره ، مع التنزيه؟ أم تؤولون؟ ابسطوا الكلام على ذلك ، وأجيبوا جوابًا شافياً ، تغنموا أجرًا وافيًا » .

[ص-110] فأجاب بما نصه : « الحمد لله رب العالمين ، قولنا في آيات الصفات والأحاديث الواردة في ذلك ، ما قاله الله ورسوله ، وما قاله سلف الأمة وأئمتها من الصحابة والتابعين والأئمة الأربعة ، وغيرهم من علماء المسلمين ، فنصف الله تعالى بما وصف به نفسه في كتابه ، وبما وصفه به رسوله محمد صلى الله عليه وسلم ، من غير تحريف ولا تعطيل ، ومن غير تكييف ولا تمثيل بل نؤمن بأنه الله سبحانه : ( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) [سورة الشورى ، آية : 11] ، فلا ننفي عنه ما وصف به نفسه ، ولا نحرف الكلم عن مواضعه ، ولا نلحد في أسماء الله وآياته ، ولا نكيف ولا نمثل صفاته بصفات خلقه؛ لأنه سبحانه لا سمي لـه ، ولا كفو لـه ، ولا ند لـه ، ولا يقاس بخلقه ، – رضي الله عنه – عما يقول الظالمون علوًا كبيراً؛ فهو سبحانه ليس كمثله شيء في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله ، بل يوصف بما وصف به نفسه ، وبما وصفه به رسوله ، من غير تكييف ولا تمثيل خلافًا للمشبهة ، ومن غير تحريف ولا تعطيل خلافًا للمعطلة.

فمذهبنا مذهب السلف إثبات بلا تشبيه ، وتنزيه بلا تعطيل ، وهو مذهب أئمة الإسلام ، كمالك ، والشافعي ، والثوري ، والأوزاعي ، وابن المبارك ، والإمام أحمد ، وإسحاق بن راهويه ، وهو اعتقاد المشائخ المقتدى بهم ، كالفضيل بن عياض ، وأبي سليمان الداراني ، وسهل بن عبد الله التستري وغيرهم ، فإنه ليس بين هؤلاء الأئمة نزاع في أصول الدين ، وكذلك أبو حنيفة – رضي الله عنه – فإن الاعتقاد الثابت عنه موافق لاعتقاد هؤلاء ، وهو الذي نطق به الكتاب والسنة ، قال الإمام أحمد – رحمه الله – : لا يوصف الله إلا بما وصف به نفسه ، أو وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم ، ولا يتجاوز القرآن ، والحديث ، وهكذا مذهب سائرهم ، كما سننقل عباراتهم بألفاظ إن شاء الله تعالى.

ومذهب شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب – رحمه الله تعالى – هو ما ذهب إليه هؤلاء الأئمة المذكورون ، فإنه يصف الله بما وصف به نفسه ، وبما وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم ، ولا يتجاوز القرآن والحديث ، ويتبع في ذلك سبيل السلف الماضين ، الذين هم أعلم هذه الأمة بهذا الشأن نفيًا وإثباتاً ، وهم أشد تعظيمًا لله ، وتنزيهًا لـه عما لا يليق بجلاله ، فإن المعاني المفهومة من الكتاب والسنة لا ترد بالشبهات فيكون ردها من باب تحريف الكلم عن مواضعه .

[ص-111] وهذا هو مذهب الأئمة الأربعة :

وما قرره الإمام عبد الوهاب وسائر أئمة الدعوة هو مذهب كافة السلف والأئمة الأربعة وإليك البيان : قول الإمام مالك :

فعن جعفر بن عبد الله ، قال : « كنا عند مالك بن أنس فجاءه رجل ، فقال : يا أبا عبد الله ، الرحمن على العرش استوى ، كيف استوى ؟ فما وجد مالك شيء ما وجد من مسألته ، فنظر إلى الأرض وجعل ينكت بعود في يده حتى علاه الرحضاء – يعني العرق – ثم رفع رأسه ورمى بالعود ، وقال : الكيف غير معقول ، والاستواء منه غير مجهول ، والإيمان به واجب ، والسؤال عنه بدعة ، وأظنك صاحب بدعة ، وأمر به فأخرج » . قول الإمام الشافعي :

وكذلك الإمام الشافعي قال : « نثبت هذه الصفات التي جاء بها القرآن ووردت بها السنة ، وننفي التشبيه عنه كما نفاه عن نفسه فقال :( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) [سورة الشورى ، آية : 11] » .

يقول : وقد سئل عن صفات الله عز وجل وما يؤمن به ، فقال : لله تعالى أسماء وصفات جاء بها كتابه وأخبر بها نبيه صلى الله عليه وسلم أمته ، لا يسع أحدًا من خلق الله تعالى قامت عليه الحجة ردها؛ لأن القرآن نزل به ، وصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم القول به ، فيما روي عنه العدل.

فإن خالف ذلك بعد ثبوت الحجة عليه فهو كافر بالله ، وأما قبل ثبوت الحجة عليه من جهة الخبر معذور بالجهل؛ لأن علم ذلك لا يدرك بالعقل ولا بالرَّويَّة والفكر.

ونحو ذلك إخبار الله سبحانه إيانا ، أنه سميعٌ بصير ، وأن لـه يدان ، يقول : ( بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ ) [سورة المائدة ، آية : 64] ، [ص-112] وأن لـه يميناً ، بقولـه : ( وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ ) [سورة الزمر ، آية : 67] ، وأن لـه وجهاً ، بقوله : ( كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ ) [سورة القصص ، آية : 88] وقولـه :( وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ) [سورة الرحمن ، آية : 27] ، وأن لـه قدمًا لقولـه صلى الله عليه وسلم : حتى يضع الرب فيها قدمه يعني جهنم ، وأنه يضحك من عبده المؤمن بقوله صلى الله عليه وسلم للذي قتل في سبيل الله : إنه لقي الله وهو يضحك إليه وأنه يهبط كل ليلة إلى سماء الدنيا لخبر رسول الله بذلك وأنه ليس بأعور لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ ذُكر الدجال ، فقال : إنه أعور وإن ربكم ليس بأعور وإن المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة كما يرون القمر ليلة البدر وأن لـه إصبعًا بقول النبي صلى الله عليه وسلم : ما من قلب إلا وهو بين إصبعين من أصابع الرحمن عز وجل فإن هذه المعاني التي وصف بها نفسه ووصفه بها رسوله صلى الله عليه وسلم فيما لا يدرك حقيقة ذلك بالفكر والرَّويِّة.

ولا نكفر بالجهل بها أحدًا إلا بعد انتهاء الخبر إليه بها ، وإن كان الوارد بذلك خبرًا يقوم بالفهم مقام المشاهدة في السماع وجبت الدينونة على سامعه بحقيقته والشهادة بما عاين وسمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ونثبت هذه الصفات وننفي عنها التشبيه كما نفى التشبيه عن نفسه تعالى ، فقال : سورة الشورى الآية 11 لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ » [سورة الشورى ، آية : 11] .

[ص-113]

قول الإمام أبي حنيفة :

وقال الإمام أبو حنيفة في تقرير عقيدته – عقيدة السلف – في الصفات : « لا يوصف الله تعالى بصفات المخلوقين ، وغضبه ورضاه صفتان من صفاته بلا كيف ، وهو قول أهل السنة والجماعة وهو يغضب ويرضى ، ولا يقال : غضبه عقوبته ورضاه ثوابه ، ونصفه كما وصف نفسه أحدٌ صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن لـه كفوًا أحد ، وحيُّ قادر سميع عليم بصير عالم ، يد الله فوق أيديهم ليست كأيدي خلقه ووجهه ليس كوجوه خلقه » .

وقال : « ولـه يد ووجه ونفس ، كما ذكره الله تعالى في القرآن ، فما ذكره الله تعالى في القرآن من ذكر الوجه واليد والنفس ، فهو لـه صفات بلا كيف ولا يقال إن يده قدرته أو نعمته؛ لأن فيه إبطال الصفة وهو قول أهل القدر والاعتزال » وقال : « ولا ينبغي لأحد أن ينطق في ذات الله بشيء بل يصفه بما وصف به نفسه ، ولا يقول فيه برأيه شيئًا تبارك الله وتعالى رب العالمين » .

ولما سئل عن النزول الإلهي ، قال : « ينزل بلا كيف » .

دفع فرية التشبيه والتجسيم عنهم .

لقد رمى خصوم الدعوة إمامها وأتباعها وأهل السنة جميعًا بفرية عظيمة وداهية كبرى هي وصفهم بأنهم في أسماء الله وصفاته (مجسمة).

[ص-114] ولكنّ النقول والنصوص السابقة تثبت أن الإمام محمد بن عبد الوهاب وسائر علماء الدعوة السلفية بريئون مما رماهم به خصومهم أهل البدع من أنهم مجسمة ومشبهة ، والحق أنهم كانوا على سبيل المؤمنين ، وهو منهج السلف الصالح أهل السنة والجماعة في أسماء الله وصفاته ، كما هو كذلك في كل أصول الدين .

إن المنهج والأسلوب الذي سلكه المخالفون أهل الأهواء والبدع من خصوم السنة المعاصرين في اتهام الإمام محمد بن عبد الوهاب وغيره من علماء الدعوة السلفية وأتباعهم ، هو نفسه المنهج والأسلوب الذي سلكه خصوم السلف الصالح أهل السنة والجماعة من أهل الأهواء والبدع والافتراق في كل زمان .

ومنذ أن نشأت بدع الجهمية والمعتزلة وسائر أهل الكلام المعطلة والمؤولة ، ومقالاتهم البدعية التي ينفون بها أسماء الله وصفاته ويؤولونها أو بعضها نشأت معها دعوى أن إثبات الأسماء والصفات لله تعالى أو بعضها نوع من التجسيم والتشبيه. ومن أجل ذلك سموا من يثبت أسماء الله وصفاته كما جاءت في القرآن وصحيح السنة ، مجسمًا ومشبهًا ونحو ذلك .

ومن هنا فإن وصف أهل السنة والجماعة ، السلف الصالح بأنهم مجسمة ومشبهة ظهر في أوائل القرن الثاني الهجري على لسان طلائع تلك الفرق الكلامية.

وقد أعلن الإمام محمد بن عبد الوهاب ما يرد هذه الفرية ، بقوله السابق ذكره ومنه : « ومن الإيمان بالله : الإيمان بما وصف به نفسه في كتابه على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم من غير تحريف ولا تعطيل ، بل أعتقد أن الله – سبحانه وتعالى – ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ، فلا أنفي عنه ما وصف به نفسه ، ولا أحرف الكلم عن مواضعه ، ولا ألحد في أسمائه وآياته ، ولا أكيف ، ولا أمثل صفاته تعالى بصفات خلقه؛ لأنه تعالى لا سمي لـه ، ولا كفء لـه ولا ند لـه ولا يقاس بخلقه » .

وساق الإمام مذهب السلف الصالح ، أهل السنة والجماعة في أسماء الله وصفاته؛ على أنه اعتقاده ، فكيف يرمونه ويرمون سائر سلف الأمة بالتجسيم؟! نعم لأن أهل البدع والأهواء يزعمون أن الإثبات الحق تجسيمٌ والمثبت عندهم مجسماً ، والله حسبنا ونعم الوكيل .

[ص-115] وقد أنكر الإمام محمد بن عبد الوهاب نفسه ، هذه الشبهة وبين أن أهل الكلام والبدع يسمون طريقة الرسول والسلف الصالح في إثبات صفات الله تعالى تشبيهًا وتجسيماً ، فيقول : « ومما يهون عليك مخالفة من خالف الحق ، وإن كان من أعلم الناس وأذكاهم ، وأعظمهم جاهاً ، ولو اتبعه أكثر الناس ، وما وقع في هذه الأمة من افتراقهم في أصول الدين ، وصفات الله تعالى ، وغالب من يدعي المعرفة ، وما عليه المخالفون المتكلمون ، وتسميتهم طريقة رسول الله صلى الله عليه وسلم حشوًا وتشبيهًا وتجسيماً ، مع أنك إذا طالعت في كتاب من كتب الكلام – مع كونه يزعم أن هذا واجب على كل أحد ، وهو أصل – تجد الكتاب من أولـه إلى آخره لا يستدل على مسألة منه بآية من كتاب الله ، ولا حديث عن رسول الله ، اللهم إلا أن يذكره ليحرفه عن مواضعه .

وهم معترفون أنهم لم يأخذوا أصولهم من الوحي ، بل من عقولهم ، معترفون أنهم مخالفون للسلف في ذلك » .

وقال الدكتور عبد العزيز بن محمد العبد اللطيف ، بعد أن ساق أقوال الإمام محمد وبعض علماء الدعوة : « وأخيرًا ندرك – من خلال النصوص السابقة – طريق النجاة الذي سلكه أئمة هذه الدعوة السلفية ، تأسيًا واقتداء بالرعيل الأول ، من وصف الله بما وصف به نفسه ووصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم ، لا يتجاوزون القرآن والحديث في ذلك.

ونلاحظ أن مزاعم خصوم هذه الدعوة السلفية التي تكذب على إمام الدعوة الإصلاحية الشيخ محمد بن عبد الوهاب ، وتبهته بأنه مجسِّم ومشبِّه في الصفات ، نلاحظ أن من مبررات الخصوم في القذف بهذا البهتان هو أن الشيخ – رحمه الله – وكذا أتباعه من بعده كسائر السلف ، يثبتون جميع الصفات التي وردت في الكتاب والسنة ، ويمرونها – كما جاءت – على ظاهرها دون تمثيل ولا تحريف ولا تعطيل ، ويفوضون العلم بالكيفية إلى الله – سبحانه وتعالى – .

فجعل الخصوم هذا الإثبات مبررًا في رمي الشيخ بالتشبيه والتجسيم ، لذا يأتي مع هذه الفرية غالبًا بيان لبعض الصفات التي يثبتها الشيخ لله – عز وجل – وهو كما تقدم لا يصف الله إلا بما وصف به نفسه في كتابه أو وصفه رسوله صلى الله عليه وسلم . .. مثل صفة الاستواء والعلو والنزول ونحوها ، ويسوق [ص-116] الخصوم هذا الإثبات زعمًا منهم أنه تجسيم وتشبيه ، ولا يكتفون بذلك بل يختلقون زيادة في الإفك والبهتان ، فيزعمون أن الشيخ يثبت لله الجلوس والجنب واللسان ، بل يكذبون عليه أشنع من قبل ، ويبهتونه بأنه يقول إن الله جسم كالحيوان… تعالى الله عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا » .

وقال : « وبهذا يتضح من مزاعم هؤلاء الخصوم – من أهل البدع – أنهم يلصقون فرية التشبيه والتجسيم بالإمام وأنصار دعوته ، وبكافة السلف الصالح أهل السنة والجماعة ، بحجة أنهم يأخذون بظواهر النصوص في آيات الصفات وأحاديثها.

وإذا انتقلنا إلى مقام الدحض والرد لفرية التجسيم والتشبيه ، فإن من أبلغ الردود وأقواها ما أوردناه من النقول المتعددة التي تصرح بإثبات الصفات لله – سبحانه وتعالى – على ما يليق بجلاله وعظمته ، إثباتًا بلا تمثيل ولا تكييف.

وقد أظهر علماء السنة الحجج الدامغة والبراهين الساطعة في دحض هذه الفرية الكاذبة الخاطئة » .

فقال الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب في الرد على الذي زعم أن إثبات الصفات يلزم منه التجسيم : « قولـه : وقد أردت أن تنزه ربك بما يلزم منه التجسيم كذب ظاهر؛ لأنا قد بينا أن ما وصف الله به نفسه أو وصفه به رسوله حق وصدق وصواب ، ولازم الحق حق بلا ريب ، ولا نسلم أن ذلك يلزم منه التجسيم ، بل جميع أهل السنة المثبتة للصفات يتنازعون في ذلك ، ويقولون لمن قال لهم ذلك لا يلزم منه التجسيم ، كما لا يلزم من إثبات الذات لله تعالى ، والحياة والإرادة والكلام تجسيم وتكييف عند المنازع ، ومعلوم أن المخلوق لـه ذات ويوصف بالحياة والقدرة والإرادة والكلام ، ومع هذا لا يلزم من إثبات ذلك لله تعالى إثبات للتجسيم والتكييف تعالى الله عن ذلك علوًا كبيراً.

ومعلوم أن هذه الصفات في حق المخلوق إما جواهر وإما أعراض ، وأما في حقه تبارك وتعالى فلا يعلمها إلا هو بلا تفسير ولا تكييف » .

عقيدتهم في القرآن :

وكذلك عقيدتهم في القرآن لا تخرج عما أجمع عليه السلف الصالح .

قال الإمام محمد بن عبد الوهاب : « وأعتقد أن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق ، منه بدأ وإليه يعود ، وأنه تكلم به حقيقة وأنزله على عبده ورسوله وأمينه على وحيه وسفيره بينه وبين عباده نبينا محمد صلى الله عليه وسلم » .

وقال الشيخ محمد بن عبد اللطيف بن عبد الرحمن :

« ونعتقد : أن القرآن كلام الله ، منزل غير مخلوق ، منه بدأ وإليه يعود ، وأن الله تكلم به حقيقة ، وسمعه جبرائيل من الباري سبحانه ، ونزل به على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولا نقول بقول الأشاعرة ، ولا غيرهم ، من أهل البدع » .

عقيدتهم في الملائكة والكتب والرسل

وكذلك عقيدتهم في الإيمان بالملائكة والكتب والرسل جملة وتفصيلًا كما جاءت بها النصوص وهذه الأصول الثلاثة لم يرد عليهم فيها مزاعم تذكر من خصومهم ولذلك لا نحتاج إلى الوقف عندها طويلاً ، ونكتفي بما قاله الإمام محمد بن عبد الوهاب « أشهد الله ومن حضرني من الملائكة ، وأشهدكم أني أعتقد ما اعتقدته الفرق الناجية أهل السنة والجماعة ، من الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله.. » .

عقيدتهم في رسول الله صلى الله عليه وسلم وحقوقه وخصائصه :

أهل السنة والجماعة – السلف الصالح من الصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان – ومنهم الإمام محمد بن عبد الوهاب وأتباعه – هم أولى الناس برسول الله صلى الله عليه وسلم لأنهم هم الذين يحبونه حق المحبة ، ويوقرونه حق التوقير ، فهم الذين اتبعوا سنته ، والتزموا ما كان عليه صلى الله عليه وسلم [ص-118] هو وأصحابه ، وأخذوا بوصيته بالتزام السنة والجماعة ، والحذر من الفرقة والبدع ومحدثات الأمور ، ولا يزالون على الحق والسنة ، ظاهرين بحمد الله وسعوا إلى نيل أسمى المطالب وهي محبة الله تعالى ورضاه التي لا تدرك إلا بمحبة الرسول صلى الله عليه وسلم واتباعه كما أمر الله تعالى :(قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ ) [سورة آل عمران ، آية(31).] فالإمام محمد بن عبد الوهاب – وهو أحد أئمة السنة – وأتباعه وسائر أهل السنة اليوم – وقبل وبعد – إنما هم على أثر السلف الصالح ، في تحقيق ما أمر الله به من الإيمان برسول الله صلى الله عليه وسلم ومحبته وتوقيره واتباع سنته والدعوة إليها وحماية حقوقه صلى الله عليه وسلم ، وحقوق آله وصحابته وزوجاته أمهات المؤمنين والإيمان كشفاعته وحوضه .

وأنه صلى الله عليه وسلم أفضل الخلق أجمعين ، وخاتم النبيين والمرسلين.

وأن من توقيره وتعظيمه ألا يرفع إلى مقام الربوبية والألوهية ونحوها مما هو من خصائص الرب عز وجل .

فالذين اتهموا الإمام وأتباعه ويسمونهم (الوهابية) بأنهم ينتقصون من حق النبي صلى الله عليه وسلم أو يبغضونه ، أو ينكرون شيئًا من فضائله أو حقوقه ، ونحو ذلك من المزاعم .

إنما قالوا بهتانًا وزوراً ، والناظر في حقيقة الأمر يعلم بداهة أنه ما يفتري ذلك إلا جاهل ، أو مبتدع ، أو مقلد على غير بصيرة ، وحاسد ومغرض ، أو صاحب هوى أضله هواه عن سبيل الحق ، كما سيأتي بيانه في الفصل الثالث .

إن هذه المفتريات ونحوها كلها تخالف الحقيقة والواقع ، والبرهان الساطع فقد أفصح الإمام محمد بن عبد الوهاب وعلماء الدعوة عن إيمانهم بسائر الحقوق المشروعة لرسوله صلى الله عليه وسلم دون تفريط في مقامه اللائق به صلى الله عليه وسلم ودون إفراط ولا إطراء امتثالًا لقوله صلى الله عليه وسلم : لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم إنما أنا عبد الله ورسوله .

قال الإمام محمد بن عبد الوهاب : « والرسل : عليهم البلاغ المبين؛ وقد بلَّغوا البلاغ المبين؛ وخاتم الرسل محمد صلى الله عليه وسلم أنزل الله عليه كتابه مصدقًا لما بين يديه من الكتاب ، [ص-119] ومهيمنًا عليه ، فهو المهيمن على جميع الكتب ، وقد بَيَّن أبين بلاغ وأتمه وأكمله ، وكان أنصح الخلق لعباد الله ، وكان بالمؤمنين رؤوفًا رحيما ، بلَّغ الرسالة ، وأدَّى الأمانة ، وجاهد في الله حق جهاده ، وعبد الله حتى أتاه اليقين ، فأسعد الخلق ، وأعظمهم نعيما وأعلاهم درجة : أعظمهم اتباعًا لـه ، وموافقة علمًا وعملًا » .

وقال الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب :

« والذي نعتقده : أن رتبة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم أعلى مراتب المخلوقين على الإطلاق ، وأنه حي في قبره ، حياة برزخية ، أبلغ من حياة الشهداء المنصوص عليها في التنزيل ، إذ هو أفضل منهم بلا ريب ، وأنه يسمع سلام المسلم عليه ، وتسن زيارته ، إلا أنه لا يشد الرحل إلا لزيارة المسجد والصلاة فيه ، وإذا قصد مع ذلك الزيارة فلا بأس ومن أنفق نفيس أوقاته ، بالاشتغال بالصلاة عليه – عليه الصلاة والسلام – الواردة عنه ، فقد فاز بسعادة الدارين ، وكفى همه وغمه ، كما جاء في الحديث عنه » .

وقال الإمام عبد العزيز بن سعود بن محمد في رسالته إلى أحمد بن علي القاسمي :

« وأما قولك : إن أناسًا من أصحابنا ينقمون عليكم في تعظيم النبي المختار صلى الله عليه وسلم .

فنقول : بل الله سبحانه افترض على الناس محبة النبي صلى الله عليه وسلم ، وتوقيره ، وأن يكون أحب إليهم من أنفسهم ، وأولادهم ، والناس أجمعين ، لكن لم يأمرنا بالغلو فيه ، وإطرائه ، بل هو صلى الله عليه وسلم نهى عن ذلك ، فيما ثبت عنه في الصحيح ، أنه قال : لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم ، إنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله .

[ص-120]

وقال الشيخ حمد بن ناصر بن معمر وهو من كبار علماء الدعوة :

« ونحن – بحمد الله – من أعظم الناس إيجابًا لرعاية الرسول صلى الله عليه وسلم ، تصديقًا لـه فيما أخبر ، وطاعة لـه فيما أمر ، واعتناء بمعرفة ما بعث به ، واتباع ذلك دون ما خالفه ، عملًا بقوله تعالى :(اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ )[سورة الأعراف ، آية : 3] وقولـه تعالى : (وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ) [سورة الأنعام ، آية : 155].

وقال الشيخ سليمان بن سحمان :

« من سليمان بن سحمان ، إلى عبد العزيز العلجي ، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، أما بعد :

فقد بلغني أنك استدركت عليّ فيما تزعم ، كلمات في أبيات ، وذلك في قولي :

على السيد المعصوم والآل كلهم وأصحابـه مـع تـابعي نهجـهم بعد

فزعمت : أنا ننكر ، ونشدد على من قال : سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ، وأن هذا مذهبنا أهل “نجد” وهذا كذب ، وافتراء علينا ، ما أنكر ذلك منا أحد ، ولا كان ذلك مذهبنا » .

إلى أن قال : « وأما نحن : فلا ننكر ذلك ، لقولـه صلى الله عليه وسلم : أنا سيد ولد آدم ولا فخر وقولـه : إن ابني هذا سيد وقولـه للأنصار : قوموا إلى سيدكم وقولـه : « من سيدكم يا بني سلمة » فقالوا لـه : الجد بن قيس ، على أنا نبجله فينا ، ثم قال صلى الله عليه وسلم : « بل سيدكم عمرو بن الجموح » إذا فهمت هذا ، فمن أين لك أنا ننكر ذلك ونشدد فيه ؟ ومن حدثك بهذا ؟ أو نقل عنا ؟ وفي أي كتاب وجدت ذلك ؟ وقد كان لي عدة رسائل ، ومناظيم ، وكل ذلك قد ذكرته فيها » .

رد مزاعم الخصوم في أن الإمام وأتباعه ينتقصون حق النبي صلى الله عليه وسلم :

من أعظم التلبيس الذي سلكه خصوم الإمام (خصوم السنة) وهم أهل البدع والأهواء والافتراق رميهم الإمام وعموم أهل السنة بأنهم لا يحبون النبي صلى الله عليه وسلم وأنهم ينتقصونه وذلك لأن أهل السنة لا يرفعون النبي صلى الله عليه وسلم إلى مقام الربوبية والألوهية ، ولا يطرونه كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم ، وأهل البدع يطرونه ويزعمون أن من لم يفعل ذلك فإنه لا يحب النبي صلى الله عليه وسلم وأنه ينتقصه ، وهذا من التلبيس والبهتان ، ومن إغواء الشيطان حيث دخل عليهم من باب التنطع والإطراء.

ولخطورة هذه الافتراءات ورواجها بين الذين يجهلون الحقيقة وينساقون وراء تضليلات الخصوم والمغرضين والحاسدين ، دون تثبت ولا روية ولا تبصر ، أسوق مزيدًا من الأقوال والنقول التي تكشف زيف هؤلاء الخصوم ويتبين الحق لمن يريده :

فإن خصوم الإمام وهم خصوم السنة وأهلها من أهل الأهواء والافتراق والبدع ومن شايعهم سلكوا مسلك الكذب والافتراء في كثير من الأحيان ، وأحيانًا أخرى مسلك التلبيس والتمويه ، فمن ذلك :

قول أحدهم : « أنه (يعني الإمام محمد بن عبد الوهاب ) أحرق دلائل الخيرات لأجل قول سيدنا ومولانا » وأنه قال : « الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة وليلتها هي بدعة وضلالة تهوي بصاحبها إلى النار » وأن « تعظيم الرسول صلى الله عليه وسلم شرك » وزعموا أنه قال : « لو أقدر على حجرة الرسول صلى الله عليه وسلم هدمتها » وأنه « يحرم زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم » .

وهذا كله كذب صريح وقد تبرأ منه الإمام نفسه وقال بعد أن ساق هذه المفتريات وغيرها : « سبحانك هذا بهتان عظيم » وفي مقام آخر قال في هذه المزاعم ونحوها « فكل هذا كذب وبهتان مما افتراه عليَّ الشياطين الذين يريدون أن يأكلوا أموال الناس بالباطل… » .

[ص-122] وقد قال في رده على أحد الذين بهتوه بانتقاص النبي صلى الله عليه وسلم : « سبحانك هذا بهتان عظيم ، وقبله من بهت محمد صلى الله عليه وسلم أنه يسب عيسى ابن مريم ويسب الصالحين ، فتشابهت قلوبهم بافتراء الكذب وقول الزور… » .

وقال في رد مقولة أنه ينهى عن الصلاة عن النبي صلى الله عليه وسلم : « وأما إحراقها (يعني كتاب دلائل الخيرات) والنهي عن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم بأي لفظ كان ، فنسبة هذا إليَّ من الزور والبهتان » .

ويقول صاحب كتاب (المقالات الوفية) مفتريًا على الإمام : « وكذا تنقيصه الرسل والأنبياء وهدم قببهم… ومنعه من قراءة خبر مولد الــنـبي صلى الله عليه وسلم ، وضرب رقاب من يناجي في المنارة للـصلاة عـــلى النـبـي صلى الله عليه وسلم » وهذا من الكذب والتلبيس على الإمام محمد وأتباعه ، أما القِبَاب فهي من البدع التي جاء النهي الصريح عنها في السنة وفي هدمها إزالة للبدع ، وكذلك قراءة خبر مولد النبي صلى الله عليه وسلم والنداء بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم على نحو ما يفعله المبتدعة من المحدثات والبدع .

ويقول صاحب كتاب (تبيين الحق والصواب) عن أتباع الإمام محمد بن عبد الوهاب : « ومما يدل على استنقاصهم واستخفافهم لقدر نبينا محمد صلى الله عليه وسلم هذه اللفظة المجردة عن الأدب والحياء وهي ( محمد لا يعلم الغيب) . ونقول لـه : إنه ليس من تعظيم النبي صلى الله عليه وسلم أن ندعي لـه شيئًا من خصائص الرب تعالى وهو علم الغيب ، فهو لا يعلم من الغيب إلا ما علمه الله إياه ، قال الله عز وجل لـه ( قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) [سورة الأعراف ، آية : 188] .

وهذه المقولات كلها أكاذيب ومفتريات وإفك ظاهر ، ونبدأ في كشف هذا الإفك العظيم بما ذكره الشيخ محمد منظور النعماني في كتابه (دعايات مكثفة ضد الشيخ محمد بن عبد الوهاب ) قال : « وقد سمعت وقتئذٍ أكذوبة عجيبة : أن رجلًا يحمل اسم عبد الوهاب [ص-123] النجدي وكان يتزعم الطائفة الوهابية ، كان قد بلغ من عدوانه للنبي صلى الله عليه وسلم إلى أن ورد المدينة المنورة يتظاهر بالصلاح والتقوى… وسكن بيتًا على الكراء من أجل أن يتخذ في داخل الأرض سربًا من بيته إلى روضة النبي صلى الله عليه وسلم حتى يتمكن من العبث بالجثة المطهرة – نعوذ بالله من ذلك – إلا أنه لم يستطع تحقيق أمنيته حيث تراءى النبي في المنام للملك الذي كان يحكم الحجاز آنذاك ، وقال لـه في المنام : إن رجلًا من نجد خبيثًا رقيعًا يتخذ النفق في الأرض من أجل الغرض الخبيث ، فبحث الملك عن الرجل عبد الوهاب النجدي ، وقبض عليه فعلًا وضرب عنقه .

ولا أزال أذكر أن الناس كانوا يتناقلون هذه الأكذوبة كحقيقة تاريخية معلومة مقررة ، ولذلك فلم أشك فيها قط ، لأني لم أجد أحدًا يرفضها أو يشك فيها » .

ويقول الإمام نفسه في تكذيب المزاعم : « وما ذكره المشركون عليّ أني أنهى عن الصلاة على النبي ، أو أني أقول لو أن لي أمرًا هدمت قبة النبي صلى الله عليه وسلم أو أني أتكلم في الصالحين ، أو أنهى عن محبتهم ، فكل هذا كذب وبهتان ، افتراه عليّ الشياطين الذين يريدون أن يأكلوا أموال الناس بالباطل » .

ويقول في رسالته إلى الشيخ عبد الرحمن السويدي أحد علماء العراق مفندًا ما نسب إليه : « يا عجبًا كيف يدخل هذا في عقل عاقل ، هل يقول هذا مسلم أو كافر أو عارف أو مجنون ، وكذلك قولهم أنه يقول لو أقدر أهدم قبة النبي صلى الله عليه وسلم لهدمتها (أي من البهتان) ، وأما (دلائل الخيرات) فله سبب ، وذلك أني أشرت إلى من قبل نصيحتي من إخواني ، أن لا يصير في قلبه أجلّ من كتاب الله ، ويظنّ أن القراءة فيه أجلّ من قراءة القرآن ، وأما إحراقه والنهي عن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم بأي لفظ كان فهذا من البهتان » .

ويقول الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب مبيّنًا المنهج الذي كانوا عليه إبان دخولهم مكة عام (1218هـ) : « وأما ما يكذب علينا : سترًا للحق ، وتلبيسًا على الخلق ، [ص-124] بأنّا نفسر القرآن برأينا ، ونأخذ من الحديث ما وافق فهمنا ، من دون مراجعة شرح ، ولا معول على شيخ ، وأنّا نضع من رتبة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم بقولنا : النبي رمة في قبره ، وعصا أحدنا أنفع لـه منه ، وليس لـه شفاعة ، وأن زيارته غير مندوبة ، وأنه كان لا يعرف معنى لا إله إلا الله ، حتى أنزل عليه ( فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ) ، مع كون الآية مدنية… » إلى أن قال : « فجميع هذه الخرافات ، وأشباهها لما استفهمنا عنها من ذكر أولاً ، كان جوابنا في كل مسألة من ذلك ، سبحانك هذا بهتان عظيم ، فمن روى عنّا شيئًا من ذلك ، أو نسبه إلينا ، فقد كذب علينا وافترى .

ومن شاهد حالنا ، وحضر مجالسنا ، وتحقق ما عندنا ، علم قطعاً : أن جميع ذلك وضعه ، وافتراه علينا ، أعداء الدين ، وإخوان الشياطين » .

إلى أن قال : « والذي نعتقده : أن رتبة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم أعلى مراتب المخلوقين على الإطلاق ، وأنه حي في قبره حياة برزخية ، أبلغ من حياة الشهداء المنصوص عليها في التنـزيل ، إذ هو أفضل منهم بلا ريب ، وأنه يسمع سلام المسلم عليه ، وتسن زيارته ، إلا أنه لا يشد الرحل إلا لزيارة المسجد والصلاة فيه ، وإذا قصد مع ذلك الزيارة فلا بأس ، ومن أنفق نفيس أوقاته ، بالاشتغال بالصلاة عليه صلى الله عليه وسلم الواردة عنه ، فقد فاز بسعادة الدارين ، وكفى همه وغمه ، كما جاء في الحديث عنه » .

وقال الشيخ عبد الله بن سليمان البليهد : « فحق النبي صلى الله عليه وسلم محبته المقدمة على محبة النفس والولد والأهل والمال وتصديقه وطاعته » .

وقال الإمام عبد العزيز بن محمد بن سعود في رسالته إلى أحمد بن علي القاسمي : « وأما قولك أن ناسًا من أصحابنا ينقمون عليكم في تعظيم النبي المختار صلى الله عليه وسلم ، فنقول بل الله سبحانه افترض على الناس محبة النبي صلى الله عليه وسلم وتوقيره ، وأن يكون أحب إليهم من أنفسهم وأولادهم والناس أجمعين ، لكن لم يأمرنا بالغلو فيه وإطرائه ، بل هو صلى الله عليه وسلم نهى عن ذلك » .

ويقول الشيخ محمد بن عثمان الشاوي في كتابه (القول الأسد في الردَّ على الخصم [ص-125] الألد) ردًا على خصوم الدعوة السلفية : « وقد رموهم بعظائم يعلم الله تعالى أنها لم تصدر منهم ، ونسبتهم إلى تنقص الرسول وعدم الصلاة عليه ، وما ذاك إلا أنهم لم يغلوا امتثالًا لقولـه : لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم إنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله وإلا فهم بحمد الله أعظم الناس محبة للرسول ومتابعة لـه ، ورعاية لحقه ، وهو أجل في عيونهم من أن يخالفوا سنته ، أو يخالفوا أقواله ، بمجرد العوائد الباطلة ، أو الأقيسة الفاسدة ، بخلاف كثير من هؤلاء الذين جمعوا بين الإفراط والتفريط ، فأفرطوا بالغلو فيه وإطرائه ، حتى رفعوه من منزلة العبودية إلى منزلة الإلهية والربوبية ، وفرطوا في اتباعه ، فنبذوا سنّته وراء ظهورهم ، ولم يعبئوا بأقواله ، وخالفوا نصوصه الصريحة الصحيحة بغير مسوغ ، ولم يكتفوا بذلك حتى جعلوا يعيبون على من جدّ واجتهد في اتباعه ، لما ألفوه من العوائد الباطلة ، والنبي صلى الله عليه وسلم إنما حقه هو تعزيره وتوقيره واتباع ما جاء به ، واقتفاء أثره ، وتصديقه ، وتقديم محبته على الأهل والمال ، وأما العبادة فهي لـه وحده ، لا يشركه فيها ملك مقرب ، ولا نبي مرسل » .

ويقول مسعود الندوي في كتابه ( محمد بن عبد الوهاب مصلح مظلوم ومفترى عليه) : « إن الزمان لغريب ، وإن نوادره لعجيبة ، فالرجل الذي يقوم ويقعد وينام تحت ظل ظليل من سنّة الرسول صلى الله عليه وسلم وكأنها هي غطاءه ، وفراشه يُتهم بإنكار الحديث » .

ويقول صاحب كتاب (النفخة على النفحة) ردًّا على هذه الفرية : « وأما المصطفى صلى الله عليه وسلم فلا تظن أن أحدًا من المسلمين على كرة الأرض يهم بتنقيصه ، أو يبغضه ، وفي مذهب الحنابلة أن شاتم الرسول يقتل تاب أو لم يتب » .

ويقول الشيخ أحمد بن حجر آل بوطامي في كتاب (نقض كلام المفترين ) عن الإمام وأتباعه في تعظيمهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم وما جاء به من الحق والهدى : « والشيخ محمد – رحمه الله – ألّف (مختصر السيرة) ، وقد طبع عدة مرات ، وانتشر في سائر الأقطار ، فلو لم يكن محبًا [ص-126] للرسول لما ألف سيرة لـه ، ومن لا يحب الرسول لا يكون مسلمًا بل يكون يهوديًا أو نصرانياً… والشيخ وأتباعه يحثون الناس على التمسك بسنّة الرسول الصحيحة ، ويشددون النكير على من يخالف سنّة الرسول ويدعونه مبتدعاً ، أما هذا دليل على كمال حبهم وتعظيمهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ ولكن المنحرفين يرون حب الرسول صلى الله عليه وسلم في قراءة الأناشيد والأشعار والاستغاثات… فمن عمل بهذا فهو محب للرسول ، وإن ارتكب الموبقات وتلطخ بقاذورات المبتدعات ومن لا فلا » .

ويشهد حافظ وهبة بأن ما نسب إلى علماء الدعوة السلفية وأتباعها هم أبرياء منه. فيقول تحت عنوان : « ما ينسب إلى النجديين وهم أبرياء منه » :

ثم يقول : « لا شك أن الحرب النجدية المصرية في القرن الماضي وما أعقب ذلك من خلاف بين آل سعود والأتراك قد صحبه كثير من الدعايات السيئة ضد النجديين. وكثير من الأشياء التي نسبت إليهم مكذوبة .

1 – لقد نسب إلى الشيخ محمد بن عبد الوهاب والآخذين بدعوته كراهية النبي صلى الله عليه وسلم ، والحط من شأنه وشأن سائر الأنبياء والأولياء الصالحين .

لقد نسب هذا إلى الإمام ابن تيمية وإلى تلاميذه ، كما لا يزال ينسب إلى كثير من العقلاء والمصلحين في الهند وغيرها حتى ممن ليست لهم أي صلة بنجد وأهلها .

إن منشأ هذه النسبة هو أن النجديين استنادًا إلى حديث : لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد : المسجد الحرام ، ومسجدي هذا ، والمسجد الأقصى يرون أن السفر إلى زيارة قبور الأنبياء والصالحين بدعة لم يعملها أحد من الصحابة أو التابعين ، ولم يأمر بها النبي صلى الله عليه وسلم ، وقد سبق ابن تيمية وابن عبد الوهاب طوائف كثيرة من العلماء المتقدمين بهذا الرأي .

2 – إن النجديين يمنعون استقبال قبر الرسول صلى الله عليه وسلم عند الدعاء ، كما يمنعون السجود عند قبره وقبر غيره ، ويمنعون التمسح والتمرغ عند القبر ، كما يمنعون كل ما من شأنه الاستغاثة أو الطلب مما شاع عمله عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم وقبور الصالحين في مصر وبغداد والهند وكثير من الأمصار .

[ص-127] 3 – هدم القباب والأبنية المقامة على القبور وإبطالهم لسائر الأوقاف التي رصدت على القبور والأضرحة :

4 – إنكارهم على البوصيري قولـه في البردة : يا أكرم الخلق مالي من ألوذ به سواك عند حلول الحادث العمم

وقولـه :

ومن علومك علم اللوح والقلم

وقولـه : إن لم تكن في معادي آخذًا بيدي فـــضلًا وإلا فقـــل يــا زلــة القــدم

فإن هذا القول مجازفة وغلو ، وفيه مخالفة صريحة لنصوص القرآن والأحاديث الصحيحة؛ وهم – فوق هذا – يعتقدون أن من اعتقد هذا على ظاهره فهو مشرك كافر .

فاتهمهم خصومهم بكراهية النبي ، ونسبوا إليهم أقوالًا هم أبرياء منها ، نسبوا إليهم القول بأن العصا خير من النبي ، إلى غير ذلك من التهم الباطلة. ولقد سمعت في نجد أن حكام نجد الشمالية أثناء خصومتهم مع آل سعود كانوا يكتبون إلى الأتراك أن آل سعود اتخذوا راية شعارها : لا إله إلا الله مَحَدْ رسول (بحذف ميم محمد ) أي لا أحد رسول الله ، وهذا كله تنفير للأتراك من خصومهم ، وهم يعلمون حق العلم أن هذا كذب .

ولقد حضر إلى مكة أثناء الحرب الحجازية النجدية في سنة (1925م) بعض أفاضل السنغاليين وَتِطْوَان ، وكانوا أثناء حديثهم يبكون لشدة تأثرهم؛ لقد أخبرونا أنهم سمعوا في الإسكندرية أشياء كثيرة تنسب إلى النجديين ، لم يجدوا لها أثرًا في الحجاز ، لقد سمعوا من بعض الناس : أن الوهابيين هدموا الكعبة لأنها حجر ، وسمعوا أنهم في الأذان يقولون « أشهد أن لا إله إلا الله » فقط ولا يقولون « أشهد أن محمدا رسول الله » .

إن النجديين أحرص الناس على محبة الرسول صلى الله عليه وسلم ، ولكنهم يكرهون الغلو ، ويقاومون البدع مهما كان نوعها ، ومهما كان الدافع لها ، ويقولون : إن المحبة للرسول صلى الله عليه وسلم هي الاهتداء بهدي الرسول واتباعه ، أما الابتداع وتعطيل الشريعة وتقديم الأهواء فهو كراهة لا محبة ، وفي القرآن الكريم (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي)(سورة آل عمران الآية 31 ) .

دفع فرية التلويح بدعوى النبوة عن الإمام محمد بن عبد الوهاب :

وبعد عرض ما كان عليه أهل السنة من تعظيم مقام النبي صلى الله عليه وسلم ورفع مكانته التي فضله الله بها. يحسن الوقوف عند تهمة مكشوفة ، وكذبة ظاهرة لُمِز بها الإمام محمد بن عبد الوهاب من قبل بعض أهل الأهواء والبدع والافتراق وهي تلكم التهمة الصلعاء التي أثارها بعض خصوم الإمام محمد بن عبد الوهاب حين زعموا أنه يلوّح حول دعوى النبوة ، بل زعم بعضهم أنه يدعيها!! وهذه فرية شنيعة وبهتان عظيم .

فإنه في حين لا نجد في منهج الإمام وآثاره وأعماله ما يشير إلى شيء من ذلك – أي دعوى النبوة – فإن العكس هو الواقع المحتم ، إذ أن الإمام أكَّد في عقيدته ودروسه وشروحه ورسائله وخطبه ومؤلفاته عقيدة ختم النبوة بمحمد صلى الله عليه وسلم وأن خلاف ذلك كفر يجب قتل مدَّعيها ومن يصدقه .

قال فيما يجب على كل مسلم بعد أن ذكر الحقوق الواجبة على المسلم :

« وأعظمها حق النبي صلى الله عليه وسلم ، وأفرضه شهادتك لـه أنه رسول الله ، وأنه خاتم النبيين وتعلم أنك لو ترفع أحدًا من الصحابة في منزلة النبوة صرت كافرًا » .

وقال : « وأؤمن بأن نبينا محمد صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين والمرسلين ولا يصح إيمان عبد حتى يؤمن برسالته ويشهد بنبوته » .

ومن علامات الافتراء والخذلان لمروجي هذه الفرية أن أول من روَّجها ، وأكثر الذي تابعوه ، زعموا أنه (الإمام محمد بن عبد الوهاب ) ادعى النبوة بلسان حاله ، وأنه كان يُضمر دعوى النبوة في قلبه! .

[ص-129] وهذه حيلة العاجز المهزوم إذ كيف اطلعوا على ما في القلوب مما لا يعلمه إلا علاَّم الغيوب سبحانه وتعالى ، مع أن الحقيقة الثابتة أنه قال وأعلن الحق بدليله ، ثم ما القرائن التي دلت بلسان الحال على هذه الفرية؟ لم يذكروا شيئاً .

ولما شاع هذا البهتان العظيم ، وروَّجه الخصوم من أهل الأهواء والبدع والافتراق الذين يكرهون السنة وأهلها ، وتلقفته ألسنة الغوغاء والهمج ، من أتباع الفرق والطرق – تصدى لـه علماء السنة في بلاد الشيخ الإمام وغيرها من سائر بلاد المسلمين ، ممن شهدوا بالحق ، وأنصفوا الخلق .

وقال الشيخ سليمان بن سحمان : « إن الشيخ (يعني محمد بن عبد الوهاب ) قد ذكر في كتاب التوحيد ما رواه البرقاني في صحيحه قولـه في الحديث : وإنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين وإذا وقع عليهم السيف لم يرفع إلى يوم القيامة ولا تقوم الساعة حتى يلحق حي من أمتي بالمشركين وحتى تعبد فئام من أمتي الأوثان وإنه سيكون من أمتي كذّابون ثلاثون كلهم يزعم أنه نبي وأنا خاتم النبيين لا نبي بعدي . .. » إلى آخر الحديث .

وقال (يعني محمد بن عبد الوهاب ) في المسائل المستنبطة من هذا الباب ، « الثامنة : العجب العجاب خروج من يدعي النبوة مثل المختار مع تكلمه بالشهادتين وتصريحه أنه من هذه الأمة وأن الرسول حق وأن القرآن حق » .

وفيه أن محمدًا خاتم النبيين ومع هذا يصدق في هذا كله مع التضاد الواضح وقد خرج المختار في آخر عهد الصحابة ، فكيف يضمر مع هذا دعوى النبوة ، وكيف يزعم هذا ويرمي به الشيخ رجل يؤمن بالله واليوم الآخر ، وبهذا تعلم أن هذا من تزوير من شرق بهذا الدين من أعداء الله ورسوله وتنفيرًا للناس عن الإذعان لإخلاص التوحيد لله بالعبادة » .

[ص-130] كما رد الشيخ ناصر الدين الحجازي على هذه الفرية بأسلوب آخر ، وذلك في رسالته “النفخة على النفحة” ، حيث يزعم صاحب كتاب (النفحة الزكية) أن الإمام قد ادعى النبوة ، فكان جواب الشيخ ناصر الدين الحجازي على هذا الإفك : « وأما قولك وكان يضمر دعوى النبوة إلا أنه لم يتمكن من إظهارها فهذه دعوى كشف واطلاع على ما في القلوب ، فهي بين أمرين إما تصريح بالكذب وإما مشاركة لله تعالى في قولـه : سورة غافر الآية 19 يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ [سورة غافر ، آية : 19] .

فاختر أي الشقين شئت ، وإن كنت مدعيًا فعليك الدليل من كتبه التي طبعت في الهند وفي مصر وسارت في الأقطار » .

عقيدتهم في شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم .

وعقيدة الإمام محمد بن عبد الوهاب وأتباعه كسائر السلف الصالح أهل السنة والجماعة في شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم ، فيثبتون كل ما صح من شفاعاته صلى الله عليه وسلم كالشفاعة العظمى ، والمقام المحمود ، وشفاعته لأهل الكبائر من أمته ، وغيرها .

يقول الإمام محمد : « وأومن بشفاعة النبي صلى الله عليه وسلم وأنه أول شافع وأول مشفع ، ولا ينكر شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم إلا أهل البدع والضلال ، ولكنها لا تكون إلا من بعد الإذن والرضى كما قال تعالى : ( وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى [سورة الأنبياء)[ آية : 28] ، وقال تعالى : (مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ) [سورة البقرة ، آية : 255] وقال تعالى : ( وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى ) [سورة النجم ، آية : 26] ، وهو لا يرضى إلا التوحيد؛ ولا يأذن إلا لأهله ، وأما المشركون فليس لهم من الشفاعة نصيب كما قال تعالى :( فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ) [سورة المدثر ، آية : 48]» .

[ص-131] وهذا ينفي المزاعم والمفتريات التي زعمها خصومهم بأنهم ينكرون شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم .

وقال في الرد على الذين يزعمون أنه وسائر أهل السنة ينكرون شفاعة النبي « ثم بعد هذا يذكر لنا أن عدوان الإسلام ، الذين ينفرون الناس عنه ، يزعمون أننا ننكر شفاعة الرسول صلى الله عليه وسلم فنقول : سبحانك هذا بهتان عظيم ، بل نشهد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم الشافع المشفع ، صاحب المقام المحمود ، نسأل الكريم رب العرش العظيم : أن يشفعه فينا ، وأن يحشرنا تحت لوائه » .

ويقول ابنه الشيخ عبد الله : « ونثبت الشفاعة لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم يوم القيامة ، حسب ما ورد ، وكذلك نثبتها لسائر الأنبياء ، والملائكة ، والأولياء ، والأطفال حسب ما ورد أيضاً؛ ونسألها من المالك لها ، والإذن فيها لمن يشاء من الموحدين ، الذين هم أسعد الناس بها كما ورد ، بأن يقول أحدنا – متضرعًا إلى الله تعالى – : اللهم شفع نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم فينا يوم القيامة أو : اللهم شفع فينا عبادك الصالحين ، أو ملائكتك ، أو نحو ذلك ، مما يطلب من الله ، لا منهم فلا يقال : يا رسول الله ، أو يا ولي الله لك الشفاعة أو غيرها ، كأدركني ، أو أغثني ، أو اشفني ، أو انصرني على عدوي ، ونحو ذلك ، مما لا يقدر عليه إلا الله تعالى ، فإذا طلب ذلك مما ذكر في أيام البرزخ ، كان من أقسام الشرك ، إذ لم يرد بذلك نص من كتاب أو سنة ، ولا أثر من السلف الصالح في ذلك؛ بل ورد الكتاب ، والسنة ، وإجماع السلف : أن ذلك شرك أكبر ، قاتل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم » .

عقيدتهم في آل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم

وكذلك عقيدتهم في آل بيت رسول الله لا تخرج عما أوصى به النبي صلى الله عليه وسلم وما كان عليه السلف الصالح من محبة آل البيت ومودتهم ورعاية حقوقهم .

كل ذلك على المنهج الشرعي؛ بلا تقصير كما فعلت الخوارج الناصبة ومن وافقهم ، ولا غلو كما فعلت الرافضة ومن سلك سبيلهم ، فليس من حق آل البيت الغلو فيهم ، ولا اعتقاد قداستهم ، ولا عصمتهم .

[ص-132] ورعاية حقوق آل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم مشروطة بشروطها وهي استقامتهم على منهاج النبوة ، أما من خرج عن الحق والسبيل فلا حق لـه .

يقول الشيخ الإمام في حق أحد الأشراف ومبينًا خطأ الذين أنكروا هذا الحق .

« وقد أوجب الله لأهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم على الناس حقوقًا فلا يجوز لمسلم أن يسقط حقهم ويظن أنه من التوحيد بل هو من الغلو ونحن ما أنكرنا إلا إكرامهم لأجل ادعاء الألوهية فيهم أو إكرام المدعي لذلك » .

ويقول الشيخ : عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب : « وأما أهل البيت : فقد ورد سؤال على علماء الدرعية في مثل ذلك ، وعن جواز نكاح الفاطمية غير الفاطمي ، وكان الجواب عليه ما نصه : أهل البيت – رضوان الله عليهم – لا شك في طلب حبهم ومودتهم ، لما ورد فيه من كتاب وسنة ، فيجب حبهم ومودتهم ، إلا أن الإسلام ساوى بين الخلق ، فلا فضل لأحد إلا بالتقوى ، ولهم مع ذلك التوقير والتكريم ، والإجلال ، ولسائر العلماء مثل ذلك ، كالجلوس في صدور المجالس ، والبداءة بهم في التكريم ، والتقديم في الطريق إلى موضع التكريم ، ونحو ذلك ، إذا تقارب أحدهم مع غيره في السن والعلم » .

وقال الإمام عبد العزيز بن سعود بن محمد « من عبد العزيز بن سعود : إلى جناب أحمد بن علي القاسمي ، هداه الله ، لما يحبه ويرضاه .

أما بعد :

فقد وصل إلينا كتابك ، وفهمنا ما تضمنه من خطابك ، وما ذكرت من أنه قد بلغكم : أن جماعة من أصحابنا ، صاروا ينتقمون على من هو متمسك بكتاب الله ، وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ممن مذهبه مذهب أهل البيت الشريف .

فليكن لديك معلومًا أن المتمسك بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وما عليه أهل البيت الشريف فهو لا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة .

ولكن الشأن : في تحقيق الدعوى بالعمل » .

ثم قال : « وأما ما ذكرت : من أن مذهب أهل البيت أقوى المذاهب ، وأولاها [ص-133] بالاتباع ، فليس لأهل البيت مذهب إلا اتباع الكتاب ، والسنة ، كما صح عن علي بن أبي طالب – رضي الله عنه – أنه قيل لـه : هل خصكم رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيء ؟ فقال : لا ، والذي فلق الحبة ، وبرأ النسمة ، إلا فهم يؤتيه الله عبدًا في كتابه ، وما في هذه الصحيفة… الحديث ؛ وهو مخرج في الصحيحين » .

وقال : « فإن أصل دين رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأهل بيته ، عليهم السلام ، هو : توحيد الله بجميع أنواع العبادة ، لا يدعى إلا هو ، ولا ينذر إلا لـه ، ولا يذبح إلا لـه ، ولا يخاف خوف السر إلا منه ، ولا يتوكل إلا عليه؛ كما دل على ذلك الكتاب العزيز .

فقال تعالى : ( وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا ) [سورة الجن ، آية : 18] ، وقال تعالى :( لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ ) [سورة الرعد ، آية : 14] ، وقال تعالى : ( وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ) [سورة النحل ، آية : 36] ، وقال تعالى :( وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ ) . [سورة الأنبياء ، آية : 25] .

فهذا التوحيد ، هو : أصل دين أهل البيت – عليهم السلام – من لم يأت به ، فالنبي صلى الله عليه وسلم وأهل بيته : براء منه ، قال تعالى : ( وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ ) [سورة التوبة ، آية : 3] .

ومن مذهب أهل البيت : إقامة الفرائض ، كالصلاة ، والزكاة ، والصيام ، والحج ، ومن مذهب أهل البيت الأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر ، وإزالة المحرمات ، ومن مذهب أهل البيت محبة السابقين الأولين ، من المهاجرين والأنصار ، والتابعين لهم بإحسان ، وأفضل السابقين الأولين : الخلفاء الراشدون ، كما ثبت ذلك عن علي من رواية ابنه محمد بن الحنفية ، وغيره من الصحابة ، أنه قال : خير هذه الأمة بعد نبيها : أبو بكر ، ثم عمر ، والأدلة : الدالة على فضيلة الخلفاء الراشدين ، أكثر من أن تحصر .

فإذا كان مذهب أهل البيت : ما أشرنا إليه ، وأنتم تدعون أنكم متمسكون بما عليه [ص-134] أهل البيت ، مع كونكم على خلاف ما هم عليه؛ بل أنتم مخالفون لأهل البيت ، وأهل البيت براء مما أنتم عليه ؟ فكيف يدعي اتَّباع أهل البيت : من يدعو الموتى؟! ويستغيث بهم في قضاء حاجاته ، وتفريج كرباته ؟! والشرك ظاهر في بلدهم ، فيبنون القباب على الأموات ، ويدعونهم مع الله ، والشرك بالله هو أصل دينهم ، مع ما يتبع ذلك من ترك الفرائض ، وفعل المحرمات ، التي نهى الله عنها في كتابه ، وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم ، وسب أفاضل الصحابة أبو بكر ، وعمر ، وغيرهما من الصحابة » .

وقال أبناء الإمام محمد بن عبد الوهاب والشيخ حمد بن ناصر المعمَّر :

« وأما السؤال عما ورد في فضائل أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم ؟ فنقول : قد صح في فضائل أهل البيت أحاديث كثيرة؛ وأما كثير من الأحاديث ، التي يرويها من صنف في فضائل أهل البيت ، فأكثرها لا يصححه الحفاظ؛ وفيما صح في ذلك كفاية » .

عقيدتهم في الصحابة

والإمام محمد بن عبد الوهاب وأتباعه عقيدتهم في الصحابة لا تخرج عن عقيدة سائر أهل السنة والسلف الصالح جملة وتفصيلاً ، والمتأمل لمزاعم أهل البدع خُصُوم السنة يجد أنهم مع كثرة شبهاتهم على الدعوة وأهلها ، لم يكن لهم دعاوى حول عقيدتهم في الصحابة إلا نادراً. ولذا أوجزت الحديث عن عقيدتهم في الصحابة. يقول الإمام محمد :

« وأن أفضل أمته أبو بكر الصديق ، ثم عمر الفاروق ، ثم عثمان ذو النورين ، ثم علي المرتضى ، ثم بقية العشرة ، ثم أهل بدر ، ثم أهل الشجرة أهل بيعة الرضوان ، ثم سائر الصحابة – رضي الله عنه – وأتولى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأذكر محاسنهم ، وأترضى عنهم ، وأستغفر لهم ، وأكف عن مساويهم ، وأسكت عما شجر بينهم ، وأعتقد فضلهم عملًا بقوله تعالى : ( وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ )[سورة الحشر ، آية : 10] [ص-135] وأترضى عن أمهات المؤمنين المطهرات من كل سوء » .

وسئل أبناء الإمام ، وحمد بن ناصر – رحمهم الله – عن مذهبهم في الصحابة – رضي الله عنهم – ؟

فأجابوا : « مذهبنا في الصحابة ، هو مذهب أهل السنة والجماعة وهو : أن أفضلهم بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أبو بكر ، وأفضلهم بعد أبي بكر : عمر؛ وأفضلهم بعد عمر : عثمان؛ وأفضلهم بعد عثمان : علي – رضي الله عنهم – . ومنزلتهم في الخلافة ، كمنزلتهم في الفضل؛ وقد نازع بعض أهل السنة ، في أفضلية عثمان على علي؛ فجزم قوم بتفضيل علي على عثمان؛ ولكن الذي عليه الأئمة الأربعة ، وأتباعهم ، هو : الأول» .

عقيدتهم في الشفاعة عموماً

وكذلك في الشفاعة عموماً ، فإنهم يثبتون من الشفاعات ما جاء به الشرع وثبت بالنص .

يقول الإمام محمد : « وأومن بشفاعة النبي صلى الله عليه وسلم وأنه أول شافع وأول مشفَّع ، ولا ينكر شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم إلا أهل البدع والضلال » .

وقال : « والشفاعة شفاعتان؛ شفاعة منفية ، وشفاعة مثبتة ، فالشفاعة المنفية هي التي تطلب من غير الله ، فيما لا يقدر عليه إلا الله ، والدليل قولـه تعالى : ( يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ) [سورة البقرة ، آية : 254] ، والمثبتة هي التي تطلب من الله ، فيما لا يقدر عليه إلا الله ، والشافع مكرم بالشفاعة ، والمشفوع لـه من رضي الله قولـه وعمله ، بعد الإذن ، والدليل قولـه تعالى :( اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ ) [سورة البقرة ، آية : 255]» .

[ص-136] ويقول الشيخ محمد بن عبد اللطيف بن عبد الرحمن : « ونؤمن بشفاعة النبي صلى الله عليه وسلم ، وأنه أول شافع ، وأول مشفع ، ولا ينكرها إلا مبتدع ضال ، وأنها لا تقع إلا بعد الإذن والرضا ، كما قال تعالى : ( وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى) [سورة الأنبياء ، آية : 28] ، وقال تعالى : ( وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى) [سورة النجم ، آية : 26] ، وهو سبحانه ، لا يرضى إلا التوحيد ، ولا يأذن إلا لأهله ، قال أبو هريرة – رضي الله عنه – للنبي صلى الله عليه وسلم من أسعد الناس بشفاعتك يا رسول الله؟ قال : « من قال لا إله إلا الله ، خالصًا من قلبه فتلك الشفاعة لأهل الإخلاص ، بإذن الله ، ولا تكون لمن أشرك بالله ، قال تعالى :( فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ ) [سورة المدثر ، آية : 48]» .

عقيدتهم في اليوم الآخر والجنة والنار والرؤية

ويؤمنون باليوم الآخر وأحواله ومشاهده كما ثبت في النصوص .

قال الإمام : « وأعتقد الإيمان بكل ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم مما يكون بعد الموت ، فأومن بفتنة القبر ونعيمه ، وبإعادة الأرواح إلى الأجساد ، فيقوم الناس لرب العالمين حفاة عراة غرلًا تدنو منهم الشمس ، وتنصب الموازين وتوزن بها أعمال العباد ، فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون ، ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم في جهنم خالدون ، وتنشر الدواوين فآخذ كتابه بيمينه ، وآخذ كتابه بشماله » .

وقال الإمام : « وأومن بأن الجنة والنار مخلوقتان ، وأنهما اليوم موجودتان ، وأنهما لا يفنيان » .

عقيدتهم في الرؤية

وقال : « وأن المؤمنين يرون ربهم بأبصارهم يوم القيامة كما يرون القمر ليلة البدر لا يضامون في رؤيته » .

عقيدتهم في القدر

وفي القدر هم على ما كان عليه السلف الصالح أهل السنة والجماعة .

قال الإمام « وأومن بأن الله فعال لما يريد ، ولا يكون شيء إلا بإرادته ، ولا يخرج شيء عن مشيئته ، وليس شيء في العالم يخرج عن تقديره ولا يصدر إلا عن تدبيره ، ولا محيد لأحد عن القدر المقدور ولا يتجاوز ما خط لـه في اللوح المسطور » .

وقال الشيخ محمد بن عبد اللطيف بن عبد الرحمن : « وأن الله تعالى قد علم الأشياء قبل وجودها إجمالًا وتفصيلًا وعلم ما يتعلق بها ، وقدَّر في الأزل لكل شيء قدرا ، فلا يزيد ولا ينقص ، ولا يتقدم ولا يتأخر ، وأنه لا يوجد شيء إلا بإرادة الله ومشيئته ، والله بكل شيء عليم ، وما قدر الله يكون ، وما شاء كان ، وما لم يشأ لم يكن » .

ويقول الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب في القدر : « ونعتقد أن الخير والشر كله بمشيئة الله تعالى ، ولا يكون في ملكه إلا ما أراد فإن العبد لا يقدر على خلق أفعاله ، بل لـه كسب مرتب عليه الثواب فضلًا والعقاب عدلا ، ولا يجب على الله لعبده شيء » .

عقيدتهم في الأولياء وكراماتهم

كثرت مزاعم أهل البدع والأهواء ومفترياتهم على أهل السنة ومنهم الإمام محمد بن عبد الوهاب ، وأتباعه حول موقفهم في الأولياء وكراماتهم ، وسائرها تدور على الزعم [ص-138] بأنهم يبغضون الأولياء وينتقصونهم ويؤذونهم ، وأنهم ينكرون كراماتهم ، والحق أن الأمر على خلاف ذلك ، فإن أقوالهم وأفعالهم تثبت أنهم يحبون أولياء الله ويؤمنون بكراماتهم .

يقول الإمام محمد بن عبد الوهاب : « وأقر بكرامات الأولياء وما لهم من المكاشفات إلا أنهم لا يستحقون من حق الله تعالى شيئًا ولا يطلب منهم ما لا يقدر عليه إلا الله » .

وقال : « ولا يجحد كرامات الأولياء إلا أهل البدع والضلال » .

ويقول الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب :

« ولا ننكر كرامات الأولياء ، ونعترف لهم بالحق ، وأنهم على هدى من ربهم ، مهما ساروا على الطريقة الشرعية ، والقوانين المرعية ، إلا أنهم لا يستحقون شيئًا من أنواع العبادات ، لا حال الحياة ، ولا بعد الممات ، بل يطلب من أحدهم الدعاء في حال حياته ، بل ومن كل مسلم؛ فقد جاء في الحديث : دعاء المرء المسلم مستجاب لأخيه الحديث ، وأمر صلى الله عليه وسلم عمر ، وعليا بسؤال الاستغفار من ” أويس ” ففعلا » .

عقيدتهم في أئمة المسلمين والسمع والطاعة

يقول الإمام : « وأرى وجوب السمع والطاعة لأئمة المسلمين برهم وفاجرهم ما لم يأمروا بمعصية الله ، ومن ولي الخلافة واجتمع عليه الناس ورضوا به وغلبهم بسيفه حتى صار خليفة وجبت طاعته ، وحرم الخروج عليه » .

وقال : « وقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسمع والطاعة لمن تأمر علينا ولو كان عبدًا حبشيًا » وقال مبينًا أن عدم السمع والطاعة لولاة الأمور من خصال الجاهلية : « وقد أمر [ص-139] رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصبر على جور الولاة وأمر بالسمع والطاعة لهم والنصيحة ، وغلظ في ذلك ، وأبدى فيه وأعاد » .

وقال الشيخ محمد بن عبد اللطيف بن عبد الرحمن : « ونرى وجوب السمع والطاعة ، لأئمة المسلمين ، برهم ، وفاجرهم ، ما لم يأمروا بمعصية ، ونرى هجر أهل البدع ، ومباينتهم ، ونرى أن كل محدثة في الدين ، بدعة » .

وكذلك عقيدتهم في الجهاد مع أئمة المسلمين ، فإنهم يلتزمون في ذلك وصية النبي صلى الله عليه وسلم ، وما عليه السلف الصالح ، من مشروعية الجهاد مع ولاة المسلمين أبرارًا كانوا أو فجارا .

قال الإمام : « وأرى الجهاد ماضيًا مع كل إمام برا كان أو فاجرا ، وصلاة الجماعة خلفهم جائزة » .

أما ما يثار على الدعوة من دعوى الخروج على الدولة التركية فقد ناقشته في مبحث مستقل .

موقفهم من عموم المسلمين

يعتقدون أن من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو المسلم لـه ما للمسلمين وعليه ما عليهم ، أما من لا يقر بالشهادتين ، أو أتى بما ينافيهما فليس بمسلم. فلا يكفرون المسلم ولا يخرجونه من دائرة الإسلام إلا إذا أتى بناقض من نواقض الإسلام كالشرك ، والاستهزاء بالله أو برسوله صلى الله عليه وسلم أو بالدين ، أو نحو ذلك مما قام الدليل على أنه من نواقض الإسلام وموجبات الردة ، ويترحمون على أموات المسلمين ، ولا يشهدون لأحد منهم بالجنة أو النار إلا من جاء به النص الصحيح .

ويؤدون واجب النصيحة لأئمة المسلمين وعامتهم .

[ص-140] قال الشيخ الإمام : « وإني لا أعتقد كفر من كان عند الله مسلما ، ولا إسلام من كان عند الله كافرًا » .

قال الإمام : « ولا أشهد لأحد من المسلمين بجنة أو نار إلا من شهد لـه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولكني أرجو للمحسن وأخاف على المسيء » .

ويقول الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب : « ونحن نقول فيمن مات – يعني من المسلمين – تلك أمة قد خلت » .

قولهم في مرتكب الكبيرة

وهم في مسألة مرتكب الكبيرة يلتزمون الدليل (القرآن وما صح من السنة) ومنهج السلف الصالح .

ويعتقدون أن التكفير من الأحكام الشرعية التي مردها إلى الكتاب والسنة فلا يرون تكفير مسلم بقول أو فعل ، ما لم يدل دليل شرعي على ذلك ، ولا يلزم عندهم من إطلاق حكم الكفر على قول أو فعل ثبوت موجبه في حق المعين ، إلا إذا تحققت الشروط وانتفت الموانع. والتكفير من أخطر الأحكام فيوجبون التثبت والحذر من تكفير المسلم .

إذ يرون أن الكفر الوارد ذكره في الألفاظ الشرعية قسمان : أكبر مخرج من الملة ، وأصغر غير مخرج من الملة ، ويسمى أحيانًا بالكفر العملي ، أو كفر دون كفر .

وعليه فإنهم يعتقدون أن مرتكب الكبير التي دون الكفر والشرك لا يخرج من الإيمان ، فهو في الدنيا مؤمن ناقص الإيمان ، وفي الآخرة تحت مشيئة الله إن شاء غفر لـه وإن شاء عذبه ، والموحدون كلهم مصيرهم إلى الجنة وإن عذّب منهم بالنار من عذب ، ولا يخلد أحد منهم فيها قط .

وما اتهموا به من التكفير ونحوه فهو من البهتان والجهل من خصومهم بحقيقة منهجهم .

وقد أفردت لهذه الفرية بحثًا مستقلًا فليراجع .

[ص-141] يقول الشيخ محمد بن عبد اللطيف حسن : « ونؤمن بآيات الوعيد ، والأحاديث الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم ، ولا نقول بتخليد أحد من المسلمين من أهل الكبائر في النار ، كما تقول الخوارج والمعتزلة لما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في الأحاديث الصحيحة في أنه يخرج من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان ، وإخراجهم من النار ، بشفاعة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فيمن يشفع لـه من أهل الكبائر من أمته ، وشفاعة غيره من الملائكة والأنبياء ، ولا نقف في الأحكام المطلقة ، بل نعلم أن الله يدخل النار من يدخلها من أهل الكبائر ، وآخرون لا يدخلونها لأسباب تمنع من دخولها ، كالحسنات الماحية ، والمصائب المكفرة ، ونحوها » .

عقيدتهم في الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

يرون الجهاد من فرائض الدين ، وأنه قائم وماض إلى قيام الساعة كما أخبر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك كما يرون الجهاد مع ولاة الأمر أبرارًا كانوا أو فجارًا كما سبق بيانه .

قال الإمام : « والجهاد ماض منذ بعث الله محمدًا صلى الله عليه وسلم إلى أن يقاتل آخر هذه الأمة الدجال لا يبطله جور جائر ولا عدل عادل » .

ويقول الشيخ محمد بن عبد اللطيف بن عبد الرحمن : « ونرى الجهاد مع كل إمام برًا كان أو فاجراً ، منذ بعث الله محمدًا صلى الله عليه وسلم إلى أن يقاتل آخر هذه الأمة الدجال » .

وكذلك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من شعائر الدين وواجباته عندهم كما جاءت به النصوص .

قال الإمام : « وأرى وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على ما توجبه [ص-142] الشريعة المحمدية الطاهرة » .

وقال الشيخ محمد بن عبد اللطيف : « ونرى وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، على كل قادر بحسب قدرته واستطاعته بيده ، فإن تعذر فبلسانه ، فإن تعذر فبقلبه ، كما في الحديث الصحيح ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده ، فإن لم يستطع فبلسانه ، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان .

قولهم في الاجتهاد والتقليد

ومنهجهم في مسألة الاجتهاد والتقليد لا تخرج عما كان عليه علماء السلف كالأئمة الأربعة وغيرهم ، فيرون الاجتهاد سائغ بشروطه ، والتقليد لمن لم يقدر على الاجتهاد ، وأن الحق مع الدليل ولا معصوم إلا الرسول صلى الله عليه وسلم .

يقول الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب : « ونحن أيضا في الفروع على مذهب الإمام أحمد بن حنبل ، ولا ننكر على من قلد أحد الأئمة الأربعة دون غيرهم ، لعدم ضبط مذاهب الغير الرافضة ، والزيدية ، والإمامية ، ونحوهم ، ولا نقرهم ظاهرًا على شيء من مذاهبهم الفاسدة ، بل نجبرهم على تقليد أحد الأئمة الأربعة .

ولا نستحق مرتبة الاجتهاد المطلق ، ولا أحد لدينا يدعيها ، إلا أننا في بعض المسائل إذا صح لنا نص جلي من كتاب ، أو سنة غير منسوخ ، ولا مخصص ، ولا معارض بأقوى منه ، وقال به أحد الأئمة الأربعة ، أخذنا به وتركنا المذهب ، كإرث الجد والإخوة ، فإنا نقدم الجد بالإرث ، وإن خالف مذهب الحنابلة .

ولا نفتش على أحد في مذهبه ، ولا نعترض عليه ، إلا إذا اطلعنا على نص جلي ، مخالفًا لمذهب أحد الأئمة ، وكانت المسألة مما يحصل بها شعار ظاهر ، كإمام الصلاة ، فنأمر [ص-143] الحنفي ، والمالكية مثلا بالمحافظة على نحو الطمأنينة في الاعتدال ، والجلوس بين السجدتين ، لوضوح دليل ذلك ، بخلاف جهر الإمام الشافعي بالبسملة ، فلا نأمره بالإسرار ، وشتان ما بين المسألتين ، فإذا قوي الدليل أرشدناهم بالنص ، وإن خالف المذهب ، وذلك يكون نادرًا جدا ولا مانع من الاجتهاد في بعض المسائل دون بعض ، فلا مناقضة لعدم دعوى الاجتهاد ، وقد سبق جمع من أئمة المذاهب الأربعة ، إلى اختيارات لهم في بعض المسائل ، مخالفين للمذهب ، الملتزمين تقليد صاحبه » .

وقال الإمام محمد بن عبد الوهاب في ذلك : « وأما ما ذكرتم من حقيقة الاجتهاد ، فنحن مقلدون الكتاب والسنة ، وصالح سلف الأمة ، وما عليه الاعتماد ، من أقوال الأئمة الأربعة : أبي حنيفة النعمان بن ثابت ، ومالك بن أنس ، ومحمد بن إدريس ، وأحمد بن حنبل رحمهم الله تعالى » .

ويقول الشيخ محمد بن عبد اللطيف بن عبد الرحمن : « وأما مذهبنا فمذهب الإمام أحمد بن حنبل إمام أهل السنة ، في الفروع ، والأحكام ، ولا ندعي الاجتهاد ، وإذا بانت لنا سنة صحيحة ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عملنا بها ، ولا نقدم عليها قول أحد ، كائنًا من كان ، بل نتلقاها بالقبول والتسليم؛ لأن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في صدورنا أجل وأعظم من أن نقدم عليها قول أحد ، فهذا الذي نعتقده وندين الله به ، فمن نسب عنا خلاف ذلك ، أو تقول علينا ما لم نقل ، فعليه لعنة الله ، والملائكة والناس أجمعين» .

موقفهم من البدع وأهلها

ويرون أن كل محدثة في الدين بدعة ، وكل بدعة ضلالة كما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وأنه يجب رد البدعة والإنكار على أهلها ، وهجر من يصر عليها .

[ص-144] قال الإمام : « وأرى هجر أهل البدع ومباينتهم حتى يتوبوا ، وأحكم عليهم بالظاهر وأكل سرائرهم إلى الله ، وأعتقد أن كل محدثة في الدين بدعة » .

وقال في رسالته إلى علماء الإسلام : « وجب اتباع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وترك البدع وإن اشتهرت بين أكثر العوام وليعلم أن العوام محتاجون إلى كلام أهل العلم في تحقيق هذه المسائل » .

وقد كان من أهم بواعث قيام الدعوة محاربة البدع بكل أنواعها وأشكالها وتخليص قلوب المسلمين وعباداتهم وأعمالهم من أوضار البدع التي حرفتهم عن حقيقة الدين وفرقتهم إلى فرق وطرق ومذاهب ومناهج متعادية وأوقعت بينهم العداوة والبغضاء ، وكثير منهم في الشركيات والكبائر حتى سارت مظاهر البدعة والشركيات في كثير من بلاد المسلمين .

وبعد : فهذه عقيدة الإمام محمد بن عبد الوهاب وأتباعه ، وهذا منهجهم في الدين ، الذي هو بحذافيره منهج السلف الصالح من الصحابة والتابعين والأئمة الأربعة ومن سلك سبيلهم ولم يبتدع ولم يبدل .

وبهذا تسقط مزاعم المفترين حين يعيرونهم بالوهابية ، وحين يزعمون أنهم مذهب خامس ، أو خوارج ، أو نحو ذلك من البهتان .

الفصل الثالث

أهم المزاعم والاتهامات التي أثارها الخصوم ضد الدعوة وإمامها

المبحث الأول

تمهيـــد حقيقة الصراع بين الدعوة وبين خصومها :

إن خصوم هذه الدعوة الإصلاحية المباركة إنما كانوا دائمًا (في كل زمان ، وكل مكان) وفي كل أمة هم خصوم الأنبياء والدعاة والمصلحين ، وهم خصوم السنة وأهلها ، وخصوم السلف الصالح ، من أهل الأهواء ، والبدع والافتراق والجهل والحسد ، كما قال تعالى ( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا) [سورة الأنعام ، آية : 112] ، وكذلك الحال مع ورثة الأنبياء وهم العلماء الدعاة المصلحون .

إن الصراع بين الدعوة وبين خصومها لم يكن في حقيقته صراعًا سياسيًا ولا ماديا ، ولا صراعًا على المصالح الدنيوية أيا كان نوعها (وإن كانت هذه الأمور من أسبابه) .

إنما كان صراعًا عقديًا بالدرجة الأولى ، ومظاهر الصراع السياسي وغيره جاءت تباعا؛ لأن الدعوة أعلنت نشر التوحيد والسنة ، ومحاربة الشركيات والبدع السائدة وأعلنت الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإقامة الحدود ، وتحقيق العدل ورفع الظلم ، والعمل بشرع الله في أمور الحياة وسعت إلى نشر العلم ، ومحاربة الجهل والدجل والسحر والفساد .

فقد انطلقت الدعوة من قاعدة ( أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ) [سورة النحل ، آية : 36] ، وهذا يتصادم مع عقائد أهل البدع والأهواء والافتراق ، والمنتفعين من شيوع البدع والجهل والتخلف .

هذه هي الحقيقة ولا شك .

وكل رسائل الدعوة وكتبها وأعمالها وتعاملاتها تدور على هذا الأصل : العودة للإسلام والسنة ، كما هي في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وسيرة السلف الصالح ، نقية صافية من شوائب الشركيات والبدع والأهواء والجهالات والطرق والفرق .

وهذا منبع الخلاف ومنشأ الصراع .

نعم ، لقد واجهت هذه الدعوة المباركة إمامها وعلماؤها وقادتها ودولتها ، وأتباعها وأنصارها ومؤيدوها حيثما كانوا – ولا تزال تواجه – أصنافًا من الخصوم ، وأنواعًا من التحديات والمفتريات والدعايات المضادة والخصومات .

فهي – كأي دعوة وحركة إصلاحية جادة – قد اصطدمت بقوى وتحديات وعقبات كبرى ومكائد عظيمة ، وخصوم أقوياء ، وأعداء أشداء من ديانات وفرق ومذاهب ، ودول [ص-149] وجماعات ، وعلماء ورؤساء وأمراء ، بل وغوغاء وجهلة .

ومع ذلك كله كانت هذه الدعوة – حين قامت على الحق والعدل – تنتصر وتنتشر ، فقد قاوم إمامها وعلماؤها وأتباعها وأمراؤها كل هذه التحديات ، بقوة الإيمان واليقين والعلم والحلم ، والصبر والثبات .

وإن الواقع ليشهد أن هذه الدعوة – رغم التحديات الكبيرة – كانت تظهر وتعلو وتؤتي ثمارها الطيبة حتى في فترات ضعف السلطة ، بل وفي البلاد التي لا توجد فيها لها سلطان ولا قوة حين لا تملك إلا قوة الحجة ، وما ذلك إلا لأنها تمثل الإسلام الحق الذي كتب الله لـه البقاء والظهور إلى قيام الساعة ، ولأنها تملك عوامل البقاء والثبات ومقومات القوة والنصر ، ولأنها تستمد القوة من نصرها لدين الله دين الحق والعدل ، ومن وعد الله تعالى لكل من نصر هذا الدين كما قال تعالى :( وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ) [سورة الحج ، آية : 40] .

ولأنها كانت تخاطب العقول السليمة والفطرة المستقيمة ، والقلوب الواعية المتجردة من الهوى .

عدم التكافؤ المادي بين الدعوة وبين خصومها

إن انتصار الدعوة وانتشارها وقيام دولتها مهيبة شامخة مع عدم التكافؤ بين إمكاناتها وإمكانات خصومها دليل كافٍ على ما تحمله من الحق والعدل .

لقد تهيأ لخصوم الدعوة والمعارضين لها من الإمكانات والوسائل والقوى ، والإغراءات والأسباب المادية ، للهجوم على الدعوة ما لا تملك الدعوة منه إلا اليسير سوى القوة المعنوية ، لا سيما في أول عهدها .

فكان الخصوم يستعدون دولة كبرى وهي الدولة التركية التي ساندت المناوئين للدعوة في أول الأمر ثم تحولت إلى خصم لدود للدعوة في نهاية المطاف ، وأعلنت الخصومة المذهبية والعقدية والسياسية ، والحرب العسكرية على الدعوة وأهلها؛ لأن الدولة التركية في آخر عهدها تبنت البدع ودانت بالتصوف والقبورية ، وهذا التوجه لا شك أنه معاكس لمنهج الدعوة الإصلاحية التي تقوم على تصحيح العقيدة والعبادة وتحارب التصوف والقبورية .

[ص-150] وكذلك أمراء الحجاز وهم خصومٌ أَلِدَّاء للدعوة وأتباعها كانوا يملكون من الوسائل ما لا تملكه الدعوة في أول عهدها. وكانت دعايتهم المضادة للدعوة تنطلق من مكة التي يؤمها المسلمون من كل مكان .

ومن وراء أولئك وهؤلاء شيوخ الفرق والطرق وأتباعها ، وأصحاب المطامع والشهوات والأهواء ، وأعداء الإسلام من الكافرين والمنافقين ، الذي يرهبونه ، ويكيدون للدين وأهله ، الذين قال الله فيهم وهو سبحانه العليم الخبير ( يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ ) [سورة آل عمران ، الآية : 118] .

فالدولة التركية ، وأمراء الأقاليم المجاورة وأصحاب الطرق والفرق ، وأعداء الإسلام كانوا كلهم يملكون من القوى السياسية والاقتصادية والعسكرية ، ووسائل النشر والإعلام الشيء الكثير ، في حين أن الدعوة ودولتها لا تملك من ذلك إلا القليل (كما أسلفت) .

فمن مكة (مثلا) في عهد الأشراف والأتراك كانت تنطلق الشائعات الكاذبة ، والمفتريات شفاهًا وبالكتب والرسائل وغيرها ضد الدعوة ، إلى كل مكان وبسرعة مذهلة ، ثم كانت وسائل الإعلام تنشر هذه المفتريات وكأنها حقائق في كل بقاع الدنيا ، وكون هذه الشائعات والمفتريات تصدُر من مكة والمدينة ، ومن أشراف ، وتؤيدها السلطة التركية ، هذه الأمور كافية عند عامة المسلمين البسطاء؛ لأن تُصَدَّق دون مناقشة .

ووسائل الإعلام والنشر خارج العالم الإسلامي كثيرًا ما تعتمد ذلك دون تثبُّت ولا روَّية .

بل كان أمراء الحجاز وأمراء الأحساء ومن شاكلهم حريصين على كل ما يقضي على الدعوة ودولتها الفتية الناشئة في مهدها بما في ذلك استعمال القوة العسكرية ، والحرب الإعلامية ، واستثارة عواطف الجهلة والغوغاء ، وأصحاب المطامع ، والمحجوبين عن الحقائق من العلماء والمفكرين وغيرهم .

يقول الدكتور عبد الله الصالح العثيمين تحت عنوان : « موقف القوى المحيطة بنجد من الدولة السعودية الأولى » : « كان متوقعًا أن تهتم جهات متعددة بالتطورات [ص-151] السريعة التي حدثت في نجد إثر ظهور دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب وقيام الدولة السعودية على أساسها ، وكان أهم تلك الجهات أشراف مكة وزعماء بني خالد ، وكان زعماء بني خالد أكثر التصاقًا بالأحداث الجارية في نجد؛ لأنهم أقرب جغرافيًا إلى مركز تلك الأحداث من أشراف مكة ، ولأن نفوذهم في إقليم العارض الذي انطلق منه دعوة الشيخ محمد كان أقوى من نفوذ أولئك الأشراف؛ بل كان النفوذ الوحيد الموجود حينذاك » .

« لقد اتخذ أشراف مكة موقفًا عدائيًا من دعوة الشيخ محمد والدولة السعوديـة على حدٍّ سواء منذ البداية. فقد سجن أحد أولئك الأشراف الحجاج التابعين للدولة السعودية سنة (1162هـ) .

وأصدر قاضي الشرع في تلك البلدة المقدسة فتوى بتكفير الشيخ محمد وأتباعه . ولذلك مُنِعوا من أداء الحج سنوات طويلة . وكم كانت فرحة الشيخ عظيمة عندما تلقى رسالة من الشريف أحمد بن سعيد عام (1185هـ) ، طالبًا منه بعث عالم نجدي لشرح الدعوة التي نادى بها. وقد أرسل إليه الشيخ تلميذه عبد العزيز الحُصيِّن . وبعث معه رسالة تنبئ عبارتها بما كان يختلج في نفسه من مشاعر طيّبة تجاه ذلك الشريف ، وما كان يملأ جوانحه من آمال في مناصرته لدعوة الحق. قال الشيخ :

« بسم الله الرحمن الرحيم. المعروض لديك ، أدام الله فضل نِعَمه عليك ، حضرة الشريف أحمد بن الشريف سعيد – أعزَّه الله في الدارين ، وأعزَّ به دين جدِّه سيِّد الثقلين – أن الكتاب لما وصل إلى الخادم وتأمَّل ما فيه من الكلام الحسن رفع يديه بالدعاء إلى الله بتأييد الشريف لما كان قصده نصر الشريعة المحمدية ومن تبعها ، وعداوة من خرج عنها. وهذا هو [ص-152] الواجب على ولاة الأمور… فلا بدَّ من الإيمان به – أي بالنبي صلى الله عليه وسلم – ولا بد من نصرته لا يكفي أحدهما عن الآخر. وأحقُّ الناس بذلك وأولاهم أهل البيت الذين بعثه الله منهم ، وشرَّفهم على أهل الأرض. وأحقُّ أهل البيت بذلك من كان من ذريته صلى الله عليه وسلم » .

على أن هذه الرسالة اللطيفة لم تُجن منها الثمار المرجوَّة. ذلك أن الشريف أحمد نفسه لم يبق في الحكم أكثر من سنة . فتلاشى ما دار في ذهن الشيخ من أمل ، واستمر منع أنصاره من أداء الحج. ومع مرور الأيام لم يكتف أشراف مكة بذلك المنع؛ بل بدءوا بمهاجمة الأراضي النجدية التابعة للدولة السعودية عام (1205هـ \1790 م) . وكانت النتيجة أن انتصر السعوديون في نهاية المطاف على أولئك الأشراف حتى دخلت الحجاز تحت حكمهم .

ولم يكن موقف زعماء بني خالد من دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب والدولة السعودية أقلَّ عداوة من موقف أشراف مكة » .

إن الدعوة لم تكن تملك (في مراحلها الأولى) من وسائل الإغراء ما يملكه خصومها من المال والجاه والمنافع المادية ، وبهارج الدنيا وزينتها ما يرغب الناس فيها ، ويجذب النفعيين والغوغاء ، وأصحاب المطامع إليها ، لكنها بالمقابل كانت تملك الجاذبية الفطرية ، جاذبية الإيمان والتوحيد ، والحق والبرهان والعقل السليم ، والدين القويم. وتلكم والله مقومات السعادة الحقيقية التي تنشدها البشرية ، والتي من تذوقها تشبث بها ، وبذل أغلى ما يملك فداءً لها .

وهذه الجاذبية الساحرة هي السر الذي جعل من تأثر بهذه الدعوة (بالإسلام الحق) يتميز بالقوة والثبات والتضحية في سبيل الله .

[ص-153] ولعل هذا هو السبب في أن بعض المبتدئين والأعراب وقليلي الفقه يكون عندهم شيء من الاندفاع والحماس غير المنضبطين حين لا يلتزم صاحبه بالحكمة والفقه في الدين والرجوع إلى أهل الذكر والعلم والتجربة .

حقيقة المفتريات والتهم ضد الدعوة :

إن إحساس خصوم الدعوة بقوتها وسرعة تأثيرها ، وعمق أثرها ، واستجابة الناس لها ، وما تملكه من الدليل والبرهان جعلهم يبادرون إلى مقاومتها والصد عنها بكل الوسائل. وكان أقوى سلاح رموها به استعداء الآخرين عليها من القريبين والبعيدين ، واستباحة الكذب والبهتان والتلبيس في نشر الدعاية ضدها .

كما أن المفتريات التي أثيرت حول الدعوة وإمامها وعلمائها ودعاتها ودولتها وأتباعها لا تصمد أمام التمحيص والموضوعية والبحث العلمي المتجرد .

فهي تراكمات من الشائعات والأكاذيب والمفتريات والبهتان الذي لا يصبر عليه الموافق ، ولا يقره المنصف ، ولا يثبت أمام الدليل وينفيه الواقع فهو إما من الكذب والافتراء ، والشتم واللمز .

– أو من اللوازم التي لا تلزم .

– أو من الحق الذي ألبس بالباطل .

– أو من زلات بعض المنتسبين للدعوة أو المنسوبين لها بغير حق .

– أو من الحكم على الضمائر والقلوب مما لا يعلمه إلا علاَّم الغيوب – سبحانه وتعالى – .

وسأبين شيئًا من ذلك في البحث التالي :

أبرز المفتريات والتهم التي رميت بها الدعوة وأتباعها إجمالًا 1 – وصفهم بالوهابية :

إن وصف خصوم الدعوة لها ولإمامها وأتباعها بالأوصاف المشينة والألقاب الشنيعة ، وإلصاق التهم والمفتريات ، والهمز واللمز والسّخرية منهم ومن أقوالهم وأعمالهم. كل ذلك من الظلم والباطل وهو راجع إلى اختلال الموازين ، وخلل المناهج لدى المخالفين والناقدين ، فأكثر ما ذموهم به ، أو أطلقوه عليهم من الأوصاف إن لم يكن من الكذب والبهتان وهو الغالب فهو من التلبيس والتضليل أو المبالغات ، أو الجهل بالحق وأدلته .

فقد عيّروهم بالوهابيين لإيهام الناس بأنهم جاءوا بمذهب جديد مبتدع .

2 – رميهم بالتجسيم :

ووصفوهم بأنهم (مجسمة) لأنهم يثبتون الصفات لله تعالى كما جاءت في نصوص القرآن والسنة وكما أثبتها السلف الصالح ، وهذا هو الحق لكن المخالفين صوروه بصورة الباطل لهؤلاء الخصوم على منهج الجهمية في التعطيل والتأويل ، الذين يسمون الإثبات تجسيما .

3 – بهتانهم بتنقص النبي صلى الله عليه وسلم وبغض الأولياء :

وبهتوهم بتنقص النبي صلى الله عليه وسلم وبغضه ، أو بغض الأولياء حين أنكروا بدع الموالد وإطراء النبي صلى الله عليه وسلم ، وحين أزالوا بدع القبور ، ونهوا عن دعاء غير الله تعالى والحلف بغير الله ونحو ذلك ، مما هو في حقيقة الأمر تعظيم لقدر النبي صلى الله عليه وسلم وامتثال لسنته ، وتكريم للأولياء والصالحين .

4 – اتهامهم بالتشدد :

ورموهم بالتزمت والتشدد حين أمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر وأقاموا شعائر الدين؛ لأن أهل الأهواء لا يريدون أن تنكر عليهم منكراتهم وبدعهم أو يُصَدُّون عن شهواتهم .

5 – اتهامهم بالتكفير واستحلال القتال :

ولما ظلموهم وقاتلوهم؛ هبوا للدفاع عن أنفسهم ودينهم ودولتهم وحقوقهم ، إلى أن صار لهم كيان وقامت لهم دولة تنشر السنة ، وتحارب الشركيات والبدع ، وتنصر المسلمين وتقيم العدل ، وتحكم بالشرع ، بعد ذلك ، اتهمهم خصومهم بالقتال والتكفير والتشدد ونحو ذلك من الأوصاف التي هي إلى المدح والتزكية أقرب منها إلى الذم والتجريح؛ لأنهم حين قاتلوا ابتداء قاتلوا دفاعًا عن أنفسهم وعن دعوة الحق حتى صارت لهم دولة وكيان يحمون به حقوقهم ودينهم ومصالحهم .

وحين تمسكوا بالدين وأخذوا بالسنة فهذا أمر ممدوح وإن سماه خصومهم والجاهلون تشدداً. فالعبرة بالمضامين والحقائق لا بالألفاظ التي يتلاعب بها الشياطين .

6 – دعوى معارضة علماء المسلمين وعقلائهم لها :

ومما يثار على الدعوة من قبل خصومها والجاهلين بحقيقتها ، أن بعض العلماء والصالحين ، وبعض العقلاء الأقربين قد عارضوها ، مع أن بعضهم كان قد وافق الإمام في أول دعوته ، ثم عارضه أو تخلى عنه .

فأقول : أولًا ليس شرطًا في صحة الدعوة وسلامتها موافقة كل العلماء والأمراء والعقلاء والصالحين. فقد تصرفهم عنها الصوارف التي تعتري البشر ، من الأهواء والحسد ، والخوف ، والشهوات ، والشبهات ، والتلبيس ، والاجتهاد الخاطئ ، وغيرها من الصوارف .

وثانيا : أن كثيرين من العلماء والصالحين والوجهاء والأمراء كانوا قد وافقوا الشيخ والإمام في أول دعوته ، لكنها لما وصلت إلى مرحلة الصدع بالحق ، ورفع الظلم والجهل والبدع والحزم والقوة ، ولما رأوا الجد والتبعات التي تترتب على إعلان الحق والتصدي للباطل ، تراجع بعضهم ، وضعف آخرون ، وتأثرت فئة ثالثة بالدعاية المضادة ، واستجابت لضغوط الواقع ، وإرجاف أهل الباطل ، وسكت آخرون إيثارًا للعافية .

وظهرت ردود الأفعال قوية عنيفة فلم يستطع الثبات أمام عواصفها إلا أولو العزم والصبر – وهم قليل – وتلك سنة الله في خلقه .

7 – دعوى مخالفتها لأكثرية المسلمين وأنها مذهب جديد (أو خامس ) :

وإن من أكثر ما يثار على الدعوة ومنهجها وإمامها دعوى أنها تخالف الأكثرية من المسلمين وأنها مذهب جديد أو خامس. وهذه دعوى لا اعتبار لها في ميزان الشرع والعقل السليم والواقع كما قال تعالى : ( وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ) [سورة الأنعام ، آية : 116] .

وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن هذه الأمة ستفترق إلى ثلاث وسبعين فرقة كلها هالكة إلا واحدة . كما أن اعتبار الأغلبية في الدين خلاف السنن التي قامت عليها دعوة الأنبياء والمصلحين ، فالعبرة بسلوك السبيل الحق ، المتمثل بالقرآن والسنة ونهج السلف الصالح ، والحق والعدل فحسب دون اعتبار لعدد السالكين أو الهالكين .

كما أن الناظر في واقع المسلمين في العصور المتأخرة لا يجد للأكثرية مذهبًا معينًا فقد تنازعتهم المذاهب والفرق والبدع والطرق والاتجاهات والشعارات والحزبيات ، هذا مع ضرورة الاحتفاظ بقاعدة : « أن الحق ما وافق السنة والسلف الصالح وإن كنت وحدك » وأعني بذلك أنا لو افترضنا – جدلًا – أن المسلمين اجتمع أكثرهم على مذهب يخالف السنة ، فلا عبرة بذلك شرعا .

وقد اعتمد إمام الدعوة مذهب الإمام أحمد بن حنبل رابع الأئمة الأربعة الذين ارتضتهم الأمة ، ولم يأت بمذهب جديد كما زعموا .

8 – دعوى منع التبرك والتوسل والشفاعة مطلقا :

لما نهى علماء الدعوة من التوسلات البدعية ، والتبرك البدعي ، وكذلك الشركيات والبدع التي يسميها أهل الأهواء شفاعة ، رموهم بأنهم يحرمون التوسل والتبرك والشفاعة مطلقا. وهذا كذب وبهتان .

وقد بينت في موطن آخر من هذا البحث أن السلف الصالح أهل السنة والجماعة ومنهم أتباع هذه الدعوة يثبتون التبرك المشروع ، والتوسل المشروع ، والشفاعة الثابتة بمقتضى النصوص ، ويدينون الله بذلك اعتقادًا وعملا. لكنهم يحاربون البدع والشركيات في ذلك كله .

المبحث الثالث

* لماذا هذه المفتريات والتهم ؟ عند التحقيق في دعاوى المناوئين وشائعات الخصوم ، وغيرهم نجد أن الناس الذي ينقلون هذه الشائعات ويتداولونها ليس لديهم مستندًا علميًا على ما يشيعون أو يفترون ، بل غالبًا إنما ينقل بعضهم عن بعض ، ويتداولون المقولات ، ويزيدون عليها ، فحين تظهر فرية تطير بها الشياطين في الآفاق حتى تتشعب وتزداد إلى أن تصبح من الأساطير والملاحم الكبرى التي قد تصل إلى كتب ومصنفات مصدرها الخيالات والأوهام والشائعات واللوازم التي لا أصل لها. والله حسبنا ونعم الوكيل. ومن أهم أسباب ذلك : 1 – الحسد والخوف على السلطان والمصالح :

ومما تجدر الإشارة إليه أن من أعظم ما استثار خصوم الدعوة سواء كانت خصومتهم مذهبية – وهو الغالب – وأعني بهم أهل الأهواء والبدع والافتراق – أو كانت خصومتهم دنيوية بسبب الحسد ، أو الخوف على المصالح ، أو من كانت خصومتهم سياسية ، كل هؤلاء وغيرهم ممن عارضوا الدعوة ووقفوا ضدها ، أو كرهوا ظهورها وانتشارها – إنما أزعجهم واستثارهم أن يكون للدعوة دولة وسلطان وإمارة وكيان سياسي ، لا سيما وأن أول من احتضنها وهو الإمام محمد بن سعود وأحفاده كانت تتوفر فيهم صفات الزعامة والقيادة والسيادة ، فكان ابن سعود يمتاز عن كثيرين ممن حولـه بالدين والخلق والعدل والحنكة والحلم والصبر ، وسداد الرأي ، وسلامة المعتقد مما أكسبه السمعة الحسنة والذكر الطيب ، وكثيرون من عقلاء الناس وساستهم يعرفون أن هذه هي مؤهلات التمكين والظهور بعد توفيق الله .

ولا شك أن هذه المؤهلات القيادية أثارت غيرة الزعامات المجاورة وغير المجاورة وحسدهم ، وخوفهم على مراكزهم ومصالحهم ، فكانوا في طليعة المناوئين للدعوة وإمامها وأميرها ودولتها .

وفي مقدمة هذا الصنف : المناوءون الأوائل الذين وقفوا ضد الحركة الإصلاحية وأثاروا العالم حول إمامها الشيخ محمد بن عبد الوهاب .

فإنهم حين رأوا الحزم والجد من قبل الشيخ في نشر دعوة التوحيد وإزالة البدع والمنكرات وإقامة الحدود ، شرعوا في استعداء الناس عليه ليس في نجد فحسب ، بل قام [ص-161] بعضهم بالمكاتبات والرسائل للعلماء والزعماء في سائر العالم الإسلامي ، ولسلاطين الدولة العثمانية والأشراف .

وقام آخرون بالرحلات إلى مواطن البدع واستنهض همم أهلها ، واستعداهم على الدعوة وإمامها وأتباعها .

ولعل من أكبر أسباب الدعاية المضادة للدعوة الإصلاحية السلفية ، إزالتها للبدع الظاهرة والمنكرات المتفشية ، فكلما وصلت إلى بلد أزالت القباب والمشاهد على القبور وهدمت الأضرحة التي يتجاوز بناؤها السنة وأزالت الأحجار والأشجار والمزارات البدعية ، وأقامت الحدود ، وقضت على المنكرات الظاهرة ، وعلى كل مظاهر الدجل والسحر والشعوذة وأكل أموال الناس بالباطل وسائر المظالم .

وهذا مما لا شك فيه أنه سيثير حفيظة أهل الباطل والمنكر والبدع ، ويوقع في نفوسهم الهلع ، وتنقطع به منافعهم ومصالحهم ، ومنافع كثير من المرتزقين بالبدع والمنكرات والدجل من زعماء وشيوخ وسدنة ومزورين وعاملين وغيرهم كثير من الخاصة والعامة .

وهذا من أكبر عوامل الإثارة ضد الدعوة وضد السنة إلى اليوم؛ لأنها تقضي على مظاهر الارتزاق بالشركيات والبدع والمنكرات وسائر أسباب الكسب الحرام ، والجاه المشبوه ، وتكشف ألاعيب الدجالين والمتاجرين بالدين .

– اختلاف المناهج والمشارب :

ومما يحسن التنبيه لـه – وهو مهم جدا – في إعطاء التصور العلمي الحقيقي في مسألة النزاع بين الدعوة وخصومها وما يثيرونه حولها من شبهات ومزاعم وانتقادات .

ألا وهو اختلاف المناهج والمشارب ، المتمثل بالاختلاف العقدي والمنهجي بين السنة وأهلها وبين البدعة وأهلها ، فالإمام محمد بن عبد الوهاب وأتباعه وكل من نهج نهج السنة والجماعة وطريق السلف الصالح يقررون السنة وينصرونها ، ويجانبون البدع ويحاربونها .

فالحق الذي يقولونه – وهو بيِّن – وأدلتهم من القرآن والسنة – وهي جليّة – غير معتمدة وغير مقبولة أصلًا عند أهل البدع ؛ لأنهم تقوم مناهجهم ومصادرهم وأدلتهم واستدلالاتهم على غير منهج الحق ، بل تقوم مصادرهم على التلفيق ، ومناهجهم على التحريف ، واستدلالاتهم على [ص-162] التلبيس واتباع المتشابه كما قال الله سبحانه عنهم : ( فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ ) [سورة آل عمـران ، آيــة : 7 ]. وعليه فلا نتوقع أن يكون الحق الذي يقول به أهل السنة عند أهل البدع مقبولا. ولا نتوقع أن يكون النهج الذي عليه أهل السنة عند أهل البدع مرضيا. إلا من وفقه الله للتجرد للحق ، (فليس كل أهل البدع يتعمدون الباطل لكنهم قد يجهلون الحق) .

أو من كان عليه الأمر ملتبسًا وهو يريد الحق أصلا ، فقد يرجع للحق إذا انكشف لـه الأمر .

أو من كان ضحية التضليل ودعاية السوء فتكشف لـه الحقيقة بعد البيان .

أو من كان محايدًا يميل إلى العدل والإنصاف فينظر في دعاوى الطرفين. حتى يتبين لـه وجه الحق .

إذًا فليس من شرط تحقيق الحق تسليم الخصم وإقراره به. ولكن معذرة إلى ربكم ولعلهم يرجعون .

3 – كشف العوار :

مما لا شك فيه أنه بظهور الحق ينكشف الباطل ، وبطلوع الشمس تنجلي ظلمات الليل ، وبشيوع العلم يرتفع الجهل ، وبإحياء السنن تموت البدع .

وهذا ما حصل فعلًا عندما قامت هذه الدعوة الإصلاحية المباركة ، فقد كشفت عوار أهل البدع والأهواء والافتراق ، وأظهرت جهلهم وزيفهم ، حين قامت على الدليل – القرآن والسنة – واعتمدت منهج السلف الصالح ، ونشرت العلم والسنة ، وحاربت الشركيات والبدع والخرافة والجهل ، ولذلك تداعوا عليها من كل مكان وأجلبوا عليها بخيلهم ورجلهم ولا يزالون ، لكنها لا تزال ولن تزال – بحول الله وقوته – ظاهرة بالحق منصورة تحقيقًا لوعد الله تعالى وخبر رسوله صلى الله عليه وسلم لا تزال طائفة في أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك .

* دعوة إلى الإنصاف والموضوعية :

وإنا لندعو أولئك الذين يروجون هذه الاتهامات والدعاوى ، والذين ينصرونها إلى التروي والإنصاف والموضوعية ، ومن القواعد والأسس العلمية والموضوعية ، والقواعد الجلية التي ندعو إليها كل من يريد أن يحاكم هذه الدعوة وأهلها أو يقومها ويسددها ، أو ينظر في حقيقة مقالات خصومها فيها ودعاواهم حولها إلى :

1 – رد ما اختلف فيه خصوم الدعوة من المسلمين معها ومع أهلها إلى القاعدة المجمع عليها عند المسلمين وهي قولـه تعالى : ( فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ) [سورة النساء ، آية : 59] أي إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، وبالمنهج العلمي المعتبر عند مجتهدي الأمة ، وهذا هو المنهج الذي سلكه إمام الدعوة وعلماؤها ، فكانوا يعتمدون الدليل من القرآن والسنة وآثار سلف الأمة وأقوال علمائها كما سأبينه في مناقشة دعاوى الخصوم تفصيلا .

2 – أن يكون الحكم عليها من خلال منهجها المعلن ، قولًا وعملًا واعتقادا. من خلال منهج أئمتها وعلمائها ومؤلفاتهم ورسائلهم ، وأقوالهم ومعاملاتهم التي عليها جملتهم .

3 – أن لا يحكم عليها من أقوال خصومها دون تثبت؛ لأن الدعوة لها كيان وواقع ماثل للعيان في علمائها وأتباعها ودولتها ومجتمعها ، وآثارها العلمية والعملية ، مما يستدعى وجوب التثبت مما ينسبه إليها الآخرون من أقوال وأفعال ومواقف ، فإن أكثره عند التحقيق لا يثبت ، وما ثبت لـه وجه من الحق والعُذر .

4 – يجب أن تكون النظرة في الحكم على الدعوة شاملة من جميع الزوايا والجوانب في الاعتقاد والقول والعمل والتعامل. لا من زاوية واحدة ، ولا من تصرفات وأعمال ومواقف شاذة أو فردية ، أو زلات عارضة ، فإن العبرة بالأصول والمنهج ، لا بالمفردات والجزئيات .

5 – أن لا يحكم عليها بلوازم الأقوال والأفعال إلا حين تلتزمها ، أو يثبت أن ذلك من منهجها بدليل قاطع .

6 – يجب النظر في دفاعها عن الحق الذي تعلنه ، فقد دافعت الدعوة عن مبادئها؛ إمامها ودولتها وعلماؤها وأتباعها ومؤيدوها ، والمنصفون من العلماء وغيرهم ، كلهم تصدوا للدفاع بالدليل والحجة والبرهان .

7 – كما أن شهادات الآخرين لها بشتى أصنافهم – من المسلمين أو غيرهم – معتبرة وهي كثيرة [ص-164] ومتنوعة من المسلمين وغير المسلمين ، ومن مختلف الطوائف والشعوب ، من علماء ومفكرين وأدباء وسياسيين ونحوهم .

8 – ثم إنه ليس كل خلاف بين المتنازعين كأهل الدعوة وخصومهم – أو غيرهم – يكون معتبرًا ويعتد به شرعًا وعقلا. إنما العبرة بالموازين والقواعد الشرعية المستمدة من الأدلة الشرعية ، (الوحي المعصوم) ، وبالبراهين العقلية المتفق عليها عند العقلاء .

وهذا لا يمكن أن يكون عند المسلمين إلا بالرجوع إلى الكتاب وصحيح السنة على نهج السلف الصالح في التلقي والاستدلال ، وفي العلم والعمل .

9 – يجب على الناقد والناظر في حقيقة هذه الدعوة أن يضع بعين الاعتبار أنها واجهت في الأمة أمراضًا مزمنة ، ومعضلات كبرى ، وأدواء مستعصية تحتاج في إصلاحها إلى دعوة قوية ، وهمم عالية ، ومنهج شامل ، وتغير جذري (هو تجديد السنة وإحياء ما أهمل منها ، وحرب البدع ومظاهرها) .

إن الدعوة واجهت قوى بدعية كبرى استشرت في جسم الأمة كالتصوف ، والرفض ، والتجهم ، والمقابرية ، والفرق المفترفة ، والفلسفات ، والشعوبية ، والقبلية ، والتقاليد والأعراف الموضوعة ، والأطماع والشهوات والشبهات ، والإعراض عن الدين ، فمن هنا كانت ردود الأفعال والتحديات والمفتريات كبيرة كذلك .

10 – كما ينبغي للباحث المنصف أن يضع في اعتباره كذلك ، أن الدعوة تعرضت لمظالم كبرى . أولها الكذب والبهتان ، والاستعداء الظالم ، والإعلام المرجف ، ثم المحاصرة الدينية والاقتصادية والسياسية من قبل الخصوم المجاورين والبعيدين . إلى أن وصل الحال إلى منع اتباعها من الحج ومنعهم بالقوة من إبلاغ الدعوة وإظهار شعائر الدين والتوحيد وقتل دعاتهم وحبسهم وطردهم ، بل وصل الأمر إلى تجييش الجيوش لقتالهم في دارهم وبلادهم الأولى (نجد) .

11 – أن أكثر ما رميت به الدعوة من خصومها والجاهلين بحقيقها من المفتريات ، هي عند التحقيق العلمي المتجرد بريئة منه .

وحين نجد أنها بريئة منه؛ بالمقابل نجد أن هؤلاء الخصوم الذين بهتوها هم الواقعون بما افتروه على الدعوة ، فهم كما يقال في المثل (رمتني بدائها وانسلت) .

فالتكفير والتشدد والقتال ، وتنقص حق الرسول صلى الله عليه وسلم وإهانة الأولياء ، والنصب والرفض ، والتجسيم ، والعدوان والظلم ، والكذب والبهتان ، والاستعداء والتضليل ، [ص-165] وكل ذلك حاصل من أهل البدع والأهواء والافتراق من خصوم الدعوة – ضدها بمختلف طوائفهم وأصنافهم وأزمانهم .

12 – أن في منهج إمام الدعوة وسيرته العلمية والعملية ، وما كتبه وعمله هو وأتباعه من العلماء والحكام والمؤيدين ، والمنصفين ، في الدعوة وأصولها وآثارها ، وفي الدين – ما يبطل دعاوى الخصوم ويفنِّد شبهاتهم ، ويكشف حقيقة مفترياتهم ، وزيف دعاواهم .

ومما يؤكد هذه الحقيقة أن المتأمل لمفتريات الخصوم يجد أنها مع توافر كتب الدعوة ورسائلها لا تستند إلى دليل ، ولا نقل موثق ، ولا إسناد صحيح. وغاية ما عند الخصوم : قيل وقالوا ، ويقال .

وبالمقابل نجد كل دعوى وافتراء وبهتان قيلت عن الدعوة وإمامها وأهلها – قد ردها الإمام نفسه ، وعلماء الدعوة وأنصارها ، والمنصفون من غيرهم .

وكتبهم ورسائلهم وحواراتهم ومواقفهم كلها مسطورة منشورة ، وكذلك مؤلفات المنصفين والمحايدين ومقالاتهم كثيرة موفورة ، وما قد يوجد من نقول الخصوم عن علماء الدعوة – وهو قليل – فلا يسلم من عوارض الخطأ والانحراف في الاستدلال من البتر ، والتلبيس ، والخلل في النقل أو في الحكم ، أو النزاع فيما لا يوافق عليه المنازع ، أو اتهام النيات ، أو الإلزام بما لا يلزم. ونحو ذلك مما تنطوي عليه مناهج المخالفين من أهل الأهواء والبدع من الخلل والانحراف .

وقفة تأمل ومراجعة :

ومع ذلك فيجب أن نعترف أنه من الطبيعي أن تحدث من بعض المنتسبين للدعوة بعض الأخطاء والتجاوزات والزلات – كما ذكرت أكثر من مرة – التي لا تسلم منها أعمال البشر – وليس معصوم إلا النبي صلى الله عليه وسلم (والكمال لله وحده سبحانه) لكن هذه الأخطاء ليست هي المنهج الذي تسير عليه الدعوة لأنها تنطلق في الإسلام نفسه ، وتسير على السنة ، والإسلام والسنة هما دين الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه .

ومعلوم أن كل أمة ، وكل مبدأ ، وكل نظام إنما يكون الحكم لـه أو عليه من خلال أصوله وقواعده ومناهجه ونظمه وجملة الواقع الذي يعيشه أتباعه ، لا بما يند عن ذلك من أقوال أو أفعال أو أحكام تخرج عن الأصل .

المبحث الرابع

نماذج من المفتريات والاتهامات الأنموذج الأول وجوابه :

ويمثل أخطر رسالة وأهمها في أول الدعوة في استعداء العالم الإسلامي على الدعوة وصاحبها وأتباعه .

وهي رسالة سليمان بن محمد بن سحيم وهي بمثابة البرقية العاجلة الموجهه إلى سائر العلماء في العالم الإسلامي :

«من الفقير إلى الله تعالى ، سليمان بن محمد بن سحيم ، إلى من يصل إليه من علماء المسلمين وخُدّام شريعة سيِّدِ ولَدِ آدم من الأولين والآخِرين ، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، أما بعد :

فالذي يحيط به علمُكم أنه قد خرج في قطرنا رجل مبتدعٌ جاهل ، مُضِلٌّ ضال ، من بضاعة العلم والتقوى عاطل ؛ جرت منه أمور فظيعة ، وأحوال شنيعة ، منها شيء شاع وذاع ، وملأ الأسماع ، وشيء لم يتعدّ أماكننا بعد . فأحببنا نشر ذلك لعلماء المسلمين وورثَة سيِّد المرسَلين ليصيدوا هذا المبتدِع صيْدَ أحرار الصُّقور لصغار بُغَاث الطيور ، ويردُّوا بِدَعَهَ وضلالته ، وجهله وهفواته .

والقصد من ذلك : القيام لله ورسوله ، ونصرة الدين؛ جعلنا الله وإياكم من الذين يتعاونون على البر والتقوى .

فمن بدعه وضلالته : أنه عمد إلى شهداء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الكائنين في الجُبَيْلَة : زيد بن الخطاب وأصحابه ، وهدم قبورهم وبعثرها ، لأجل أنهم من حجارة ولا يقدرون أن يحفروا لهم ، فطووا على أضرحتهم قدْرَ ذراع ليمنعوا الرائحة والسباع ، والدافع لهم خالد ، وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم .

[ص-169] وعمد أيضًا إلى مسجد في ذلك وهدمه ، وليس داعٍ شرعي في ذلك إلا اتباع الهوى .

ومنها : أنه أحرق « دلائل الخيرات » لأجل قول صاحبها : سيدنا ومولانا وأحرق أيضًا « روض الرياحين » وقال : هذا روض الشياطين .

ومنها : أنه صحّ عنه أن يقول : لو أقدر على حجرة الرسول هدمتُها ، ولو أقدر على البيت الشريف أخذت ميزابه ، وجعلت بدله ميزاب خشب . أما سمع وجه قولـه تعالى :( وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ)( سورة الحج الآية 32) .

ومنها : أنه ثبت أنه يقول : الناس من ستمائة سنة ليسوا على شيء. وتصديق ذلك أنه بعث إليَّ كتابا يقول فيه : أقرُّوا أنكم قبلي جُهَّال ضُلال .

ومن أعظمها : أنّ من لم يوافقه في كل ما قال ويشهد أن ذلك حقٌّ ، يَقْطْع بكفره ، ومن وافقه وصدّقه في كل ما قال – قال : أنت موحِّد ، ولو كان فاسقًا محضا ، أو ماكسًا . [ص-170] وبهذا ظهر أنه يدعو إلى توحيد نفسه لا إلى توحيد الله .

ومنها : أنه بعث إلى بلداننا كتابًا مع بعض دُعاته بخطِّ يده ، وحلف فيه بالله أن علمه هذا لم يعرفه مشايخه الذين ينتسب إلى أخذ العلم منهم – في زعمه ، وإلا فليس لـه مشايخ – ولا عرفه أبوه ، ولا أهل « العارض » . فيا عجبًا إذا لم يتعلمه من المشايخ ولا عرفه أبوه ولا أهل قُطْره ، فمن أين علمه؟ وعن من أخذه؟ هل أوحى إليه؟ أو رآه مناما؟ أو أعلمه به الشيطان؟ وحلفه هذا أشرف عليه جميع أهل العارض .

ومنها : أنه يقطع بتكفير ابن الفارض وابن عربي .

ومنها : أنه قاطع بكفر سادةٍ عندنا من آل الرسول ، لأجل أنهم يأخذون النذور ، ومن لم يشهد بكفرهم فهو كافر عنده .

ومنها : أنه ثبت عنه لمّا قيل لـه : اختلافُ الأئمة رحمة؛ قال : اختلافهم نقمة .

ومنها : أنه يقطع بفساد الوقف ، ويكذِّب المروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه أنهم وقفوا .

ومنها : إبطال الجعالة على الحج .

ومنها : أنه ترك تمجيد السلطان في الخطبة ، وقال : السلطان فاسق لا يجوز تمجيده .

ومنها : أنه قال : الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة وليلتها هي بدعة وضلالة تَهْوِي بصاحبها إلى النار .

[ص-171] ومنها : أنه يقول : الذي يأخذه القضاة قديمًا وحديثًا – إذا قضوا بالحق بين الخصمين ، ولم يكن بيت مال لهم ولا نفقـة – إن ذلك رشــوة . هـــذا القــول بخــلاف المنصوص عن جميع الأمَّة : أن الرشوة ما أُخِذ لإبطال حقٍّ أو لإحقاق باطل ، وأن للقاضي أن يقول للخصمين : لا أقضي بينكما إلا بجُعْل .

ومنها : أنه يقطع بكفر الذي يذبح الذبيحة ويسمِّي عليها ويجعلها لله تعالى ، ويدخل مع ذلك دفع شر الجن ، ويقول : ذلك كفر واللحم حرام ، فالذي ذكره العلماء في ذلك أنه مَنْهِيٌّ عنه فقط وذكره في حاشية « المنتهى » .

فبيِّنوا رحمكم الله للعوامِّ المساكين الذي لبَّس عليهم ، وأبطل عليهم الاعتقاد الصحيح ، فإن رأيتم أن ذلك صواب فبيِّنُوه لنا ونرجع إلى قولـه « وإن رأيتموه خطأ فادعوه وازجروه وبينوا للناس خطأه ، فقد افتتن بسببه ناس كثير من أهل قُطْرنا ، فتداركوا – رحمكم الله – الأمر قبل أن يرسخ في النفوس ، فإن الجواب متعيِّنٌ على من وقف عليه ممن لـه معرفة بحكم الله ورسوله؛ لأن ذلك إظهار للحق عند خفائه ، وإدحاض للباطل » .

جواب الإمام وابنه عبد الله على هذه المفتريات ونحوها :

ومما يكشف حقيقة هذا الرجل « ابن سحيم » وأمثاله هذه الرسالة القيمة التي بعثها الشيخ الإمام إليه ناصحًا وعاتبًا وموبخًا لـه وكاشفًا لحاله وما كان عليه من التناقض والاضطراب والكيد للدعوة وإمامها .

ومما قال فيها : « فإن كان هذا قدر فهمك ، فهذا من أفسد الأفهام ، وإن كنت [ص-172] تلبس به على الجهال ، فلا أنت برابح » .

ثم قال مشفقًا على أولئك الجهال الذي يلبس عليهم ابن سحيم : « يعتقدون أنكم علماء ، ونداريكم نود أن الله يهديكم ويهديهم ، وأنت إلى الآن أنت وأبوك ، لا تفهمون شهادة أن لا إله إلا الله » .

« ونكشف لك هذا كشفًا بيناً ، لعلك تتوب إلى الله ، وتدخل في دين الإسلام ، إن هداك الله » .

ثم قال : « وكشف ذلك بوجوه :

الوجه الأول : أنكم تقرون ، أن الذي يأتيكم من عندنا هو الحق ، وأنت تشهد به ليلًا ونهارا ، وإن جحدت هذا ، شهد عليك الرجال والنساء .

ثم [مع] هذه الشهادة « أن هذا دين الله » أنت وأبوك : مجتهدان ، وتبهتون وترمون المؤمنين بالبهتان العظيم ، وتصورون على الناس الأكاذيب الكبار ، فكيف تشهد أن هذا دين الله ، ثم تتبين في عداوة من تبعه ؟!

الوجه الثاني : أنك تقول إني أعرف التوحيد ، وتقر أن من جعل الصالحين وسائط ، فهو كافر ، والناس يشهدون عليك أنك تروح للمولد وتقرؤه لهم ، وتحضرهم وهم ينخون ويندبون مشايخهم ، ويطلبون منهم الغوث والمدد ، وتأكل اللقم من الطعام المعد لذلك ، فإذا كنت تقر : أن هذا كفر ، فكيف تروح لهم ، وتعاونهم عليه ، وتحضر كفرهم ؟! .

الوجه الثالث : أن تعليقهم التمائم ، من الشرك بنص رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد ذكر [ص-173] تعليق التمائم صاحب الإقناع ، في أول الجنائز ، وأنت تكتب الحجب ، وتأخذ عليها شرطًا حتى أنك تكتب لامرأة حجابًا لعلها تحبل ، وشرطت لك أحمرين ، وطالبتها تريد الأحمرين ، فكيف تقول : إني أعرف التوحيد؟ وأنت تفعل هذه الأفاعيل؟ وإن أنكرت ، فالناس يشهدون عليك بهذا .

الوجه الرابع : أنك تكتب في حجبك طلاسم ، وقد ذكر في الإقناع أنها من السحر ، والسحر يكفر صاحبه ، فكيف تفهم التوحيد ، وأنت تكتب الطلاسم؟ وإن جحدت فهذا خط يدك موجود .

الوجه الخامس : أن الناس فيما مضى ، عبدوا الطواغيت ، عبادة ملأت الأرض ، بهذا الذي تقر أنه من الشرك ، ينخونهم ويندبونهم ، ويجعلونها وسائط ، وأنت وأبوك تقولان نعرف هذا ، ولكن ما سألونا ، فإذا كنتما تعرفانه ، كيف يحل لكما أن تتركا الناس يكفرون؟ ما تنصحانهم ولو ما سألوكما .

الوجه السادس : أنّا لما أنكرنا عبادة غير الله ، بالغتم في عداوة هذا الأمر وإنكاره ، وزعمتم أنه مذهب خامس ، وأنه باطل ، وإن أنكرتم فالناس يشهدون عليكم بذلك ، وأنتم مجاهرون به ، فكيف تقولون هذا كفر ، ولكن ما سألونا عنه؟ فإذا قام من يبين للناس التوحيد ، قلتم إنه مغير الدين ، وآت بمذهب خامس ، فإذا كنت تعرف التوحيد ، وتقر أن كلامي هذا حق ، فكيف تجعله تغييرًا لدين الله؟ وتشكونا عند أهل الحرمين؟ » .

ثم أجاب الشيخ كذلك عن شبهات سليمان بن سحيم ومزاعمه في رسالة أخرى بعثها إلى عبد الله بن سحيم قال فيها :

« من محمد بن عبد الوهاب إلى عبد الله بن سحيم وبعد : ألفينا مكتوبك وما ذكرت فيه من ذكرك وما بلغك ، ولا يخفاك أن المسائل التي ذكرت أنها بلغتكم في كتاب من العارض جملتها أربع وعشرون مسألة بعضها حق وبعضها بهتان وكذب .

وقبل الكلام فيها لا بد من تقديم أصل : وذلك أن أهل العلم إذا اختلفوا ، والجهّال إذا تنازعوا ومثلي ومثلكم إذا اختلفنا في مسألة هل الواجب اتباع أمر الله ورسوله وأهل العلم؟ أو [ص-174] الواجب اتباع عادة الزمان التي أدركنا الناس عليها ، ولو خالفت ما ذكره العلماء في جميع كتبهم ، وإنما ذكرت هذا ولو كان واضحًا لأن بعض المسائل التي ذكرت أنا قلتها لكن هي موافقة لما ذكره العلماء في كتبهم ، الحنابلة وغيرهم .

ولكن هي مخالفة لعادة الناس التي نشأوا عليها فأنكرها عليّ لأجل مخالفة العادة وإلا فقد رأوا تلك في كتبهم عيانا ، وأقروا بها وشهدوا أن كلامي هو الحق لكن أصابهم ما أصاب الذين قال الله فيهم ( فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ ) [سورة البقرة ، آية : 89] .

وهذا هو ما نحن فيه بعينه ، فإن الذي راسلكم هو عدو الله ابن سحيم ، وقد بينت ذلك لـه فأقر به ، وعندنا كتب يده في رسائل متعددة أن هذا هو الحق ، وأقام على ذلك سنين ، لكن أنكر آخر الأمر لأسباب أعظمها البغي أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده .

وذلك أن العامة قالوا لـه ولأمثاله إذا كان هذا هو الحق فلأي شيء لم تنهونا عن عبادة شمسان وأمثاله ، فتعذروا : أنكم ما سألتمونا ، قالوا : وإن لم نسألكم كيف نشرك بالله عندكم ولا تنصحونا ، وظنوا أن يأتيهم في هذا غضاضة وأن فيه شرفًا لغيره ، وأيضًا لما أنكرنا عليهم أكل السحت والرشا إلى غير ذلك من الأمور ، فقام يدجل عندكم وعند غيركم بالبهتان والله ناصر دينه ولو كره المشركون .

وأنت لا تستهون مخالفة العادة على العلماء فضلًا عن العوام ، وأنا أضرب لك مثلًا بمسألة واحدة وهي مسألة الاستجمار ثلاثًا فصاعدًا غير عظم ولا روث ، وهو كاف مع وجود الماء عند الأئمة الأربعة وغيرهم ، وهو إجماع الأمة لا خلاف في ذلك ، ومع هذا لو يفعله أحد لصار هذا عند الناس أمرًا عظيماً ، ولنهوا عن الصلاة خلفه ، وبدّعوه مع إقرارهم بذلك ولكن لأجل العادة .

إذا تبين هذا فالمسائل التي شنع بها منها : ما هو من البهتان الظاهر وهي قولـه :

إني مبطل كتب المذاهب .

وقولـه : إني أقول إن الناس من ستمائة سنة ليسوا على شيء .

وقولـه : إني أدعي الاجتهاد .

[ص-175] وقولـه : إني خارج عن التقليد .

وقولـه : إني أقول : إن اختلاف العلماء نقمة .

وقولـه : إني أكفر من توسل بالصالحين .

وقولـه : إني أكفر البوصيري لقولـه يا أكرم الخلق .

وقولـه إني أقول : لو أقدر على هدم حجرة الرسول لهدمتها ولو أقدر على الكعبة لأخذت ميزابها وجعلت لها ميزابًا من خشب .

وقولـه : إني أنكر زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم .

وقولـه : إني أنكر زيارة قبر الوالدين وغيرهم .

وإني أُكَفِّر من يحلف بغير الله .

فهذه اثنتا عشرة مسألة جوابي فيها أن أقول : ( سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ )[سورة النور ، آية : 16] ولكن قبله من بهت النبي صلى الله عليه وسلم أنه يسب عيسى ابن مريم ويسب الصالحين (تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ ) وبهتوه بأنه يزعم أن الملائكة ، وعيسى ، وعزيرًا في النار فأنزل الله في ذلك (إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ) [سورة الأنبياء ، آية : 101] .

وأما المسائل الأخرى وهي أني أقول : لا يتم إسلام الإنسان حتى يعرف معنى لا إله إلا الله .

ومنها : أني أُعرِّف من يأتيني بمعناها .

ومنها : أني أقول الإله هو الذي فيه السر .

ومنه : تكفير الناذر إذا أراد به التقرب لغير الله وأخذ النذر كذلك .

ومنها : أن الذبح للجن كفر ، والذبيحة حرام ولو سمى الله عليها إذا ذبحها للجن .

فهذه خمس مسائل كلها حق وأنا قائلها. ونبدأ بالكلام عليها لأنها أمّ المسائل وقبل ذلك أذكر معنى لا إله إلا الله فنقول : التوحيد نوعان توحيد الربوبية وهو : أن الله سبحانه متفرد بالخلق والتدبير عن الملائكة والأنبياء وغيرهم ، وهذا حق لا بد منه ؛ ليدخل الرجل في الإسلام؛ لأن أكثر الناس مقرون به قال الله تعالى :( قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمْ مَنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ) [سورة يونس ، آية : 31] .

[ص-176] وأن الذي يدخل الرجل في الإسلام هو توحيد الألوهية ، وهو : أن لا يعبد إلا الله لا ملكًا مقربًا ولا نبيًا مرسلا ، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث وأهل الجاهلية يعبدون أشياء مع الله ، فمنهم من يدعو الأصنام ، ومنهم من يدعو عيسى ، ومنهم من يدعو الملائكة فنهاهم عن هذا ، وأخبرهم أن الله أرسله ليوحد ولا يدعى أحد من دونه لا الملائكة ولا الأنبياء ، فمن تبعه ووحد الله فهو الذي شهد أن لا إله إلا الله ، ومن عصاه ودعا عيسى والملائكة واستنصرهم ، والتجأ إليهم فهو الذي جحد لا إله إلا الله مع إقراره أنه لا يخلق ولا يزرق إلا الله .

وهذه جملة لها بسط طويل ، لكن الحاصل أن هذا مجمع عليه بين العلماء ، ولما جرى في هذه الأمة ما أخبر به نبيها صلى الله عليه وسلم حيث قال : لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه وكان من قبلهم كما ذكر الله عنهم : سورة التوبة الآية 31 اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ [سورة التوبة ، آية : 31] ، فصار ناس من الضالين يدعون أناسًا من الصالحين في الشدة والرخاء مثل عبد القادر الجيلاني ، وأحمد البدوي ، وعدي بن مسافر ، وأمثالهم من أهل العبادة والصلاح ، فأنكر عليهم أهل العلم غاية الإنكار ، وزجروهم عن ذلك ، وحذروهم غاية التحذير والإنذار من جميع المذاهب الأربعة في سائر الأقطار والأمصار فلم يحصل منهم انزجار بل استمروا على ذلك غاية الاستمرار .

وأما الصالحون الذين يكرهون ذلك فحاشاهم من ذلك ، وبيّن أهل العلم أن أمثال هذا هو الشرك الأكبر ، وأنت ذكرت في كتابك تقول : يا أخي ما لنا والله دليل إلا من كلام أهل العلم وأنا أقول : كلام أهل العلم رضى ، وأنا أنقله لك وأنبهك عليه فتفكر فيه وقم لله ساعة ناظرًا ومناظرًا مع نفسك ومع غيرك ، فإن عرفت أن الصواب معي ، وأن دين الإسلام اليوم من أغرب الأشياء أعني دين الإسلام الصرف الذي لا يمزج بالشرك والبدع وأما الإسلام الذي ضده الكفر فلا شك أن أمة محمد صلى الله عليه وسلم آخر الأمم وعليها تقوم الساعة .

فإن فهمت أن كلامي هو الحق فاعمل لنفسك ، واعلم أن الأمر عظيم ، والخطب [ص-177] جسيم ، فإن أشكل عليك شيء فسفرك إلى المغرب في طلبه غير كثير ، واعتبر لنفسك حيث قلت لي فيما مضى : إن هذا هو الحق الذي لا شك فيه لكن لا نقدر على تغييره ، وتكلمت بكلام حسن ، فلما غربلك الله بولد المويس ولبَّس عليك ، وكتب لأهل الوشم يستهزئ بالتوحيد ، ويزعم أنه بدعة ، وأنه خرج من خراسان ويسب دين الله ورسوله لم تفطن لجهله وعظم ذنبه وظننت أن كلامي فيه من باب الانتصار للنفس ، وكلامي هذا لا يغيرك فإن مرادي أن تفهم أن الخطب جسيم ، وأن أكابر أهل العلم يتعلمون هذا ويغلطون فيه فضلًا عنا وعن أمثالنا فلعله إن أشكل عليك تواجهني .

هذا إن عرفت أنه حق وإن كنت إذا نقلت لك عبارات العلماء عرفت أني لم أفهم معناها وأن الذي نقلت لك كلامهم أخطئوا ، وأنهم خالفهم أحد من أهل العلم فنبهني على الحق وأرجع إليه إن شاء الله تعالى » .

كما رد الشيخ عبد الله بن الإمام محمد على كثير من هذه المزاعم : قائلا : « وأما ما يكذب علينا : سترًا للحق ، وتلبيسًا على الخلق .

بأنا نفسر القرآن برأينا ، ونأخذ من الحديث ما وافق فهمنا ، من دون مراجعة شرح ، ولا معول على شيء .

وأنا نضع من رتبة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم بقولنا : النبي رمة في قبره ، وعصا أحدنا أنفع لـه منه ، وليس لـه شفاعة ، وأن زيارته غير مرغوبة ، وأنه كان لا يعرف معنى لا إله إلا الله ، حتى أنزل عليه فاعلم أنه لا إله إلا الله ، مع كون الآية مدنية .

وأنا لا نعتمد على أقوال العلماء .

ونتلف مؤلفات أهل المذاهب ، لكون فيها الحق والباطل .

وأنا مجسمة .

وأنا نكفر الناس على الإطلاق أهل زماننا ، ومن بعد الستمائة ، إلا من هو على ما نحن عليه .

[ص-178] ومن فروع ذلك : أنا لا نقبل بيعة أحد إلا بعد التقرير عليه بأنه كان مشركا ، وأن أبويه ماتا على الإشراك بالله .

وأنا ننهى عن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم . ونحرم زيارة القبور المشروعة مطلقا ، وأن من دان بما نحن عليه ، سقطت عنه جميع التبعات ، حتى الديون .

وأنا لا نرى حقًا لأهل البيت – رضوان الله عليهم – وأنا نجبرهم على تزويج غير الكفء لهم .

وأنا نجبر بعض الشيوخ على فراق زوجته الشابة ، لتنكح شابا ، إذا ترافعوا إلينا .

فلا وجه لذلك؛ فجميع هذه الخرافات ، وأشباهها لما استفهمنا عنها من ذكر أولا ، كان جوابنا في كل مسألة من ذلك : سبحانك هذا بهتان عظيم؛ فمن روى عنا شيئًا من ذلك ، أو نسبه إلينا ، فقد كذب علينا وافترى .

ومن شاهد حالنا ، وحضر مجالسنا ، وتحقق ما عندنا ، علم قطعا : أن جميع ذلك وضعه ، وافتراه علينا ، أعداء الدين ، وإخوان الشياطين ، تنفيرًا للناس عن الإذعان ، بإخلاص التوحيد لله تعالى بالعبادة ، وترك أنواع الشرك ، الذي نص الله عليه بأن الله لا يغفره ( وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ ) [سورة النساء ، آية : 48] فإنا نعتقد : أن من فعل أنواعًا من الكبائر ، كقتل المسلم بغير حق ، والزنا ، والربا ، وشرب الخمر ، وتكرر منه ذلك : أنه لا يخرج بفعله ذلك عن دائرة الإسلام ، ولا يخلد به في دار الانتقام ، إذا مات موحدًا بجميع أنواع العبادة .

والذي نعتقده : أن رتبة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم أعلى مراتب المخلوقين على الإطلاق ، وأنه حي في قبره ، حياة برزخية ، أبلغ من حياة الشهداء المنصوص عليها في التنـزيل ، إذ هو أفضل منهم بلا ريب ، وأنه يسمع سلام المسلم عليه ، وتسن زيارته ، إلا أنه لا يشد الرحل إلا لزيارة المسجد والصلاة فيه ، وإذا قصد مع ذلك الزيارة فلا بأس ، ومن أنفق نفيس أوقاته ، بالاشتغال بالصلاة عليه صلى الله عليه وسلم الواردة عنه ، فقد فاز بسعادة الدارين ، وكفي همه وغمه ، كما جاء في الحديث عنه » .

الأنموذج الثاني : المفتريات التي ساقها صاحب (خلاصة الكلام) والتعليق عليه :

وهي تمثل خلاصة الشبهات والتهم والمفتريات على الدعوة وإمامها من قبل خصوم الدعوة خارج نجد .

يقول صاحب (خلاصة الكلام) في حوادث سنة (1205هـ) وقد كتبها بعد وفاة الإمام محمد بن عبد الوهاب بقرن « وفي هذه السنة كان ابتداء الحرب والقتال بين مولانا الشريف غالب وطائفة الوهابية التابعين لمحمد بن عبد الوهاب في عقيدته التي كفَّر بها المسلمين » .

وينبغي قبل ذكر المحاربة والقتال ذكر ابتداء أمرهم وحقيقة حالهم فإن فتنتهم من أعظم الفتن التي ظهرت في الإسلام طاشت من بلاياها العقول وحار فيها أرباب العقول وكان ابتداء ظهور محمد بن عبد الوهاب سنة ألف ومائة وثلاث وأربعين واشتهر أمره بعد الخمسين ، فأظهر العقيدة الزائغة بنجد وقُراها .

فقام بنصرته وإظهار عقيدته محمد بن سعود أمير الدرعية بلاد مسيلمة الكذاب فحمل أهلها على متابعة محمد بن عبد الوهاب فيما يقول فتابعه أهلها ، وسيأتي ذكر شيء من [ص-180] عقيدته التي حمل الناس عليها وما زال يطيعه على هذا الأمر كثير من أحياء العرب حي بعد حي حتى قوي أمره فخافته البادية. وكان يقول لهم إنما أدعوكم إلى التوحيد ، وترك الشرك بالله ، فكانوا يمشون معه حيثما مشى ، ويأتمرون لـه بما شاء حتى اتسع لـه الملك . وكانوا في مبدأ أمورهم قبل اتساع ملكهم وتطاير شرورهم راموا حج البيت الحرام وكان ذلك في دولة الشريف مسعود بن سعيد بن سعد بن زيد فأرسلوا يستأذنونه في الحج . وأرسلوا قبل ذلك ثلاثين من علمائهم ظنًا منهم أنهم يفسدون عقائد علماء الحرمين ويدخلون عليهم الكذب والمين وطلبوا الإذن في الحج ولو بمقرر يدفعونه .

وكان أهل الحرمين يسمعون بظهورهم في الشرق وفساد عقائدهم ولم يعرفوا حقيقة ذلك ، فأمر مولانا الشريف مسعود أن يناظر علماء الحرمين العلماء الذين أرسلوا فناظروهم فوجدوهم ضحكة ومسخرة كحمر مستنفرة فرت من قسورة ، ونظروا إلى [ص-181] عقائدهم فإذا هي مشتملة على كثير من المكفرات فبعد أن أقاموا عليهم البرهان والدليل أمر الشريف مسعود قاضي الشرع أن يكتب حجة بكفرهم الظاهر ليعلم به الأول والآخر وأمر بسجن أولئك الملاحدة الأنذال ووضعهم في السلاسل والأغلال فسجن منهم جانبًا وفرَّ الباقون ووصلوا إلى الدرعية وأخبروا بما شاهدوا فعتى أمرهم واستكبر ، ونأى عن هذا المقصد وتأخر حتى مضت دولة الشريف مسعود وأقيم بعده أخوه الشريف مساعد بن سعيد فأرسلوا في مدته يستأذنون في الحج فأبى وامتنع من الإذن لهم فضعفت عن الوصول مطامعهم فلما مضت دولة الشريف مساعد وتقلد الأمر أخوه الشريف أحمد بن سعيد أرسل أمير الدرعية جماعة من علمائه كما أرسل في المدة السابقة .

فلما اختبرهم علماء مكة وجدوهم لا يتدينون إلا بدين الزنادقة فأبى أن يقر لهم في حمى البيت الحرام قرار ولم يأذن لهم في الحج بعد أن ثبت عند العلماء أنهم كفار كما ثبت في دولة الشريف مسعود .

فلما أن ولي الشريف سرور أرسلوا أيضًا يستأذنونه في زيارة البيت المعمور فأجابهم : بأنكم إن أردتم الوصول آخذ منكم في كل سنة وعام صرمة مثل ما نأخذها من [ص-182] الأعاجم وآخذ منكم زيادة على ذلك مائة من الخيل الجياد فعظم عليهم تسليم هذا المقدار وأن يكونوا مثل العجم فامتنعوا من الحج في مدته كلها فلما توفي وتولى سيدنا الشريف غالب أرسلوا أيضًا يستأذنون في الحج فمنعهم وتهددهم بالركوب عليهم وجعل ذلك القول ، فعلًا فجهز عليهم جيشًا في سنة ألف ومائتين وخمسة واتصلت بينهم المحاربات والغزوات إلى أن انقضى تنفيذ مراد الله فيما أراد وسيأتي شرح تلك الغزوات والمحاربات بعد توضيح ما كانوا عليه من العقائد الزائغة التي كان تأسيسها من محمد بن عبد الوهاب .

وقد عاش من العمل سنين حتى كاد أن يعد من المنظرين فإن ولادته كانت سنة ألف ومائة وخمس عشرة ، ووفاته سنة ألف ومائتين وسبعة وأرخ بعضهم وفاته بقولـه : « بها هلاك الخبيث » فعمره اثنتان وتسعون سنة وخلف أولادًا أخبث منه قاموا بنشر دعوته بعده وأولاده هم عبد الله وحسن وحسين وعلي وكان عبد الله الأكبر فقام بالدعوة بعد أبيه ، وخلف سليمان ، وعبد الرحمن ، وكان سليمان متعصبًا تعصبًا شديدًا في أمرهم قتله إبراهيم باشا سنة ثلاث وثلاثين ، وعبد الرحمن قبض عليه وأرسله إلى مصر فعاش مدة ثم مات بمصر ، وأما حسن بن محمد بن عبد الوهاب ، فخلف عبد الرحمن وولي قضاء مكة في بعض السنين التي كانوا يحكمون فيها بمكة ، وعُمِّر عبد الرحمن هذا حتى قارب المائة ومات قريبًا وخلَّف عبد اللطيف وأما حسين بن محمد بن عبد الوهاب فخلَّف أولادًا كثيرين وكذا علي بن محمد بن عبد الوهاب خلف [ص-183] أولادًا كثيرين ولم يزل نسلهم باقيًا إلى الآن بالدرعية يسمونهم أولاد الشيخ .

وكان القائم بنصرة محمد بن عبد الوهاب ونشر عقيدته محمد بن سعود ، ولما مات قام بعده بالأمر ولده عبد العزيز ثم ولده سعود .

وكان محمد بن عبد الوهاب في ابتداء أمره من طلبة العلم وكان يتردد على مكة والمدينة وأخذ عن كثير من علماء مكة والمدينة وممن أخذ عنه من علماء المدينة الشيخ محمد بن سليمان الكردي مؤلف حواشي شرح مختصر بافضل في مذهب الشافعي ، وأخذ أيضًا عن الشيخ محمد حياة السندي من أكابر علماء الحنفية بالمدينة .

وكان الشيخان المذكوران وغيرهما من أشياخه الذين أخذ عنهم يتفرسون فيه الإلحاد والضلال ويقولون : سيضل هذا ويضل الله به من أبعده وأشقاه فكان الأمر كذلك ، وما أخطأت فراستهم فيه .

وكذا والده عبد الوهاب فإنه كان من العلماء الصالحين فكان يتفرس فيه الإلحاد ويذمه كثيرًا ويحذر الناس منه .

وكذا أخوه الشيخ سليمان بن عبد الوهاب فإنه أنكر عليه ما أحدثه من البدع والضلال والعقائد الزائغة وألف كتابًا في الرد عليه .

وكان في أول أمره مولعًا بمطالعة أخبار من ادعى النبوة كاذبًا كمسيلمة الكذاب وسجاح ، والأسود العنسي ، وطليحة الأسدي وأضرابهم فكان يضمر في نفسه دعوى النبوة ولو أمكنه إظهار هذه الدعوى لأظهرها .

[ص-184] وكان يسمى جماعته من أهل بلده الأنصار ، ويسمى من اتبعه من الخارج المهاجرين .

وإذا تبعه أحد وكان قد حج حجة الإسلام يقول لـه حج ثانيًا فإن حجتك الأولى فعلتها وأنت مشرك ، فلا تقبل ولا تسقط عنك الفرض .

وإذا أراد أحد أن يدخل في دينه يقول لـه بعد الإتيان بالشهادتين : اشهد على نفسك أنك كنت كافرًا واشهد على والديك أنهما ماتا كافرين واشهد على فلان وفلان ، ويسمى لـه جماعة من أكابر العلماء الماضين أنهم كانوا كفار ، فإن شهدوا قبلهم وإلا أمر بقتلهم .

وكان يصرح بتكفير الأمة من منذ ستمائة سنة ، وكان يكفر كل من لا يتبعه وإن كان من اتقى المتقين فيسميهم مشركين ويستحل دماءهم وأموالهم ويثبت الإيمان لمن اتبعه وإن كان من أفسق الفاسقين .

وكان ينتقص النبي صلى الله عليه وسلم كثيرًا بعبارات مختلفة ويزعم أن قصده المحافظة على التوحيد فمنها أن يقول : إن طارش وهو في لغة أهل الشرق بمعنى الشخص المرسل من قوم إلى آخرين بمعنى أنه صلى الله عليه وسلم حامل كتب مرسلة معه أي غاية أمره أنه كالطارش الذي يرسله الأمير أو غيره من أمر لأناس ليبلغهم إياه ثم ينصرف .

ومنها أنه كان يقول : نظرت في قصة الحديبية فوجدت بها كذا وكذا كذبه ، إلى غير ذلك مما يشبه هذا حتى أن أتباعه كانوا يفعلون ذلك أيضا ، ويقولون مثل قولـه ، بل يقولون أقبح مما يقوله ، ويخبرونه بذلك فيظهر الرضا ، وربما أنهم تكلموا بذلك بحضرته فيرضى به حتى أن [ص-185] بعض أتباعه كان يقول عصاي هذه خير من محمد لأنها ينتفع بها في قتل الحية ونحوها ، ومحمد قد مات ولم يبق فيه نفع أصلا ، وإنما هو طارش مضى .

قال بعض العلماء : إن ذلك كفر في المذاهب الأربعة بل هو كفر عند جميع أهل الإسلام .

ومن ذلك أنه كان يكره الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ويتأذى بسماعها وينهى عن الإتيان بها ليلة الجمعة ، وعن الجهر بها على المنابر ويؤذي من يفعل ذلك ويعاقبه أشد العقاب ، حتى أنه قتل رجلًا أعمى كان مؤذنًا صالحًا ذا صوت حسن نهاه عن الصلاة عن النبي صلى الله عليه وسلم في المنارة بعد الأذان فلم ينته وأتى بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم فأمر بقتله فقتل .

ثم قال : إن الربابة في بيت الخاطئة يعني الزانية أقل إثمًا ممن ينادي بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في المنائر ، ويلبس على أصحابه وأتباعه بأن ذلك كله محافظة على التوحيد فما أقطع قولـه ، وما أشنع فعله .

وأحرق دلائل الخيرات وغيرها من كتب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ويتستر بقولـه : إن ذلك بدعة وأنه يريد المحافظة على التوحيد .

وكان يمنع أتباعه من مطالعة كثير من كتب الفقه والتفسير والحديث وأحرق كثيرًا منها .

وأذن لكل من تبعه أن يفسر القرآن بحسب فهمه حتى همج الهمج من أتباعه ، فكان [ص-186] كل واحد منهم يفعل ذلك ولو كان لا يحفظ شيئًا من القرآن حتى صار الذي لا يقرأ منهم يقول لمن يقرأ : اقرأ لي شيئًا من القرآن وأنا أفسره لك فإذا قرأ لـه شيئًا يفسره وأمرهم أن يعملوا بما فهموه منه ، وجعل ذلك مقدمًا على كتب العلم ونصوص العلماء .

وتمسك في تكفير الناس بآيات نزلت في المشركين فحملها على الموحدين وقد روى البخاري في صحيحه عن عبد الله بن عمر – رضي الله عنهما – في وصف الخوارج أنهم انطلقوا إلى آيات نزلت في الكفار فجعلوها في المؤمنين وفي رواية أخرى عن ابن عمر عند غير البخاري أنه صلى الله عليه وسلم قال : أخوف ما أخاف على أمتي رجل متأول للقرآن يضعه في غير موضعه ، فهذا وما قبله صادق على ابن عبد الوهاب ومن تبعه ومما يدعيه محمد بن عبد الوهاب أنه أتى بدين جديد كما يظهر من أقواله وأفعاله وأحواله ولهذا لم يقبل من دين نبينا صلى الله عليه وسلم إلا القرآن مع أنه إنما قبله ظاهرًا فقط لئلا يعلم الناس حقيقة أمره فينكشفوا عليه بدليل أنه هو وأتباعه إنما يئولونه بحسب ما يوافق أهواءهم لا بحسب ما فسره النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه والسلف الصالح وأئمة التفسير فإنه لا يقول بذلك كما أنه لا يقول بما عدا [ص-187] القرآن من أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم وأقاويل الصحابة والتابعين والأئمة المجتهدين ولا بما استنبطه الأئمة من القرآن والحديث ولا يأخذ بالإجماع ولا القياس الصحيح .

وكان يدعي الانتساب إلى مذهب الإمام أحمد – رضي الله عنه – كذبًا وتسترًا وزورا ، والإمام أحمد بريء منه ، ولذلك انتدب كثير من علماء الحنابلة المعاصرين لـه للرد عليه ، وألفوا في الرد عليه رسائل كثيرة حتى أخوه الشيخ سليمان بن عبد الوهاب ألف رسالة في الرد عليه وأعجب من ذلك أنه كان يكتب إلى عماله الذين هم من أجهل الجاهلين اجتهدوا بحسب فهمكم ونظركم ، واحكموا بما ترونه مناسبًا لهذا الدين ولا تلتفتوا لهذه الكتب فإن فيها الحق والباطل .

وقتل كثيرًا من العلماء والصالحين وعوام المسلمين لكونهم لم يوافقوه على ما ابتدعه وكان يقسم الزكاة على ما يأمره به شيطانه وهواه .

وكان أصحابه لا ينتحلون مذهبًا من المذاهب بل يجتهدون كما كان يأمرهم ويتسترون ظاهرًا بمذهب الإمام أحمد – رضي الله عنه – ويلبسون بذلك على العامة وكان ينهى عن الدعاء بعد الصلاة ويقول : إن ذلك بدعة وإنكم تطلبون أجرًا على الصلاة .

وأمر القائم بدينه عبد العزيز بن سعود أن يخاطب المشرق والمغرب برسالة يدعوهم إلى التوحيد وأنهم عنده مشركون شركًا أكبر يستبيح به الدم والمال فكان ضابط الحق عنده [ص-188] ما وافق هواه وإن خالف النصوص الشرعية وإجماع الأئمة ، وضابط الباطل عنده ما لم يوافق هواه وإن كان على نص جلي أجمعت عليه الأمة .

وكان يقول في كثير من أقوال الأئمة الأربعة ليست بشيء وتارة يتستر ويقول إن الأئمة على حق ، ويقدح في أتباعهم من العلماء الذين ألفوا في المذاهب الأربعة وحرروها ، يقول إنهم ضلوا وأضلوا .

وتارة يقول إن الشريعة واحدة فما لهؤلاء جعلوها مذاهب أربعة هذا كتاب الله وسنة رسوله لا نعمل إلا بهما ، ولا نقتدي بقول مصري وشامي وهندي ، يعني بذلك أكابر علماء الحنابلة وغيرهم ممن لهم تأليف في الرد عليه واحتجوا في الرد عليه بنصوص الإمام أحمد – رضي الله عنه – .

وكان يخطب للجمعة في مسجد الدرعية ويقول في كل خطبة ومن توسل بالنبي فقد كفر وكان أخوه الشيخ سليمان ينكر عليه إنكارًا شديدًا في كل ما يفعله أو يأمر به ، ولم يتبعه في شيء مما ابتدعه ، وقال لـه أخوه سليمان يوما : كم أركان الإسلام يا محمد بن عبد الوهاب فقال : خمسة ، فقال : بل أنت جعلتها ستة السادس من لم يتبعك فليس بمسلم هذا ركن سادس عندك للإسلام .

وقال رجل آخر يومًا لمحمد بن عبد الوهاب : كم يعتق الله كل ليلة في رمضان ؟ فقال لـه : يعتق في كل ليلة مائة ألف وفي آخر ليلة يعتق مثل ما أعتق في الشهر كله ، فقال لـه : لم [ص-189] يبلغ من تبعك عشر عشر ما ذكرت فمن هؤلاء المسلمون الذين يعتقهم الله تعالى وقد حصرت المسلمين فيك وفيمن تبعك فبهت الذي كفر .

ولما طال النزاع بينه وبين أخيه خاف أخوه أن يأمر بقتله فارتحل إلى المدينة وألف رسالة في الرد عليه وأرسلها لـه فلم ينته .

ثم قال ص(232) من خلاصة الكلام وما بعدها :

« ومن قبائحه الشنيعة أنه منع الناس من زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم فبعد منعه خرج أناس من الأحساء وزاروا النبي صلى الله عليه وسلم وبلغه خبرهم فلما رجعوا مروا عليه في الدرعية فأمر بحلق لحاهم ثم أركبهم مقلوبين من الدرعية إلى الأحساء .

وبلغه مرة أن جماعة من الذين لم يتابعوه من الآفاق البعيدة قصدوا الزيارة والحج وعبروا على الدرعية فسمعه بعضهم يقول لمن تبعه خلوا المشركين يسيرون طريق المدينة والمسلمين يعني جماعته يخلفون معنا .

والحاصل أنه لبَّس على الأغبياء ببعض الأشياء التي توهمهم بإقامة الدين ، وذلك مثل أمره للبوادي بإقامة الصلاة والجماعة ومنعهم من النهب ، ومن بعض الفواحش الظاهرة كالزنا واللواط ، وكتأمين الطرق والدعوة إلى التوحيد ، فصار الأغبياء الجاهلون يستحسنون حاله وحال أتباعه ويغفلون ويذهبون عن تكفيرهم الناس من منذ ستمائة سنة ، وعن استباحتهم أموال الناس ودمائهم ، وانتهاكهم حرمة النبي صلى الله عليه وسلم بارتكابهم أنواع [ص-190] التحقير لـه ولمن أحبه ، وغير ذلك من قبائحهم التي ابتدعوها وكفروا الأمة بها » .

ثم قال : « وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن هؤلاء الخوارج في أحاديث كثيرة فكانت تلك الأحاديث من أعلام نبوته صلى الله عليه وسلم حيث كانت من الإخبار بالغيب » .

ثم قال : « وفي قولـه صلى الله عليه وسلم سيماهم التحليق تنصيص على هؤلاء القوم الخارجين من المشرق التابعين لمحمد بن عبد الوهاب فيما ابتدعه ؛ لأنهم كان يأمرون من اتبعهم أن يحلق رأسه لا يتركونه يفارق مجلسهم إذا تبعهم حتى يحلقوا رأسه ولم يقع مثل ذلك قط من أحد من الفرق الضالة التي مضت قبلهم أن يلتزموا مثل ذلك فالحديث صريح فيهم وكان السيد عبد الرحمن الأهدل مفتي زبيد يقول لا يحتاج التأليف في الرد على ابن عبد الوهاب بل يكفي في الرد عليه قولـه صلى الله عليه وسلم : سيماهم التحليق فإنه لم يفعله أحد من المبتدعة ، وكان محمد بن عبد الوهاب يأمر أيضًا بحلق رءوس النساء اللاتي يتبعنه فأقامت عليه الحجة مرة امرأة دخلت في دينه ، وجددت إسلامها على زعمه ، فأمر بحلق رأسها فقالت لـه : لم تأمر بحلق الرأس للرجال فلو أمرتهم بحلق اللحية لساغ لك أن تأمر بحلق رءوس النساء؛ لأن شعر الرأس للنساء بمنزلة اللحية للرجال فبهت الذي كفر ، ولم يجد لها جوابًا لكنه إنما فعل ذلك ليصدق عليه وعلى من اتبعه قولـه صلى الله عليه وسلم : سيماهم التحليق فإن المتبادر منه حلق الرأس فقد صدق صلى الله عليه وسلم فيما قال .

وقولـه صلى الله عليه وسلم حين أشار إلى المشرق من حيث يطلع قرن الشيطان جاء في رواية قرنا الشيطان بصيغة التثنية قال بعض العلماء : المراد من قرني الشيطان مسيلمة الكذاب ومحمد بن عبد الوهاب .

[ص-191] وجاء في بعض الروايات وبها يعني نجد الداء العضال. قال بعض الشراح : وهو الهلاك وفي بعض التواريخ بعد ذكر قتال بني حنيفة قال ويخرج في آخر الزمان في بلد مسيلمة رجل يغير دين الإسلام .

وذكر العلامة السيد علوي بن أحمد بن حسن بن القطب سيدي عبد الله بن علوي الحداد في كتابه الذي ألفه في الرد على ابن عبد الوهاب المسمى جلاء الظلام في الرد على النجدي الذي أضل العوام من جملة الأحاديث التي ذكرها في الكتاب المذكور حديثًا مرويًا عن العباس بن عبد المطلب – رضي الله عنه – عن النبي صلى الله عليه وسلم : يخرج في ثاني عشر قرنًا في وادي بني حنيفة رجل كهيئة الثور لا يزال يلعق براطمه يكثر في زمانه الهرج والمرج. يستحلون أموال المسلمين ويتخذونها بينهم متجرا ، ويستحلون دماء المسلمين ويتخذونها بينهم مفخرًا وهي فتنة يعتز فيها الأرذلون والسفل تتجارى بهم الأهواء كما يتجارى الكلب بصاحبه ولهذا الحديث شواهده تقوي معناه وإن لم يعرف من خرجه .

ثم قال السيد المذكور في الكتاب الذي مر ذكره وأصلح من ذلك أن هذا المغرور محمد بن عبد الوهاب من تميم فيحتمل أنه من عقب ذي الخويصرة التميمي الذي جاء فيه [ص-192] حديث البخاري عن أبي سعيد الخدري – رضي الله عنه – » .

ثم قال : « قال السيد علوي الحداد لما وصلت الطائف لزيارة حبر الأمة عبد الله بن عباس – رضي الله عنهما – اجتمعت بالعلامة الشيخ طاهر سنبل الحنفي ابن العلامة الشيخ محمد سنبل الشافعي فأخبرني أنه ألف كتابًا في الرد على هذه الطائفة سيما الانتصار للأولياء الأبرار ، وقال لي : لعل الله ينفع به من لم تدخل بدعة النجدي في قلبه وأما من دخلت في قلبه فلا يرجى فلاحه لحديث البخاري يمرقرن من الدين ثم لا يعودون فيه. قال السيد علوي الحداد : وأما ما نقل عن العلامة الحفظي ساكن الحجاز أنه استصوب بعض أفعال النجدي من جمعه البدو على الصلاة وترك النهب ، وإزالة بعض الفواحش الظاهرة كالزنا واللواط ، ومن تأمينه الطرق ودعوته إلى التوحيد فهو غلط حيث حسن للناس فعله ولم يطلع على ما ذكرناه من منكراته وتكفير الأمة من ستمائة سنة. وإحراقه الكتب الكثيرة . وقتله لكثير من العلماء وخواص الناس وعوامهم واستباحته دماءهم وأموالهم وإظهار التجسيم للباري – سبحانه وتعالى – .

وعقده الدروس لذلك ، وتنقيصه للرسل عليهم الصلاة والسلام وللأولياء ، ونبشه قبورهم ، وأمر في الأحساء أن تجعل بعض قبور الأولياء محلًا لقضاء الحاجة .

ومنع الناس من قراءة دلائل الخيرات ، ومن الرواتب ، والأذكار ومن قراءة [ص-193] مولد النبي صلى الله عليه وسلم ، ومن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في المنائر بعد الأذان وقتل من فعل ذلك وكان يعرِّض لبعض الغوغاء الطعام بدعوات النبوة ويُفهمهم ذلك من فحوى الكلام ومنع الدعاء بعد الصلاة .

وكان يقسم الزكاة على هواه وكان يعتقد أن الإسلام منحصر فيه وفيمن تبعه وأن الخلق كلهم مشركون .

وكان يصرح في مجالسه وخُطَبه بكفر المتوسل بالأنبياء والملائكة والأولياء بل يزعم أن من قال لأحد : مولانا أو سيدنا فهو كافر ويمنع من زيارة النبي صلى الله عليه وسلم ويجعله كغيره من الأموات وينكر علم النحو واللغة والفقه والتدريس لهذه العلوم ويقول : إن ذلك كله بدعة .

ثم قال السيد علوي الحداد : والحاصل أن المحقق عندنا من أقواله وأفعاله ما يُوجب خروجه عن القواعد الإسلامية لاستحلاله أمورًا مجمعًا على تحريمها معلومة من الدين بالضرورة بلا تأويل سائغ مع تنقيصه الأنبياء والمرسلين والأولياء والصالحين وتنقيصهم تعمدًا كفر بالإجماع عند الأئمة الأربعة . اهـ .

[ص-194] ما زال كذلك يحبه قوم ويكرهه آخرون فآواه أهل الدرعية وظن بعض منهم أنه رسول لكافة البرية فصنف لهم رسالة سماها “كشف الشبهات عن خالق الأرض والسماوات” كفَّر فيها جميع المسلمين وزعم أن الناس كفار منذ ستمائة سنة وحمل الآيات التي نزلت في الكفار من قريش على أتقياء الأمة وكان ممن تبعه وقبل منه كل ما يقول محمد بن سعود أمير الدرعية واتخذه وسيلة لاتساع الملك وانقياد الأعراب لـه فصار يدعوهم إلى الدين ، وأثبت في قلوبهم أن جميع من هو تحت السبع الطباق مشرك على الإطلاق ومن قتل مشركًا فله الجنة ، فتابعوه وصارت نفوسهم بهذا الاعتقاد مطمئنة .

وكان محمد بن سعود يتمثل ما يأمره به ، فإذا أمره بقتل إنسان أو أخذ ماله سارع إلى ذلك ، فكان محمد بن عبد الوهاب معهم كالنبي في أمته لا يتركون شيئًا مما يقولـه ولا يفعلون شيئًا إلا بأمره ، ويعظمونه غاية التعظيم ويُجِلّونه غاية التجليل» ثم ذكر صفة اتساع ملك الأمير محمد بن سعود ، وكيف دانت لـه جزيرة العرب ، ودخوله مكة بالصلح وخروجه منها سنة 1227هـ .

[ص-195] إلى أن قال : « وقد أرَّخ ذلك مفتي مكة عبد الملك القلعي لما سأله مولانا الشريف غالب هل أرختم خروجهم فقال : قطع دابر الخوارج » .

وقفة حول هذه المفتريات والاتهامات :

1 – هذه المفتريات التي ذكرها صاحب كتاب «خلاصة الكلام» تعد أنموذجًا لأكثر ما قاله خصوم الدعوة والجاهلون بحقيقتها من خارج نجد ، فهو قد التقط ما قاله السابقون لـه في الدعوة وإمامها ، ومن جاؤوا بعده أخذوا عنه الكثير كذلك .

2 – أن ما ذكره من مفتريات حول الدعوة وإمامها وأميرها وأتباعها – غالبه من الكذب البيّن ، وما قد يوجد فيه من معلومات صحيحة فهي محرَّفة ومصوَّرة بصورة الباطل ، ومخرَّجة مخرج التلبيس والتهويل .

3 – أن المؤلف جمع هذه الاتهامات من الشائعات وما قاله الخصوم قبله كابن سحيم وابن عفالق والرافضة وغيرهم من أهل البدع والمعروفين بالعداوة الصريحة للدعوة وإمامها وأتباعها ودولتها .

4 – وعند إخضاع هذا المطاعن والمفتريات والاتهامات للنهج الشرعي والعلمي نجد أكثرها ساقطًا لما يلي :

أولاً : خلوها من الأسانيد أو نقل شهود العيان ، وإن كان من الخصوم ، وخلوها كذلك من التوثيق فلم ينقل عن كتاب معتمد أو رسالة أو خطبة أو مقالة أو نحو ذلك من المصادر الموثوقة .

ثانياً : أن الكاتب نفسه لم يعش تلك الحقبة التي تحدث عنها ولم يرو عن ثقاة ولا غيرهم .

ثالثاً : خلوها من الأدلة والبراهين والأمثلة والشواهد مطلقاً .

رابعاً : أن الواقع يشهد بخلافها فسيرة الإمام والأمير محمد بن سعود وأحفادهما ليست على ما ذكر .

[ص-196] خامساً : أن ما هو مسطور ومكتوب إلى الآن من كتب الإمام ورسائله وأقواله وأحواله ، وكتب الدعوة ، وسير رجالها وتاريخها وواقعها يرد كل التُّهَم والمفتريات التي ذكرها .

بل الإمام نفسه ردَّها وفنَّدها في كتبه ورسائله ورُدودهِ ، وردها تلاميذه وأتباعه ومناصروه في كل مكان .

سادساً : شهادة المنصفين – وما أكثرهم بحمد الله – بأن ما ذكره صاحب خلاصة الكلام وأمثاله عن الدعوة من البهتان والكذب ، وأنه يخالف الحق والواقع ، وأكتفي في هذا المقام بشهادة واحد منهم؛ لأن الموضوع سيُعرض تفصيلاً في فصول تالية إن شاء الله .

يقوم الشيخ محمد رشيد رضا في مقدمته لكتاب « صيانة الإنسان عن وسوسة الشيخ دحلان » للشيخ محمد بشير السهسواني الهندي .

« تصدى للطعن في الشيخ محمد بن الوهاب والرد عليه أفرادٌ من أهل الأمصار المختلفة ، منهم رجل من أحد بيوت العلم في بغداد ، قد عهدناه يفتخر بأنه من دعاة التعطيل والإلحاد . وكان أشهر هؤلاء الطاعنين مفتي مكة المكرمة الشيخ أحمد زيني دحلان المتوفي سنة (1304) ألَّف رسالة في ذلك تدور جميع مسائلها على قطبين اثنين : قطب الكذب والافتراء على الشيخ ، وقطب الجهل بتخطئته فيما هو مصيب فيه » .

« وكانت توزع بمساعدة أمراء مكة ورجال الدولة على حجاج الآفاق فعم نشرها ، وتناقل الناس مفترياته وبهاءته في كل قطر ، وصدقها العوام وكثير من الخواص ، كما اتخذ المبتدعة والحشوية والخرافيون رواياته ونقولـه الموضوعة والواهية والمنكرة ، وتحريفاته للراويات الصحيحة ، حججًا يعتمدون عليها في الرد على دعاة السنة المصلحين » .

« ولكن الألسن والأقلام لا تزال تتناقل كل ما فيها من غير عزو إليها ، ودأب البشر العناية بنقل ما يوافق أهواءهم ، فكيف إذا وافقت هوى ملوكهم وحكامهم .

كنا نسمع في صغرنا أخبار الوهابية المستمدة من رسالة دحلان هذا ورسائل أمثاله فنصدقها بالتبع لمشايخنا وآبائنا » .

« وأنا لم أعلم بحقيقة هذه الطائفة إلا بعد الهجرة إلى مصر والاطلاع على تاريخ الجبرتي [ص-197] وتاريخ الاستقصا في أخبار المغرب الأقصى ، فعلمت منهما أنهم هم الذين كانوا على هداية الإسلام دون مقاتليهم ، وأكده الاجتماع بالمطلعين على التاريخ من أهلها ولا سيما تواريخ الإفرنج الذي بحثوا عن حقيقة الأمر فعلموها وصرحوا أن هؤلاء الناس أرادوا تجديد الإسلام وإعادته إلى ما كان عليه في الصدر الأول ، وإذًا لتجددَ مجده ، وعادت إليه قوته وحضارته ، وأن الدولة العثمانية ما حاربتهم إلا خوفًا من تجديد ملك العرب ، وإعادة الخلافة الإسلامية سيرتها الأولى » .

« ثم اطلعت على أكثر كتب الشيخ محمد بن عبد الوهاب ورسائله وفتاويه وكتب أولاده وأحفاده ورسائلهم ورسائل غيرهم من علماء نجد في عهد هذه النهضة التجديدية فرأيت أنه لم يصل إليهم اعتراض ولا طعن فيهم إلا وأجابوا عنه ، فما كان كذبًا عليهم قالوا : سورة النور الآية 16 سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ وما كان صحيحًا أو لـه أصل بينوا حقيقته وردوا عليه وقد طبعت أكثر كتبهم ، وعرف الألوف من الناس أصل تلك المفتريات عنهم ومن المستبعد جدًّا أن يكون الشيخ أحمد دحلان لم يطلع على شيء من تلك الكتب والرسائل وهو في مركزه بمكة المكرمة على مقربة منهم ، فإن كان قد اطلع عليها فلِمَ أصر على ما عزاه إليه من الكذب والبهتان – ولا سيما ما نفوه صريحًا وتبرءوا منه – فأي قيمة لنقله ولدينه وأمانته؟ وهل هو إلا ممن باعوا دينهم بدنياهم؟ .

وإذا فرضنا أن الشيخ أحمد دحلان لم ير شيئًا من تلك الكتب والرسائل ، ولم يسمع بخبر عن تلك المناظرات والدلائل ، وأن كل ما كتبه في رسالته قد سمعه من الناس وصدقه ، أفلم يكن من الواجب عليه أن يتثبت فيه ، ويبحث ويسأل عن كتب الشيخ محمد بن عبد الوهاب ورسائله ويجعل رده عليها ، ويقول في الأخبار اللسانية قال لنا فلان أو قيل عنه كذا ، فإن صح فحكمه كذا؟ إن علماء السنة في الهند واليمن قد بلغهم كل ما قيل في هذا الرجل فبحثوا وتثبتوا وتبينوا كما أمر الله تعالى ، فظهر لهم أن الطاعنين فيه مفترون لا أمانة لهم ، وأثنى عليه فُحولهم في عصره وبعد عصره ، وعدُّوه من أئمة المصلحين المجدِّدين للإسلام ومن فقهاء الحديث كما نراه في كتبهم » .

المبحث الخامس

القضايا الكبرى التي أثيرت حول الدعوة ومناقشتها أولاً : قضية التوحيد والسنة والشرك والبدعة وما يتفرع عنها .

لقد أثار خصوم الدعوة شبهات ومفتريات كثيرة حول الدعوة ورجالها ودولتها وأتباعها سائرها يدور حول رفض الخصوم لدعوة التوحيد والسنة ، والإصلاح ، وإصرارهم على ما هم عليه من البدع والجهالات والأوضاع الفاسدة لأسباب كثيرة ، سبق الحديث عن بعضها أذكر هنا نماذج لأهم المسائل التي دار حولها الصراع .

فالقضية الكبرى : بين إمام الدعوة وأتباعه والدولة السعودية حاملة لواء الدعوة وبين خصومهم من أهل البدع والأهواء والضلال والافتراق – هي قضية التوحيد والشرك والسنة ، والبدعة ، والضلال والهدى ، والحق والباطل ، وهي قضيّة الأنبياء : إبراهيم وموسى وعيسى ومحمد عليهم الصلاة والسلام ، وغيرهم مع خصومهم في كل زمان ، وهي قضية العلماء المصلحين في كل أمة ، وهي قضية أئمة الدين السلف الصالح أهل السنة والجماعة مع أعداء التوحيد والدين والسنة ، وكانت دعوة نوح وهود وصالح وشعيب وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم وسائر المرسلين تقوم على الدعوة إلى التوحيد وعبادة الله وحده والنهي عن الشرك وعن عبادة غير الله كما قال تعالى : ( وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ) [سورة النحل ، آية (36)] وقال تعالى مخبرًا عن الأنبياء في دعوتهم لأقوامهم :( اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ ) [سورة هود ، آية (50)] ، وقال : ( أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ ) [سورة هود ، آية (26) ] ، وقال : ( وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ) [ سورة النساء ، آية (36) ] ، وقولـه سبحانه : (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ) [سورة الأنعام ، آية (153) ] .

إنها قضية توحيد الله تعالى بالعبادة والطاعة ومحاربة الشرك والبدع والأهواء .

وقد أعلن الشيخ وأتباعه ودولتهم وكل المتمسكين بالسنة والجماعة هذه القضية بوضوح وبكل الوسائل المتاحة لهم ليس في جزيرة العرب فحسب ، بل في كل العالم الإسلامي .

فأعلن الإمام وجوب تحرير العبادة لله تعالى وحده لا شريك لـه وتعظيمه سبحانه بأسمائه وصفاته ، ونبذ كل مظاهر الشرك والبدع وذرائعهما ، ومحاربة المحدثات في ذلك ، وفي الدين كله .

[ص-201] نعم لقد حارب الإمام ومعه كل أهل السنة بحزم وقوة كل الشركيات والبدع والمحدثات من البناء على القبور والمشاهد ، وما يصاحب ذلك من الشركيات والتبرك البدعي وصرف أنواع العبادة لغير الله وسائر البدع الصوفية والقبورية ، والدجل والشعوذة والسحر بمختلف أشكالها ، وكل ذلك كان امتثالاً لأمر الله تعالى ووصية رسوله صلى الله عليه وسلم .

وليس ذلك المنهج مذهبًا شخصيًّا ولا مسلكًا ينفردون به عن كوكبة الدعوة في تاريخ البشرية ، بل هو امتداد لمنهج الأنبياء عمومًا ومنهج نبينا محمد صلى الله عليه وسلم والسلف الصالح على الخصوص ، إنه منهج الدين الذي قال الله فيه : ( إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ ) [سورة آل عمران ، آية (19)] ، وقال ( وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ) [سورة آل عمران ، آية (85) . ] ، وقولـه تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم : (قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي) [سورة يوسف ، آية (108)] .

فكان الإمام محمد بن عبد الوهاب والأمير محمد بن سعود وسائر علماء الدعوة وأتباعها على بصيرة من أمرهم سائرين على منهاج النبوة معتمدين على الله ومتوكلين عليه دليلهم القرآن والسنة ، وقدوتهم الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته والسلف الصالح وأحوالهم وأقوالهم وكتبهم وسيرهم شاهدة بذلك بحمد الله .

وقد دافع الإمام محمد بن عبد الوهاب وعلماء الدعوة وسائر أهل السنة والجماعة في كل مكان عن هذه القضية ، وبيَّنوا الحق بدليله من القرآن والسنة وآثار السلف الصالح وأقوال العلماء المعتَبرين عند عامة المسلمين ، فأقاموا الحجة وبيَّنوا المحجة .

جهود الإمام في بيان هذه الحقيقة ورد المفتريات :

ولنترك المجال للإمام نفسه يبين لنا حقيقة الخلاف بينه وبين خصوم السنة في هذه القضية الكبرى ، ويشرح ذلك للشريف غالب حاكم الحجاز ولعلماء الأمة هناك سنة (1204هـ) فيقول : « من محمد بن عبد الوهاب : إلى العلماء الأعلام في بلد الله الحرام ، نصر الله بهم دين سيد الأنام؛ عليه أفضل الصلاة والسلام ، وتابعي الأئمة الأعلام .

[ص-202] سلام عليكم ورحمة الله وبركاته؛ وبعد : جرى علينا من الفتنة ، ما بلغكم ، وبلغ غيركم ، وسببه : هدم بناء في أرضنا على قبور الصالحين ؛ ومع هذا نهيناهم عن دعوة الصالحين ، وأمرناهم بإخلاص الدعاء لله ، فلما أظهرنا هذه المسألة ، مع ما ذكرنا من هدم البناء على القبور ، كبر على العامة ، وعاضدهم بعض من يدعي العلم؛ لأسباب ما تخفى على مثلكم ، أعظمها اتباع الهوى ، مع أسباب أخر .

فأشاعوا عنا : أنا نَسُبّ الصالحين ، وأنَّا على غير جادة العلماء ، ورفعوا الأمر إلى المشرق والمغرب ، وذكروا عنا أشياء يستحي العاقل من ذكرها ، وأنا أخبركم بما نحن عليه ، بسبب أن مثلكم ما يروج عليه الكذب؛ ليتبين لكم الأمر ، وتعلموا الحقيقة .

فنحن – ولله الحمد – متبِعون لا مبتدِعون ، على مذهب الإمام أحمد بن حنبل ، وتعلمون – أعزكم الله – أن المُطاع في كثير من البلدان ، لو يتبين بالعمل بهاتين المسألتين ، أنها تكبر عند العامة ، الذين درجوا هم وآباؤهم على ضد ذلك ، وأنتم تعلمون – أعزكم الله – أن في ولاية أحمد بن سعيد ، وصل إليكم الشيخ عبد العزيز بن عبد الله ، وأشرفتم على ما عندنا ، بعدما أحضروا كتب الحنابلة ، التي عندنا عمدة ، وكالتحفة ، والنهاية عند الشافعية ، فلما طلب منا الشريف غالب – أعزه الله ونصره – امتثلنا أمره ، وأجبنا طلبه ، وهو إرسال رجل من أهل العقل والعلم ، ليبحث مع علماء بيت الله الحرام » .

وقال مخاطبًا عامة علماء المسلمين : « محمد بن عبد الوهاب : إلى من يصل إليه من علماء الإسلام ، آنس الله بهم غربة الدين ، وأحيا بهم سنة إمام المرسلين ، ورسول رب العالمين ، سلام عليكم معشر الإخوان ، ورحمة الله وبركاته .

أما بعد :

فإنه قد جرى عندنا فتنة عظيمة ، بسبب أشياء نهيت عنها بعض العوام ، [ص-203] من العادات التي نشؤوا عليها ، وأخذها الصغير عن الكبير؛ مثل : عبادة غير الله ، وتوابع ذلك ، من تعظيم المشاهد ، وبناء القباب على القبور ، وعبادتها ، واتخاذها مساجد ، وغير ذلك ، مما بينه الله ورسوله غاية البيان ، وأقام الحجة ، وقطع المعذرة؛ ولكن الأمر كما قال صلى الله عليه وسلم : بدأ الإسلام غريباً ، وسيعود غريبًا كما بدأ .

فلما عظم [على] العوام : قطع عادتهم؛ وساعدهم على إنكار دين الله : بعض من يدعي العلم ، وهو من أبعد الناس عنه – إذ العالم من يخشى الله – فأرضى الناس بسخط الله؛ وفتح للعوام باب الشرك بالله ، وزين لهم ، وصدهم عن إخلاص الدين لله؛ وأوهمهم : أنه من تنقيص الأنبياء والصالحين؛ وهذا بعينه هو الذي جرى على رسول الله صلى الله عليه وسلم لما ذكر أن عيسى – عليه السلام – : عبد ، مربوب ، ليس لـه من الأمر شيء؛ قالت النصارى : إنه سب المسيح وأمه؛ وهكذا قالت الرافضة : لمن عرف حقوق أصحاب رسول الله وأحبهم ، ولم يَغْلُ فيهم ، رموْه : ببغض أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم .

وهكذا هؤلاء ، لما ذكرت لهم ، ما ذكره الله ورسوله ، وما ذكره أهل العلم ، من جميع الطوائف ، من الأمر بإخلاص الدين لله ، والنهي عن مشابهة أهل الكتاب من قبلنا ، في اتخاذ الأحبار ، والرهبان ، أربابًا من دون الله؛ قالوا لنا : تنقصتم الأنبياء ، والصالحين ، والأولياء؛ والله تعالى ناصر لدينه ، ولو كره المشركون .

[وسار أتباعه على هذا المنهاج في بيان حقيقة الدعوة والدفاع عنها ] :

ومن ذلك قول الشيخ عبد الله بن الإمام محمد : « وهذا الدين الذي ندعو إليه ، قد ظهر أمره وشاع وذاع ، وملأ الأسماع ، من مدة طويلة ، وأكثر الناس بدّعونا ، وخرّجونا ، وعادونا عنده ، وقاتلونا ، واستحلوا دماءنا وأموالنا ، ولم يكن لنا ذنب سوى تجريد التوحيد ، والنهي عن دعوة غير الله والاستغاثة بغيره ، وما أحدث من البدع والمنكرات ، حتى غلبوا وقُهِروا ، فعند ذلك أذعنوا وأقروا بعد الإنكار» .

[ص-220] وقال الشيخ : حمد بن عبد اللطيف بن عبد الرحمن أحد أحفاد الإمام بعد الافتتاحية :

« من محمد بن عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ ، إلى من يراه من أهل القرى ، ورؤساء القبائل ، من أهل اليمن ، وعسير ، وتهامة ، وشهران ، وبني شهر ، وقحطان ، وغامد ، وزهران ، وكافة أهل الحجاز ، وغيرهم هدانا الله وإياهم لدين الإسلام ، وجعلنا وإياهم من أتباع سيد الأنام ، آمين ، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته . . . ثم قال : « وصار بعض الناس : يسمع بنا معاشر الوهابية ولا يعرف حقيقة ما نحن عليه ، وينسب إلينا ، ويضيف إلى ديننا السفاسف ، والأباطيل ، تنفيرًا للناس عن قبول هذا الدين ، وصدًّا لهم عن توحيد رب العالمين ، فأوجب لنا : تسويد هذه العجالة ، بيانًا لما نعتقده وندين الله به وندعو إليه ونجاهد الناس عليه .

فاعلموا – أن حقيقة ما نحن عليه ، وما ندعو إليه ونجاهد على التزامه ، والعمل به – أنَّا ندعو إلى دين الإسلام ، والتزام أركانه ، وأحكامه ، الذي أصله وأساسه : شهادة أن لا إله إلا الله ، والأمر بعبادة الله وحده لا شريك لـه ، وهذه العبادة مبنية على أصلين : كمال الحب لله ، مع كمال الخضوع ، والذل لـه والعبادة لها أنواع كثيرة؛ فمن أنواعها : الدعاء وهو من أجلّ أنواع العبادة ، وسماه عبادة ، في عدة مواضع من كتابه ، كما قال تعالى : ( وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ) [سورة غافر ، آية : 60] . ونظائر هذا في القرآن كثير؛ وفي الحديث : الدعاء مخ العبادة .

فنقول : لا يُدعى إلا الله ، ولا يُستغاث في الشدائد ، وجلب الفوائد إلا به ، ولا يذبح [ص-221] القربان إلا لـه ، ولا يُنذر إلا لـه ، ولا يخاف خوف السر إلا منه وحده ، ولا يُتوكل إلا عليه ولا يستعان ولا يستعاذ إلا به ، وليس لأحد من الخلق شيء من ذلك لا الملائكة ولا الأنبياء ولا الأولياء ، ولا الصالحين ولا غيرهم فلله حق ، لا يكون لغيره ، وحقه تعالى : إفراده بجميع أنواع العبادة ، فلا تأله القلوب محبة وإجلالاً وتعظيمًا وخوفًا ورجاء ، إلا الله فهذه هي الحكمة الشرعية الدينية والأمر المقصود في إيجاد البرية» .

وبعد أن شرح هذا المبدأ ، واستدل لـه من القرآن والسنة قال : « ومن كان لـه معرفة بما بعث الله به رسوله ، علم : أن ما يفعل عند القبور ، من دعاء أصحابها والاستغاثة بهم ، والعكوف عند ضرائحهم والسجود لهم ، والنذر لهم أعظم وأكبر من فعل الذين اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله ، وأقبح وأشنع من قول الذين قالوا اجعل لنا ذات أنواط ، كما لهم ذات أنواط .

قال بعض العلماء المحققين ، – رحمه الله – تعالى : فإذا كان اتخاذ هذه الشجرة ، لتعليق الأسلحة والعكوف عليها اتخاذ إله ، مع أنهم لا يعبدونها ولا يسألونها فما الظن بالعكوف حول القبر ، والدعاء به ، ودعائه والدعاء عنده؟ فأي نسبة للفتنة بشجرة إلى الفتنة بالقبر ، لو كان أهل الشرك والبدع يعلمون؟ انتهى .

ولقد حمى النبي صلى الله عليه وسلم جناب التوحيد ، وسد الذرائع ، التي تُفضي إلى الشرك والتنديد ، فقال فيما صح عنه صلى الله عليه وسلم : اللهم لا تجعل قبري وثنًا يُعبد ، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ونهى عن إيقاد السرج عليها ، فقال صلى الله عليه وسلم : لعن الله زائرات القبور ، والمتخذين عليها المساجد ، والسرج ونهى : أن تُتخذ عيدًا ، ونهى عن البناء عليها ، وأمر بتسويتها بالأرض ، كما روى مسلم في صحيحه ، عن أبي الهياج الأسدي ، قال : قال لي علي – رضي الله عنه – ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ أن لا تدع [ص-222] تمثالًا إلا طمسته ، ولا قبرًا مشرفًا إلا سويته ونهى : عن تجصيص القبور ، وعن الكتابة عليها .

فنحن : ننكر الغلو في أهل القبور ، والإطراء ، والتعظيم؛ ونهدم البنايات ، التي على قبور الأموات؛ لما فيها من الغلو ، والتعظيم الذي هو أعظم وسائل الشرك بالله ، وهذه الأمور التي أوجبت عبادتها من دون الله : ابتدعها أناس ، أرادوا بها التعظيم ، وإظهار تشريفهم ، فجاء من بعدهم ، فعبدوهم من دون الله ، وقصدوا منهم كشف المُلِمات ، وسألوهم قضاء الحاجات ، وتفريج الكربات ، وإغاثة اللهفات؛ واعتقدوا هذا الشرك الوخيم ، قربة ودينًا يدينون به ، واشتد نكيرهم على من أنكر ذلك ، وحذروا عنه ، ورموه بالزور والبهتان؛ والله ناصر دينه في كل زمان ، ومكان لكنه يمتحن حزبه ، بحربه منذ كانت الفئتان» .

دعوى منعهم الشفاعة والتوسل والتبرك مطلقا :

التوسل والتبرك والشفاعة من الأمور الكبيرة التي أثارها الخصوم من أهل البدع والأهواء والافتراق على أهل السنة والجماعة منذ زمن بعيد؛ ثم لما ظهر الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب ، ودعا إلى السنة وأنكر البدع ، وكان أشهرها وأظهرها إنكار التوسلات البدعية والتبرك البدعي والغلو في باب الشفاعة .

وهذه الأمور أغلب مسائلها تتفرع عن القضية الكبرى التي سبق الحديث عنها وهي قضية : التوحيد وما ينقضه وما ينافيه .

وقد أشاع خصوم السنة -من أهل البدع – حول هذه المسائل شبهات كثيرة وافتروا على أهل السنة عمومًا ، وعلى الإمام محمد بن عبد الوهاب وأتباعه على الخصوص مفتريات ومزاعم كبيرة .

فزعموا أنهم يمنعون التوسل والتبرك والشفاعة مطلقًا .

وأنهم بناء على ذلك ينتقصون الرسول صلى الله عليه وسلم وربما قالوا : يبغضونه؛ وأنهم بناء على ذلك يبغضون الأنبياء والصالحين ويكرهون الأولياء! .

[ص-223] والحق : أن أهل السنة ومنهم الإمام محمد وأتباعه – يثبتون كلَّ ما جاء في الأدلة من القرآن وصحيح السنة من ذلك وينفون ما عداه؛ لأن هذا من الأمور التوقيفية التي لا يمكن للناس أن يشرعوا فيها شيئاً . ومن شرع إثباتًا أو نفيًا فقد ابتدع ، وأحدث في الدين ما ليس منه ، وعمله مردود بقولـه صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح : من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد وقولـه صلى الله عليه وسلم : من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد وهذه نصوص قطعية محكمة .

يعتقد أهل السنَّة والجماعة (ومنهم أتباع هذه الدعوة المباركة) أن الشفاعة نوعان : مثبتة وهي ما جاءت بها النصوص وتوافرت بها الشروط التي ذكر الله تعالى في كتابه كالشفاعة العظمى والمقام المحمود للنبي صلى الله عليه وسلم وشفاعته لأهل الكبائر من أمته ، وشفاعته لعمه أبي طالب أن يخفف عنه من عذاب النار ، ونحو ذلك مما ثبت بدليل وما لم يثبت بدليل ، فهو الشفاعة المنفية وهو النوع الثاني .

وقد أفاض الإمام محمد بن عبد الوهاب في هذه المسألة وكذلك علماء الدعوة وسائر أهل السنة وبينوها بأدلتها غاية البيان بالأدلة وكشفوا شبهات أهل البدع بما فيه الكفاية لمن كان قصده الحق .

يقول الإمام منكرًا التوسلات والشفاعات الشركية والبدعية في رسالته لابن صباح : بسم الله الرحمن الرحيم الذي يعلم من وقف عليه من الإخوان ، المتبعين محمد صلى الله عليه وسلم أن ابن صباح : سألني عما ينسب إليّ؟ فطلب مني : أن أكتب الجواب؛ فكتبته :

الحمد لله رب العالمين؛ أما بعد :

فما ذكره المشركون : على أني أنهى عن الصلاة على النبي ، أو أني أقول : لو أن لي أمرًا ، هدمت قبة النبي صلى الله عليه وسلم أو أني أتكلم في الصالحين ، أو أنهي عن محبتهم ، فكل هذا كذب وبهتان ، افتراه عليَّ الشياطين ، الذين يريدون أن يأكلوا أموال الناس بالباطل ، مثل أولاد شمسان ، وأولاد إدريس ، الذين يأمرون الناس ينذرون [ص-224] لهم ، وينخونهم ، ويندبونهم ، وكذلك فقراء الشيطان ، الذين ينتسبون إلى الشيخ عبد القادر -رحمه الله- وهو منهم بريء ، كبراءة علي بن أبي طالب من الرافضة .

فلما رأوني : آمر الناس بما أمرهم به نبيهم صلى الله عليه وسلم أن لا يعبدوا إلا الله ، وأن من دعا عبد القادر ، فهو كافر؛ وعبد القادر منه بريء ، وكذلك من نخا الصالحين ، أو الأنبياء أو ندبهم أو سجد لهم أو نذر لهم ، أو قصدهم بشيء من أنواع العبادة ، التي هي حق الله على العبيد ، وكل إنسان ، يعرف أمر الله ورسوله : لا ينكر هذا الأمر ، بل يُقِرُّ به ، ويعرفه .

وأما الذي ينكره ، فهو بين أمرين ، إن قال : إن دعوة الصالحين واستغاثتهم والنذر لهم وصيرورة الإنسان فقيرًا لهم ، أمر حسن؛ ولو ذكر الله ورسوله : إنه كفر؛ فهو مُصِرّ بتكذيب الله ورسوله ، ولا خفاء في كفره فليس لنا معه كلام .

وإنما كلامنا : مع رجل يؤمن بالله واليوم الآخر ، ويحب ما أحب الله ورسوله ، ويبغض ما أبغض الله ورسوله ، لكنه جاهل ، قد لبست عليه الشياطين دينه؛ ويظن : أن الاعتقاد في الصالحين حق؛ ولو يدري أنه كفر ، يُدْخل صاحبه في النار ما فعله؛ ونحن : نبين لهذا ما يوضح لـه الأمر ، فنقول : الذي يجب على المسلم أن يتبع أمر الله ورسوله ، ويسأل عنه والله سبحانه : أنزل القرآن وذكر فيه ما يحبه ، ويبغضه ، وبيّن لنا فيه ديننا ، وأكمل؛ وكذلك محمد صلى الله عليه وسلم أفضل الأنبياء ، فليس على وجه الأرض أحد أحب إلى أصحابه منه؛ وهم يحبونه على أنفسهم ، وأولادهم ، ويعرفون قدره ، ويعرفون أيضًا : الشرك والإيمان .

فإن كان أحد من المسلمين في زمن النبي صلى الله عليه وسلم قد دعاه ، أو نذر لـه أو ندبه أو أحد من أصحابه جاء عند قبره بعد موته يسأله ، أو يندبه ، أو يدخل عليه للالتجاء لـه عند القبر ، فاعرف : أن هذا أمر صحيح حسن ، ولا تطعني ، ولا غيري .

وإن كان إذا سألت وجدت أنه : صلى الله عليه وسلم تبرأ ممن اعتقد في الأنبياء ، والصالحين وقتلهم وسباهم وأولادهم ، وأخذ أموالهم وحكم بكفرهم ، فاعرف : أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يقول إلا الحق ولا يأمر إلا بالحق؛ والواجب على كل مؤمن اتباعه فيما جاء به .

[ص-225] وبالجملة فالذي أنكره : الاعتقاد في غير الله ، مما لا يجوز لغيره؛ فإن كنت قلته من عندي ، فارم به؛ أو من كتاب لقيته ، ليس عليه عمل ، فارم به كذلك؛ أو نقلته عن أهل مذهبي ، فارم به ، وإن كنت قلته عن أمر الله ورسوله ، وعما أجمع عليه العلماء في كل مذهب ، فلا ينبغي لرجل يؤمن بالله واليوم الآخر أن يعرض عنه؛ لأجل أهل زمانه ، أو أهل بلده ، وأنّ أكثر الناس في زمانه أعرضوا عنه .

واعلم أن الأدلة على هذا ، من كلام الله وكلام رسوله كثيرة ، لكن : أنا أمثل لك بدليل واحد ، ينبهك على غيره ، قال الله تعالى : ( قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا * أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا) [سورة الإسراء ، آية : 56 ، 57] ذكر المفسرون في تفسيرها : أن جماعة كانوا يعتقدون في عيسى – عليه السلام – وعزير ؛ فقال تعالى : هؤلاء عبيدي ، كما أنتم عبيدي ، ويرجون رحمتي ، كما ترجون رحمتي ، ويخافون عذابي ، كما تخافون عذابي .

فيا عباد الله : تَفَكَّرُوا في كلام ربّكم ، تبارك وتعالى ، إذا كان ذكر عن الكفار ، الذين قاتلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : أن دينهم الذي كفرهم به ، هو الاعتقاد في الصالحين؛ وإلا فالكفار يخافون الله ، ويرجونه ، ويحجون ، ويتصدقون ، ولكنهم كفروا بالاعتقاد في الصالحين؛ وهم يقولون : إنما اعتقدنا فيهم ، ليقربونا إلى الله زلفى ، يشفعوا لنا ، كما قال الله تعالى : ( وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى) [سورة الزمر ، آية : 3] ، وقال تعالى :( وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا ) [سورة يونس ، آية : 18] .

فيا عباد الله : إذا كان الله ذكر في كتابه ، أن دين الكفار ، هو الاعتقاد في الصالحين؛ وذكر أنهم اعتقدوا فيهم ودعوهم وندبوهم؛ لأجل أنهم يقربونهم إلى الله زلفى ، هل بعد هذا البيان ، بيان؟ فإذا كان من اعتقد في عيسى ابن مريم ، مع أنه نبي من الأنبياء ، وندبه ونخاه فقد كفر؛ فكيف بمن يعتقدون في الشياطين ، كالكلب : أبي حديدة ، [ص-226] وعثمان ، الذي في الوادي ، والكلاب الأخر في الخرج ، وغيرهم في سائر البلدان ، الذين يأكلون أموال الناس بالباطل ، ويصدون عن سبيل الله؟!» .

ثم قال موجهًا النصيحة لكل مسلم مستمسك بالحق :

« أنت يا من هداه الله ، لا تظن أن هؤلاء يحبون الصالحين ، بل هؤلاء أعداء الصالحين؛ وأنت والله الذي تحب الصالحين؛ لأن من أحب قومًا أطاعهم ، فمن أحب الصالحين وأطاعهم لم يعتقد إلا في الله ، وأما من عصاهم ودعاهم يزعم أنه يحبهم فهو مثل النصارى ، الذي يدعون عيسى ، ويزعمون محبته وهو بريء منهم» .

ثم ذكر الذين يدعون علي بن أبي طالب ، وهو بريء منهم .

وقال : « ونختم هذا الكتاب بكلمة واحدة ، وهي أن أقول : يا عباد الله ، لا تطيعوني ، ولا تفكروا ؛ واسألوا أهل العلم من كل مذهب ، عما قال الله ورسوله؛ وأنا أنصحكم : لا تظنوا أن الاعتقاد في الصالحين ، مثل الزنا ، والسرقة ، بل هو عبادة للأصنام ، من فعله كفر ، وتبرأ منه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يا عباد الله تفكروا ، وتذكروا؛ والسلام» .

وقال : « ومن أعجب ما جرى من الرؤساء المخالفين أني لما بيّنت لهم كلام الله ، وما ذكر أهل التفسير في قولـه تعالى : ( أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ) [سورة الإسراء ، آية : 57] وقولـه : ( وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا) [سورة يونس ، آية : 18] ( مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى) [سورة الزمر ، آية : 3] وما ذكر الله من إقرار الكفار في قوله (قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمْ مَنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ ) [سورة يونس ، آية : 31] وغير ذلك .

قالوا : القرآن لا يجوز العمل به لنا ، ولأمثالنا ، ولا بكلام الرسول صلى الله عليه وسلم ؛ ولا بكلام المتقدمين ، ولا نطيع إلا ما ذكره المتأخرون .

قلت لهم : أنا أخاصم الحنفي ، بكلام المتأخرين من الحنفية والمالكي ، والشافعي ، [ص-227] والحنبلي ، كل أخاصمه بكتب المتأخرين من علمائهم ، الذين يعتمدون عليهم ، فلما أبوا ذلك ، نقلت كلام العلماء من كل مذهب لأهله ، وذكرت كل ما قالوا ، بعدما صرحت الدعوة عند القبور ، والنذر لها ، فعرفوا ذلك ، وتحققوه ، فلم يزدهم إلاّ نفورًا » .

هدم القباب والأبنية على القبور والمشاهد والمزارات ودعوى بغض الأنبياء والأولياء :

إن ما ادعاه الخصوم بأن الدعوة إذا تمكنت في بلد قامت بهدم القباب والأبنية على القبور والمشاهد والآثار فهذا حق ، وهو عين الصواب ، ويجب أن تمدح به ولا تذم ، لكن الخصوم صوروا ذلك بصورة الباطل ، ولبَّسوا على العامة دينهم وروَّجوا هذه الأخبار ، وما يزاد عليها من مزاعم وحكايات في معرض التشنيع والاعتراض على هذه الأعمال . والتلبيس على الناس بأن إزالة هذه البدع تعني بغض الأولياء والصالحين وإهانتهم .

مع أن الدعوة السلفية حين قامت بذلك كانت تفعله امتثالاً لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنكارًا لهذه البدع والمنكرات والمظاهر الشركية بمقتضى الأدلة الشرعية والتي منها حديث علي – رضي الله عنه – الذي أخرجه الإمام أحمد في السنة ومسلم في صحيحه وغيرهما : « عن أبي الهياج الأسدي قال : قال علي – رضي الله عنه – : ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم : أن لا تدع تمثالًا إلا طمسته ولا قبرًا مشرفًا إلا سويته .

وكان من أساليب الخصوم وإمعانهم في تهييج عواطف عامة المسلمين وجهالهم [ص-232] ضد الدعوة أن زعموا أن أهلها يهينون الأولياء والأموات ، ولا يعظمونهم .

وهذا تلبيس فإن كان القصد بتعظيم الأولياء والأموات واحترامهم كما جاء به السنة؛ من زيارتهم والسلام عليهم والدعاء لهم ، واحترام قبورهم وعدم إهانتها ، ونحو ذلك فهذا ما يدين به أهل السنة ويعملون به ، ومنهم الإمام محمد بن عبد الوهاب وأتباعه .

أما إن قصد بذلك تقديسهم ورفعهم إلى مقام الألوهية والربوبية ، وصرف شيء من العبادة لهم ، أو اتخاذ البدع والمحدثات حول قبورهم من البناء عليها وإسراجها وتجصيصها ، والتبرك بها ، واتخاذها مساجد وقبابا ومشاهد ، فهذا ونحوه إهانة للأولياء والمؤمنين ، ومشاقة لرسول الله صلى الله عليه وسلم .

يقول الشيخ سليمان بن الإمام محمد في ذلك : « وأما تعظيم القبور بمعنى احترامها ، فإن كانت للمسلمين فواجب لا يجوز بول ولا تغوط ولا جلوس ووطء عليها لما في صحيح مسلم عن أبي مرثد الغنوي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها وفيه أيضًا أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلًا قد اتكأ على قبر فقال : لا تؤذوا صاحب القبر وفيه أيضًا عن أبي هريرة قال ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لأن يجلس أحدكم على جمرة فتحرق ثيابه فتخلص إلى جلده خير لـه من أن يجلس على قبر مسلم .

وأما تعظيمها بمعنى عبادتها فهو أكبر الكبائر عند الخاص والعام ، وأصل فتنة عُبَّاد الأصنام كما قاله السلف من الصحابة والتابعين والأئمة المجتهدين الذين في قلوبهم وقار لله فيغضبون لأجله ويغارون على توحيده ويقبحون الشرك وأهله ويجاهدون أعداء الله من [ص-233] أجله ، ولكن من خالفهم فما الحيلة . ما لجرح بميت إيلام . ولا لمن خالف هؤلاء احترام . وإن منشأ هذه الفتنة في الإسلام الفتنة في القبور حتى آل الأمر فيها إلى أن عُبِدَ أربابها من دون الله ، وعُبدت قبورهم واتُّخِذَتْ أوثانًا وبُنيت عليها الهياكل فصارت تُدعى وتُرجى وتُخشى » .

وقال بعد أن ساق جملة من الأحاديث الموضوعة التي يتعلق بها المبتدعة :

« وأمثال هذه الأحاديث التي هي مناقضة لدين الإسلام وضعها المشركون وراجت على المدعين من الجهال والضلال الذي هم عن الحق معرضون ، والله بعث رسوله يقتل من حسّن ظنه بالأحجار ، وجنَّب أمته الفتنة بالقبور ، كما جاءت به الآثار واستفاضت عنه في ذلك الأخبار بنقل أهل الصحيح ونقد أهل التصحيح » .

ثم ساق الأحاديث الصحيحة الصريحة في الرد على أصحاب بدع القبور والمشاهد والمزارات فقال : « فروى البخاري ومسلم عن أبي هريرة – رضي الله عنه – أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : قاتل الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد وفي رواية لمسلم : «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» . وفي صحيح مسلم عن جندب بن عبد الله البجلي – رضي الله عنه – قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يموت بخمس وهو يقول : إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل فإن الله قد اتخذني خليلًا كما اتخذ إبراهيم خليلًا ولو كنت متخذًا من أمتي خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلًا ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك وعن عائشة وعبد الله بن عباس قالا : لما نزل برسول الله صلى الله عليه وسلم طفق يطرح خميصة كانت علـى وجهـه فإذا اغتم بها كشفها فقال وهو كذلك : « لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد يحذر أمته ما صنعوا متفق عليه قالت عائشة – رضي الله تعالى عنها- قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه الذي لم يقم منه : [ص-234] لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ولولا ذلك لأبرز قبره غير أنه خشي أن يتخذ مسجدًا متفق عليه وروى الإمام أحمد في مسنده بإسناد جيد عن عبد الله بن مسعود – رضي الله عنه – أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إن من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء والذين يتخذون القبور مساجد وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال : لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج رواه الإمام أحمد وأهل السنن .

وهذا حال من سجد لله عند قبر ، فكيف بمن يسجد للقبر نفسه» .

ثم قال : « ومن جمع بين سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في القبور وما أمر به ونهى عنه ، وما كان عليه أصحابه ، وبين ما عليه أكثر الناس اليوم رأى أحدهما مضادًا للآخر مناقضًا لـه بحيث لا يجتمعان أبدًا .

فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصلاة إلى القبور ، وهؤلاء يصلون عندها .

ونهى عن اتخاذها مساجد ، وهؤلاء يبنون عليها القبب والمساجد ويسمونها مشاهد مضاهاة لبيوت الله .

ونهى عن إيقاد السرج عليها ، وهؤلاء يوقفون الوقوف على إيقادها بالقناديل والسرج فيها .

[ص-235] ونهى عن اتخاذها أعياداً ، وهؤلاء يتخذونها مناسك وأعيادًا يجتمعون لها كاجتماعها للعيد أو أكثر .

ونهى عن العَقْر والذبح لها ، وهؤلاء يعقرون عليها وينذرون لها ويدعونها .

وأمر بتسويتها كما روى مسلم في صحيحه عن أبي الهياج الأسدي واسمه حيان بن حصين قال : قال لي علي بن أبي طالب – رضي الله عنه – ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا أدع تمثالًا إلا طمسته ولا قبرًا مشرفًا إلا سويته وفي صحيحه أيضًا عن ثمامة بن شفي الهمداني قال كنا مع فضالة بن عبيد بأرض الروم فتوفي صاحب لنا فأمر فضالة بقبره فسوي ، ثم قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر بتسويتها وهؤلاء يبالغون في مخالفة هذين الحديثين فيرفعونها من الأرض كالبيت ويعقدون عليها القباب ويضعون عليها التوابيت ويكسونها كما يُكسى بيت الله الحرام .

ويفعلون عندها الموالد العظام ويجعلون لها السوائب من بهيمة الأنعام .

ويكثر لديها رفع الأصوات والضجيج واختلاط الرجال بالنساء كالحجيج .

ومن ذلك ما يفعله عباد الشيطان عند قبر أم المؤمنين ميمونة بنت الحارث خارج مكة ، وخديجة في المُعَلَّى كل سنة ثلاثة أيام مولد يحصل فيه من الضجيج وارتفاع الأصوات والدعاء بالاستغاثات واختلاط النساء مع الرجال في تلك الساحات .

وكذلك عند قبر عبد الرحمن المحجوب بالدفوف ذوات الصنوج والطبول والبيارق والنحائر داعين مستغيثين به راجينه بذلك ليكون عليهم ناظرًا ولهم حافظًا ؛ لأنه المحب المحبوب .

وهكذا عند قبر أبي طالب ، وهم يعلمون ظاهر حاله ، وما هو عليه قبل الممات فالحكم لعلام الغيوب .

ولو تعلق مظلوم بأستار الكعبة جذبوه من تحتها وفعلوا به ما أرادوا ، ولو دخل ظالم بسرقة أو قتل أو نهب مال على قبر أحد هذين الرجلين اللذين الله أعلم بهما من خلقه [ص-236] وهم فقراء إليه لم يقدموا ليأخذوه منه ، ولم يقدموا حدود الله عليه ، بل عندهم من فعل ذلك فقد تعدى وظلم ومآله إلى الندم ، ومن نهى عن فعل ما تقدم وأمر بما أرسل الله به الرسل إلى سائر الأمم والعمل بالأحاديث النبوية والآيات القرآنية التي هي نص على توحيده خرّجوه وبدّعوه وكفّروه ونسبوه إلينا وإن كان لا يعرفنا .

وما ذنبنا إلا أن أمرنا بما أمر الله به رسله ، ونهينا عما نهى الله ورسوله ، فبسبب ذلك عادونا وجلبوا بخيلهم ورجالهم ومدافعهم علينا ، وعن حج بيت الله الحرام الذي قال الله فيه : (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِي وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ) [سورة الحج ، آية : 25] صدونا ومنعونا ، وهدي النبي صلى الله عليه وسلم صار شعارنا واتباع سنته علمًا علينا .

فهم بذلك يعابوننا ويوبخوننا ويسبوننا ويجاهدوننا وما ذاك منهم علينا إلا اتباع الأهواء وعموم البلوى والطعن في الدين والعناد في اليقين . (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ ) [سورة الجاثية ، آية : 23] ، وهم يفعلون المنكرات ويجعلونها قربات ونتيجتها صدقات زيادة على الشرك الأكبر في تلك المعتقدات .

وذلك كله موجود في حرم الله وغيره من الساحات .

وهل هذا كله إلا لفقد الإسلام وجهله والاستهانة به عند هؤلاء الخاص منهم والعام ، حيث جعلوا المنكر دينًا ونتيجة حسنة يقيناً .

ولكن مصيبة فقد الدين تهوِّن ما هو فعل الظالمين المعاندين .

ونهى عن الكتابة عليها كما روى مسلم في صحيحه عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن تجصيص القبر وأن يُقْعَد عليه وأن يبنى عليه وروى أبو داود في سننه عن جابر -رضي الله عنه- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم : «نهى أن تجصص القبور وأن يكتب [ص-237] عليها قال الترمذي حديث حسن صحيح .

وهؤلاء يتخذون عليها الألواح ويكتبون عليها القرآن والأشعار ويعلقون عليها بيض النعام وقناديل الفضة والرخام ، فهؤلاء المعظمون للقبور المتخذونها أعياداً ، الموقدون عليها السرج الذين يبنون عليها المساجد والقباب ، مناقضون لما أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم ، محادُّون لما جاء به ، وأعظم ذلك اتخاذها مساجد وإيقاد السرج عليها ، وهو من الكبائر .

ومن يزعم أنا نُكَفِّر بمجردها فهو كاذب جائر ، إنما نُكَفِّر بالشرك الذي لا يُغْفَر ، وهو دعاؤها ورجاؤها والاستغاثة بها وذبح القربان والنذر لها لتدفع سوءًا أو تجلب خيرًا ، أو تكون واسطة في ذلك .

نعم نحن نهدم القباب التي على القبور ، ونأمر بهدمها كما هدم النبي صلى الله عليه وسلم قبة اللات في الطائف ، وأمر علي – رضي الله عنه- بهدمها وخفض القبور المشرفة مطلقًا وتسويتها ، وقد أمر به وفعله الصحابة والتابعون والأئمة المجتهدون .

قال الشافعي في الأم ورأيت الأئمة بمكة يأمرون بهدم ما يبنى على القبور . ويؤيد الهدم قولـه : ولا قبرًا مشرفًا إلا سويته ، وحديث جابر المتقدم ذكره الذي في صحيح مسلم ؛ ولأنها أسست على معصية لنهيه ، فبناءٌ أُسِّس على معصيته ومخالفته بناء غير محترم ، وهو أولى بالهدم من بناء الغاصب قطعا ، وأولى من هدم مسجد الضرار المأمور بهدمه شرعاً؛ إذ المفسدة هنا أعظم حماية للتوحيد .

وأما هذه الكبائر فقد صرح الفقهاء من أصحاب مالك وأحمد وأبي حنيفة والشافعي وغيرهم من الصحابة والتابعين على تحريمها ، وأنها بدعة نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عنها ، قال أبو محمد المقدسي : لو أبيح اتخاذ السرج عليها لم يلعن من فعله؛ ولأن فيه تضييعًا للمال في غير فائدة ، وإفراطًا في تعظيم القبور أشبه تعظيم الأصنام ، هذا وبيوت الله ظلمات لا يوقد فيها نور ، بل يرون أن الفضل عليها في ذلك القبور ، وقد آل الأمر بهؤلاء المعتقدين تعظيم القبور تعظيم عبادة للاحترام في الصدور إلى أن شرعوا لها حجًّا ووضعوا لـه وقتًا [ص-238] وجعلوه أضعاف حج بيت الله الحرام سبعاً .

هذا قبر ابن علي الذي في مرباط في بلاد اليمن قد شاع عند الخاص منهم والعام أن زيارته والتبتل إليه في رجب تعدل سبع حجات .

وكذا الزيلعي الذي في اللحية قد شاع عندهم وذاع أن من مات فيها ودفن حولـه في تلك البلاد أنه في لحيته ليس عليه حساب ولا عذاب .

وكذا قبر العيدروس الذي في عدن .

وكذا قبر الشاذلي في المخا؛ فإن أهل البر والبحر ليس لهم لهجة في الشدة والرخاء إلا بذكره زاعمين أنهم في أمانه وتحت نظره ، وأنه يُغيث من دعاه في الشدة نائيًا كان ، أو قريبًا في البر أو في البحر .

حتى صنَّف بعض غلاتهم في ذلك كتابًا سماه «مناسك حج مشاهد الأبرار لمن عني إليهم من المقيمين والزوّار» ، وصنف بعضهم كتابًا سماه « روضة الأبرار في دعوة الأولياء الأخيار عند الشدائد المدلهمة الغزار» ، ولا يخفى أن هذا بعينه مفارق دين الإسلام والدخول في عبادة الأصنام .

ومن نظر منصفًا بإخلاص إلى هذا التباين العظيم في هؤلاء المعتقدين من الناس عن الدين القويم والصراط المستقيم ماز وفرّق بين ما شرعه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقصده من النهي عما تقدم ذكره في القبور والاعتقاد وجاهد عليه وبين ما شرعه هؤلاء وقصدوه واعتقدوا فيه ودعوه ودعوا إليه ، وحينئذ يحق أنَّا إنما ندعو إلى صراط مستقيم ، صراط الله الذي لـه ما في السماوات وما في الأرض ، ألا إلى الله تصير الأمور ، ويحقق تلك المفاسد الناشئة من خبث العقائد التي يعجز العادّون عن حصرها ، وتشمئز قلوب العارفين لذكرها .

فمنها : تعظيمها الموقع في الافتتان بها من العكوف عليها والمجاورة عندها وتعليق الستور ، والألواح وبيض النعام وقناديل الفضة والرخام عليها ، وسدنتها وعبادها يرجحون المجاورة عندها على المجاورة عند البيت والمسجد الحرام ، ويرون أن سدانتها أفضل من خدمة المساجد ، والويل عندهم لِقَيِّمِهَا ليلة يطفأ القنديل المعلق عليها .

[ص-239] ومنها : بذل النذور لها ولسدنتها لجلب الخير ، ودفع الشرور .

ومنها : اعتقاد المشركين فيها أن بها يُكشف البلاء ، ويُنصر على الأعداء ، وينزل غيث السماء ، وتُفرج الكروب ، وتُقضى الحوائج ، ويُنصر المظلوم ، ويُجار الخائف ، ويأمن الحوادث ، إلى غير ذلك من الشرك الأكبر الذي يُفعل عندها .

ومنها : الدخول في اللعنة ، لعنة الله ورسوله باتخاذ المساجد عليها وإيقاد السُّرُج والقناديل فيها ووقفه عليها .

ومنها : اجتماع الرجال مع النساء واختلاطهم وضجيجهم ودعاؤهم إياهم .

ومنها : جعل المنكرات قربات .

ومنها : إيذاء أصحابها بما يفعله المشركون بقبورهم ، فإنهم يؤذيهم ما يُفعل عند قبورهم ويكرهونه غاية الكراهة ، كما أن المسيح يكره ما تفعله النصارى عند قبره إذا وجد في الأرض ، وما يعتقدونه في قلوبهم من الإفراط والتفريط في الحب ، وكذلك غيره من الأنبياء والأولياء والمشايخ يؤذيهم ما يفعله المعتقدون أشباه النصارى وأشكالهم عند قبورهم ، ويوم القيامة يتبرءون منهم كما قال تعالى : ( وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ *قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا) [سورة الفرقان ، آية : 17 ، 18] قال الله للمشركين ( فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ ) [سورة الفرقان ، آية : 19] ، وقال تعالى :(وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ * قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ) [سورة سبأ ، آية : 40 ، 41] .

ومنها : مشابهة اليهود والنصارى في اتخاذها مساجد وإيقاد السرج عليها .

ومنها : محادة الله ورسوله ومناقضة ما شرعه فيها .

ومنها : التعب والنصب بالبناء والتشييد ووضع الأبواب ونقشها والجدران والاعتقاد ، والتعظيم مع الوزر الكثير والإثم العظيم .

ومنها : إن هذا الاعتقاد يؤول إلى حبط العمل والخسران .

ومنها : إماتة السنن وإحياء البدع .

[ص-240] ومنها : جعل البدعة واجبًا وسنة ، والواجب والمسنون بدعة وإثماً ، وهم في ذلك لا يعون ولا يتذكرون ، بل لمن خالفهم فيه ونهاهم عنه يبدّعون ويخرّجون ويكفّرون .

ومنها : تفضيلها على خير البقاع وأحبها إلى الله ، فإن عباد القبور يقصدونها مع التعظيم والاحترام والخشوع ورقة القلب والعكوف بالهمة والعزم على الموتى بما لا يفعلون في المساجد ربع عشره ويحصل لهم فيها نظيره ولا قريب من مثيله .

ومنها : أن ذلك تضمن عمارة القبب والمشاهد وتنويرها وتعطيل المساجد من بيوت الله وعدم توقيرها ، ودين الله الذي بعث به رسله وأنزل كتبه بضد ذلك كله .

ومنها : أن الذي شرعه الرسول صلى الله عليه وسلم عند زيارة القبور إنما هو تذكار الآخرة والإحسان إلى المزور بالدعاء لـه والترحم عليه والاستغفار لـه وسؤاله العافية للزائر ولـه ، فيكون الزائر محسنًا إلى الميت وإلى نفسه حتى لو كان نبيًا أو وليًّا ، فالدعاء لـه مطلوب وهو إليه محبوب ، وقد أمرنا صلى الله عليه وسلم أن نسأل الله لـه الوسيلة والفضيلة وأن يبعثه المقام المحمود الذي وعده وذلك لـه محقق ولكن تنويهًا بذكره ورفعًا لقدره وليعود ثواب الدعاء إلى الداعي ، والكامل يقبل الكمال ، فقلب هؤلاء المشركون الأمر وعكسوا الدين ، وكانوا من الفريقين المغضوب عليهم والضالين بقصدهم زيارة الشرك الأموات يدعونهم ويدعون بهم . . . » .

ولذلك لما وصلت جيوش الدعوة إلى كربلاء هدمت القبة المبتدعة والمشهد على قبر الحسين ، وهي من أكبر الفتن المضلِّة التي تعمل تحت ستار حب سبط رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي عن الحسين وهو منها براء . وقد حدثت هذه القبة بعد القرون الفاضلة ، أحدثها أهل البدع ، فكان هدمها نصرًا للإسلام والسنة وتكريمًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم وآله ، وتكريم لسبط رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي تؤذيه القبة والمشهد وما يقع حولها من البدع والشركيات والمنكرات .

يقول الدكتور محمد بن سليمان الخضيري :

« وللحقيقة نقول : إن الدولة السعودية قامت بهدم القبة الموضوعة على قبر الحسين ؛ لأن ذلك يتنافى مع العقيدة الإسلامية أولاً ، وبالتالي فهو يتنافى مع مبادئ الدعوة الإصلاحية السلفية . وقد سبق أن بيّنا مراسلات حكّام الدولة السعودية مع ولاة العراق في النهي عن أمثال هذه البدع ، [ص-241] ولم تتجه الدولة السعودية إلى إنكار هذه البدع إلا بعد أن طهّرت نجد أولًا والحجاز ثانيًا من هذه البدع المتمثلة في القباب والأشجار وغيرها مما يتبرك بها الناس تقربًا إلى الله . ومن هنا نرى أن تهويل ما وقع في كربلاء لا يعدو كونه أسلوبًا من أساليب الدولة العثمانية في تنفير الناس من الدعوة الإصلاحية السلفية » .

ثانياً : مسألة التكفير والتشدد والقتال وما يلحق بها .

حقائق لا بد من ذكرها :

مسألة التكفير والتشدد والقتال من أهم وأخطر المسائل التي أثارها خصوم الدعوة من أهل البدع والأهواء والافتراق عليها ، بل وبعض المحايدين وبعض المؤيدين البعيدين عن الساحة الداخلية للدعوة أو الذين لم تتهيأ لهم الفرصة الكافية للتعرف على حقيقة الدعوة منهجًا وواقعاً ، أثاروا دعوى أن الإمام محمد بن عبد الوهاب وأتباعه يكفرون المسلمين ويستحلون قتالهم ، وقد تفرع عن هذه الدعوى القول بأنهم خوارج ومتشددون ونحو ذلك .

والحق أن المتأمل لحال الدعوة يجد الحقائق التالية : 1 – أن الشيخ محمد بن عبد الوهاب وعلماء الدعوة وحكامها آل سعود الملتزمين بمنهج الدعوة كانوا على مذهب السلف في عدم استحلال دم المسلم وقتاله إلا بدليل شرعي ، ولم يُعرف من منهجهم الخروج عن هذا الأصل في الجملة إلا حالات نادرة ليست على المنهج المتبع لديهم ، وكانوا يصرحون بهذا الأصل الشرعي العظيم في كتبهم وخطبهم ويلتزمونه في منهجهم كما بينا وسنبين بعد .

2 – أن خصومهم هم البادئون بالقتال بإعلان الحرب المسلحة وغير المسلحة على الدعوة ودولتها وأتباعها بل أعلنت قوى الشر استعمال القوة والقتال للشيخ وأتباعه قبل وصوله الدرعية ، وقبل أن يكون لهم كيان حيث هدده سليمان بن محمد الحيدي في الأحساء (من بني خالد ) وأنذر عثمان بن معمر – أمير العيينة – إن لم يتخذ موقفًا حازمًا [ص-242] ضد الشيخ الإمام وكذلك فعل ابن شامس العنزي .

ثم لما استقرت الدعوة في الدرعية بدأها بالحرب دهام بن دوَّاس أمير الرياض آنذاك .

3 – أن الخصوم كانوا كثيرًا ما يغدرون بأتباع الدعوة من الدعاة القضاة والعلماء وطلاب العلم والمعلمين الذين كان يبعثهم الشيخ محمد والولاة والمشايخ – المؤيدين للدعوة – للقرى والبادية والأقاليم لتعليم الناس دينهم وإجراء الأحكام الشرعية بينهم ، بل كثيرًا ما يعلنون العصيان على الحاكم الإمام محمد بن سعود ، وينقضون البيعة والعهد ، ويخرجون على الجماعة والإمام ، وهذا ما يحرمه الإسلام ، ويأمر بتأديب من يفعله .

4 – وكان حكام الحجاز غالبًا يعلنون العداء لدعوة التوحيد وأتباعها وكانت عداوتهم متنوعة عقديةً وسياسية وإعلامية ثم عسكرية ، وأحيانًا يقتلون بعض العلماء والدعاة بل والرسل الذين يبعثهم أهل الدعوة إليهم .

5 – وكانوا يمنعونهم من حقوقهم المشروعة كإبلاغ الدعوة ، وكأداء فريضة الحج ، فقد منعوهم منه سنين طويلة ثم أذنوا فيه سنة (1197هـ) ، ثم الشريف غالب منعهم من الحج مرة أخرى منذ سنة (1203هـ) وما بعدها ثم غزا معتدياً ، فقد بدأ الشريف غالب وغيره من حكام الحجاز الحرب على الدعوة وأتباعها قبل أن يبدؤوهم .

وأعلن الحرب المسلحة ضدهم ، وقد اعترف خصوم الدعوة بذلك وذكره مؤرخوهم معتزين به .

وعلى هذا فإنه عند التحقيق العلمي المتجرد يثبت قطعًا أن ما يقال عن الإمام وعلماء الدعوة وحكامها (آل سعود) وأتباعها حول التكفير واستحلال قتال المسلمين ودمائهم كلها مما لا يصح أو مما قد يكون لـه وجه شرعي معتبر قام عليه الدليل الشرعي ، ذلك أن تكفير من يستحق التكفير شرعًا وسب من يستحق السب شرعًا ليس من التكفير والسب المذموم ولا القسوة ، بل مما هو مطلوب شرعًا في الدين الإسلامي بشروطه وضوابطه التي يعرفها الراسخون في العلم .

[ص-243] إذن فقد ثبت أنهم لم يبدءوا القتال ولم يقاتلوا ابتداء إنما بدأ القتالَ خصومُهم .

ثم إنه من الطبيعي أن اختيار منهج القوة والحزم والقتال عند الضرورة هو الحل الأمثل في كثير من الأحوال ومنها الحال التي وصلت إليها الدعوة مع خصومها .

ونظرًا لقوة الباطل والهوى وتمكنه من قلوب كثير من الناس وحياتهم لم تقبل نفوسهم الحق ولم تذعن لأهله .

كما أن الناظر لحال كثيرين من الذين أقاموا الدنيا ولم يُقعدوها تشنيعًا على الدعوة وأتباعها في شبهة التكفير يجد العجب من تحيُّزهم ضد السنة وأهلها في هذه المسألة (وغيرها) وإغفالهم لأهل البدع الخُلَّص الذين يكفِّرون خيار الأمة؛ فيكفِّرون صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأزواجه أمهات المؤمنين ، ويكفِّرون السلف الصالح .

بل إن أكثر مزاعم التكفير والتشدد التي ألصقت بالدعوة وإمامها حدثت من أولئك الذين يكفّرون خيار الأمة ويستنقصونهم ، ومن أشياعهم الذين يشاركونهم في بدع المقابرية والقباب والمشاهد والمزارات البدعية ، والطرق الصوفية والموالد والأذكار المحدثة ، ومن المعلوم لدى كل باحث ومحقق : أن أصل هذه البدع ومنشأها كان من مكفِّرة الصحابة والسلف الصالح ، فأين العدل والإنصاف والتحقيق الذي يدَّعونه؟ ، وأين الغيرة على الحق والدين وعلى الأولياء والصالحين التي يزعمونها؟ وهم يهينون الصالحين ببدعهم . وأين النُّصح للمسلمين الذي يتظاهرون به؟! وهم يروجون البدع وينصرونها .

وكذلك مسألة التشدد :

فالتشدد الذي يدعي بعضهم أنه من سمات الدعوة وأهلها ليس تشددًا مذمومًا حسب المعايير الشرعية والعلمية . بل هو إن وقع أحيانًا فهو نوع من الحزم والصلابة في الحق وهو ما تقتضيه البيئة والظروف ، والحاجة والمصلحة في عهدهم ، فهو المناسب للبيئة البدوية والقروية التي يعيشها المجتمع النجدي ، وما عليه العرب في سجيتهم التي تتسم بالصراحة والصرامة والإباء ، فالحزم هنا هو الحل المناسب والأمثل أمام تمرد الأعراب والجهال والسفهاء ، وتجاه قوة الشر ، والخصوم ، وأمام قوة الباطل وأهله وتمكنهم ، والإسلام كما أنه دين الحق والرحمة واليسر فهو كذلك لا يلغي مبدأ الحزم والصرامة في تثبيت الحق ورد [ص-244] الباطل ، فالوضع المتردي من كل الجوانب اقتضى هذا المنهج الحازم أحيانًا لا سيما في جزيرة العرب التي هي درع الإسلام ولما تتميز به من خصائص دينية وبيئية وقبلية .

وكذلك دعوى إلزام الناس بمذهبهم دعوى زائفة ، فلم يعرف عن الإمام وأتباعه ولا عن أحد من حكام هذه الدعوة المباركة أنه قال للناس كونوا حنابلة أو شافعية أو غير ذلك؛ لكنهم عملوا ما هو مشروع من تحكيم شرع الله وإظهار شعائر الدين ، وإقامة العدل والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والحدود .

والجدير بالذكر أن كثيرين من أهل الأهواء والبدع والجهلة بأحكام الشرع يصفون أحكام الشرع من التكفير والتفسيق وتطبيق الحدود والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وإقامة شعائر الدين وفرائضه – تشددًا وقسوة وعنفاً ، والأمر ليس كذلك .

وأما ما يوجد من تجاوزات واجتهادات خاطئة في التعجل في الحكم على الناس بالكفر فليست من المنهج كما أسلفت ثم كثيرًا مما قيل عن الدعوة وأتباعها ومما اتهموه به من التكفير إنما هو من اللوازم ، ليس قولهم الصريح ، – ولازم المذهب ليس بلازم – كما هو مقرر في القاعدة الأصولية كما لا ننسى أن كثيرًا من الناقدين والخصوم يعدون الأصول المشروعة التي عملها الإمام وأتباعه كالحزم والقوة عند مقتضاها وكإقامة الحدود وإلزام الناس بالفرائض ونشر العلم الشرعي الضروري إلزامًا غير مشروع ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (الحسبة) : من التشدد والتكفير ، وهي في الحقيقة متطلبات الدين ومسلماته التي لا يمكن أن يحيد عنها المسلم التقي المتمسك بدينه ، فإن الأعمال التي نفر منها أهل الأهواء ، والجاهلون والمعرضون عن الدين والتي نفذها إمام الدعوة بموجب الشرع « مثل رجم الزانية وهدم القباب والأبنية على القبور» ونحو ذلك من الأعمال المشروعة أثارت في نفوس أهل الفسق والفجور وأهل البدع الرعب ، والخوف على شهواتهم ومصالحهم ، فأجلبوا على الدعوة وإمامها وحكامها بخيلهم ورجلهم وزعموا أن هذه الأعمال الشرعية من التشدد والعنف .

وليس الأمر كذلك بل هو مما أوجبه الشرع من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإقامة حدود الله لمصالح العباد .

كما أنه من المقرر شرعًا أن قتال المخالفين أسلوب من أساليب الجهاد يلجأ إليه بشروطه عند استنفاذ الوسائل الأخرى .

[ص-245] وقد ذكرنا قبلُ أنه قد يحدث من بعض الأعراب وصغار طلاب العلم والجهلة من الأتباع تكفير أو تشدُّد أو قتال غير مشروع لكنه غير محسوب على المنهج ، وكان إمام الدعوة وعلماؤها وحكامها يتبرءون من هذه التصرفات ويؤدبون من يفعلها .

– ونجد أنه في حين أن الشيخ وأتباعه لا يكفرون إلا بدليل -وهو المذهب الحق مذهب السلف- نجد خصومهم أهل الأهواء والبدع يكفرونهم بلا بينات! ولا يتورعون عن إطلاق الكفر والخروج والعبارات الشنيعة على إمام الدعوة وأتباعها كما فعل صاحب (خلاصة الكلام) حين أطلق عليهم وصف (الكفار والخوارج) .

كما في وصفهم بأنهم : « ضحكة ومسخرة كحمر مستنفرة فرت من قسورة» و «تطاير شررهم» وأنهم «يفسدون عقائد علماء الحرمين ويدخلون عليهم الكذب والمين» ووصفهم بـ «الملاحدة الأنذال» وأنهم «لا يدينون إلا بدين الزنادقة» ووصف الإمام محمد بن عبد الوهاب بـ «الخبيث» و «خلف أولادًا أخبث منه» وأن مشايخه «يتفرسون فيه الإلحاد والضلال» وأن «والده كان يتفرس فيه الإلحاد» وأنه «يضمر في نفسه دعوى النبوة» وبأنه «المغرور» واتهام الإمام وأتباعه بأنهم «خوارج» وأنه «من عَقِب ذي الخويصرة» وقالوا عنه «هذا الخارجي» .

وأن عقيدتهم «مشتملة على كثير من المكفرات» وسماها أحدهم «العقيدة الزائفة» و «إفساد عقائدهم» ، وأن «فتنتهم من أعظم الفتن» .

ونحو ذلك مما كان يُشَنِّع به الخصوم على الدعوة وإمامها وأهلها مما هم منه أبرياء في حين أن أكثر هؤلاء الخصوم كانوا يحمون الشركيات والبدع ويدافعون عنها ويقاتلون على ذلك .

والخلاصة :

أنه قد تعرضتْ الدعوة وأهلها ودولتها – الدولة السعودية في جميع مراحلها – لمظالم كبرى من خصومها استوجبت ضرورة الدفاع وحماية الحدود والحقوق والأموال والأنفس والأعراض .

[ص-246] أما دعاوى إكراه الناس على شعائر الدين فهي راجعة إلى أن بعض الناس لا يريدون الأمر والنهي مطلقاً؛ لأن قلوبهم المريضة تميل للشهوات والبدع .

بطلان دعوى أن الدعوة (الوهابية) مصدر العنف

ودعوى أن هذه الدعوة السلفية ويسمونها (الوهابية) مصدر العنف والتكفير والتشدد وأن الحركات المتشددة امتداد لها كل ذلك من البهتان ، فهي تقوم على المنهج السلفي المعتدل وتنبذ العنف وتحاربه ، وها هو منهجها الشرعي العلمي والرسمي إلى الآن ، ومنهج علمائها المعتبرين معلن واضح ، لكن الدعوة ابتُليت أحيانًا ببعض الأعراب والمتعجلين والغوغاء والمتحمسين من المنتسبين لطلاب العلم الذين قد يسيئون؛ لأن الدعوة فطرية سهلة واضحة فتؤثر عاطفيًا على بعض المبتدئين ونحوهم وإذا لم تضبط بالعقل والفقه والعلم الشرعي قد تفهم خطأ كسائر المذاهب والمبادئ .

وافتيات بعض منسوبي الدعوة عليها وأخطاؤهم في فهمها وتطبيقها قد يتذرع به الخصوم حينما لا يرجعون إلى المنهج العلمي الذي يقوم على التثبت والإنصاف .

فالمنهج الذي تقوم عليه الدعوة ودولتها يقوم على الوسطية والعدل والاعتدال ، ولا يرضى الظلم والعدوان والتشدد في الدين .

وقفة مع شبهة :

إن من أكثر ما يتذرع به الخصوم في أن الإمام وأتباعه يطلقون على خصومهم عبارات (المشركين والكفار) ونحوها من العبارات القاسية في نظر البعض .

وهذه الشبهة لها جواب بيِّن أُوجزه بما يلي : 1 – أن إطلاق عبارة المشركين والكفار على الخصوم إنما كانوا يقولونها في وصف رؤوس الخصوم والمعاندين وجيوشهم المقاتلة؛ لأنهم كانوا يحملون راية رفض دعوة التوحيد والدفاع عن الشركيات والبدع بعد إقامة الحجة عليهم .

[ص-247] ومن قاتل معهم من العوام والغوغاء لا اعتبار لـه في الحكم أصلًا ؛ فالحكم على الراية التي تقاتل في سبيل البدع والشركيات وتصد عن دين الله .

2 – أن الذين استعملوا هذه العبارات من المؤرخين كابن غنام وابن بشر وبعض الشعراء ، والمناصرين للدعوة ، كانت تغلب عليهم روح الحماس والعاطفة والأسلوب الإعلامي أكثر من التأصيل الشرعي . فليس كل ما أطلقوه من الأحكام والأوصاف يعبّر عن المنهج أو يعتد به ولذلك نجد الإمام نفسه والعلماء لا يطلقون هذه الأحكام (الشرك والكفر) على الخصوم إلا نادرًا وعلى زعماء البدع الشركية والكفرية ، والمدافعين عن الشركيات الذي قامت عليهم الحجة .

3 – أن إمام الدعوة وعلماءها حين يتكلمون عن عموم المسلمين من المخالفين من عوام أهل البدع ، يبرءون إلى الله من تكفيرهم ، ومن وصفهم بالمشركين ، ومن استحلال دمائهم ، وقد سقت في هذا البحث الكثير مما يثبت هذا المبدأ .

أما من كان من المعاندين والمقاتلين ومن كان في صفوفهم فحكمه حكمهم من حيث التعامل في الظاهر ، والله أعلم بالسرائر .

4 – أن أغلب هذه الأوصاف والأحكام كانت عامة لا تنصرف للأعيان .

5 – ثم لا ننسى أن ما رمى به خصوم الدعوة إمامها وأتباعها من الأوصاف والمطاعن أكثر وأشد وأبعد عن الحق والشرع والدليل؛ من وصفهم بأنهم كفار وملاحدة وزنادقة وخوارج وأنذال .

ولم أر من القادحين أو العاتبين والشانئين على الدعوة التفاتًا إلى الموازنة والعدل . والله حسبنا ونعم الوكيل .

موقف الإمام وأتباعه من دعوى التكفير وقتال المسلمين :

ذكرتُ أن من أعظم المفتريات والشبهات التي أثيرت حول الإمام ودعوته وأتباعه ودولة التوحيد (الدولة السعودية) وأخطرها ما يتعلق بالتكفير والقتال (وهي في الأهمية والخطورة تلي قضية التوحيد ) .

والحق أن الإمام وعلماء الدعوة وأتباعهم أولوا هذه المزاعم ما تستحقها من الأهمية مستقلة أو من خلال حديثهم عن التوحيد وما ينافيه وهو الشرك ، وما ينقصه من البدع والمحدثات؛ لأن ذلك مظنة التكفير .

وقد بسطت هذه الأمور في بواعث قيام الدعوة ومواضع أخرى كثيرة من هذا البحث .

ولا شك أن هذا المنهج – وهو منهج الأنبياء والسلف الصالح – صادم بقوة الواقع الذي يعيشه كثيرون لا سيما أصحاب بدع القبور والقباب والمشاهد والمزارات ، والطرق الصوفية والسماعات البدعية وغيرهم من أصناف المبتدعة ، ومن في حكمهم من أصحاب المصالح والفئات التي تعيش على هذا الواقع الأليم وهي فئات كثيرة ومصالح كبيرة : سياسية واقتصادية واجتماعية وغيرها .

وكان الدفاع والمقاومة بالحق من حماة الدعوة وأتباعها من القوة والضخامة بقدر هذا الهجوم العنيف والظالم .

ولا شك أن الكلام في تصحيح العقائد وتحقيق المصالح العظمى – وإن كان بالحق والدليل – يثير ردود أفعال سريعة وقوية وطائشة .

وهذا قد استوجب من كل من الطرفين الحكم على الآخر ، فكان القتال من خصوم الدعوة وكان الدفاع من حملتها وأتباعها ، والقتال لا يدفع إلا بالقتال ، والبادئ هو الظالم .

وفي قضية التكفير والقتال اشتباه ولبس كبير ، ولذلك استغلها الخصوم ضد الدعوة ولا يزالون .

وهذا اللبس والاشتباه جعل بعض المؤيدين للدعوة البعيدين عن ساحتها قد يتحفظون أو يأخذون على الدعوة وأهلها أنهم متشددون .

[ص-249] كما فعل محمد صديق خان حين اتهمهم بإراقة الدماء . والعجيب أنه ذكر أن مصدره في هذه المعلومة كتب العلماء المسيحيين ! كما تأثر بهذه الشبهات كل من الشوكاني ، ومحمد بن ناصر الحازمي – وذلك على سبيل الاستدراك – في معرض ثناء كل منهما على الدعوة وإمامها .

والمتتبع لمواقف الناس تجاه الدعوة وإمامها يجد أن هذه المسألة ظاهرة ومتميزة؛ أعني : أن كثيرين من الذين يوافقون الإمام وأتباعه على أهمية بيان التوحيد والدعوة إليه ، وكشف الشرك ومظاهره والتحذير من البدع ، وسد الذرائع المفضية إلى هذه الشركيات والبدع . كثيرون من الذين وافقوه على هذه الأصول العظيمة خالفوه في قضيتي : التكفير والقتال . فمن الذي مع الحق والدليل؟ لما احتدم الخلاف بين الدعوة وخصومها في هذه القضية الخطيرة ، كان الدليل والبرهان والحجة الشرعية الواضحة وكلام السلف الصالح من الصحابة والتابعين وتابعيهم والأئمة الأربعة مع أئمة الدعوة ، ولم يكن عند خصومهم أهل البدع والأهواء إلا التأويلات والهوى والظنون والقيل والقال واتباع ما تشابه من الأدلة ، والأحاديث الضعيفة والموضوعة والإسرائيليات والحكايات والمنامات . كما قال الله عنهم : ( فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ ) [سورة آل عمران ، آية : 7] .

وكُتب الفريقين ورسائلهم ومناظرتهم وردودهم منشورة ومشهورة وعلى من يطلب الحق النظر في حجج هؤلاء وحجج هؤلاء وليحكم بالعدل .

فما يقال عن الإمام وعلماء الدعوة وأتباعها حول التكفير واستحلال قتال المسلمين ودمائهم ونحو ذلك من الاتهامات ، كلها مما لا يصح ، أو مما لـه وجه شرعي معتبر قام عليه الدليل الشرعي .

أما تكفير من يستحق التكفير وسب من يستحق السب شرعًا فليس من التكفير والقسوة ، بل هو مشروع عند مقتضاه ، وكثيرون من أهل الأهواء والبدع والجهلة بأحكام [ص-250] الشرع يصفون أحكام الشرع من التكفير والتفسيق والحدود والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإقامة شعائر الدين وفرائضه : تشددًا وقسوة ، وهذا جهل بأحكام الشرع أو تلبيس وتضليل .

وكذلك يمكن القول بأنهم كفّروا بالدليل؛ لكنهم لم يكفروا عموم المسلمين ، ولا أكثرهم كما يزعم الخصوم لكنهم كفروا من قام الدليل على كفرهم . ووصفوا الأقوال والأفعال والعقائد الكفرية ، أما تكفير الأعيان فهو نادر جدًّا فلم يخرجوا فيه عن نهج النصوص ونهج السلف الصالح من التورع عن تكفير الأعيان ، والكف عن ذلك وعدم إطلاق التكفير إلا بعد استيفاء الشروط وانتفاء الموانع ، ولذلك كان تكفير الأعيان عندهم قليلاً ، بل نادرًا كما أسلفت .

التزام الإمام محمد بن عبد الوهاب وأتباعه لقواعد التكفير المعتبرة عند علماء الأمة :

ومما ينفي شبهة التكفير عن الإمام محمد بن عبد الوهاب أنه بيَّن القواعد والشروط والموانع في التكفير بما يؤكد أنه على أصول أهل السنة والجماعة ومنهاج السلف الصالح ، ومن ذلك .

أولاً : أنه كثير النصح للمسلمين حريص على هدايتهم ، والدعاء لهم ، والتماس المعاذير لهم .

ثانياً : لا يكفر بالذنوب :

استفاض تأكيده على البراءة من التكفير بالذنوب – كما تفعل الخوارج – كقولـه : « ولا أكفر أحدًا من المسلمين بذنب ولا أخرجه من دائرة الإسلام » .

وقولـه في رده على بعض الذين يتهمونه وأتباعه بتكفير المسلمين : « وقولكم إنا نكفر المسلمين . . . ، فإنا لم نكفر المسلمين ، بل ما كفرنا إلا المشركين » .

[ص-251] وقال في رسالته إلى عالم العراق ابن السويدي في سياق ذكر ما أشيع عن الشيخ من البهتان : « ومنها ما ذكرتم : أني أكفر جميع الناس إلا من اتبعني ، وأزعم أن أنكحتهم غير صحيحة ، ويا عجبًا كيف يدخل هذا في عقل عاقل . . . » .

ثالثاً : لا يكفر بالعموم :

فقد ثبت نفيه المتكرر وما يتهم به وأتباعه من أنهم يكفرون المسلمين بالعموم وأنهم يكفرون كل من خالفهم ، وكل من لم يدخل في مذهبهم! ونحو ذلك من المزاعم .

قال : « وأما القول : أنا نكفر بالعموم فذلك من بهتان الأعداء الذين يصدون به عن هذا الدين ، ونقول سبحانك هذا بهتان عظيم » .

رابعاً : معاملة الناس على ظواهرهم :

وكان يعامل الناس على ظواهرهم ويكل سرائرهم إلى الله ، قال في أهل البدع : «وأحكم عليهم بالظاهر وأكل سرائرهم إلى الله تعالى» .

خامساً : لا يحكم على أحد بالكفر بمجرد الموالاة .

سادساً : لا يحكم على أحد بمجرد الظن .

سابعاً : يعذر الجاهل بجهله .

ثامناً : لا يكون التكفير عنده إلا بعد إقامة الحجة والبرهان .

قال مقررًا هذه القواعد : « وأما ما ذكر الأعداء عني أني أكفر بالظن وبالموالاة ، أو أكفر الجاهل الذي لم تقم عليه الحجة فهذا بهتان عظيم يريدون به تنفير الناس عن دين الله ورسوله صلى الله عليه وسلم » .

تاسعاً : لم يكن الإمام وعلماء الدعوة – التزامًا لمنهج السلف الصالح – يطلقون أحكام التكفير [ص-252] إلا ببينات وبعد التثبت ومعرفة الحال .

وعلى سبيل المثال كان الشيخ الإمام وأتباعه أحيانًا يطلقون على بعض خصومهم الكفر أو الشرك؛ لأنه تثبت لديهم أن هؤلاء الخصوم واقعون في ذلك فعلاً ، وقد قامت عليهم الحجة وبانت لهم الدلائل من خلال ما أقامه الشيخ الإمام وتلاميذه وأشهروه في ذلك .

وكانت البوادي والأعراب في نجد وما حولها – وهم كثيرون آنذاك – لا يكادون يفقهون في دين الله شيئاً ، ولا يقيم أكثرهم شعائر الإسلام ، وكثيرون منهم لا يؤمنون بالبعث ولا يعرفون ذلك ، وقد بين الشيخ الإمام هذه المسألة غاية البيان .

كما كانت مظاهر الشرك والبدع ظاهرة عند البادية والحاضرة من خلال ما يمارسه الكثيرون حول الأضرحة والقباب والمشاهد ، والأشجار والأحجار ، والأشخاص والآثار ونحو ذلك .

وكانت النزعة الصوفية الغالية لها وجود بينهم (وإن كان فيما يظهر ليس بالكثير) ، كمذهب ابن عربي وابن الفارض .

ولم تكن بقية جزيرة العرب ، في الحجاز واليمن بأسعد حظًّا من نجد وبواديها بل كان كثيرون منهم يمارسون البدع والشركيات عن عمد وإصرار .

ومع ذلك كله كان الإمام وأتباعه لا يكفرون الأعيان ولا يكفرون العموم إلا بعد التثبت والبيان .

وقد كفانا الشيخ الإمام وعلماء الدعوة مهمة الدفاع عن الحق ، ورد المفتريات من الخصوم ، وكشف بهتانهم .

فقال الإمام في إحدى رسائله بعدما ذكر أن عقيدته هي عقيدة أهل السنة والجماعة ، وأنه لا يكفر المسلمين : «ولا أكفر أحدًا من المسلمين بذنب ، ولا أخرجه عن دائرة الإسلام» .

[ص-253] ثم قال في الرسالة نفسها مبينًا أن بعض ما قيل عنه صحيح وهو الحق بالدليل : «وأما المسائل الأخرى ، وهي : أني أقول لا يتم إسلام الإنسان حتى يعرف معنى لا إله إلا الله ، وأني أُعَرِّف من يأتيني بمعناها ، وأني أُكَفِّر الناذر إذا أراد بنذره التقرب لغير الله ، وأخذ النذر لأجل ذلك ، وأن الذبح لغير الله كفر ، والذبيحة حرام؛ فهذه المسائل حق ، وأنا قائل بها؛ ولي عليها دلائل من كلام الله وكلام رسوله ، ومن أقوال العلماء المتبعين ، كالأئمة الأربعة؛ وإذا سهَّل الله تعالى : بسطت الجواب عليها في رسالة مستقلة ، إن شاء الله تعالى» .

ثم قال طالبًا من الذين ترد إليهم تلك الشبهات والأقاويل والمفتريات عنه وعن دعوته : « ثم اعلموا وتدبروا قولـه تعالى : ( يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ ) » [سورة الحجرات ، آية : 6] .

وأرسل أحد علماء اليمن الرسالة التالية ، يسأله فيها عن حقيقة من يُشاع عنه من المفتريات جاء فيها : « أما بعد : بلغني على ألسن الناس عنك ، ممن أصدق علمه وما لا أصدق ، والناس اقتسموا فيكم بين قادح ومادح فالذي سرني عنك : الإقامة على الشريعة في آخر هذا الزمان ، وفي غربة الإسلام ، أنك تدعو به وتقوم أركانه ، فوالله الذي لا إله غيره مع ما نحن فيه عند قومنا ، ما نقدر على ما تقدر عليه ، من بيان الحق ، والإعلان بالدعوة .

وأما قول من لا أصدق : أنك تكفر بالعموم ، ولا تبغي الصالحين ، ولا تعمل بكتب المتأخرين ، فأنت : أخبِرْنِي ، واصدقني بما أنت عليه ، وما تدعو الناس إليه ، ليستقر عندنا خبرك ومحبتك؟ » .

[ص-254] فكان جوابه : « أما بعد : فما تسأل عنه ، فنحمد الله الذي لا إله غيره ، ولا رب لنا سواه ، فلنا أسوة ، وهم : الرسل ، عليهم الصلاة والسلام أجمعين ، وأما ما جرى لهم مع قومهم ، وما جرى لقومهم معهم ، فهم قدوة وأسوة لمن اتبعهم .

فما تسأل عنه ، من الاستقامة على الإسلام؟ فالفضل لله ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : بدأ الإسلام غريباً ، وسيعود غريبًا كما بدأ .

وأما القول : أنا نُكَفِّر بالعموم؟ فذلك من بهتان الأعداء ، الذين يصدون به عن هذا الدين؛ ونقول : ( سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ ) [سورة النور ، آية : 16] .

وأما الصالحون؟ فهم على صلاحهم – رضي الله عنه – ولكن نقول : ليس لهم شيء من الدعوة ، قال الله : ( وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا ) [سورة الجن ، آية : 18] .

وأما المتأخرون رحمهم الله ، فكتبهم عندنا ، فنعمل بما وافق النص منها ، وما لا يوافق النص ، لا نعمل به » .

وسئل الإمام : محمد بن عبد الوهاب ، عما يقاتل عليه وعما يكفر الرجل به؟ فأجاب : « وأركان الإسلام الخمسة ، أولها الشهادتان ، ثم الأركان الأربعة؛ فالأربعة : إذا أقر بها ، وتركها تهاوناً ، فنحن وإن قاتلناه على فعلها ، فلا نكفره بتركها؛ والعلماء : اختلفوا في كفر التارك لها كسلاً من غير جحود؛ ولا نكفر إلاّ ما أجمع عليه العلماء كلهم ، وهو : الشهادتان .

وأيضاً : نكفره بعد التعريف إذا عرف وأنكر» .

ثم ذكر أنواع الذي يكفرون بمقتضى الدليل من نصوص الشرع إلى أن قال : «وأما الكذب والبهتان ، فمثل قولهم : إنا نكفر بالعموم ، ونوجب الهجرة إلينا على من قدر على [ص-255] إظهار دينه ، وإنا نكفر من لم يكفر ، ومن لم يقاتل ، ومثل هذا وأضعاف أضعافه ، فكل هذا من الكذب والبهتان ، الذي يصدون به الناس عن دين الله ورسوله .

وإذا كنا : لا نكفر من عبد الصنم ، الذي على [قبر] عبد القادر والصنم الذي على قبر أحمد البدوي ، وأمثالهما ، لأجل جهلهم ، وعدم من ينبههم ، فكيف نكفر من لم يشرك بالله؟! إذا لم يهاجر إلينا ، أو لم يكفر ويقاتل ( سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ) » [سورة النور ، آية : 16] .

وقال فيما يُنسب إليه من التكفير ، مبينًا أنه لا يُكَفِّر إلا بمقتضى الدليل : « وأما التكفير : فأنا أكفِّر من عرف دليل الرسول صلى الله عليه وسلم ، ثم بعدما عرف ، سبَّه ونهى الناس عنه ، وعادى من فعله فهذا هو الذي أكفره ، وأكثر الأمة – ولله الحمد – ليسوا كذلك .

وأما القتال : فلم نقاتل أحدًا إلاّ دون النفس ، والحرمة؛ فإنا نقاتل على سبيل المقابلة سورة الشورى الآية 40 وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا [سورة الشورى ، آية : 40] وكذلك من جاهر بسبِّ دين الرسول ، بعدما عرفه ، والسلام » .

وهو هنا نفى الكفر عن أكثر الأمة بصريح العبارة ، وهذا يُبطل دعوى الخصوم أنه يكفر المسلمين أو أكثرهم .

وقال الإمام في رده لمزاعم بعضهم : «وكذلك تمويهه على الطغام : بأن ابن عبد الوهاب ، يقول : الذي ما يدخل تحت طاعتي كافر ، ونقول : سبحانك هذا بهتان عظيم ، بل نُشهد الله على ما يعلمه من قلوبنا ، بأن من عمل بالتوحيد ، وتبرأ من الشرك وأهله ، فهو المسلم في أي زمان ، وأي مكان .

وإنما نكفر من أشرك بالله في إلهيته ، بعدما نبين لـه الحجة ، على بطلان الشرك ، وكذلك نكفر من حسَّنه للناس ، أو أقام الشبه الباطلة على إباحته ، وكذلك من قام بسيفه ، دون هذه المشاهد ، التي يُشرك بالله عندها ، وقاتل من أنكرها ، وسعى في إزالتها ، والله [ص-256] المستعان ، والسلام » .

وفي رده على فرية الخصوم في زعمهم بأن الشيخ وأتباعه يكفِّرون بالذنوب كما يفعل الخوارج قال : « والمسألة الأخرى : يذكر لنا من أعداء الإسلام ، من يذكر أنا نكفر بالذنوب ، مثل التتن ، وشرب الخمر ، والزنا أو غير ذلك من كبائر الذنوب؛ فنبرأ إلى الله من هذه المقالة ، بل الذي نحن نقول : الذنوب فيها الحدود ، ومعلقة بالمشيئة ، إن شاء الله عفا ، وإن شاء عذب عليها .

وأما الذي نكفر به : فالشرك بالله ، كما قال تعالى : ( إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا ) [سورة النساء ، آية : 48] ، وقال تعالى : ( وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ* بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ ) [سورة الزمر ، آية : 65 – 66] ، وقال تعالى : (إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ) [سورة المائدة ، آية : 72] .

ونكفر أيضاً : المستهزئين بالدين ، مثل ما قال الله في الصحابي ، الذي غزا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك : ( قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ* لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ ) [سورة التوبة ، آية : 6 5 – 66] وغيرهم مثل ما حكى الله تعالى : ( إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ ) وفي الآية الأخرى : ( وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا) [سورة النساء ، آية : 140] » .

وقال كذلك في رسالة لـه إلى عامة المسلمين :

« بسم الله الرحمن الرحيم من محمد بن عبد الوهاب : إلى من يصل إليه من المسلمين ، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

[ص-257] وبعد : ما ذكر لكم عني : أني أكفر بالعموم ، فهذا من بهتان الأعداء ، وكذلك قولهم : إني أقول من تبع دين الله ورسوله ، وهو ساكن في بلده ، أنه ما يكفيه حتى يجيء عندي ، فهذا أيضًا من البهتان ، إنما المراد اتباع دين الله ورسوله ، في أي أرض كانت .

ولكن نكفر من أقر بدين الله ورسوله ، ثم عاداه وصد الناس عنه؛ وكذلك من عبد الأوثان ، بعدما عرف أنها دين المشركين ، وزيَّنه للناس ، فهذا الذي أكفره وكل عالم على وجه الأرض يكفر هؤلاء ، إلا رجل معاند ، أو جاهل ، والله أعلم والسلام » .

وسئل أبناء الشيخ وحمد بن ناصر بن معمر : هل تعتقدون كفر أهل الأرض على الإطلاق؟ أم لا؟ فأجابوا : « الذي نعتقده ديناً ، ونرضاه لإخواننا مذهباً ، أن من أنكر ما هو معلوم من الدين بالضرورة ، وقامت عليه الحجة ، فإنه يكفر بذلك ، ولو ادَّعى الإسلام ، وهذا أمر مجمع عليه بين العلماء » .

وقال الإمام -أيضًا- : في رده على (خصم الدعوة) : سليمان بن سحيم ، مبينًا أنه لا يكفِّر إلا حسب الأدلة الشرعية ، وآثار السلف الصالح : « وأما المسألة الثالثة ، وهي من أكبر تلبيسك الذي تُلبِّس به على العوام : « أن أهل العلم قالوا : لا يجوز تكفير المسلم بالذنب» وهذا حق ، ولكن ليس هذا ما نحن فيه ، وذلك أن الخوارج يكفِّرون من زنى ، أو من سرق ، أو سفك الدم ، بل كل كبيرة إذا فعلها المسلم كفر . وأما أهل السنة فمذهبهم أن المسلم لا يكفر إلا بالشرك؛ ونحن ما كفّرنا الطواغيت وأتباعهم إلا بالشرك » .

ويقول الشيخ عبد الله بن الإمام محمد بن عبد الوهاب : « ونحن نقول فيمن مات : تلك أمة قد خلت؛ ولا نكفر إلا من بلغته دعوتنا للحق ، ووضحت لـه المحجة ، وقامت عليه الحجة ، وأصر مستكبرًا معانداً ، كغالب من نقاتلهم اليوم ، يصرون على ذلك [ص-258] الإشراك ، ويمتنعون من فعل الواجبات ، ويتظاهرون بأفعال الكبائر المحرمات ، وغير الغالب إنما نقاتله لمناصرته من هذه حاله ، ورضاه به ولتكثير سواد من ذكر ، والتأليب معه فله حينئذ حكمه في قتاله ، ونعتذر عمن مضى : بأنهم مخطئون معذورون؛ لعدم عصمتهم من الخطأ والإجماع في ذلك ممنوع قطعًا» .

إلى أن قال : « ونحن كذلك : لا نقول بكفر من صحت ديانته ، وشهر صلاحه ، وعلم ورعه وزهده ، وحسنت سيرته ، وبلغ من نصحه الأمة ، ببذل نفسه لتدريس العلوم النافعة ، والتآليف فيها وإن كان مخطئًا في هذه المسألة أو غيرها ، كابن حجر الهيتمي ، فإنا نعرف كلامه في الدر المنظم ، ولا ننكر سعة علمه ولهذا نعتني بكتبه كشرح الأربعين ، والزواجر وغيرها ، ونعتمد على نقله إذا نقل؛ لأنه من جملة علماء المسلمين .

هذا ما نحن عليه ، مخاطبين من لـه عقل وعلم ، وهو متصف بالإنصاف ، خال عن الميل إلى التعصب والاعتساف ، ينظر إلى ما يقال ، لا إلى من قال » .

وقال الإمام سعود بن عبد العزيز في رسالته إلى سليمان باشا والي العراق : « فنقول : نحن بحمد الله ، لا نكفر أحدًا من أهل القبلة بذنب ، وإنما نكفر لهم ، بما نص الله ورسوله ، وأجمع عليه علماء الأمة المحمدية ، الذين هم لسان صدق في الأمة : أنه كفر كالشرك في عبادة الله غيره ، من دعاء ونذر ، وذبح وكبغض الدين وأهله ، والاستهزاء به ، وأما الذنوب كالزنا والسرقة وقتل النفس ، وشرب الخمر والظلم ، ونحو ذلك فلا نكفر من فعله ، إذا كان مؤمنًا بالله ورسوله إلا من فعله مستحلاً لـه فما كان من ذلك فيه حد شرعي أقمناه على من فعله وإلا عزرنا الفاعل بما يردعه ، وأمثاله عن ارتكاب المحرمات .

وقد : جرت المعاصي والكبائر ، في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، ولم يكفروا بها ، وهذا مما رد به أهل السنة والجماعة ، على الخوارج الذين يكفرون بالذنوب ، وعلى المعتزلة الذين يحكمون بتخليده في النار ، وإن لم يسموه كافراً ، ويقولون : ننزله منزلة بين المنزلتين ، فلا نسميه كافرًا ولا مؤمناً ، بل فاسقًا وينكرون شفاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم القيامة ، ويقولون : لا يخرج من النار أحد دخلها بشفاعة ولا غيرها .

[ص-259] ونحن : بحمد الله برآء من هذين المذهبين ، مذهب الخوارج والمعتزلة ، ونثبت شفاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم وغيره من الأنبياء والصالحين ، ولكنها : لا تكون إلا لأهل التوحيد خاصة ، ولا تكون إلا بإذن الله ، كما قال تعالى :( وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى) [سورة الأنبياء ، آية : 28] وقال : (مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ ) [سورة البقرة ، آية : 255] » .

وللشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن كلام مفصَّل يرد تهمة التكفير عن إمام الدعوة وأتباعها ، في رسالته لبعض المتشددين ينكر عليهم هذا المسلك الخطير (التكفير) ويتبرأ من هذا المنهج : قال : « وقد رأيت : سنة أربع وستين رجلين من أشباهكم ، المارقين بالأحساء قد اعتزلا الجمعة ، والجماعة وكفَّرا مَن في تلك البلاد من المسلمين ، وحجتهم من جنس حجتكم يقولون : أهل الأحساء يجالسون ابن فيروز ، ويخالطونه هو وأمثاله ممن لم يكفر بالطاغوت ولم يصرح بتكفير جده ، الذي رد دعوة الشيخ محمد ولم يقبلها وعاداها .

قالا : ومن لم يصرح بكفره فهو كافر بالله ، لم يكفر بالطاغوت ومن جالسه فهو مثله؛ ورتبوا على هاتين المقدمتين الكاذبتين الضالتين ما يترتب على الردة الصريحة من الأحكام حتى تركوا رد السلام ، فرفع إلي أمرهم ، فأحضرتهم وتهددتهم وأغلظت لهم القول؛ فزعموا أولاً : أنهم على عقيدة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ، وأن رسائله عندهم فكشفت شبهتهم وأدحضت ضلالتهم بما حضرني في المجلس .

وأخبرتهم ببراءة الشيخ من هذا المعتقد والمذهب ، وأنه لا يكفر إلا بما أجمع المسلمون على تكفير فاعله ، من الشرك الأكبر ، والكفر بآيات الله ورسوله ، أو بشيء منها ، بعد قيام الحجة ، وبلوغها المعتبر ، كتكفير من عبَد الصالحين ، ودعاهم مع الله ، وجعلهم أندادًا لـه ، فيما يستحقه على خلقه ، من العبادات والإلهية ، وهذا مجمع عليه أهل العلم والإيمان ، وكل طائفة من أهل المذاهب المقلدة ، يفردون هذه المسألة بباب عظيم ، يذكرون [ص-260] فيه حكمها وما يوجب الردة ويقتضيها وينصون على الشرك ، وقد أفرد ابن حجر ، هذه المسألة بكتاب سماه : الإعلام بقواطع الإسلام » .

وقال الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف : «فإن الشيخ محمدًا – رحمه الله – لم يكفر الناس ابتداء ، إلا بعد قيام الحجة والدعوة؛ لأنهم إذ ذاك في زمن فترة ، وعدم علم بآثار الرسالة؛ ولذلك قال : لجهلهم وعدم من ينبههم ، فأما إذا قامت الحجة فلا مانع من تكفيرهم وإن لم يفهموها » .

رد دعوى إتلاف الكتب :

وفي دفع تهمة إتلاف الكتب التي ليست على مذهبهم ، قال الشيخ عبد الله بن الإمام محمد : « ولا نأمر بإتلاف شيء من المؤلفات أصلاً ، إلاّ ما اشتمل على ما يُوقع الناس في الشرك ، كروض الرياحين أو يحصل بسببه خلل في العقائد ، كعلم المنطق فإنه قد حرمه جمع من العلماء على أنا لا نفحص عن مثل ذلك ، وكالدلائل ، إلاّ إن تظاهر به صاحبه معانداً ، أتلف عليه وما اتفق لبعض البدو في إتلاف بعض كتب أهل الطائف ، إنما صدر منه لجهله ، وقد زجر هو وغيره عن مثل ذلك» .

رد دعوى أنهم يكفرون بالذنوب كشرب الدخان :

زعم بعض الخصوم وغيرهم أن علماء الدعوة وأتباعها يكفرون بالذنوب والمعاصي كشرب الدخان ، والمسكرات وسماع الأغاني ، وقد أجاب الشيخ عبد الله بن الإمام محمد بن عبد الوهاب عن هذه الفرية قائلاً : [ص-261] « وأما البحث عن التنباك ، وقولكم : بلغنا أنكم أفتيتم فيه ، بأنه من المسكرات اعتمدنا على قولكم فعارض بعض الراحلين من عندكم ، فقالوا : من شربه بعدما تاب منه ، فقد ارتد وحل دمه وماله .

فالجواب : أن من نسب إلينا القول بهذا ، فقد كذب وافترى ، بل من قال هذا القول استحق التعزير البليغ الذي يردعه وأمثاله ، فإن هذا مُخالف للكتاب والسنة ، بل لو تاب منه ، ثم عاد إلى شربه لم يحكم بكفره وردته ، ولو أصر على ذلك ، إذا لم يستحله ، والتكفير بالذنوب مذهب الخوارج ، الذين مرقوا من الإسلام ، واستحلوا دماء المسلمين بالذنوب والمعاصي» .

وقال الشيخ عبد الرحمن بن حسن : « وهم يقولون بما يذهب إليه السلف الصالح وعامة أهل السنة والجماعة من أن الكفر أنواع وشعب ، كما أن الإيمان شعب ، وأنه ليس كل كفر يُخرج عن الملة ، وأن بعض الذنوب والمعاصي التي تُوصف بأنها كفر ، تعني كفرًا دون كفر كما جاءت بذلك السنة ، وقد فصَّل الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن (أحد أحفاد الإمام محمد بن عبد الوهاب ) هذه الأحكام حين بيَّن أن الإيمان شعب ، وقال : « وكذلك الكفر : أيضًا ذو أصل وشعب فكما أن شعب الإيمان : إيمان ، فشعب الكفر : كفر ، والمعاصي كلها من شعب الكفر كما أن الطاعات كلها من شعب الإيمان؛ ولا يسوى بينهما في الأسماء والأحكام؛ وفرق بين من ترك الصلاة ، أو الزكاة أو الصيام أو أشرك بالله ، أو استهان بالمصحف ؛ وبين من يسرق ويزني أو يشرب أو ينهب ، أو صدر منه نوع موالاة كما جرى لحاطب؛ فمن سوَّى بين شعب الإيمان في الأسماء والأحكام ، أو سوى بين شعب الكفر في ذلك ، فهو مخالف للكتاب والسنة ، خارج عن سبيل سلف الأمة ، داخل في عموم : أهل البدع ، والأهواء » .

إلى أن قال : « الأصل الرابع : أن الكفر نوعان ، كفر عمل؛ وكفر جحود وعناد ، وهو : أن يكفر بما علم ، أن الرسول صلى الله عليه وسلم جاء به من عند الله ، جحودًا وعنادًا من أسماء الرب ، [ص-262] وصفاته ، وأفعاله ، وأحكامه التي أصلها : توحيده وعبادته وحده لا شريك لـه ، وهذا : مضاد للإيمان من كل وجه . وأما : كفر العمل ، فمنه ما يضاد الإيمان ، كالسجود للصنم ، والاستهانة بالمصحف ، وقتل النبي صلى الله عليه وسلم ، وسبه وأما : الحكم بغير ما أنزل الله ، وترك الصلاة ، فهذا كفر عمل لا كفر اعتقاد وكذلك قولـه صلى الله عليه وسلم : لا ترجعوا بعدي كفاراً ، يضرب بعضكم رقاب بعض وقولـه : من أتى كاهناً ، فصدقه أو امرأة في دبرها ، فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم فهذا : من الكفر العملي؛ وليس كالسجود للصنم ، والاستهانة بالمصحف ، وقتل النبي صلى الله عليه وسلم وسَبّه ، وإن كان الكل يطلق عليه الكفر .

وقد سمى الله سبحانه : من عمل ببعض كتابه ، وترك العمل ببعضه ، مؤمنًا بما عمل به ، وكافرًا بما ترك العمل به ، قال تعالى : (تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ) إلى قوله ( أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ ) [سورة البقرة ، آية : 84 – 85] فأخبر تعالى : أنهم أقروا بميثاقه ، الذي أمرهم به والتزموه ، وهذا يدل على تصديقهم به ، وأخبر : أنهم عصوا أمره ، وقتل فريق منهم فريقًا آخرين ، وأخرجوهم من ديارهم ، وهذا : كفر بما أخذ عليهم ، ثم أخبر أنهم يفدون من أُسر من ذلك الفريق ، وهذا إيمان منهم بما أُخذ عليهم في الكتاب ، وكانوا مؤمنين بما عملوا به من الميثاق ، كافرين بما تركوه منه .

فالإيمان العملي : يضاده الكفر العملي؛ والإيمان الاعتقادي : يضاده الكفر الاعتقادي؛ وفي الحديث الصحيح : سباب المسلم فسوق ، وقتاله كفر ففرق بين سبابه ، وقتاله ، وجعل أحدهما فسوقاً ، لا يكفر به ، والآخر كفرًا ، ومعلوم : أنه إنما أراد الكفر العملي ، لا الاعتقادي ، وهذا الكفر : لا يُخرجه من الدائرة الإسلامية ، والملة الكلية ، كما لم يخرج الزاني ، والسارق ، والشارب من الملة ، وإن زال عنه اسم الإيمان .

[ص-263] وهذا : التفصيل قول الصحابة ، الذين هم أعلم الأمة بكتاب الله ، وبالإسلام والكفر ، ولوازمهما فلا تُتَلقى هذه المسائل إلا عنهم؛ والمتأخرون : لم يفهموا مرادهم فانقسموا فريقين؛ فريق أخرجوا من الملة بالكبائر ، وقضوا على أصحابها بالخلود في النار؛ وفريق : جعلوهم مؤمنين ، كاملي الإيمان؛ فأولئك غلوا وهؤلاء جفوا ، وهدى الله أهل السنة للطريقة المثلى ، والقول الوسط ، الذي هو في المذاهب ، كالإسلام في الملل ، فها هنا كفر دون كفر ، ونفاق دون نفاق ، وشرك دون شرك ، وظلم دون ظلم؛ فعن ابن عباس – رضي الله عنه – في قولـه تعالى : ( وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) [سورة المائدة ، آية : 44] قال : ليس هو الكفر الذي تذهبون إليه ، رواه عنه سفيان ، وعبد الرزاق ؛ وفي رواية أخرى : كفر لا ينقل عن الملة؛ وعن عطاء كفر دون كفر ، وظلم دون ظلم ، وفسق دون فسق » .

ثم قال : « الأصل الخامس : أنه لا يلزم من قيام شعبة من شعب الإيمان بالعبد ، أن يسمى مؤمناً ، ولا يلزم من قيام شعبة من شعب الكفر ، أن يسمى كافراً ، وإن كان ما قام به كفر ، كما أنه لا يلزم من قيام جزء من أجزاء العلم ، أو من أجزاء الطب ، أو من أجزاء الفقه ، أن يسمى عالماً ، أو طبيباً ، أو فقيهاً ، وأما الشعبة نفسها فيطلق عليها اسم الكفر ، كما في الحديث : اثنان في أمتي هما بهم كفر ، الطعن في النسب ، والنياحة على الميت وحديث : من حلف بغير الله فقد كفر ولكنه لا يستحق اسم الكفر على الإطلاق .

فمن عرف هذا : عرف فقه السلف ، وعمق علومهم ، وقلة تكلفهم ، قال ابن مسعود : من كان متأسياً ، فليتأس بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنهم أبرّ هذه الأمة قلوباً ، وأعمقها علماً ، وأقلها تكلفاً؛ قوم : اختارهم الله لصحبة نبيه ، فاعرفوا لهم حقهم فإنهم كانوا على الهدى المستقيم؛ وقد كاد الشيطان بني آدم ، بمكيدتين ، عظيمتين ، لا يبالي بأيهما ظفر؛ أحدهما : الغلو ومجاوزة الحد ، والإفراط . والثاني : هو الإعراض ، والترك والتفريط » .

دعوى أنهم يرون أن من لم يدخل في دائرتهم فهو كافر ، وأن داره دار حرب .

وقد أجابوا على هذه الفرية ، وأعلنوا براءتهم من هذه المقولة ، فقد سئل أبناء الإمام : محمد بن عبد الوهاب ، من لم تشمله دائرة إمامتكم ، ويتسم بسمة دولتكم ، هل داره دار كفر وحرب على العموم؟ فأجابوا : « الذي نعتقده وندين الله به ، أن من دان بالإسلام ، وأطاع ربه فيما أمر ، وانتهى عما نهى عنه وزجر ، فهو المسلم حرام المال والدم ، كما دل على ذلك الكتاب والسنّة وإجماع الأمة ، ولم نكفر أحدًا دان بدين الإسلام؛ لكونه لم يدخل في دائرتنا ، ولم يتسم بسمة دولتنا ، بل لا نكفر إلا من كفر الله ورسوله ، ومن زعم أنا نكفر الناس بالعموم ، أو نوجب الهجرة إلينا على من قدر على إظهار دينه ببلده ، فقد كذب وافترى» .

وهم كذلك لا يحكمون على بلاد غيرهم من المسلمين بأنها دار كفر كما يزعم خصومهم :

فقد أجاب الشيخ : عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين ، – رحمه الله – : البلدة التي فيها شيء من مشاهد الشرك ، والشرك فيها ظاهر ، مع كونهم يشهدون أن لا إله إلا الله ، وأن محمدًا رسول الله ، مع عدم القيام بحقيقتها ، ويؤذنون ، ويصلون الجمعة والجماعة ، مع التقصير في ذلك ، هل تُسمى دار كفر ، أو دار إسلام؟ قال : « فهذه المسألة : يؤخذ جوابها مما ذكره الفقهاء ، في بلدة كل أهلها يهود ، أو نصارى ، أنهم إذا بذلوا الجزية ، صارت بلادهم بلاد إسلام؛ وتسمى دار إسلام ، فإذا كان أهل بلدة نصارى ، يقولون في المسيح أنه الله ، أو ابن الله ، أو ثالث ثلاثة ، أنهم إذا بذلوا الجزية سُميت بلادهم بلاد إسلام ، فبالأولى فيما أرى : أن البلاد التي سألتم عنها ، وذكرتم حال أهلها ، أولى بهذا الاسم ، ومع هذا يُقاتلون لإزالة مشاهد الشرك ، والإقرار بالتوحيد والعمل به .

بل لو أن طائفة امتنعت من شريعة من شرائع الإسلام ، قوتلوا وإن لم يكونوا كفارًا ولا مشركين ، ودارهم دار إسلام؛ قال الشيخ تقي الدين : أجمع العلماء على أن كل طائفة [ص-265] امتنعت من شريعة ، من شرائع الإسلام الظاهرة ، تقاتل حتى يكون الدين كله لله ، كالمحاربين وأولى؛ انتهى؛ وما ذكرناه عن العلماء؛ من أنهم يسمون البلدة التي أهلها يهود ، أو نصارى ، دار إسلام ، يذكرون ذلك في باب اللقيط وغيره» .

رد دعوى التشدد :

وفي مسألة التشدد فإنهم كما أسلفت ليسوا كذلك لكنهم كانوا يلتزمون أحكام الإسلام ، ويسيرون مع الدليل الشرعي في ذلك ، وقد يسمي المتساهلون ذلك تشدداً .

يقول الأستاذ حافظ وهبة في ذلك : « والنجديون يحرصون أشد الحرص على تنفيذ أحكام الشريعة في تحريم لبس الحرير للرجال وتحليهم بالذهب ، كما يحرمون التدخين ، ويجلدون المدخن أربعين جلدة . ومما لا شك فيه : أن حكومتهم الأولى كانت أصرم في هذا من الحكومة الحالية .

ولقد كانت مسألة الدخان من المسائل التي دار البحث فيها بين الحكومة المصرية والحكومة السعودية سنة 1926م ، ومال مفتي مصر فيها إلى الكراهة ، كما أنه أورد رأي فريق من العلماء ممن يرى التحريم .

لقد روى بَالْجَرِيف في رحلته إلى نجد سنة 1862م أنه سمع من بعض النجديين : أنهم يرون أن شرب الدخان أشد لديهم من الخمر والزنا وبعض المحرمات المنصوص عليها ، ولا شك أن هذه الرواية قد سمعها من جاهل . فقد سمعت شيئًا قريبًا من هذا من بعض النجديين المقيمين بالكويت ، ولكنهم لم يكونوا من العلماء . ولا يعبرون على رأي علماء نجد الذين يعدون مثل هذا القول جرأة على الدين .

إن علماء نجد – وإن أجمعوا على تحريم الدخان – فلم أسمع أحدًا منهم يقول مثل هذا [ص-266] القول ، كما أني لم أقف على شيء مثل هذا فيما كتبه متقدموهم أو متـأخروهم .

وعلماء نجد يحرمون التصوير ويكرهون الموسيقى ، ولا يقبلون أي تأويل في ذلك » .

وقال : تحت عنوان : (ما يُنسب إلى النجديين وهم أبرياء منه) .

« لا شك أن الحرب النجدية المصرية في القرن الماضي وما أعقب ذلك من خلاف بين آل سعود والأتراك قد صحبه كثير من الدعايات السيئة ضد النجديين . وكثير من الأشياء التي نسبت إليهم مكذوبة .

1 – لقد نُسب إلى الشيخ محمد بن عبد الوهاب والآخذين بدعوته كراهية النبي صلى الله عليه وسلم ، والحطّ من شأنه وشأن سائر الأنبياء والأولياء الصالحين .

لقد نُسب هذا إلى الإمام ابن تيمية وإلى تلاميذه ، كما لا يزال يُنسب إلى كثير من العقلاء والمصلحين في الهند وغيرها حتى ممن ليست لهم أي صلة بنجد وأهلها .

إن منشأ هذه النسبة : هو أن النجديين استنادًا إلى حديث لا تُشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد : المسجد الحرام ، ومسجدي هذا ، والمسجد الأقصى يرون أن السفر إلى زيارة قبور الأنبياء والصالحين بدعة لم يعملها أحد من الصحابة أو التابعين . ولم يأمر بها النبي صلى الله عليه وسلم ، وقد سبق ابن تيمية وابن عبد الوهاب طوائف كثيرة من العلماء المتقدمين بهذا الرأي .

2 – إن النجديين يمنعون استقبال قبر الرسول صلى الله عليه وسلم عند الدعاء ، كما يمنعون السجود عند قبره وقبر غيره ، ويمنعون التمسح والتمرغ عند القبر ، كما يمنعون كل ما من شأنه الاستغاثة أو الطلب مما شاع عمله عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم وقبور الصالحين في مصر وبغداد والهند وكثير من الأمصار .

3 – هدم القباب والأبنية المقامة على القبور وإبطالهم لسائر الأوقاف التي رصدت على القبور والأضرحة .

4 – إنكارهم على البوصيري قولـه في البردة :

يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به سـواك عند حلول الحادث العمم

وقولـه :

ومن علومك علم اللوح والقلم

[ص-267] وقولـه :

إن لم تكن في معادي آخذًا بيدي فـــضلًا وإلا فقـــل يــا زلــة القــدم

فإن هذا القول مجازفة وغلو ، وفيه مخالفة صريحة لنصوص القرآن والأحاديث الصحيحة؛ وهم – فوق هذا – يعتقدون أن من اعتقد هذا على ظاهره فهو مشرك كافر .

فاتهمهم خصومهم بكراهية النبي . ونسبوا إليهم أقوالًا هم أبرياء منها ، نسبوا إليهم القول بأن العصا خير من النبي ، إلى غير ذلك من التُّهَم الباطلة . ولقد سمعت في نجد أن حكاية نجد الشمالية أثناء خصومتهم مع آل سعود كانوا يكتبون إلى الأتراك أن آل سعود اتخذوا راية شعارها : لا إله إلا الله مَحَدّ رسول (بحذف ميم محمد ) أي لا أحد رسول الله ، وهذا كله تنفير للأتراك من خصومهم ، وهم يعلمون حق العلم أن هذا كذب .

ولقد حضر إلى مكة أثناء الحرب الحجازية النجدية في سنة 1925م بعض أفاضل السنغاليين وَتِطْوَان ، وكانوا أثناء حديثهم يبكون لشدة تأثرهم؛ لقد أخبرونا أنهم سمعوا في الإسكندرية أشياء كثيرة تنسب إلى النجديين ، لم يجدوا لها أثرًا في الحجاز ، لقد سمعوا من بعض الناس : أن الوهابيين هدموا الكعبة؛ لأنها حجر ، وسمعوا أنهم في الأذان يقولون : « أشهد أن لا إله إلا الله» فقط ولا يقولون : « أشهد أن محمدًا رسول الله » .

إن النجديين أحرص الناس على محبة الرسول صلى الله عليه وسلم ، ولكنهم يكرهون الغلو ، ويقاومون البدع مهما كان نوعها ، ومهما كان الدافع لها ، ويقولون : إن المحبة للرسول صلى الله عليه وسلم هي الاهتداء بهدى الرسول صلى الله عليه وسلم وأتباعه ، أما الابتداع وتعطيل الشريعة وتقديم الأهواء فهو كراهة لا محبة . وفي القرآن الكريم : ( قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي) [سورة آل عمران ، آية : 31] .

ومما ينسب إلى أهل نجد : تكفيرهم من عداهم؛ وهو بلا شك تزوير من خصومهم ، وإن وقعت بعض أشياء من بعض جفاة الأعراب والجهال فليس من الإنصاف أن ينسب ذلك إلى أهل نجد .

أما الشيخ ابن عبد الوهاب وتلاميذه : فإنهم لا يكفرون من صحت ديانته ، واشتهر صلاحه ، وحسنت سيرته ، وإن أخطأ في بعض المسائل . ولكنهم يكفرون من بلغته دعوة الحق ووضحت لـه الحجة وقامت عليه وأصر مستكبراً ، هذا في الأفراد » .

مسألة القتال

لما استقر الإمام في الدرعية 1157هـ تقريبًا شرع في توسيع نطاق وسائل الدعوة ، وزاد من إرسال الرسائل والمكاتبات ، والنشاط العلمي فراسل العلماء والقضاة وطلاب العلم وأئمة المساجد وشيوخ القبائل وأمراء البلدان ، وكان يدعوهم إلى أمرين أولهما : مبادئ الدعوة التي تمثل الرجوع إلى الدين الحق بتحقيق التوحيد ، وإقامة الفرائض ، والسنن وأحكام الشرع في كل شؤون الحياة ، ونبذ الشركيات والبدع وترك المنكرات .

وثانيهما : الدعوة إلى الجماعة ونبذ الفُرْقَة ، والانضمام إلى الكيان الجديد في الدرعية وقد استجابت غالب البلدان المجاورة طواعية مثل العمارية وعرقة ومنفوحة والعيينة وحريملاء . فأعلنت ولاءها لدعوة التوحيد وإمارتها في الجملة مع ما شاب ذلك من الاضطراب والتذبذب؛ لأن كثيرين من أهل الرئاسة والجاه وأصحاب المصالح . المستفيدين من الفرقة والشتات وشيوع البدع عَزَّ عليهم أن يفقدوا مصالحهم التي ستنتهي بتوحيد البلاد وتطهيرها من مظاهر الفرقة والبدع .

وبذلك أصبحت الدرعية بمثابة العاصمة للدولة الناشئة .

وكان الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب آنذاك يطمح إلى أن تتحد نجد كلها على دعوة التوحيد ، وأن تكون تحت راية واحدة وإمارة واحدة ، وتكون على ما أمر الله به من الجماعة ونبذ الفرقة وظهور الدين .

فقد صرح الشيخ الإمام بهذا الهدف السامي بقوله لابن معمَّر حين قدم إليه بالعيينة : « إني لأرجو إن أنت قمت بنصر لا إله إلا الله أن يُظهرك الله وتملك نجدًا وأعرابها » . فكان يؤمل أن تكون نجد مملكة واحدة .

[ص-269] ولذا فإن موقف الدعوة من القتال تدرج حسب المراحل الطبيعية والموقف الشرعي في نمو الدعوة ودولتها .

ففي أول الدعوة لم تَشْرَع في القتال ، ولم تستحله أصلاً؛ لأنها لم تتمكن ، ولم يكن لها سلطان ومن ثم لم يكن لها مبرر شرعي يجيز لها أن تستعمل القوة .

فلما اشتهرت الدعوة ، وشرع الإمام محمد بن عبد الوهاب وأتباعه وأنصاره بالصدع بالحق ، ظهرت ردود الأفعال من الخصوم والمخالفين والمعارضين قوية وعنيفة ، وصارت تعتدي وتستعدي الدول والحكام والأمراء وشيوخ القبائل والرؤساء وسائر الناس كذلك .

فنتج عن هذه الجهود المضادة أنواع من العنف ضد الدعوة ومؤيديها بشتى أصنافه من الطرد والحبس والقتل ، وقبله التشهير والبهتان .

وفي الوقت نفسه تجذرت الأصول الشرعية لإمارة محمد بن سعود حامل لواء الدعوة ، وكثر أنصاره وقويت شوكته ، وبايعته كثير من الأقاليم المجاورة ، وبدأت مواجهة خصوم الدعوة ، من قِبَل جيرانها أمثال ( دهام بن دوَّاس ) وغيره .

ومن هنا نشأت بالضرورة شرعية القتال للدفاع عن النفس والكيان فصارت إمارة آل سعود ( الأمير محمد بن سعود ) بتوجيه من الإمام محمد بن عبد الوهاب هي القوة المدافعة عن الدعوة وبلادها ، مما جعل مركزها السياسي والعسكري والاقتصادي يتنامى ويتقوى بسرعة مذهلة . وتكون ذات كيان معتبر في المنطقة وما حولها .

وأتاحت لـها هذه الظروف بتوفيق الله تعالى ، أن تكون دولة ذات رسالة وحاملة لواء التوحيد والسنة ، وهذا مما سوغ لها أن تقوم بواجب الجهاد لنشر الدين ، ونصرة الحق وأهله ، وبعد توافر الشروط الشرعية للجهاد : من الدولة والإمارة والبيعة والأنصار والجيوش ، والمركز السياسي والاجتماعي ، وعليه فإن الدعوة ودولتها لم تبدأ القتال ولم تتجاوز موقف الدفاع إلا حينما تقوَّت ، واشتد ساعدها في حلبة الصراع ، وصارت لها إمامة شرعية وبيعة وكيان .

فإن الخصوم من رؤساء بعض الأقاليم المجاورة ، وأمراء الأحساء ، وأمراء نجران قد بدءوا بالهجوم المسلح على الدرعية .

[ص-270] وكذلك أمراء مكة وقد أعلنوا موقفهم العدائي للدعوة وإمامتها ودولتها وأتباعها في وقت مبكر ، ومنعوهم من أبسط حقوقهم وهو الحج .

قال محمود فهمي باشا المهندس المصري في الجزء الأول من تاريخه (البحر الزاخر) في سياق الكلام على الدعوة وأهلها التي سماها : الوهابية .

« ومن بعد مدة استمرت في محاربات شديدة ، ووقائع عتيدة ، دخل جميع بلاد العرب في العقائد الوهابية ، أي العقائد الإصلاحية للديانة الإسلامية ، وصارت نجد أيضًا في حالة سياسية مدنية جديدة ، وبدل أن كانت جهاتها منقسمة إلى عدة عشائر ، وشعوب صغيرة منفصلة عن بعضها ومستمرة في حروب وكروب بين بعضها صارت مقر دولة قوية ، وسلطنة سياسية ، مثال سلطنة الخلفاء القدماء ولرئيس هذه الدولة السلطة في الأعمال الدينية ، والدنيوية » .

« ومع ما كان عليه الوهابيون من الحروب والمبارزات في بلاد العرب لم يعتدوا على حقوق الحكومتين المجاورتين لهم ، وهما حكومة بغداد والحجاز ، وكانت قوافل الحجاج تمر من وسط أراضيهم من غير أن يحصل لأي قافلة ضرر أو انزعاج ، وكانوا في أحوال أخوية ودية مع الشريف سرور شريف مكة ، وفي سنة (1781) بعد الميلاد استحصلوا على رخصة منه في أداء حجهم وطوافهم بالكعبة ، فتولد من زيادة قوتهم ، ونفوذ شوكتهم اشتعال نار الحسد في قلب الشريف غالب ، وفي ظرف بضع سنين من تقلده الحكومة وتوظفه شريف مكة بعد الشريف سرور أعلن حربًا على الوهابية وكانت طرائق هذا الحرب مثل طرائق حرب البدو متقطعًا بهدنات صغيرة قصيرة المدة؛ ولما انتظمت مخابرات الشريف غالب مع الدولة التركية العثمانية لم يهمل أدنى طريقة يمكنه إجراؤها في تمكين الدولة العثمانية من دخول عساكرها في بلاد العرب لأجل الوقوع بالوهابيين إلا وأجراها ، وأثبت أنهم من الملحدين الكافرين ، وأن معاملتهم مع قوافل الحجاج التركية من أقبح الأعمال الفاسدة المضرة بالدين » اهـ .

« ثم قد أعقب هذا الافتراء والإفساد أن أمرت الدولة العثمانية حكومة بغداد قتال الوهابيين ففعلت فلما اشتغل الوهابيون بقتال الدولة ، ودخلوا العراق زحف الشريف غالب على نجد ، واستولى على قرية فيها فكان هذا هو السبب لزحف الوهابيين على الحجاز وفتحه » .

[ص-271] وبهذا نعرف أن أمراء مكة هم الظالمون وهم البادءون بالعدوان ، فقد منعوا هؤلاء المسلمين من الحج ، ولما طال منعهم وحرمانهم من الحج ، وهو ركن الإسلام ، ثم لما أعلن الأشراف وأعوانهم الحرب والقتال ، وغزوهم في مقر دارهم كان مما ليس منه بد من الدفاع أولا لصد العدوان ، ثم الاستمرار في قتال المعتدين وكف شرهم ، وتأمين سبيل الحج وإبلاغ دعوة التوحيد والسنة ، وتخليص المسلمين من أوضار البدع والمحدثات والمظالم التي شاعت في بلاد الحرمين ، فكان ما لا بد منه وهو الاستيلاء على مكة .

فدخلتها جحافل الدعوة وفي مقدمهم الإمام الصالح سعود بن عبد العزيز بن محمد بن سعود سلمًا وبدون قتال ، فأقام شعائر الدين على السنة ، وهدم القباب والمشاهد وكل مظاهر البدع .

وجمع المسلمين على إمام واحد ، وكانوا يصلون متفرقين أتباع كل مذهب مع إمامهم . وأزال المنكرات الظاهرة .

وشرع في نشر العلم وتفقيه الناس في دينهم ، في العقيدة والأحكام ، « أما ما أشاعه خصوم الدعوة من أن جيوش الأمير سعود لما دخلوا مكة سالت الدماء أنهارًا فهو محض افتراء .

وهنا أصل شرعي عملت عليه الدعوة لما تمكنت وصار لها كيان ودولة وهو قتال المخالفين إذا وقفوا ضد الحق والدين والسنة والعدل والأمن وانحازوا مع الباطل والشر والبدع والظلم والفوضى والفتنة ، فإن قتال المخالفين في هذه الحال نوع من الجهاد (حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ ) [سورة الأنفال ، آية : 39] .

ومعلوم أن الدعوة ودولتها لم تقاتل إلا حين كان لها إمام وبيعة وكيان معتبر شرعًا وعرفاً .

وهنا أمور كذلك لا بد من كشفها بهذا الصدد ومنها : 1 – أن خصوم الدعوة كانوا يحمون البدع والشركيات ويدافعون عنها ويقاتلون في سبيل ذلك ، إما أصالة ، أو تقليداً ، أو جهلاً ، أو نحو ذلك . وقد يكون بينهم المستضعفون والمسخرون الذين لا حول لهم ولا قوة . فأمرهم إلى الله لكن هؤلاء كلهم في الظاهر وقفوا أمام دعوة الحق .

2 – أن الدعوة وأهلها ودولتها كانت تحمل مبادئ الدين الحق ، ويحق لها أن تدعو إليه وتدافع عنه وتحميه ، وأن تدافع عن وجودها وكيانها ، وأن تعمل بكل الوسائل المشروعة في ذلك بما فيه القتال عند الضرورة .

3 – أضف إلى ذلك أن الدعوة وأتباعها ودولتها تعرضت لمظالم كبرى من خصومها [ص-272] استهدفت الدين والنفس والمال والحقوق الضرورية ، فكان لا بد أن تدافع عن حقوقها المشروعة وتحمي كيانها وحدودها ولو أدى ذلك إلى القتال .

4 – وكان الإمام وعلماء الدعوة ، ودعاتها يبدءون دعوتهم بأساليب النصح والإرشاد واللين والتدرج ، وبالخطاب والتعليم والمراسلة والكتاب ، والمحاورة ، والمجادلة بالتي هي أحسن . إلى أن يصل الأمر إلى الحاجة إلى الحزم والقوة ، والقتال حين يكون هو الحل الذي لا محيص عنه . لا سيما مع قوة الباطل وعدوانه وتحكمه في نفوس الكثيرين .

والخلاصة :

أن الدعوة لمَّا صار لها كيان وقامت لها دولة مهيبة وجيوش صارت تحارب ، وتعاهد وتسالم بمقتضى شرع الله تعالى والعهود المرعية ، ومكَّنهم الله عز وجل تحقيقًا لوعده عن نصر دينه ، ( وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ) [سورة الحج ، آية : 40] .

وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء .

وبهذا نقول بأن هذه الدولة حين نصرت الدين وحملت لواء السنة والدعوة ، فهي أمكن دولة على الأرض ، وأحق أن تسالم وتحارب وتدافع عن الحق بشرع الله ولا تزال ولن تزال كذلك بحول الله وقوته ما دامت على هذا العهد .

هذا وليس بينهم وبين من قاتلوهم معاهدات ولا مواثيق تمنع من القتال في سبيل الله .

كما أنه في تلك الفترة لم تظهر المنظمات الدولية والمواثيق الأمنية التي التزمتها الدول .

ولما ظهرت المعاهدات والمنظمات الدولية الحديثة كانت المملكة العربية السعودية من أكثر الدول التزامًا للعهود والمواثيق والاتفاقيات المشروعة التي كانت هي طرفًا فيها ، وحتى الآن وكل منصف يشهد لها بذلك .

ولما كثرت الإشكالات والتساؤلات من الخصوم ، وبعض المؤيدين والمحايدين البعيدين عن ساحة الصراع والقتال بين الدعوة وخصومها ، حول قتال الممتنعين عن أداء شعائر الدين وأركان الإسلام كالصلاة والزكاة ، وقتال الممتنعين عن ترك الشركيات والبدع ، وإزالة مظاهرها من القباب والمشاهد والمزارات ونحوها حين حصل هذا : أجاب علماء الدعوة وقادتها وأمراؤها عن شبهات القوم بأدلة القرآن والسنة وعمل السلف الصالح من الصحابة والأئمة الأربعة وغيرهم الموجبة لقتال تارك الصلاة ، بل وصرح [ص-273] الفقهاء بقتال تارك الوضوء وقتال أهل البلد إذا تركوا الأذان أو صلاة العيدين ، أو منعوا الزكاة ، وذكروا كلام الأئمة المعتبرين في ذلك من المالكية والشافعية والحنابلة ، وغيرهم .

يقول الإمام محمد عبد الوهاب موضحًا هذه المسألة : « وأما القتال : فلم نقاتل أحدًا إلاّ دون النفس ، والحرمة؛ فإنا نقاتل على سبيل المقابلة ( وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا ) [سورة الشورى ، آية : 40] وكذلك : من جاهر بسبِّ دين الرسول ، بعدما عرفه ، والسلام » .

إضافة إلى ما ذكره الإمام وأتباعه في نفي هذه الشبهة فإن الشيخ صرح أن من الكبائر قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق ، حيث قال : « باب تعظيم قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق » .

وقد أثار عليهم خصومهم وبعض الجهلة أنهم يستحلون الغارات والقتال والأموال بدعوى أنها غنائم ، وهذا من التلبيس ، فإن الغنائم قد أحلها الله ورسوله بالقتال المشروع . وقد أجاب الشيخ عبد الرحمن بن حسن عن هذه الشبهة بقوله : « من المعلوم عند الموافق والمخالف ، أن أئمة المسلمين ، الذين أقام الله بهم هذا الدين ، بعدما اشتدت غربته من بين الظلمة والمفسدين ، أن الله بفضله ورحمته ، أقامهم بالحق المبين ، فدعوا إلى التوحيد ، وأنكروا كل شرك وشك وتنديد ، ونشروا أعلام الجهاد ، حتى أدخل الله بدعوتهم ، كل حاضر من قومهم وباد .

فأخذوا تلك الأموال من أهل البغي والفساد ، بسيف الحق والجهاد ، فهو – بحمد الله – من طيب الحلال بلا تردد ولا إشكال ، فقد أحل الله لرسوله صلى الله عليه وسلم ، ولأمته الغنائم؛ وقد غنم الصحابة – رضي الله عنه – : أموال من ارتد من العرب ، أو شك في الحق واضطرب .

وكل ما لا يؤيد بالدليل ، فلا التفات إليه ، ولا تعويل ، على أن الكثير من تلك الأموال ، التي أخذت على هذا الوجه الحلال ، وصارت من جملة بيت المال ، قد تركت في [ص-274] أيدي الغاصبين لها ، حين تبدلت الحال؛ فلما قام هؤلاء الولاة ، واجتمع عليهم الناس في هذه الأوقات ، لم يبق في أيديهم من أموال الفيء إلا القليل؛ لتغلب أناس عليهم من ظلمة ذلك الجيل » .

ومن المفتريات التي أشاعها خصومهم دعوى أنهم يتعمدون قتل من لا يجوز قتلهم من الشيوخ والنساء والصبيان ونحوهم .

وقد أجاب على ذلك الشيخ : عبد الله بن الإمام : « وأما قولكم : إنه يحكى لنا أنكم تقتلون ، ذا الشيبة ، والمرأة ، والصغير ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أن لا يقتل من المشركين لا شيبة عاجز ، ولا امرأة ، ولا قاصر لم يُنبت . فنقول : هذا كذب وزور ، وبهتان علينا فلا نأمر بقتل الشيخ الكبير من المشركين ، ولا المرأة ولا الصغير الذي لم يُنبت ، فإن كان أحد من جهال المسلمين البعيد عنا فعل شيئًا من ذلك ، فهو مخطئ مخالف لشرع الله ورسوله ، ونحن نبرأ إلى الله من ذلك » .

كان الشيخ الإمام يعلم ، وكان يدور في خلده آنذاك أن الدعوة إلى توحيد الله تعالى نشر الدين والعلم والعمل بشرع الله ، ومحاربة البدع والشركيات والجهل ، ومحاربة الفساد والظلم والشتات ، كل ذلك من الأمور الكبار التي – ولا شك – ستثير أعداء ، وأنها سيكون لها كيان وقوة ، ويظهر ذلك جليًا من قول لـه لابن معمر في العيينة « إن هذا الذي أنا قمت به ودعوت إليه كلمة لا إله إلا الله ، وأركان الإسلام ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فإن أنت تمسكتَ به ونصرته ، فإن الله سبحانه يُظهرك على أعدائك ، فلا يزعجك سليمان ولا يفزعك فإني أرجو أن ترى من الظهور والتمكين والغلبة ما ستملك بلاده (يعني والي الأحساء) وما وراءها وما دونها » .

وقولـه لمحمد بن سعود عند قدومه إليه بالدرعية : « فلعل الله أن يفتح لك الفتوحات فيعوضك من الغنائم ما هو خير منها» (يعني الضرائب) .

المبحث السادس

قضايا أخرى مناقشة دعوى أنهم خوارج وأن سيماهم التحليق :

ومن أعظم المفتريات التي أشاعها خصوم الدعوة والجاهلون بأصولها ومنهجها وواقعها – اتهام إمامها وأتباعها وولاتها بأنهم خوارج .

وألصقوا فيهم ما ورد من صفات الخوارج ونحوها ، كالتكفير بالذنوب ، واستحلال الدماء ، والتحليق ، وأنهم قرن الشيطان ، وأتباع مسيلمة وقد ناوؤا هذه الدعوة ودولتها بهذه الدعاية ، فأوهموا كثيرًا من المسلمين والجنود التي تقاتل في صفوفهم بأنهم يقاتلون الخوارج الذين أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بقتالهم .

وهذه الدعوى من إحدى الكُبَر والبهتان العظيم .

فإن الناظر لحقيقة الدعوة في عقيدتها ومنهجها وأحكامها ومعاملاتها وما كتبه علماؤها من المصنفات والرسائل والمحاورات والردود ، وما كتبه عنها المنصفون والمحايدون من المسلمين وغير المسلمين يجد الحقيقة بينة جلية في أن الدعوة – إمامها وعلماءها ودولتها وأتباعها بريئون من مذهب الخوارج براءة الذئب من دم يوسف .

فإن من يعيرهم الآخرون (بالوهابية) إنما هم – كما أسلفت – يمثلون أهل السنة والجماعة السلف الصالح ، فهم على سنة الرسول صلى الله عليه وسلم وسبيل المؤمنين من الصحابة والتابعين وأئمة الدين من الأئمة الأربعة ، ومن كان على منهاجهم من العلماء المعتبرين .

فمصادرهم : القرآن وما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم .

وقدوتهم : الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته – رضي الله عنه – والسلف الصالح .

وغايتهم : تحقيق التوحيد ومستلزماته ، ونفي الشرك وذرائعه ، وإقامة فرائض الدين ونشر الفضائل ومكارم الأخلاق .

وشعارهم : الدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .

وقبل أن أسوق نبذة من أقوالهم ومواقفهم من بدع الخوارج ، أعرض للقارئ مقارنة موجزة بين منهجهم ومناهج الخوارج فمن ذلك : – أن الخوارج (ناصبة) يطعنون في علي – رضي الله عنه – ولا يَعْتَدُّون بإمامته ، وقد خرجوا عليه وعلى جماعة المسلمين . وأهل السنة ومنهم أتباع هذه الدعوة يترضون عن علي – رضي الله عنه – ويرونه رابع الخلفاء الراشدين ، ولا يرون الخروج عليه ولا على غيره من أئمة المسلمين .

[ص-277] – والخوارج يطعنون في كثير من الصحابة كعثمان وعلي ومعاوية وأبي موسى الأشعري ، وعمرو بن العاص ، وطلحة والزبير – رضي الله عنه – وغيرهم من خيار الصحابة ، وأهل السنة ومنهم أتباع هذه الدعوة يوالون كل الصحابة ويترضون عنهم .

– والخوارج يكفرون أهل الكبائر ويستحلون دماءهم ، ويعتقدون خلودهم في النار إذا ماتوا على كبائرهم . وأهل السنة على خلاف ذلك ومنهم أتباع هذه الدعوة .

– والخوارج ينكرون الشفاعة والرؤية الثابتة بالنصوص القطعية ، وأهل السنة ومنهم أتباع هذه الدعوة على خلاف ذلك .

– والخوارج سيماهم التحليق ، وليس هذا من شعارات أتباع الدعوة ولا من سماتهم ، وقد تبرءوا من هذا الشعار كما أسلفت .

وهنا أسوق شيئًا من أقوالهم ومواقفهم من مذهب الخوارج وردهم على من اتهمهم به :

لما سئل أبناء الإمام ، محمد بن عبد الوهاب ، وحمد بن ناصر بن معمر ، هل عندكم : أنه ما يلبث موحد في النار ، أم لا؟ (أي كما تزعم الخوارج والمعتزلة) :

فأجابوا : « الذي نعتقده ديناً ، ونرضاه لإخواننا المسلمين ، مذهباً ، أن الله تبارك وتعالى لا يخلد أحدًا فيها من أهل التوحيد ، كما تظاهرت عليه الأدلة ، من الكتاب والسنة وإجماع الأمة ، قال الشيخ تقي الدين أبو العباس ابن تيمية – رحمه الله – : تواترت الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه من الإيمان ما يزن شعيرة وفي لفظ «ذرة» ولكنها جاءت مقيدة بالقيود الثقال ، كقولـه : من قال : لا إله إلا الله خالصًا من قلبه وفي رواية « صادقًا من قلبه » انتهى .

وهذا : هو مذهب أهل السنة والجماعة ، من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن اتبعهم بإحسان ، من سلف الأمة وأئمتها ، ولا يخالف في ذلك إلا الخوارج ، والمعتزلة القائلون بتخليد أهل [ص-278] الكبائر في النار . والجواب : عن الآيات التي احتجوا بها : تحتاج إلى بسط طويل » .

فالقول بتخليد أهل الكبائر في النار من الأصول المميزة للخوارج وتتفق عليها فرقهم . وردُّ أهل السنة – ومنهم الإمام محمد وأتباعه – على الخوارج في هذه المسألة وغيرها مشهور مستفيض . وبذلك كانوا ينفون تهمة أنهم خوارج .

وقال الشيخ عبد الرحمن بن حسن ابن الإمام محمد بن عبد الوهاب : « وأما أهل هذه الدعوة الإسلامية التي أظهرها الله بنجد ، وانتشرت واعترف بصحتها كثير من العلماء والعقلاء ، وأدحض الله حجة من نازعهم بالشهادة ، فهم بحمد الله أبعد الناس عن مشابهة الخوارج وغيرهم من أهل البدع ، ودينهم هو الحق ، يدعون إلى ما بعث الله به رسله ، من إخلاص العبادة لله وحده لا شريك لـه ، وينهون عن دعوة الأموات والغائبين ، وطلب الشفاعة منهم» .

وقال : « ولم يكفروا أحدًا من الصحابة – رضي الله عنه – بل أحبوهم ووالوهم ، وأعرضوا عما شجر بينهم ، وعلموا أن لهم حسنات عظيمة ، يمحو الله بها السيئات ، وتضاعف بها الحسنات» .

وهم يحذِّرون من الخوارج ومن بدعهم ويعلنون مخالفتهم كما جاء في رسالة الإمام فيصل بن تركي إلى راشد بن عيسى في البحرين كتبها الشيخ : عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن قال : « وأما أهل البدع ، فمنهم : الخوارج ، الذين خرجوا على أمير المؤمنين ، علي بن أبي طالب – رضي الله عنه – وقاتلوه؛ واستباحوا دماء المسلمين ، وأموالهم متأولين في ذلك ، وأشهر أقوالهم : تكفيرهم بما دون الشرك من الذنوب ، فهم : يكفرون أهل الكبائر ، والمذنبين من هذه الأمة؛ وقد قاتلهم : علي بن أبي طالب – رضي الله عنه – ومن معه من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم .

وصحت فيهم الأحاديث » .

[ص-279] وقد أنكر الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن على بعض الغلاة المنتسبين للدعوة فقال : « وقد بلغنا : عنكم ، نحو من هذا ، وخضتم في مسائل من هذا الباب ، كالكلام في الموالاة والمعادة ، والمصالحة والمكاتبة ، وبذل الأموال والهدايا ، ونحو ذلك من مقالة أهل الشرك بالله ، والضلالات ، والحكم بغير ما أنزل الله عند البوادي ونحوهم من الجفاة ، لا يتكلم فيها إلا العلماء من ذوي الألباب ، ومَن رزق الفهم عن الله ، وأوتي الحكمة وفصل الخطاب » .

قال : « وأما : التكفير بهذه الأمور ، التي ظننتموها ، من مكفرات أهل الإسلام فهذا : مذهب ، الحرورية ، المارقين الخارجين على علي بن أبي طالب ، أمير المؤمنين ، ومن معه من الصحابة » .

أما فرية أن سيماهم التحليق كما هي سمة الخوارج : فقد أشاع خصوم الدعوة أن أتباعها يتعبدون بحلق شعر الرأس وأنهم يجعلون ذلك سمة لهم ، وأنهم بذلك يكونون من الخوارج الذين أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن سيماهم التحليق وهذا من البهتان ، فإن أقوالهم وفتاويهم ، وحالهم تكذِّب هذا البهتان أما ما ينسب لبعض الجهلة والأعراب في ذلك من التشدد والقتال على هذا ، فإن ذلك من الخطأ الذي لا يُقَرّ بل كانوا يؤدبون عليه .

قال الشيخ عبد الله بن الإمام محمد بن عبد الوهاب رادًّا لهذه الفرية : « وأما البحث عن حلق شعر الرأس ، وأن بعض البوادي الذين دخلوا في ديننا ، قاتلوا من لم يحلق رأسه ، وقتلوا بسبب الحلق خاصة ، وأن من لم يحلق رأسه صار مرتدًّا؟

فالجواب :

أن هذا كذب وافتراء علينا ، ولا يفعل هذا من يؤمن بالله واليوم الآخر ، فإن الكفر والردة لا تكون إلا بإنكار ما علم بالضرورة من دين الإسلام ، وأنواع الكفر والردة من الأقوال والأفعال ، معلومة عند أهل العلم ، وليس عدم الحلق منها ، بل ولم نقل : إن الحلق مسنون ، فضلاً عن أن يكون واجبًا عن أن يكون تركه ردة عن الإسلام .

[ص-280] والذي وردت السنة بالنهي عنه ، هو القزع ، وهو : حلق بعض الرأس ، وترك بعضه ، وهذا هو الذي نُهينا عنه ونؤدب فاعله ، ولكن الجُهال القادمون إليكم لا يميزون أنواع الكفر والردة ، وكثير منهم غرضه نهب الأموال ، ونحن لم نأمر أحدًا من الأمراء بقتال من لم يحلق رأسه .

بل نأمرهم بقتال من أشرك بالله ، وأبى عن توحيد الله ، والتزام شرائع الإسلام وإقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، وصيام رمضان ، فإذا فعلوا خلاف ذلك وبلغنا ذلك من فعلهم لم نُقِرهم على ذلك ، بل نبرأ إلى الله من فعلهم ، ونؤدبهم على قدر جرائمهم ، بحول الله وقوته» .

ويقول عبد الكريم بن فخر الدين : « وأما ما ورد في الخوارج سيماهم التحليق ، فلا ينطبق على ما ادعاه فإن ترك الشعر واللّمة سنة عند محمد بن عبد الوهاب وأتباعه ، فإن كان صحيحًا يحمل أمره ذلك ، فيمن كان جديد الإسلام كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ألق عنك شعر الكفر ) » .

ويقول الشوكاني لما بلغته بعض المفتريات والشائعات عن الإمام عبد العزيز بن سعود وعن الإمام محمد بن عبد الوهاب : « وبعض الناس يزعم أنه يعتقد اعتقاد الخوارج ، وما أظن ذلك صحيحاً ، فإن صاحب نجد وجميع أتباعه يعملون بما تعلموه من محمد بن عبد الوهاب » .

وخلاصة القول أن السلف الصالح أهل السنة والجماعة ، ومنهم الإمام وأتباعه لا يتعبدون بالتحليق ولا يجعلون شعارًا لهم ، ولا يُلزمون -على جهة التعبد- أحدًا بذلك .

أما ما قد يحدث من أن بعضهم يرغب التحليق عادة ، أو يأمر غيره به أحيانًا من غير إلزام ، ومن غير براء ممن لم يفعل ، أو يحلقه ويأمر بحلقه على جهة النظافة ، والتخفف من مشقة صيانة الشعر وتعهده بالدهن والغسل والفرق ونحو ذلك ، فهذا مما لا نزاع فيه ، وليس مما يُثَرَّب فيه على أحد .

إن من أقوى الوسائل لفصل النزاع بين المختلفين بعد التحاكم إلى الأصول الشرعية ، والبراهين العقلية ، شهادات الآخرين ، وقد شهد لهذه الدعوة المباركة ، وإمامها وعلمائها ودولتها وأتباعها ، كثيرون من أهل العلم والفكر والفضل والإنصاف ، من العلماء والأدباء والمفكرين والساسة والدعاة وغيرهم من المؤيدين والمعارضين والمحايدين ، من المسلمين وغير المسلمين ، ومن كل بلاد العالم ، ومنذ نشأة الدعوة إلى يومنا هذا .

وكل الذين شهدوا لهذه الدعوة وإمامها وعلمائها ودولتها وأتباعها كانوا يستندون في شهادتهم لها إلى البراهين والدلائل القاطعة ، التي لا يمكن أن يتجاوزها المنصف إلا معترفا بها ، ولا ينكرها إلا مكابر ، وهذه الدلائل بحمد الله شرعية وعلمية وواقعية ، وأول هذه الدلائل واقع الحال الذي عليه هذه الدعوة ودعاتها وعلماؤها وحكامها ودولتها وأتباعها في العقيدة والأحكام ، والسلوك والتعامل .

فإن فيما قاله أهلها وكتبوه وفعلوه ، وفي آثار هذه الدعوة الدينية والدنيوية ، العلمية والعملية ، في العقيدة والنظام والسياسة ، وسائر مناحي الحياة ومناشطها ، ما يشهد بالحق ، ويدحض الشبهات والمزاعم والتخرصات والاتهامات ، علما بأن الدعوة ودولتها لا تملك من وسائل الدعاية والإغراء المادي ما يملكه خصومها ، كالأتراك وأشراف مكة والبلاد المجاورة وغير المجاورة .

نعم إن سائر الذين شهدوا لهذه الدعوة قد برهنوا على ما ذهبوا إليه بالحجة والبرهان ، بعيدا عن العصبية والهوى والتعسف ، وبعيدا عن المؤثرات أيا كان نوعها ، ولو اقتصرنا في الدفاع عن الدعوة على أقوال المحايدين وكثير من الخصوم في إنصافها والدفاع عنها ، لكان ذلك كافيا في تقرير الحق ودفع الباطل ، وفي بيان الحقيقة ورد الشبهات ، وإقناع من كان قصده الحق والتجرد من الهوى .

أما من كان دافعه الهوى والحسد أو العصبية أو المذهبية أو نحو ذلك من الدوافع الصارفة [ص-308] عن الحق فلا حيلة فيه ، كما قال الله تعالى في هذه الأصناف وأمثالهم من أسلافهم : ( وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ * فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ) [ سورة الأنعام ، الآيات : 4 ، 5 ] .

فإذا كانت أحوال الدعوة وأقوالها ومؤلفاتها ومواقفها وشهادات عقلاء الناس تشهد لها ، فهل بعد هذا البيان من بيان ؟ ومن يضلل الله فلا هادي لـه من بعده ، والله حسبنا ونعم الوكيل .

وإنه لمن المفيد بهذا الصدد التأكيد على أن الشهادات التي شهد بها كثيرون لهذه الدعوة المباركة كانت صادقة وطواعية ، ونابعة من الضمير ، فلم تكن نتيجة إغراءات ولا تطلعات ، ولا تضليل إعلامي ولا دعاية ، ولا ضغط سياسي ، ولا إرجاف ولا تهديد ووعيد ( لا رغبة ولا رهبة ) ؛ لأن أتباع الدعوة ورجالها لم يكونوا يملكون شيئا من ذلك إلا الحجة والبرهان ( الدليل الشرعي والعقلي ) لكل من ألقى السمع وهو شهيد ، ولذلك جاءت شهادة المنصفين مفعمة بالصدق والشفافية والحماس البريء ، وخالية من أساليب المجاملات وأي من أشكال التكلف أو دوافع الرغبة أو الرهبة .

والمتأمل للتزكيات والشهادات والأحكام والانطباعات الكثيرة في حق الإمام محمد بن عبد الوهاب وعلماء الدعوة ودولتها وأتباعها يجد منها ما هو شامل ، ومنها ما هو جزئي ، لكنها كلها تتفق على أن الدعوة ليست كما رماها الجاهلون ، وبهتها الخصوم .

ونتائج التزكيات والشهادات التي شهد بها الناس من المحايدين والمنصفين من المسلمين وغير المسلمين تتلخص بما يلي :

1 – لقد شهدوا أن هذه الدعوة المباركة تمثل الإسلام الحق ، فقد جددت السنة كما جاء بها النبي صلى الله عليه وسلم وخلفاؤه الراشدون وسلف الأمة ، وحاربت البدع بكل صورها وأشكالها ومظاهرها ، وهذه الحقيقة هي أكثر الحقائق وضوحا أمام الشهود ، وأكثرها تنويها .

2 – وشهدوا أنها جاءت بالعلاج الناجع لأدواء الأمة الإسلامية اليوم في العقيدة والعبادات والمعاملات علاجا شاملا ، وأكثر الذين شهدوا بهذه الحقيقة كانوا يستندون إلى الواقع الذي تعيشه في مجتمعها ودولتها ، لا سيما من البلاد التي تشملها الدولة السعودية المعاصرة ، التي تميزت بحمد الله بصفاء العقيدة وظهور شعائر الدين ، واختفاء البدع ومظاهرها .

3 – أنها تميزت بالأصالة والنقاء ، حيث تمثل الإسلام في شموله ، والسنة في صفائها ، كما تميزت بإظهار خصائص الدين الإسلامي من التوحيد والشمولية والعدل ونحو ذلك .

[ص-309] 4 – وشهدوا أنها حققت الغايات التي جاء بها الإسلام ، من تعبيد الناس لله وحده لا شريك لـه ، وطاعة الله ، وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم ، وإقامة فرائض الدين ، والأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر ، وتطبيق الحدود ، وتحكيم الشريعة الإسلامية في كل شئون الحياة ، وابتغاء مرضاة الله والدار الآخرة .

5 – وشهدوا أنها رفعت المظالم والمكوس والضرائب التي تثقل كواهل الناس ، وسعت إلى تحقيق العدل بالتحاكم إلى شرع الله ، وتطبيق نظام القضاء بمقتضى الشريعة الإلهية .

6 – وشهدوا أنها حررت العقول والنفوس من التعلق بغير الله ، من التعلق بالبدع والأوهام ، والدجل والشعوذة ونحو ذلك .

7 – وشهدوا أنها هي الرائد الأول في أسباب النهضة العلمية والفكرية والأدبية الحديثة في جزيرة العرب وما حولها ، وسائر البلاد العربية والإسلامية .

8 – وشهدوا أنها الرائد الأول لحركات الإصلاح والتحرير الحديثة في العالم الإسلامي ، وأنها تمثل الأنموذج الصحيح في الدعوة في العصر الحديث ، إذ تواترت الشهادات بأن هذه الدعوة المباركة قد تميزت عن الحركات الإصلاحية والدعوات المعاصرة بأنها مثلت الدين الحق ، ومنهج الدعوة السليم من حيث الشمولية ، مع التركيز على الأهم ، وترتيب الأولويات ، وإصلاح العقائد والقلوب ، وتحرير العقول ، وإصلاح الأفراد والمجتمعات ، وتخليص الأمة من البدع والأهواء والفرقة والإعراض والتقليد والعصبية ، والتزام منهج السلف الصالح في الدعوة ووسائلها وأهدافها وغاياتها .

9 – كما شهد كثير منهم بأن هذه الدعوة بأصولها ومناهجها وتجاربها هي المؤهلة بأن تنهض بالأمة الإسلامية اليوم ، وتعيدها إلى سابق مجدها ، وتجمع شملها على الكتاب والسنة ونهج السلف الصالح .

ما حظيت دعوة من الدعوات الإصلاحية الحديثة بالتأييد والاعتراف والإنصاف والإشادة والإعجاب من عقلاء الناس من المسلمين وغير المسلمين كما حظيت هذه الدعوة ، رغم كثرة خصومها وأعدائها الألداء ، فقد شهد لها عدد لا يكاد يحصى من سائر الأقاليم والبلاد العربية والإسلامية والأجنبية من المسلمين وغير المسلمين .

من العلماء والمفكرين والأدباء العرب : أبو السمح عبد الظاهر المصري ( مصر ) . أبو راس الناصر المغربي ( المغرب ) . أحمد أمين ( مصر ) . أحمد السباعي ( الحجاز ) . أحمد العسة . أحمد بن مشرف الأحسائي ( الأحساء ) . أحمد حسين ( مصر ) . أحمد سعيد البغدادي ( العراق ) . أحمد شلبي ( مصر ) . أحمد عبد الغفور عطار ( الحجاز ) . أمين سعيد ( الشام ) . جمال الدين القاسمي ( الشام ) . حافظ وهبة ( مصر ) . حسين بن غنام الأحسائي ( الأحساء ) . حسين بن مهدي النعيمي ( اليمن ) . خير الدين الزركلي ( الشام ) . صالح بن دحيل الجار الله ( العراق ) . طاهر الجزائري ( الشام ) . طه حسين ( مصر ) . عباس محمود العقاد ( مصر ) . عبد الرحمن الجبرتي ( مصر ) . عبد الرحمن راتب عميرة ( مصر ) . عبد الرزاق البيطار ( الشام ) . عبد الرحيم عبد الرحمن عبد الرحيم . عبد الفتاح الغنيمي ( اليمن ) . عبد العزيز بن عبد الله الشاوي ( العراق ) . [ص-312] عبد الكريم الخطيب ( مصر ) . عبد القادر التلمساني . عبد المتعال الصعيدي ( مصر ) . عبد الكريم بن فخر الدين الهندي ( الهند ) . علي السويدي ( العراق ) . عثمان البصري الوائلي ( العراق ) . علي عبد الحليم محمود ( مصر ) . علي طنطاوي ( الشام ) . الغزالي خليل عبد ( مصر ) . عمر أبو النصر ( مصر ) . فؤاد حمزة . محب الدين الخطيب ( مصر ) . محمد أبو زهرة ( مصر ) . محمد بن أحمد الحفظي ( اليمن ) . محمد بن إسماعيل الصنعاني ( اليمن ) . محمد بن علي السنوسي ( الحجاز ) . محمد بن علي الشوكاني ( اليمن ) . محمد بن ناصر الشريف التهامي ( الحجاز ) . محمد بهجة الأثري ( العراق ) . محمد تقي الدين الهلالي ( المغرب ) . محمد جميل بيهم ( العراق ) . محمد جلال كشك . محمد حامد الفقي ( مصر ) . محمد جميل غازي ( مصر ) . محمد رشيد رضا ( الشام ومصر ) . محمد خليل هراس ( مصر ) . محمد ضياء الدين الريس ( العراق ) . محمد شويل المدني . محمد عبده ( مصر ) . محمد عبد الله ماضي ( العراق ) . محمد فتحي عثمان ( مصر ) . محمد عبده ناشر ( اليمن ) . محمد محمد حسين ( مصر ) . محمد كامل القصاب ( الشام ) . محمود شكري الألوسي ( العراق ) . محمد ناصر الدين الألباني ( الشام ) . محمد كامل ضاهر . محمود مهدي الإستانبولي ( الشام ) . مصطفى الحفناوي . مناع القطان ( مصر ) . منير العجلاني ( الشام ) . وهبة الزحيلي ( الشام ) .

كثيرون جدا أولئك الذين شهدوا لهذه الدعوة الإصلاحية من المسلمين من العرب والعجم ، سواء منهم من تأثروا بمبادئ الدعوة ، أو من بقوا على اتجاهاتهم المخالفة ، لكنهم شهدوا بالحق ، وقد ذكرت في هذا المبحث نماذج من تلك الشهادات فحسب ، ومن ذلك :

* شهادة محمد بن رشيد رضا في مقدمة كتاب ” صيانة الإنسان ” للسهسواني ، مبينا فيها أنه كان متأثرا بالدعاية المضادة للدعوة ، وأن عامة المسلمين كذلك ، وأنه تحقق من كتب الدعوة وحالها أن الدعاية كاذبة ، وأن الخصوم يفترون عليها الكذب .

حيث قال : ” كنا نسمع من صغرنا أخبار الوهابية المستمدة من رسالة دحلان هذا ورسائل أمثاله ، فنصدقها بالتبع لمشايخنا وآبائنا ، ونصدق أن الدولة العثمانية هي حامية الدين ، ولأجله حاربتهم وخضدت شوكتهم ، وأنا لم أعلم بحقيقة هذه الطائفة إلا بعد الهجرة إلى مصر ، والاطلاع على تاريخ الجبرتي ، وتاريخ الاستقصا في أخبار المغرب الأقصى ، فعلمت منهما أنهم هم الذين كانوا على هداية الإسلام دون مقاتليهم .

وأكده الاجتماع بالمطلعين على التاريخ من أهلها ، ولا سيما تواريخ الإفرنج الذين بحثوا عن حقيقة الأمر ، فعلموها وصرحوا أن هؤلاء الناس أرادوا تجديد الإسلام وإعادته إلى ما كان عليه في الصدر الأول ، وإذا لتجدد مجده ، وعادت إليه قوته وحضارته ، وأن الدولة العثمانية ما حاربتهم إلا خوفا من تجديد ملك العرب ، وإعادة الخلافة الإسلامية سيرتها الأولى على أن العلامة الشيخ عبد الباسط الفاخوري مفتي بيروت كان ألف كتابا في تاريخ الإسلام ذكر فيه الدعوة التي دعا إليها الشيخ محمد بن عبد الوهاب ، وقال إنها عين ما دعا إليه النبيون والمرسلون ، ولكنه قال إن الوهابيين في عهده متشددون في الدين ، وقد عجبنا لـه كيف تجرأ على مدحهم في عهد السلطان عبد الحميد ، ورأيت شيخنا الشيخ محمد عبده في مصر على رأيه في هداية سلفهم ، وتشدد خلفهم ، وأنه لولا ذلك لكان إصلاحهم عظيما ورجا أن يكون عاما ، وقد ربى الملك عبد العزيز الفيصل أيده الله غلاتهم المتشددين منذ سنتين بالسيف تربية يرجى أن تكون تمهيدا لإصلاح عظيم .

[ص-316] ثم اطلعت على أكثر كتب الشيخ محمد بن عبد الوهاب ورسائله وفتاويه وكتب أولاده وأحفاده ورسائلهم ورسائل غيرهم من علماء نجد في عهد هذه النهضة التجديدية ، فرأيت أنه لم يصل إليهم اعتراض ولا طعن فيهم إلا وأجابوا عنه ، فما كان كذبا عليهم قالوا : ( سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ)(سورة النور الآية 16) ، وما كان صحيحا أو له أصل بينوا حقيقته وردوا عليه ، وقد طبعت أكثر كتبهم ، وعرف الألوف من الناس أصل تلك المفتريات عنهم ” .

لقد شهد للدعوة وإمامها وأتباعها ودولتها عدد كبير من الغربيين من مختلف الدول الغربية ، وكان كثير منهم شاهد عيان ، أو ممن بحث هذه المسألة على المنهج العلمي المتجرد ، أو وقف على شيء من الحقيقة ، وغالبية من وقفوا على حقيقة الدعوة من الرحالة والباحثين والمستشرقين أثنوا عليها وعلى إمامها ، ومما يؤسف له أن هؤلاء الأجانب وهم غير مسلمين إلا النادر منهم كانوا أكثر إنصافا في تقويمها ، وأصدق لهجة في الثناء عليها ، وأكثر عدلا في الحكم عليها من خصوم الدعوة من المنتسبين للإسلام ، من أهل البدع والأهواء .

ولعل أهم سبب لذلك أن الدعوة واجهت أهل البدع ، وكشفت عوارهم ، وصادمت مصالحهم المبنية على رواج البدع وتبعية الدهماء لهم ، التي أكسبتهم الجاه والمال والتحكم في مصالح البلاد والعباد ، أما أولئك فكانوا بعيدين عن الصراع المباشر مع الدعوة ، ولذلك لما قامت دولتها وتوسعت وقفت الدول الغربية وساستها ضدها ، وأسهموا في التحريض عليها ومحاربتها بكل الوسائل ، لكن بقي كثيرون من أهل الفكر منهم والباحثين أقرب للحياد والإنصاف والموضوعية في نظرتهم وأحكامهم .

يقول الرحالة ( بوركهارت ) السويسري الأصل

” لم تكن مبادئ محمد بن عبد الوهاب مبادئ ديانة جديدة ، بل كانت جهوده موجهة فقط لإصلاح المفاسد التي تفشت بين المسلمين ونشر العقيدة الصافية بين البدو الذين كانوا مسلمين اسميا ، لكنهم جهلاء بالدين وغير مبالين بكل فروضه التي أوجبها وكما [ص-344] هي الحال بالنسبة لكل المصلحين لم يفهم محمد بن عبد الوهاب من قبل أصدقائه ولا من قبل أعدائه فأعداؤه حينما سمعوا بفرقته الجديدة التي تهاجم انحراف الأتراك وتنظر إلى نبيهم محمد صلى الله عليه وسلم بغير نظرتهم التقديسية اقتنعوا بسهولة أن عقيدة جديدة قد اعتنقت ، وأن الوهابيين لذلك ليسوا مجرد ضالين بل كافرين وقد تأكد لديهم هذا الاعتقاد أولا بخداع شريف مكة غالب ، وثانيا بنذير الخطر الذي حل بكل الباشوات المجاورين .

فقد كان شريف مكة العدو اللدود لحكومة الوهابيين حريصا على توسيع شقة الخلاف بين هؤلاء وبين الإمبراطورية التركية ، ولذلك نشر بمهارة متواصلة تقارير عن الوهابيين بأنهم كفار ؛ ليحبط كل محاولة للتفاوض معهم ولم يكن باشوات بغداد ودمشق والقاهرة القريبون من البدو المفزعين أقل حرصا منه على إظهار مخططات أعداء المفاسد التركية ، وبالتالي العقيدة التركية ، بأحلك الألوان ” .

” وبالإضافة إلى ذلك كانت هناك تقارير كثيرة من الحجاج الذين ذهبوا عن طريق البحر إلى جدة ومكة ، وعانوا من غطرسة الجنود الوهابيين ، ولم يسمح لهم بأداء الحج أحيانا ، وبعد عودتهم إلى بلادهم بالغوا في تصوير ما عانوه ، ومن المؤكد أن وصفهم للوهابيين لا يمكن أن يكون محايدا ، ولذلك لم يكن غريبا أن أصبح من المعتقد في الشرق عامة أن [ص-345] الوهابيين كانوا يحاولون أن يوجدوا ديانة جديدة تماما ، وأنهم يعاملون الأتراك بقسوة متناهية لأنهم مسلمون ، وهو اعتقاد لا ينفيه تصرف كثير من الوهابيين على أن أصحاب هذا التصرف من البدو الذين كانوا جهلاء تماما بالإسلام قبل أن يعرفوا الوهابية ، والذين لا تزال معرفتهم به غير صحيحة ، ولذلك فإن المبادئ الجديدة بدت لهم ديانة جديدة ، خاصة بعد أن عرفوا عادات الحجاج الأتراك وسكان المدن العرب ومبادئهم المختلفة ، وقارنوها بمبادئهم الخاصة ، ولم تسمح لهم روح التعصب التي غذاها رئيسهم بكل ما وسعه أن يفرقوا بين أمور لا يعرفون عنها إلا معرفة غير صحيحة ، وهذا يفسر بوضوح كيف حدث أنهم كانوا يتهمون الأتراك بالكفر ، وأن الأتراك بدورهم كانوا يتهمونهم بذلك ، على أن قليلا من السوريين الأذكياء الذي قاموا بأداء الحج وجدوا فرصا للتحدث مع المطلعين من الوهابيين ، واقتنعوا – على الأرجح – أن عقيدة البدو كانت هي عقيدة الإسلام ومع أن آراءهم قد لا تتفق مع آراء الوهابيين في كل النقاط فقد شعروا أنه من غير الإنصاف تسميتهم كفارا ، لكن شهادة مثل هؤلاء إن جسروا على أدائها دون تعريض أنفسهم لتهمة سوء إسلامهم ، كانت غير مجدية أمام الصيحة العامة خاصة بعد سنة 1803 م حين ردت قوافل الحج ، وتكون رأي عام بأن الوهابيين كانوا أعداء لدودين للديانة الإسلامية ” .

” ومنذ أن وطد جيش محمد علي مكانته في الحجاز ولم تعد مكائد الشريف غالب ذات جدوى ، وبدأت الاتصالات المباشرة مع زعماء الوهابيين وقادتهم الصغار ، وعادت قوافل الحج تسير في طرقها القديمة ، عرفت حقيقة الوهابيين أحسن من ذي قبل حتى في الأجزاء البعيدة من المناطق التركية ، ومن المرجح أن الاحترام الذي عبر عنه أهل مكة تجاه [ص-346] حكمهم القصير قد أثر بمعظمه على كل حاج استفسر عن تلك الفرقة الجديدة .

وإذا تطلب الأمر دليلا آخر على أن الوهابيين مسلمون محافظون فإن كتبهم توضح ذلك ، فحينما استولى سعود على مكة وزع نسخا من تلك الكتب على السكان وأمر أن يحفظها التلاميذ في المدارس العامة ، وليس فيما احتوته إلا ما لا بد لكل تركي من أن يعترف بأنه الحق ، وكانت لدى سعود فكرة سيئة مؤداها أن سكان تلك المدينة نشئوا على جهل تام بدينهم ، ولذلك رغب في أن يعلمهم أصوله الأولى ” .

إلى أن قال : ” ولا يوجد في النظام الوهابي أي مبدأ أخلاقي جديد ، فقد اتخذ محمد بن عبد الوهاب القرآن والسنة دليله الوحيد ، والخلاف بين فرقته وبين الأتراك السنة مهما قيل عنه هو أن الوهابيين يتبعون بدقة نفس الأحكام التي أهملها الآخرون ، أو توقفوا عن مزاولتها كلية ، ولهذا فإن وصف الديانة الوهابية ما هو إلا تلخيص للعقيدة الإسلامية ، ولإيضاح النقاط التي تختلف فيها هذه الفرقة عن الأتراك لا بد من إعطاء قائمة بكل المفاسد التي يدان بها هؤلاء الأخيرون ، ويؤيد هذا القول بقوة رأي علماء أجلاء من القاهرة ، ففي خريف عام 1815م أرسل الزعيم الوهابي مندوبين إلى هذه المدينة أحدهما عالم وهابي جليل .

وقد طلب محمد علي باشا منهما أن يشرحا عقيدتهما لعلماء القاهرة الكبار ، فتقابل العالم الوهابي معهم عدة مرات ، وأحرز قصب السبق عليهم لأنه كان يبرهن على كل مسألة عن ظهر قلب بآية من القرآن أو حديث من السنة ، وهما مما لا يمكن رده بطبيعة الحال ، فأعلن أولئك العلماء أنهم لم [ص-347] يجدوا أية بدع لدى الوهابيين ، وبما أن هذا الإقرار قد صدر من العلماء المذكورين فإنه لا يرقى إليه أدنى شك ، وقد وصل إلى القاهرة أيضا كتاب يشتمل على رسائل مختلفة عن موضوعات دينية كتبها محمد بن عبد الوهاب نفسه ، وقرأ كثير من العلماء ذلك الكتاب ، فأقروا بالإجماع أنه إذا كانت هذه هي عقيدة الوهابيين فإنهم أنفسهم يؤمنون بتلك العقيدة .

ولأن العامة من المتحمسين في أية فرقة جديدة يندر أن يتشبعوا بروح مؤسسها الحقيقية فقد حدث أن كثيرا من أتباع ابن عبد الوهاب عدوا أمورا ثانوية من الأمور الأساسية في العقيدة ، وهذا ما جعل أعداءهم يكونون فكرة خاطئة عما يفترضون أنها ديانة جديدة ، وقد انصب هجوم الوهابيين الشديد بعد حربهم للأولياء بصفة رئيسية على الملابس وتدخين التبغ ، فملابس الأتراك الأغنياء لا تتفق إلا قليلا مع تعاليم السنة التي تحرم لبس الحرير والذهب ، كما تحرم لبس الفضة إلا بكمية قليلة ، وقد نظر الوهابيون إلى أثواب الأتراك المزركشة بازدراء ، ولأنهم علموا أن النبي صلى الله عليه وسلم قد لبس عباءة مثلهم ، وحرم الملابس الفخمة ، عدوا من الضروري أن يتبعوا طريقته في اللباس كاتباعهم لمبادئه الأخلاقية ، وكان يمكن معرفة الوهابيين في جزيرة العرب فورا بملابسهم ، فالعربي الذي لم يعتنق دعوتهم من المؤكد أن يكون جزء من ملابسه من الحرير ، إما أن يحلي به الغطاء الذي يلفه على رأسه ، أو يطرز به بردته .

أما تدخين التبغ فمن المعروف أن كثيرا من العلماء الأتراك قد ذكروا مرارا في كتاباتهم أنه عمل محرم ، وهو مكروه في المذهب المالكي ، أحد المذاهب السنية الأربعة ، وكثير من العلماء في كل جزء في تركيا يمتنعون عن تدخينه على أساس ديني ، وقد رغب الزعيم الوهابي أيضا في أن يمنع تدخين النباتات المسكرة المستعملة كثيرا في الشرق لمعارضة ذلك للقرآن ، لكنه لم يستطع أن ينجح في هذا الأمر تماما ، ولا بد أن ابن عبد الوهاب كان يعلم في الوقت نفسه أن أتباعه في تضحيتهم الكبيرة بامتناعهم عن التدخين سيصبحون بطبيعة الحال أشد أعداء لكل أولئك الذين لا زالوا منغمسين في ذلك الترف ، ولم يعتنقوا دعوته بعد [ص-348] وكان تحريم التدخين إحدى الوسائل الرئيسية لإثارة أذهان الوهابيين ضد الأتراك ، فلقد أصبح كلمة لامة لشمل المعتنقين الجدد للدعوة ، لكنه ظل أصعب شيء على نفوس العرب من بين كل المبادئ التي نادى بها المصلح ، وقد حرم الوهابيون الدعاء بالمسبحة ، وهو أمر شائع لدى المسلمين مع أن الشرع لم ينص عليه ، ومنعوا استعماله ويقال أيضا إنهم حرموا شرب القهوة ، ولكن ذلك غير صحيح إذ إنهم دائما يشربونها بقدر كبير .

ومن المشكوك فيه ما إذا كانت لدى ابن عبد الوهاب حين دعا إلى الإصلاح في الدرعية أية فكرة في إنشاء حكم جديد يستظل بظله أتباعه من جزيرة العرب فقوة أسرته وأسر أقاربه لم تكن تمكنه من اتخاذ تلك الخطوة التي يبدو أنها لم تنجح إلا في عهد عبد العزيز بن محمد بن سعود ، ولا ينكر أنه كان لابن عبد الوهاب فضل كبير على العرب بدعوتهم إلى مبادئه الجديدة ، كما لا يمكن أن يقال : إن شكل الحكومة التي قامت على أساس دعوته غير مفيد لمصالح الأمة العربية جميعها ورفاهيتها ، أما أن العقيدة السائدة والتي يقال : إنها محافظة هي الديانة المحمدية الصحيحة أم الوهابية فأمر غير مهم ، لكنه أصبح مهما أن يقضى على الشرك الذي انتشر في كل جزيرة العرب ، وفي جزء كبير من تركيا ، والذي ترك أثرا أكثر ضررا على أخلاق الأمة من الاعتراف المحدد بديانة خاطئة ولهذا فإن فضيلة الوهابيين ليست أنهم طهروا الديانة الموجودة ، لكن [ص-349] لأنهم جعلوا العرب يزاولون بدقة الأخلاق الإيجابية لدين واحد ، ذلك أنه بالرغم من أن البدو في كل زمان عبدوا الله بإخلاص فإن المبادئ الإلهية وحدها لم يكن من المعتقد أن تكفي لتعليم أمة جافة صعبة المراس مزاولة الفضيلة والعدل .

ولقد دفعت رغبة ابن عبد الوهاب وخلفائه في إعادة العرب إلى الحالة التي كانوا عليها عند ظهور مؤسس ديانتهم إلى تغيير وضعهم السياسي بمجرد أن رأوا أتباعهم في ازدياد ، وكان محمد صلى الله عليه وسلم وخلفاؤه القادة السياسيين والدينيين لأمتهم ، وتوضح كتب الفقه الإسلامي في كل صفحة من صفحاتها كيف أنه من الضروري وجود زعيم أعلى في الشئون الدينية والدنيوية ، وكانت نجد التي أصبحت المركز الرئيسي للقوة الوهابية مقسمة إلى عدد من المناطق والبلدان والقرى الصغيرة المستقل بعضها عن البعض الآخر ، وكانت في حالة حرب مستمرة ، ولم يكن يعترف فيها خلا بقانون القوي سواء في البادية أو داخل أسوار البلدان ، وكان الأمان الشخصي دائما لا يتحقق إلا على حساب الملكية الفردية .

وبالإضافة إلى ذلك كانت الحرية غير المحدودة للقبائل البدوية ، وحروبها التي لا تنتهي ، وغزواتها ذات السلب والنهب ، قد جعلت نجدا وما حولها مسرحا للفوضى الدائمة وسفك الدماء ، ولم يبسط عبد العزيز بن محمد ديانته على كل نجد إلا بعد كثير من الصراع الشديد ، ولأنه لم يعد زعيم قبيلة ، بل رئيس منطقة ، تولى السلطة العليا ، وجعل حكمه مشابها لذلك الذي زاوله الأوائل من أتباع محمد صلى الله عليه وسلم .

وقد رأى عبد العزيز من العبث أن يحاول استرقاق بني جلدته ، ولذلك تركهم ينعمون بحريتهم ، لكنه أجبرهم على أن يعيشوا بسلام ، وأن يحترموا الملكيات الخاصة ، ويطيعوا قرارات النظام ” .

من خلال هذا البحث وفي أثنائه قمت باستطلاع آراء عدد من طلاب العلم والباحثين وخريجي الجامعات وحملة الماجستير والدكتوراه بطرح عدد من الأسئلة المتنوعة حول هذه الدعوة وتسميتها بالوهابية ، والأصول التي قامت عليها ، وعن واقعها وأثرها في العالم كله ، وعن الشبهات التي تثار حولها وجوابها ، وعن الملاحظات التي يراها المشارك في هذه الاستبانة على الدعوة وأتباعها وعما لديه من نصائح واقتراحات ووصايا .

وقد قمت بتوزيع الاستبانة عشوائيا دون انتقاء للأسماء والأشخاص ولا البلدان ولا الفئات ولا المؤسسات ولا الجامعات ، كما أن أكثر هذه النخبة هم من طلاب المنح في الجامعات السعودية وكثيرون من غيرهم .

وكان حرصي على استطلاع آراء هذه النوعية لأنهم تتوافر فيهم صفات مطمئنة من الثقافة الشرعية والبحث العلمي ، واستقلالية الرأي ، والنضج الفكري والعقلي ، وأقرب إلى التجرد والإنصاف ، وأقدر على معرفة حقيقة الدعوة .

ونظرا لما قد يشعر به البعض من الحرج أو العوائق التي قد تمنع من كشف كامل الحقيقة التي يراها من يجيب على هذه الاستبانة ، كان ذكر الاسم اختياريا ، ولذلك وردت عدة إجابات دون ذكر الأسماء .

وقبل أن أعرض نتائج الاستبانة في الملحق ينبغي أن أشير إلى خلاصة نتائجها بإجمال :

1 – كانت الإجابات عن السؤال الأول : ماذا تعرف عن دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب أو ما يسمى ( الوهابية ) كلها تجمع على معرفة الشيخ ودعوته ، وتختلف فيما بعد ذلك ، فأكثر الإجابات ركزت على أوصاف الدعوة ، أو أصولها ، أو أهدافها ، أو بعض ذلك .

2 – وكان السؤال الثاني عن الرأي بهذه التسمية : ( الوهابية ) ، وكانت أغلب الإجابة على أن وصف الدعوة بالوهابية غير مرغوب فيه وليس صحيحا ، وأنها جاءت من الخصوم على سبيل اللمز والسخرية ، وعدد قليل قال بأنه لا يمانع من إطلاقها لأنها أصبحت علما على دعوة الإسلام والسنة ، ولا عبرة بالمصطلحات والألفاظ ما دامت المضامين صحيحة .

[ص-356] 3 – والسؤال الثالث كان : هل هذه الدعوة معروفة ببلدك ؟ وبماذا تسمى ؟

وكانت سائر الإجابات تذكر أنها معروفة في كل بلد من البلاد التي ينتمي إليها المشاركون ، وعددها ( 34 ) بلدا عدا ( بنين ويوربا ) لا تعرف فيها الدعوة ، حسب إفادة كاتبي الاستبانة ، وهما واحد من كل بلد من هذين البلدين .

وتذكر الإجابات أن الدعوة تسمى بالوهابية ، والسنة ، والسلفية ، وأهل الحديث ، وأهل السنة ، وتطلق على كل من يتمسك بالسنن ، ويحارب البدع ويتجنبها ، أو يدعو لذلك ، وتسمى بالخامسية ، ونحو ذلك مما سيأتي تفصيله بعد قليل ، وأغلب الإجابات تذكر أنها تقال على سبيل السخرية والسب واللمز .

4 – وكان السؤال الرابع : ( هل ترضى أن تنسب لهذه الدعوة ، أو أن يقال عنك : ( وهابي ) ؟ ) .

فكانت أكثر الإجابات على أن الانتساب لهذه الدعوة مرغوب فيه وشرف ؛ لأنها دعوة الإسلام والسنة ، لكن دون الارتباط بوصف ( الوهابية ) فهذا غير مرغوب فيه ؛ لأنه سب ولمز يحمل مفاهيم خاطئة عن الدعوة في أذهان الناس .

وبعضهم قال : لا مانع من الانتساب ( للوهابية ) بهذا الوصف ؛ لأن العبرة بالمضامين ، ولأنها اشتهرت وصفا لهذه الدعوة السلفية ، ولا مشاحة في الاصطلاح .

5 – والسؤال الخامس عن ( أهم الأصول التي قامت عليها الدعوة في نظرك ) .

وقد اتفقت غالب الإجابات على أن الدعوة هي الدين الحق الإسلام ، وأنها تعتمد على القرآن والسنة ، ونهج السلف الصالح ، وأنها تمثل أهل السنة والجماعة ونحو ذلك ، وما عدا ذلك تفاوتت الإجابات في تعداد أصول الدعوة ، وكان أهمها أنها سلفية إصلاحية تجديدية ، تدعو للتوحيد ومحاربة الشركيات ، ونحو ذلك مما سيأتي ذكره تفصيلا خلال الصفحات التالية .

6 – والسؤال السادس : عن ( أهم المزاعم والشبهات والمفتريات التي يقولها الناس عن هذه الدعوة أو ” الوهابية ” ) .

وكانت أكثر الإجابات تقول بأن الناس يشيعون أن الوهابية مجسمة ، وأنهم لا يحبون الرسول صلى الله عليه وسلم ، ولا يحبون الأولياء ، ويحرمون التبرك بهم وزيارتهم ، وأنها خارجة عن المذاهب الأربعة المعتبرة عند المسلمين ، أو ( مذهب خامس ) وأن أتباعها فيهم غلو وتشدد ونحو ذلك ، [ص-357] والملاحظ أن الاستبانات تبين أن ما يثار عن الاتهامات والشبهات كان يوجه لأتباع الدعوة غالبا وليس للدعوة نفسها .

7 – وكان السؤال السابع عن رأي المشارك في هذه المزاعم .

فكانت الإجابات كلها تعتبر التهم التي قيلت حول الدعوة غير صحيحة ، ثم تفاوتت التعابير حول وصفها ، ومن ذلك : أنها أباطيل ولا تستند إلى دليل ، وكذب وبهتان ، وبعضهم علل هذه الاتهامات بأنها بسبب الجهل بالدعوة وسوء الفهم أبعد الناس عن دينهم ، أو بسبب سوء تصرفات بعض المنتسبين والمؤيدين للدعوة الخاطئة ، ونحو ذلك .

8 – وكان السؤال الثامن عمن تأثروا بهذه الدعوة .

وكانت الإجابات يتفق الكثير منها على أن أبرز الفئات التي تأثرت بهذه الدعوة في العصر الحاضر الشباب ، والطبقات الفقيرة والمتوسطة ، والمتعلمون ، وخريجو الجامعات ، وكذلك من المؤسسات والجامعات كأنصار السنة ، وجماعات أهل الحديث ، وأهل السنة ، والسلفية ، ومحاربو البدع .

وقد اتفقت غالب الإجابات على أن هذه الدعوة لا تزال متنامية ويزداد قبولها ، وأنها لو سلمت من تجاوزات وأخطاء بعض المنتسبين إليها لكان لها شأن أعظم وأثر أكبر .

9 – وكان السؤال التاسع عن مدى تأثير هذه الدعوة في بلاد المجيب عن الاستبانة ، أو غيرها .

فقد اتفقت سائر الإجابات على وجود الأثر الإيجابي للدعوة ، وعلى بعض الأصول الكبرى والغايات العامة التي تحققت بسبب هذه الدعوة ، ومن ذلك الاعتصام بالكتاب والسنة ، ونشر العلوم الشرعية ، وتصحيح العقائد والشعائر ، واضمحلال البدع ، والاعتزاز بالأحكام والشعائر الإسلامية ، وانتشار الحجاب ، وكثرة المدارس والمساجد والمراكز والمؤسسات الدعوية والتعليمية ، وغير ذلك مما سيأتي تفصيله .

10 – وكان السؤال العاشر عن المخالفين لهذه الدعوة من الأفراد والمؤسسات والهيئات ونحوها .

وكانت الإجابات صريحة غالبا ، وغير دقيقة في بعض الأحيان ، وحدث فيها شيء من الخلط أو سوء الفهم أحيانا كذلك ، ونظرا لأن الإجابة تضمنت ذكر أشخاص وهيئات ومذاهب وجماعات وفرق وطوائف قائمة ، رأيت أنه ليس من الحكمة نشرها لأنها تحتاج إلى تثبت ، وتنطلق من آراء شخصية يختلف الناس [ص-358] عليها كثيرا ، فآثرت الاحتفاظ بالمعلومات وعدم نشرها .

11 – والسؤال الحادي عشر كان عن ( الاقتراحات والوصايا ) التي يراها المجيبون عن هذه الأسئلة .

وقد تضمنت الإجابات اقتراحات ووصايا قيمة ومتنوعة ومفيدة جدا ، واتفق كثير منها على أهمية وصية أتباع الدعوة ودعاتها بالرفق والحكمة والحلم والصبر والحوار ، والمجادلة بالتي هي أحسن ، والتعاون والإحسان ، والابتعاد عن أساليب الشدة والجفاء والتسرع .

ونعرض تفاصيل الإجابات في ملحق قبل الفهارس .

حين قامت هذه الدعوة المباركة على أسس الدين الحق ، وقواعد الملة الحنيفية ، واعتمدت على الوحي المعصوم ( كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ) ، وسلكت سبيل المؤمنين – السلف الصالح أهل السنة والجماعة – ، فأعلنت راية التوحيد ، ورسخته في القلوب ، وأزالت مظاهر الشرك والبدعة ، وحكمت بشرع الله تعالى ، شاع بذلك الأمن والعدل والألفة ، وانتشر العلم ، واختفت مظاهر الظلم والشتات والجهل والبدعة والخرافة .

نعم لقد آتت هذه الدعوة المباركة أكلها طيبة يانعة ، وتحقق فيها وعد الله تعالى حين ارتكزت على الكلمة الطيبة ( لا إله إلا الله محمد رسول الله ) كما قال تعالى : ( أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا) [ سورة إبراهيم ، آية : 24 ، 25 ] .

وتحقق لأهلها ما وعد الله تعالى به عباده المتقين كما قال سبحانه : ( وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ * الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ) [ سورة الحج ، آية : 40 ، 41 ] .

وإن عناية هذه الدعوة وأتباعها ودولتها بإعلاء كلمة التوحيد ، ونفي الشركيات والبدع ، وبإقامة الصلاة ، وصوم رمضان ، وإيتاء الزكاة ، وحج البيت الحرام ، والأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر ، هي أعظم سماتها التي تتسم بها إلى اليوم ، وهي أعظم ما ينقمه عليها الخصوم وأهل الأهواء والشهوات( وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ) [ سورة البروج ، آية : 8 ] .

لقد كانت لهذه الدعوة المباركة آثار عظيمة وكبيرة غيرت معالم التاريخ ، وعدلت مسار الحياة في الأمة الإسلامية كلها في جميع نواحي الحياة الدينية والعلمية والسياسية والاجتماعية وغيرها .

ولم يقتصر أثرها الطيب على جزيرة العرب ( ونجد بخاصة ) التي ارتفعت في [ص-362] ربوعها راية التوحيد خفاقة ، وعلت فيها معالم السنة ، وزالت آثار البدعة والفرقة والجهل ، وساد فيها الأمن والوفاق ، بل تجاوز أثرها إلى بقية أقاليم الجزيرة العربية وإلى سائر أقطار المسلمين ، فقام علماء ومصلحون ، وقامت دعوات وحركات تسير على نهج هذه الدعوة السلفية النقية الصافية في الحجاز وعسير واليمن والشام والعراق ومصر والمغرب والسودان ، وكثير من البلاد الأفريقية ، وفي باكستان وأفغانستان والهند والبنغال وجاوة وسومطرة ، وسائر الجزر الإندونيسية وغيرها .

وكان من أبرز ثمار هذه الدعوة قيام دولة إسلامية قوية مهيبة احتلت موقعا مرموقا بين دول العالم كله والعالم الإسلامي بخاصة ، هي ( دولة آل سعود ) منذ أن ناصر مؤسسها إمام الدعوة وآزره على إعلاء كلمة الله ، فقد كتب الله لها التمكين ، وأعلنت التوحيد ، وحكمت بشرع الله تعالى ، ومع ما تعرضت لـه هذه الدعوة والدولة من تحديات كبيرة وخصوم أشداء إلا أنها كانت تنتصر في النهاية .

لقد تعرضت الدعوة والدولة ( السعودية ) في مراحلها الأولى لضربات موجعة ، لكنها كانت – حين قامت على التوحيد والدين والعدل والسنة – لا تلبث أن تنهض قوية فتية لأنها كانت تسكن القلوب ، وقد ذاق الناس في حكمها طعم الإيمان والأمن والعلم والاجتماع .

ولا يزال الأنموذج الحي للدعوة ودولتها قائما – بحمد الله – تحتله هذه البلاد المباركة ( المملكة العربية السعودية ) التي أرسى قواعدها الملك عبد العزيز طيب الله ثراه على الأسس المتينة التوحيد والشرع والعلم ، وبناء دولة حديثة تجمع بين الأصالة في تحكيم شرع الله وحمايته والدعوة إليه وتعظيم شعائره وخدمة مشاعره ، وبين المعاصرة بالأخذ بأسباب القوة والنهضة والرقي من غير إخلال بالدين والفضيلة .

ونسأل الله لهذه الدعوة وهذه الدولة المزيد من التمكين والنصر والتوفيق ، وأن يجمع بها كلمة المسلمين على الحق والسنة .

وهذه الآثار الطيبة والثمار البالغة الممتدة طيلة قرنين ونصف هي الرد العملي والعلمي ، الشرعي والمنطقي والواقعي على مفتريات الخصوم ، ففي الحال ما يغني عن المقال ، لكن حين عميت أبصار أهل الأهواء وبصائرهم عن إدراك الحقيقة والاعتراف بها ، وحين حجبت الحقائق عن الجاهلين ، كان لا بد من تجلية الحقيقة ، والله المستعان .

المبحث الثاني

أبرز الآثار المباركة والثمار الطيبة للدعوة تفصيلا

أشرت في أول هذا الكتاب إلى شيء من ذلك في بواعث قيام الدعوة وأهدافها الكبرى ، فإن البواعث والغايات والأهداف إذا تحققت صارت ثمارا وآثارا ، ومن ذلك :

1 – تحقيق العبودية لله تعالى وحده :

تحرير العبادة لله تعالى وحده ، وتحصيل الغاية العظمى من خلق الخلق ، ومن بعث الرسل كما قال تعالى : (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ) [ سورة النحل ، آية : 36 ] .

فقد نجحت هذه الدعوة المباركة في تحقيق هذه الغاية العظيمة والمطلب السامي في كل من تأثر بها ، وفي كل بلاد وصلت إليها ، من توجيه قلوب العباد وأعمالهم إلى إخلاص العبادة لله وحده ، وتعظيم الله تعالى بأسمائه وصفاته ، وأن لا يعبد الله تعالى إلا بما شرعه الله ، وبما سنه رسوله صلى الله عليه وسلم .2 – نشر السنن ومحاربة البدع :

لقد استطاعت هذه الدعوة المباركة أن تعلي السنن وتنشرها اعتقادا وقولا وعملا ، وأن تحارب البدع والشركيات وتحذر منها ومن وسائلها ، كما تمكنت من إزالة مظاهر البدع والشركيات في كل بلد وصلت إليه دولتها ، من المشاهد والمزارات والقباب وبدع المقابرية والصوفية والتشيع والبدع الكلامية والفلسفية ، وسلمت من أوضار الشعارات القومية والفكرية والسياسية ونحوها . 3 – التزام نهج السلف الصالح وإظهاره :

لقد نجحت هذه الدعوة في التزام سنة النبي صلى الله عليه وسلم ونهج السلف الصالح من الصحابة والتابعين ، ومن تبعهم بإحسان كالأئمة الأربعة وأهل الحديث وسائر علماء الأمة المهتدين ، والاقتداء بسيرتهم ، والاهتداء بهديهم ، واقتفاء آثارهم ، دون غلو ولا تفريط .4 – تحرير مصادر الدين :

وذلك بالعودة إلى مصادر الدين الحق ، والمعين الصافي ( القرآن والسنة ) ، ونهج السلف الصالح ، وتنقية مصادر التلقي مما أحدثه أهل البدع والأهواء والافتراق من المحدثات ، [ص-364] والاعتماد على أوهام العقول ، وآراء الرجال ، والأحلام ، والكشوف ، والأذواق ، والأحاديث الموضوعة ، والحكايات ، ودعاوى العصمة لغير الرسول صلى الله عليه وسلم ، والتقليد الأعمى ، ونحو ذلك مما جعله أهل البدع وسائل وذرائع ومصادر لمبتدعاتهم .

فقد أعادت هذه الدعوة المباركة الأمة إلى الاعتماد على الوحي المعصوم ، بعيدا عن الفلسفات والكلاميات والخرافات والتخرصات والأهواء . 5 – تحرير منهج الاستدلال :

كما أعادت هذه الدعوة إلى الأمة المنهج السليم في الاستدلال ، منهج السلف الصالح المتمثل بالاستدلال بالقرآن والسنة الثابتة ، ورد النصوص بعضها إلى بعض ، واعتماد فهم الصحابة وأئمة السلف وآثارهم علما وعملا ، واعتماد قواعد الاستدلال المعتبرة عند العلماء الراسخين ، ومجانبة مناهج أهل الأهواء والافتراق والبدع التي تقوم على الاستدلال حسب الأهواء والأوهام والظنون ، والتخرصات والفلسفات وتحريف النصوص ، والكذب والوضع ، والتقليد الأعمى ، والتأويلات الفلسفية والباطنية ، ونحو ذلك . 6 – نشر العلم ومحاربة الجهل :

قامت أسس الدعوة على تعليم كتاب الله تعالى ، وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم ، وآثار السلف الصالح ، وتعليم جميع المسلمين ( رجالا ونساء ) ضروريات الدين ، وتشجيع طلاب العلم على التعمق في العلوم الشرعية والفقه في الدين ، في التفسير والحديث والعقيدة ، والفقه وأصوله ، والعربية وعلومها ، والفرائض ، وغيرها من العلوم النافعة . 7 – الإسهام في النهضة العلمية الحديثة :

لقد حركت هذه الدعوة المباركة الساكن ، وأسهمت في تنشيط العلوم النافعة ، وتحريك النهضة العلمية ، والمؤلفات والرسائل والردود والمناظرات ، والشعر والخطابة ، وسائر العلوم والفنون المشروعة . 8 – إظهار شعائر الدين والفضائل وحمايتها :

أظهرت الدعوة الاعتزاز بالدين ، وإعلان شعائره من البراءة من الشرك والبدع ، وإظهار التوحيد والسنن ، وفي إقامة الصلاة وسائر أركان الإسلام على السنة ، والأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر ، وإعلان الفضائل ، وكبت الرذائل والفواحش ، والقيام بواجب الدعوة والجهاد ، والعدل والإحسان ، وإقامة الحدود . 9 – إقامة دولة مسلمة ومجتمع مسلم :

تحقق على يد هذه الدعوة ما كان يراه كثير من الناس من الأحلام والمثاليات التي لا يمكن تحقيقها بعد القرون الفاضلة ، وهو إقامة دولة مسلمة ، ومجتمع مسلم يجمع بين الأصالة والمعاصرة ، وقد تحقق هذا الحلم ، فقد قامت دولة إسلامية ومجتمع مسلم على التوحيد والسنة ، يطبق شرع الله ويقيم حدوده في سائر نواحي الحياة الفردية والجماعية ، يسوده الدين والفضيلة والأمن والعدل ، وذلك في كل المراحل التي كان للدعوة فيها كيان ودولة منذ عهد الإمامين المؤسسين ( محمد بن عبد الوهاب ، ومحمد بن سعود ) إلى يومنا هذا . 10 – تحقيق الجماعة الشرعية والطاعة :

أقامت الدعوة ما أمر الله به وأمر به رسوله صلى الله عليه وسلم من الجماعة والطاعة ، وهو إقامة أمة مسلمة تجتمع على السنة ، ويجتمع أفرادها ومجموعاتها على أهل الحل والعقد من العلماء والأمراء ، ومن لهم حق الطاعة والرأي والمشورة منهم ، وعلى الولاة الذين ولاهم الله أمرهم ، وبيعتهم على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، والسمع والطاعة لهم بالمعروف في غير معصية الله ، وتحريم الخروج على الوالي وعدم منازعته ما لم يروا كفرا بواحا عندهم عليه من الله برهان ، وبهذا المنهج الشرعي السلفي الأصيل تحقق جمع الشمل وتوحيد الكلمة ، والتناصح بين الراعي والرعية . 11 – تثبيت الأمن :

لقد شهد الواقع ( بحمد الله ) أنه كلما تمكنت الدعوة في بلاد وصار لها سلطان عليها نشرت الأمن والاستقرار ، والأمن شرط لحفظ الضرورات الخمس التي جاء الدين برعايتها وهي : الدين ، والعقل ، والنفس ، والنسل ، والمال ، وأكبر عوامل الأمن في بلاد الدعوة ( المملكة العربية السعودية ) غرس التدين في قلوب الناس على نهج سليم ، وتطبيق الشريعة ، لا سيما الحدود ، والأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر ، وإقامة العدل بالقضاء الشرعي ، ونحو ذلك مما هو من ركائز هذه الدعوة المباركة . 12 – تحرير العقول والقلوب والنفوس :

إن الدعوة نشرت الدين والسنة ، والدين والسنة يحرران العقول من الأوهام [ص-366] والظنون والتيه والخرافة والضلالة ، ويحرران القلوب من العبودية لغير الله ، ومن التعلق بغير الله ، ويحرران النفوس من الشقاء والقلق والتعاسة . 13- تحكيم شرع الله حتى كان الدين كله لله :

كلما تمكنت الدعوة من بلد عملت فيه بشرع الله تعالى في سائر أمور الحياة ، وعملت على هيمنة الدين الحق على جميع أحوال الناس ، وجميع مناحي الحياة دون التفريق المبتدع بين الدين والدولة ، أو بين الدين والسياسة ، أو بين الدين والحياة الدنيا . 14- إقامة الحجة على الناس :

بالأنموذج الذي عرضته هذه الدعوة من خلال علمائها وأتباعها ودولتها ، ومن خلال مؤلفاتها ومحاورتها ورسائلها وإعلامها ، ومن خلال تجربتها الحية في الدين والمجتمع والدولة وبسائر أحوالها ، بهذا الأنموذج قامت الحجة على الخلق كلهم ، على المسلمين المجانبين للسنة والمعرضين عن شرع الله ، وعلى غير المسلمين ، فقد تحقق فيهم وعد الله وخبر رسوله صلى الله عليه وسلم : ” لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين . . . ” الحديث وإعلان شعيرة الأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر ، والجهاد في سبيل الله . 15 – إلغاء مظاهر الجاهلية وأعمالها :

حين تمكنت الدعوة في أغلب جزيرة العرب ، وصار لها كيان في مراحل الدولة السعودية ، والتي استقرت فيما يسمى الآن ( المملكة العربية السعودية ) ، ألغت ومحت بالسنة والشريعة السمحة كل مظاهر الجاهلية التي سادت بعد القرون الفاضلة ، من العصبية القبلية ، والأعراف والتقاليد العشائرية ، والحروب والمنازعات ، والفرقة والشتات ، والظلم والعدوان وقطع الطريق ، والإعراض عن الدين والعلم .

حين أردت عرض نتائج الدعوة وآثارها وثمارها الطيبة على جميع المستويات وجدت أن أغلب فصول هذا الكتاب ومباحثه تؤكد على هذه الحقيقة ، أعني أنه من خلال بيان غايات الدعوة ومنهجها ، وعرض أقوال إمامها وعلمائها ومواقفهم ، وعرض شهادات النخبة من العلماء والمفكرين من المسلمين وغير المسلمين ، وتزكيتهم لهذه الدعوة ، من خلال ذلك وغيره مما ورد في ثنايا الكتاب تتجلى الثمار الطيبة والآثار المباركة للدعوة ، لذا اقتصرت في هذا الفصل على ذكر آثار الدعوة مجملة ، وذكر نماذج من وصف هذه الآثار من أئمة الدعوة ومن غيرهم .

وأول ذلك وصف أحد علماء الدعوة وهو الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن مذكرا أتباع هذه الدعوة ، وما أنعم الله عليهم به في الدين والدنيا :

” وقد من الله عليكم – رحمكم الله – في هذا الزمان الذي غلبت فيه الجهالات ، وفشت بين أهله الضلالات ، من يجدد لكم أمر هذا الدين ، ويدعو إلى ما جاء به الرسول الأمين ، من الهدى الواضح المستبين ، وهو شيخ الإسلام والمسلمين ، ومجدد ما اندرس من معالم الملة والدين ، الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى ، فبصر الله به من العماية ، وهدى بما دعا إليه من الضلالة ، وأغنى بما فتح عليكم وعليه من العالة ، وحصل من العلم ما يستبعد على أمثالكم في العادة حتى ظهرت المحجة البيضاء ، التي كان عليها صدر هذه الأمة وأئمتها في باب توحيد الله ، بإثبات صفات كماله ، ونعوت جلاله ، والإيمان بقدره وحكمه في أفعاله ، فإنه قرر ذلك .

وتصدى – رحمه الله – للرد على من نكب عن هذا السبيل على اختلاف نحلهم وبدعهم ، متبعا – رحمه الله – ما مضى عليه السلف الصالح من أهل الإيمان ، وما درج عليه القرون المفضلة بنص الحديث ، ولم يلتفت – رحمه الله – إلى ما عدا ذلك ، فوضح معتقد السلف الصالح بعدما سفت عليه السوافي ، وذرت عليه الذواري ، وندر من يعرفه من أهل القرى والبوادي ، إلا ما كان مع العامة من أصل الفطرة ، فإنه قد يبقى ولو في زمن الغربة والفترة ، وتصدى أيضا للدعوة [ص-368] إلى ما يقتضيه هذا التوحيد ويستلزمه ، وهو وجوب عبادة الله وحده لا شريك لـه ، وخلع ما سواه من الأنداد والآلهة ، والبراءة من عبادة كل ما عبد من دون الله .

وقد عمت في زمنه البلوى بعبادة الأولياء والصالحين وغيرهم ، وفي كل مصر من الأمصار ، وبلد من البلدان ، وجهة من الجهات ، من الآلهة والأنداد لرب العالمين ما لا يحصيه إلا الله على اختلاف معبوداتهم ، وتباين اعتقاداتهم ، فمنهم من يعبد الكواكب ، ويخاطبها بالحوائج ، ويبخر لها التبخيرات ، ويرى أنها تفيض عليه ، أو على العالم ، وتقضي لهم الحاجات ، وتدفع عنهم البليات .

ومنهم من لا يرى ذلك ، ويكفر أهله ، ويتبرأ منهم ، لكنه قد وقع في عبادة الأنبياء والصالحين ، فاعتقد أنه يستغاث بهم في الشدائد والملمات ، وأنهم هم الواسطة في إجابة الدعوات ، وتفريج الكربات ، فتراه يصرف وجهه إليهم ، ويسوي بينهم وبين الله في الحب والتعظيم والتوكل والاعتماد والدعاء والاستغاثة ، وغير ذلك من أنواع العبادات ، وهذا هو دين جاهلية العرب الأميين ، كما أن الأول هو دين الصابئة الكنعانيين ، وقد بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ” .

وقد بلغ الشيطان مراده من أكثر الخلق ، وصدق عليهم إبليس ظنه ، فاتبعه الأكثرون ، وتركوا ما جاءت به الرسل من دين الله الذي ارتضاه لنفسه .

” فأتاح الله بمنه في هذه البلاد النجدية والجهات العربية من أحبار الإسلام وعلمائه الأعلام من يكشف الشبهة ، وينصح الأمة ، ويدعو إلى محض الحق وصريح الدين ، فنافح عن دين الله ودعا إلى ما دعا إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وصنف الكتب والرسائل ، وانتصب للرد على كل مبطل ، واجتمع لـه من عصابة الإسلام والإيمان طائفة يأخذون عنه ، وينتفعون بعلمه ، وينصرون الله ورسوله ، حتى ظهر واستنار ما دعا إليه ، وعلت كلمة الله ، حتى أعشى إشراقها وضوؤها كل مبطل ومماحل ، وذل لها كل منافق مجادل .

وحقق الله وعده لأوليائه وجنده ، كما قال تعالى :(إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ) [ سورة غافر ، آية : 51 ] ، وقولـه : ( وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) الآية [ سورة النور ، آية : 55 ] ، فزال بحمد الله ما كان بنجد وما يليها [ص-369] من القباب والمشاهد والمزارات والمغارات وقطع الأشجار التي يتبرك بها العامة ، وبعث السعاة لمحو آثار البدع الجاهلية من الأوتار والتعاليق والشركيات .

وألزم بإقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، وصيام رمضان ، وحج البيت ، وسائر الواجبات ، وحث من لديه من القضاة والمفتين على تجريد المتابعة لما صح وثبت عن سيد المرسلين ، مع الاقتداء في ذلك بأئمة الدين والسلف الصالح المهديين ، وينهاهم عن ابتداع قول لم يسبقهم إليه إمام يقتدى به ، أو علم يهتدى به .

وأنكر ما كان عليه الناس في تلك البلاد وغيرها من تعظيم الموالد والأعياد الجاهلية التي لم ينزل في تعظيمها سلطان ، ولم يرد به حجة شرعية ولا برهان ؛ لأن ذلك فيه من مشابهة النصارى الضالين في أعيادهم الزمانية والمكانية ، ما هو باطل مردود في شرع سيد المرسلين .

وكذلك أنكر ما أحدثه جهلة المتصوفة وضلال المبتدعة من التدين والتعبد ، والمكاء والتصدية والأغاني التي صدهم بها الشيطان عن سماع آيات القرآن ، وصاروا بها من أشباه عباد الأوثان الذين قال الله فيهم : ( وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً) [ سورة الأنفال ، آية : 35 ] ، وكل من عرف ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم تبين لـه أن هؤلاء من أضل الفرق ، وأخبثهم نحلة وطريقة ، والغالب على كثير منهم النفاق وكراهة سماع كلام الله ورسوله .

وأنكر – رحمه الله – ما أحدثته العوام والطغام من اعتقاد البركة والصلاح في أناس من الفجار والطواغيت ، الذين يترشحون لتأله العباد بهم ، وصرف قلوبهم إليهم باسم الولاية والصلاح ، وأن لهم كرامات ومقامات ونحو هذا من الجهالات ، فإن هؤلاء من أضر الناس على أديان العامة ، وأنكر – رحمه الله – ما يعتقده العامة في البله والمجاذيب وأشباههم ، الذين أحسن أحوال أحدهم أن يرفع عنه القلم ، ويلحق بالمجانين .

وأرشد – رحمه الله – إلى ما دل عليه الكتاب وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم من الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان ، وساق الأدلة الشرعية التي يتميز بها كل فريق ، ويعتمدها أهل الإيمان والتحقيق ، فإن الله جل ذكره وصف الأبرار ونعتهم بما يمتازون به ، ويعرفون بحيث لا يخفى حالهم ، ولا يلتبس أمرهم ، وكذلك وصف تعالى أولياء الشيطان [ص-370] من الكفار والفجار ، ونعتهم بما لا يخفى معه حالهم ، ولا يلتبس أمرهم على من لـه أدنى نظر في العلم ، وحظ من الإيمان .

وكذلك قام بالنكير على أجلاف البوادي وأمراء القرى والنواحي فيما يتجاسرون عليه ويفعلونه من قطع السبيل ، وسفك الدماء ، ونهب الأموال المعصومة ، حتى ظهر العدل واستقر ، وفشا الدين واستمر ، والتزمه كل من كانت عليه الولاية من البلاد النجدية وغيرها ، والحمد لله على ذلك ، والتذكير بهذا يدخل فيما امتن الله به على المؤمنين ، وذكرهم به من بعث الأنبياء والرسل .

وكل خير حصل في الأرض من ذلك فأصله مأخوذ من الرسل والأنبياء ؛ إذ هم الأئمة الدعاة الأمناء وأهل العلم ، عليهم البلاغ ونقل ذلك إلى الأمة ، فإنهم واسطة في إبلاغ العلم ونقله .

ولذلك صار لشيخنا شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب – رحمه الله – ولطائفة من أنصاره من الملك والظهور والنصر بحسب نصيبهم وحظهم من متابعة نبيهم صلى الله عليه وسلم ، والتمسك بدينه ، فقهروا جمهور العرب من الشام إلى عمان ، ومن الحيرة إلى اليمن ، وكلما كان أتباعهم وأنصارهم أقوى تمسكا كانوا أعز وأظهر ، وربما نال منهم العدو وحصل عليهم من المصائب ما تقتضيه الذنوب والمخالفة ، والخروج عن متابعة نبيهم ، وما يعفو الله عنه من ذلك أكثر وأعظم .

والمقصود أن كل خير ونصر وعز وسرور حصل فهو بسبب متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم ، وتقديم أمره في الفروع والأصول ، وقد من الله عليكم في هذه الأوقات بما لم يعطه سواكم في غالب البلاد والجهات من النعم الدينية والدنيوية والأمن في الأوطان ، فاذكروا الله يذكركم ، واشكروا نعمه يزدكم ، و ( قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ) [ سورة التحريم ، آية : 6 ] بمعرفة الله ، ومحبته وطاعته ، وتعظيمه وتعليم أصول الدين ، والمحافظة على توحيد الله ، وإقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، وصيام رمضان ، وحج بيت الله الحرام ، والجهاد في سبيله ، والأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر ، وترك الفواحش الباطنة والظاهرة ، وسد الوسائل التي توقع في المحذور ، وتفضي إلى ارتكاب الآثام والشرور ” .

لا يزال كثيرون من الذين يجهلون الحقيقة عن المملكة أو يتجاهلونها ، أو الذين يلمزونها أو يحسدونها يصفون المملكة بأنها ( دولة الوهابية ) .

وقبل الدخول في رد هذا اللمز ينبغي أن أؤكد أن وصف الدولة السعودية بالوهابية يعد تزكية لا تقدر بثمن ؛ لأن الوهابية التي يعيرونها بها ، يقصدون بها دعوة الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب ، والتي هي في الحقيقة : الإسلام والسنة وسبيل السلف الصالح ، والتزام كتاب الله وسنة رسوله – صلى الله عليه وسلم – .

أما الوهابية على الوصف الذي افتراه الخصوم ، والتي تعني ( بزعمهم ) مذهبًا خامسًا ، أو فئة خارجة عن السنة والجماعة ، أو التي تعني عند أهل الأهواء والبدع والافتراق وأتباعهم من الغوغاء : ( بغض النبي – صلى الله عليه وسلم – والأولياء . . . ) أو نحو ذلك من المفتريات ، فهذه المفتريات لا تعدو أن تكون أوهامًا في خيالات القوم وعقولهم ، وشائعات صدقوها دون تثبت ، والمراقب للأحداث والتداعيات الأخيرة التي تلت يلحظ أن هناك شيئا من الاندفاع المريب ، نحو توريط المملكة حكومة وشعبًا فيما هم منه أبرياء . وأن هذا الاندفاع الظالم ( السياسي والإعلامي والشعوبي ) المتهور ، والذي قد يوجه للمملكة وشعبها بدعوى أنهم ( وهابية ) لا يخلو من عنصر التحريض والاستعداء والظلم والحسد من قبل أعداء الإسلام أولًا ، ويساندهم بل ويدفعهم كذلك أعداء السنة من أهل الأهواء والبدع والافتراق ، الذين ما فتئوا يبهتون المملكة وشعبها بالمفتريات ، ويعطون عنها معلومات كاذبة ومشوشة ، وأرى أن هذا التوجه الظالم هو أكبر محرض على المملكة بخاصة ، وأهل السنة بعامة .

إن كل الذين أطلقوا هذه المفتريات والبهتان ، والذين صدقوا هذه الشائعات ، ليس عندهم من الدليل والبرهان ما يثبت شيئًا من مزاعمهم ، بل المنصف والباحث عن الحقيقة يجد الأمر خلاف ما يفترون .

فها هي المملكة العربية السعودية ( حكومة وشعبًا ) كيان شامخ ملأ سمع العالم وبصره ، ظاهرة بكيانها الديني والسياسي والاقتصادي والاجتماعي ، والدولي ، وجميع أحوالها وإصداراتها [ص-396] العلمية والإعلامية والأدبية والثقافية ، والفكرية وغير ذلك كله ينفي هذه المزاعم ، إذن فالمثالب التي ينسبونها لما يسمونه ( الوهابية ) ودولتها وأتباعها لا حقيقة لها .

وقد نفى الملك عبد العزيز هذه الفرية في خطابه الذي ألقاه في مكة في غُرَّة ذي الحجة عام 1347هـ قائلًا :

« يسموننا « الوهابيين » ، ويسمون مذهبنا « الوهابي » باعتبار أنه مذهب خاص . . وهذا خطأ فاحش نشأ عن الدعايات الكاذبة التي كان يبثها أهل الأغراض . .

نحن لسنا أصحاب مذهب جديد أو عقيدة جديدة ، ولم يأت محمد بن عبد الوهاب بالجديد ، فعقيدتنا هي عقيدة السلف الصالح التي جاءت في كتاب الله وسنة رسوله وما كان عليه السلف الصالح .

ونحن نحترم الأئمة الأربعة ولا فرق عندنا بين مالك والشافعي وأحمد وأبي حنيفة . . . كلهم محترمون في نظرنا . . .

هذه هي العقيدة التي قام شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب يدعو إليها ، وهذه هي عقيدتنا ، وهي عقيدة مبنية على توحيد الله – عز وجل – خالصة من كل شائبة منزَّهة من كل بدعة ، فعقيدة التوحيد هذه هي التي ندعو إليها ، وهي التي تنجينا مما نحن فيه من محن وأوصاب » .

ويقول خادم الحرمين الشريفين الملك فهد – حفظه الله – مؤكدًا هذه الحقيقة :

« أما عما يقال من أن المملكة تتبع مذهبًا غير المذاهب الأربعة ويطلق عليه المذهب الوهابي ، فإن الوهابية ليست مذهبًا وإنما هي حركة دينية إصلاحية ظهرت في وقت انتشرت فيه الضلالة والأوهام ، فحاربت البدع وردت الأمور إلى أصولها ، وهي في النهاية ليست مذهبًا دينيًا تتبعه المملكة ، وإن ما يقال عنا خطأ شائع ألصق بالمملكة بلا سند من الواقع » .

فالمملكة حين تنفي أن تكون ( وهابية ) بالمفهوم المشوَّه ، فإنها لا تتنصَّل من رسالتها السامية [ص-397] في نصرة الإسلام والدعوة إليه ، وتعتز بهذا النهج وإن سماه الآخرون ( وهابية ) .

فهي تعلم أن التمكين الذي حصل لمؤسس هذه الدولة الملك عبد العزيز ورعيته ، لم يكن إلا لأنهم نصروا الله تعالى ، ونصروا دينه وسنة رسوله – صلى الله عليه وسلم – ، وأعلوا راية التوحيد وحرب البدع ، وكانوا قبل ذلك مستضعفين في الأرض حتى منَّ الله عليهم بهذه الدعوة المباركة فنصروها ونشروها ، فنصرهم الله كما قال تعالى : ( وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ) [ سورة القصص ، آية : 5 ] .

فقيام الدعوة والدولة كان حصيلة ما وعد الله به من نصر الدين من التمكين في الأرض والمنة على المستضعفين ، وهو حلقة من حلقات الصراع بين الحق والباطل ، وكان هذا هو الحل الشرعي والتاريخي والسياسي لأوضاع الأمة كلها لو أنها سلكت هذه الطريق .

فقد قامت دولة التوحيد في وقت كادت الأمة أن تيأس من عودة الدين ، لقد أثبتت هذه الدولة وتجربتها أن الإسلام هو الحل ، وأنه صالح لكل زمان ومكان .

وأن الإسلام لا يمنع من قيام دولة حديثة ذات كيان سياسي واقتصادي ومدني وحضاري مع اعتماد الدين عقيدة وشريعة في كل شؤون الحياة .

كانت هذه الدعوة – دولتها – « هي أقوى وأبرز طرح للحل الإسلامي في ظروف الهزيمة الشاملة للمسلمين » أمام الغزو الأجنبي الذي يقوم على اعتبار الإسلام دينًا استنفد أغراضه وانتهى دوره وأثره ولم يعد صالحًا للحياة ، وأن المدنية الغربية هي البديل ، وأن هذه النظرية حقيقة ، وحتمية تاريخية .

وإن كان هذا النصر والتمكين من الله – عز وجل – ناتجا عن كونها ( وهابية ) فليت الأمة كلها تكون وهابية! .

لقد سادت في العالم الإسلامي شعارات وحركات كثيرة من قومية وعلمانية وبعثية ، واشتراكية وديموقراطية ، ثم فشلت وسقطت ؛ لأنها كلها تجاهلت الإسلام ، أو حاربته ، وكاد اليأس يتطرق إلى كثير من عامة المسلمين من عودة دولة الإسلام ، فإذا هي تنشأ في الظروف الحالكة على يد الملك عبد العزيز ، وتقوم دولة التوحيد والسنة التي يسمونها ( الوهابية ) ، وتقيم كيانًا لـه اعتباره الديني والسياسي والاقتصادي . الإسلامي والعربي والعالمي .

ويكفيه فخرًا نجاحه في تطبيق الإسلام بمفهومه الشامل باتزان واعتدال ، واعتزاز [ص-398] وهيبة ، مما أدى إلى تخفيف وطأة التغريب حتى بقيت البلاد ثابتة على المسلمات والثوابت ( وإن ضعفت أحيانًا ) فلا يزال الإسلام هو دين الدولة والمجتمع ، والكتاب والسنة هما مصدر التشريع ، والأحكام الإسلامية في الأنظمة والقضاء هي السائدة ، وشعائر الدين ظاهرة ومصونة ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قائم ، والشمل مجتمع بحمد الله .

ومما يدفع عن المملكة تهمة المذهبية – أو ( الوهابية ) على مفهوم الخصوم – أنها تحمل الكثير من همِّ المسلمين جميعًا في كل بقاع المعمورة .

واهتمام المملكة بالمسلمين عمومًا في كل العالم أمر مستفيض ويشهد لـه الواقع ، وكان هذا من الأسس التي قامت عليها ، قال الملك عبد العزيز في خطاب لـه في جدة عام 1926 ( يناير ) :

« ثم إن لنا على الدول حقًا فوق هذا كله ، وهو أهم شيء يهمنا مراعاته ، وذلك أن لنا في الديار النائية والقصية إخوانًا من المسلمين ومن العرب . . . نطلب مراعاتهم وحفظ حقوقهم ، ولي الأمل الوطيد في أن الحكومات المحترمة ذات العلاقة بالبلاد الإسلامية والعربية لا تدخر وسعًا في أداء ما للعرب والمسلمين من الحقوق المشروعة في بلادهم » .

وبهذا ندرك أن الذين ينتقدون المملكة ، أو يستهدفونها بدعوى أنها ( دولة الوهابية ) إنما يستهدفون الإسلام نفسه ، ويستهدفون قلب العالم الإسلامي ومقدساته .

المنهج الذي رسمه الملك عبد العزيز مؤسس ( المملكة العربية السعودية ) يرد الاتهامات والمزاعم التي يثيرها المفترون حول المملكة .

فقد أكد الملك عبد العزيز أن المملكة دولة مسلمة تسير على وفق الكتاب والسنة ونهج السلف الصالح ، ونشر التوحيد والحق والخير والفضيلة .

وتفي بالتزاماتها الإسلامية والعربية والدولية ( كما سيأتي بيانه ) .

وتحترم العهود والمواثيق الدولية .

وتسهم في ما يحقق الأمن والسلام ، والخير للإنسانية جمعاء .

وقد أعلن الملك عبد العزيز هذه المبادئ وأكدها مرات عديدة ، وهنا أسوق أنموذجًا من خطاباته وتصريحاته في تأكيد هذا الأصل العظيم ، إذ يقول :

بسم الله الرحمن الرحيم :

« الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين ، وسيد الأولين والآخرين ، نبينا محمد ، وعلى آله وصحبه أجمعين .

من عبد العزيز بن عبد الرحمن بن فيصل آل سعود ، إلى من يراه من إخواننا : الحجازيين ، والنجديين ، واليمانيين ، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته :

[ التنويه بنعمة الإسلام وكمالـه ]

وبعد : بارك الله فيكم ، ووفقنا وإياكم لما يحبه ويرضاه ، وجعلنا وإياكم من صالحي عباده وأوليائه ، تفهمون : أن الله سبحانه منَّ علينا بنعمة الإسلام ، وأكملها علينا ، كما قال تعالى : (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا) [ سورة المائدة ، آية : 3 ] ومن أكبر نعمه علينا : إنزال كتابه العزيز ، وإرسال نبيه الكريم .

كما ذكرت في المنهج الذي قامت عليه الدعوة ودولتها أنه الإسلام نفسه ، وكونه أحيانًا يغلِّب المذهب الحنبلي في الاجتهاديات . فإن هذا يؤكد هذه الحقيقة ؛ لأن المذهب الحنبلي أحد المذاهب الأربعة التي أجمع المسلمون على اعتبارها .

ومع ذلك فإن النظام الأساسي للحكم في المملكة العربية السعودية يتسم بالشمولية والأصالة والتزام الإسلام ومصادره دون ارتباط بمذهب أو شعار أو حزب .

ونظرًا لأن نظام الحكم في المملكة يقوم على الشريعة الربانية السامية فقد تضمن من الأسس والثوابت والميزات ما لا ترقى إليه كل النظم والتشريعات المعاصرة .

وأسوق نماذج من مواد هذا النظام :

المادة الأولى :

المملكة العربية السعودية دولة عربية إسلامية ذات سيادة تامة ، دينها الإسلام ، ودستورها كتاب الله تعالى وسنة رسوله – صلى الله عليه وسلم – ولغتها هي اللغة العربية ، وعاصمتها مدينة الرياض .

المادة السادسة :

يبايع المواطنون الملك على كتاب الله تعالى وسنة رسوله – صلى الله عليه وسلم – وعلى السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره .

المادة السابعة :

يستمد الحكم في المملكة العربية السعودية سلطته من كتاب الله وسنة رسوله – صلى الله عليه وسلم – وهما الحاكمان على هذا النظام وجميع أنظمة الدولة .

المادة الثامنة :

يقوم الحكم في المملكة العربية السعودية على أساس العدل والشورى والمساواة وفق الشريعة الإسلامية .

المادة العاشرة :

تحرص الدولة على توثيق أواصر الأسرة والحفاظ على قيمتها العربية والإسلامية [ص-412] ورعاية جميع أفرادها وتوفير الظروف المناسبة لتنمية ملكاتهم وقدراتهم .

المادة الحادية عشرة :

يقوم المجتمع السعودي على أسس من اعتصام أفراده بحبل الله ، وتعاونهم على البر والتقوى ، والتكافل فيما بينهم ، وعدم تفرقهم .

المادة الثالثة والعشرون :

تحمي الدولة عقيدة الإسلام . . وتطبق شريعته وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر . . . وتقوم بواجب الدعوة إلى الله .

المادة الرابعة والعشرون :

تقوم الدولة بإعمار الحرمين الشريفين وخدمتهما . . . وتوفر الأمن والرعاية لقاصديهما بما يمكن من أداء الحج والعمرة والزيارة بيسر وطمأنينة .

المادة الخامسة والعشرون :

تحرص الدولة على تحقيق آمال الأمة العربية والإسلامية في التضامن وتوحيد الكلمة . . وعلى تقوية علاقاتها بالدولة الصديقة .

المادة السادسة والعشرون :

تحمي الدولة حقوق الإنسان وفق الشريعة الإسلامية .

المادة التاسعة والعشرون :

ترعى الدولة العلوم والآداب الثقافية ، وتعنى بتشجيع البحث العلمي ، وتصون التراث الإسلامي والعربي ، وتسهم في الحضارة العربية والإسلامية والإنسانية .

المادة الخامسة والأربعون :

مصدر الإفتاء في المملكة العربية السعودية . . . كتاب الله تعالى وسنة رسوله – صلى الله عليه وسلم – ويبين النظام ترتيب هيئة كبار العلماء وإدارة البحوث العلمية والإفتاء واختصاصاتها .

المادة الثامنة والأربعون :

تطبق المحاكم على القضايا المعروضة أمامها أحكام الشريعة الإسلامية وفقًا لما دل عليه الكتاب والسنة وما يصدره ولي الأمر من أنظمة لا تتعارض مع الكتاب والسنة .

[ص-413] المادة الخامسة والخمسون :

يقوم الملك بسياسة الأمة سياسة شرعية طبقًا لأحكام الإسلام ، ويشرف على تطبيق الشريعة الإسلامية ، والأنظمة السياسية العامة للدولة ، وحماية البلاد والدفاع عنها .

المادة السابعة والستون :

تختص السلطة التنظيمية بوضع الأنظمة واللوائح فيما يحقق المصلحة أو يرفع المفسدة في شؤون الدولة وفقًا لقواعد الشريعة الإسلامية . . . وتمارس اختصاصاتها وفقًا لهذا النظام ونظامي مجلس الوزراء ومجلس الشورى .

وجاء في نظام القضاء :

مادة1 : القضاة مستقلون لا سلطان عليهم في قضائهم لغير أحكام الشريعة الإسلامية والأنظمة المرعية ، وليس لأحد التدخل في القضاء .

وجاء في نظام مجلس الشورى :

المادة الأولى :

عملًا بقول الله تعالى : ( فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ) [ سورة آل عمران ، آية : 159 ] وقولـه سبحانه : ( وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ) [ سورة الشورى ، آية : 38 ] واقتداء برسول الله – صلى الله عليه وسلم – في مشاورة أصحابه وحث الأمة على التشاور .

ينشأ مجلس الشورى ويمارس المهام المنوطة به وفقًا لهذا النظام والنظام الأساسي للحكم ملتزمًا بكتاب الله وسنة رسوله محافظًا على روابط الأخوة والتعاون على البر والتقوى .

المادة الثانية :

يقوم مجلس الشورى على الاعتصام بحبل الله ، والالتزام بمصادر التشريع الإسلامي ، ويحرص أعضاء المجلس على خدمة الصالح العام والحفاظ على وحدة الجماعة وكيان الدولة ومصالح الأمة .

تميزت المملكة العربية السعودية بالوفاء بالتزاماتها الدولية المعنوية والمادية ، أمام الحكومات والمؤسسات والمنظمات والهيئات الدولية ، واحترام العهود والمواثيق والنظم الدولية المعتبرة .

وكانت المملكة تبادر من خلال المؤسسات الدولية ، ومن خلال جهودها الذاتية كذلك إلى كل ما يحقق التعاون ، والعدل والسلام والأمن والدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة ، والمحاورة بالتي هي أحسن .

وللمملكة كذلك اليد الطولى في المبادرة في الإغاثة والمساعدات الإنسانية في كل العالم عامة ، والعالم الإسلامي بخاصة .

وفي كل ذلك تلتزم أحكام الإسلام ، كما نوه عن ذلك صاحب السمو الملكي الأمير سلطان بن عبد العزيز في كلمته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الأربعين حيث قال :

« إن انقضاء أربعين عامًا على إنشاء منظمة الأمم المتحدة مناسبة هامة تحتم علينا التفكير وبسرعة في عمل جاد ومسؤول لتكريس الالتزام بالمبادئ الأساسية لمنظمتنا هذه ، ولتعميق أهدافها ومراميها الخيرة ، وهي فرصة ثمينة لكي تتضافر جهود كافة أعضاء المجتمع الدولي في بناء عالم قوامه صدق النية وتحكيم المبادئ والأخلاقيات بدلًا من تغليب القوة والقهر حتى يسود السلام وتزول سياسات الصراع والحروب فتسوى المنازعات بالحسنى ، وتجري العلاقات بوجه بناء نافع ، وحتى تسخر طاقات هذا العالم البشرية وإمكانياته المادية للرقي بحياة الإنسان ، ولا تبدد في سباق التسلح وأدوات الفتك والتدمير ، وحتى يسود العدل وتقوم العلاقات بين الدول على المساواة والأخوة والتعاون . . . يقول الله – سبحانه وتعالى – في كتابه الكريم : سورة المائدة الآية 2 وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ [ سورة المائدة ، آية : 2 ] صدق الله العظيم .

إن المملكة العربية السعودية يسرها الإشادة بكافة المؤسسات التي هدفها حماية حقوق الإنسان شريطة توافر حسن النية والموضوعية واحترام خصوصية كل مجتمع وحضارته وثقافته » .

[ص-416] فقد نبه سموه الكريم إلى أمرٍ طالما أكدت عليه المملكة في المناسبات والمحافل المحلية والدولية والعالمية وهو أن المملكة ذات خصوصية دينية وجغرافية واجتماعية تفرض عليها أوضاعًا والتزامات معينة يجب احترامها دوليًا ، كغيرها من كثير من دول العالم ، والعهود والمواثيق والنظم الدولية تحترم هذه الخصوصيات .

بل إن المملكة انطلاقًا من قولـه تعالى : سورة المائدة الآية 2 وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ [ سورة المائدة ، آية : 2 ] كثيرًا ما تطرح مبادرات إيجابية ( خليجيًا وعربيًا وإسلاميًا وعالميًا ) في سائر شؤون الحياة دينية وسياسية واقتصادية وعسكرية ، وفي تحقيق العدل والأمن والتعاون ومكافحة الجريمة .

وأسوق للقارئ ( على سبيل المثال ) مسردًا بعضوية المملكة في المنظمات الدولية والوكالات المتخصصة واللجان والبرامج التابعة للأمم المتحدة ومن ذلك :

1 – الاتحاد الدولي للاتصالات السلكية واللاسلكية ( ITU )

2 – منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة ( اليونسكو ) .

3 – منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة ( الفاو ) .

4 – منظمة الصحة العالمية ( WHO ) .

5 – الوكالة الدولية للطاقة الذرية ( IAEA ) .

6 – المنظمة الدولية للملاحة البحرية ( IMO ) .

7 – المنظمة العالمية للأرصاد الجوية ( WMO ) .

8 – منظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية ( UNIDO ) .

9 – المجلس الاقتصادي والاجتماعي التابع لهيئة الأمم المتحدة ( ECOSOC ) .

10 – المنظمة الدولية للطيران المدني ( ICAO ) .

11 – اتحاد البريد العالمي ( UPU ) .

12 – برنامج الأمم المتحدة للبيئة ( UNEP ) .

13 – برنامج الغذاء العالمي ( WEP ) .

14 – اللجنة الاستشارية للعلوم والتقنية ( ACSTD ) .

15 – لجنة الخبراء لحماية ومراقبة الجريمة ( CCPC ) .

[ص-417] 16 – اللجنة التنفيذية للمنظمة الدولية للمنائر والعلامات الملاحية ( أيلا ) .

17 – لجنة حقوق الإنسان ، وقد فازت المملكة العربية السعودية بعضوية لجنة حقوق الإنسان التابعة للمجلس الاقتصادي والاجتماعي للفترة من عام 1421هـ ( 2001م ) إلى عام 1423هـ ( 2003م ) بأغلبية ( 48 ) ثمانية وأربعين صوتًا من إجمالي الأصوات المشاركة في التصويت والبالغ عددها ( 54 ) أربعة وخمسين صوتًا .

وقد حصلت المملكة العربية السعودية على أعلى نسبة من الأصوات من بين الدول الثمان التي كانت مرشحة لعضوية لجنة حقوق الإنسان التي فازت منها ست دول بالعضوية .

ويأتي فوز المملكة العربية السعودية بهذه العضوية تقديرًا لدورها العالمي ومصداقيتها في مجال خدمة حقوق الإنسان التي تعتبر أساسًا من أساسات العقيدة الإسلامية التي تطبقها المملكة العربية السعودية في جميع شؤونها .

كما يأتي هذا الفوز ردًا من المجتمع الدولي على الادعاءات الظالمة التي وجهتها بعض المنظمات المهتمة بحقوق الإنسان إلى المملكة العربية السعودية من غير أن يكون لها أي أساس من الصحة أو المصداقية » .

إن أسمى ما تسعى إليه أمم الدنيا ودول العالم كلها ومؤسساته : تحقيق الأمن والسلام ، وقد كان الأمن هو الإنجاز الأول الذي تحقق على يد الملك عبد العزيز لا سيما لحجاج بيت الله ، وذلك بفضل الله ثم العمل بالشرع .

وكانت أحْوج البلاد إلى الأمن هي بلاد الحرمين ، لما تحويه من المقدسات والمشاعر المعظمة ، ولكثرة ما يؤمها للحج والعمرة من بقاع الدنيا ، وقد نعمت بحمد الله بهذا الأمن منذ أن دخلت ضمن الدولة السعودية وقد شهد بذلك الجميع .

يقول أحد الحجاج مقارنًا بين الحال التي صارت إليها أوضاع الحرمين في عهد الملك عبد العزيز وبين ما كان قبل ذلك :

« وقد كان أولئك المطوفون يتلقفون الحجاج ولا سيما بسطاؤهم فيبتزون أموالهم ويلقنونهم أقوالًا خرافية منافية للشرع والعقل معًا .

[ص-418] أما الآن فقد قضى نظام الحكم الجديد على تلك المظالم والبدع السخيفة ، ووضع أولئك المطوفين تحت مراقبة شديدة ، فإن أقل شكاة يرفعها أحد الحجاج ضد أحدهم تكون كافية لإبعاده عن حظيرة المطوفين .

أما مشكلة الأمن العام التي كانت هي في الواقع أم المشاكل ورأس كل الخطايا مما كان يحسب لـه المسلمون الراغبون في حج بيت الله الحرام أكبر حساب ، فقد كانت في طليعة المشاكل التي استطاعت الحكومة الجديدة حلها على أهون سبيل ، فمنذ حل حكم الشرع محل القانون المدني والجنائي ، وأدرك دعاة الشر والإجرام ما هو حكم الشرع حيالهم ، نزعوا عنهم ثيابهم ، وغسلوا أيديهم من أوزار الماضي ، ووضعوا أنفسهم رهن ما يقضي به حكم الشرع إذا ما حدثتهم نفوسهم بمخالفة ما تقضي به هاتيك الأحكام ، فكان أهم ما انقطع دابره تلك الفعلة المشئومة التي كان يلجأ إليها لصوص الصحراء وقطاع الطرق الذين كانوا يستدينون الأموال من بعضهم بعضًا على أن يقوموا بسدادها من أسلاب الحجاج وما يغنمونه من أموالهم ، فقد عمد الملك عبد العزيز فوق اعتماده على إنفاذ حكم الشرع إلى بسط يده بالإحسان إلى فقراء هؤلاء البدو ، وبذلك أمنت القوافل التجارية على ما تحمله من بضائع وسلع مهما بلغت قيمتها ، وأمن الحجاج كذلك على أرواحهم ومتاعهم ، يدلك على ذلك أن رجال المحمل المصري عندما سافروا في العام الماضي أثبت سعادة أمير الحج في تقريره لولاة الأمور أن عصابات البدو التي اعتادت غزو المحمل ورجاله لم يبق لها أثر في الحجاز ، وفي هذا العام سافر الحجاج المصريون وعادوا دون أن يصيبهم أقل اعتداء ، حتى قال لنا أحد الحجاج : « إن امرأة مصرية تستطيع أن تبرح مصر بمفردها وتقصد إلى قلب الحجاز وتقوم بفريضة الحج ثم تعود دون أن يصيبها أقل مكدر » والظاهر أن استقرار حالة الأمن حملت أحد أعضاء مجلس الشيوخ المصري على التصريح رسميًا بأن المحمل وحرسه أصبح بدعة يجب إبطالها ، وقد تألفت لجنة خاصة للنظر في هذه المسألة » .

المملكة والعمل بشرع الله وحدوده :

إن المملكة العربية السعودية حين حكَّمت شرع الله في سائر أحوالها ، وجعلت مصدر التشريع ( كتاب الله وسنة رسوله – صلى الله عليه وسلم – ) ليس لأنها ( وهابية ) كما يزعمون ، ولكن لأنها دولة مسلمة تحكم شعبًا مسلمًا 100% وتحوي المقدسات الإسلامية ، ومنبع الإسلام ، فعملها بشرع الله هو الأساس الذي قامت عليه . وقد نصت على ذلك المادتان ( 1 ) و ( 7 ) وغيرهما من نظام الدولة ، [ص-420] وليس أمامها خيارات أخرى ، وذلك

إن التحاكم إلى الشريعة الإسلامية واجب على المسلمين كوجوب الصلاة والصيام ، ويعتبر المجتمع المسلم آثمًا إذا تخلى عن تطبيق الشريعة الإسلامية وهو قادر عليها ، كما قال تعالى : (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ)(سورة المائدة الآية 44 ) و( الظالمون ) و( الفاسقون ) .

لأن الشريعة الإسلامية نظام إلهي أنزلـه الله رب البشر ، ولا يستوي مع نظام شرعه البشر ، أو نظام صاغه البشر .

وبما أن الشريعة نظام إلهي أنزلـه الله الذي هو سبحانه أعلم بما يحتاجون إليه فجعل شرعه ملبيًا لاحتياجاتهم محيطًا بما يستجد من حياتهم ، وقد كفل هذا الشرع ألا يتميز جنس على جنس أو طبقة على طبقة ؛ لأنه نزل من رب الجميع فهو شرع للجميع .

كما أن هذا الشرع مُحْكَمٌ فلا يمكن أن يبيح اليوم أمرًا ثم يحظره غدًا أو العكس ، بينما نرى الشرائع والقوانين الأرضية تحرم هذا الأمر في سنة ثم تجيزه أخرى ، وهكذا من غير ثبات ، بل ربما وجدت القانون الواحد يختلف تطبيقه من بلد إلى بلد ، ومرد ذلك لرغبة الحاكم أو المجلس التشريعي في البلد ، مما يفقد هذه الشرائع ثباتها واستقرارها .

إن المسلمين الذين يطالبون بتطبيق الشريعة الإسلامية اليوم محقون في مطالبتهم ويجب على المجتمع الدولي – وفق معاييره المعاصرة – أن ينصرهم ويعينهم لتحقيق مطالبهم وذلك :

أن المبادئ والشعارات الديمقراطية التي ينادي بها الناقدون للمملكة تلزم بالعمل بما تختاره في المجتمع ، ولا تزال الأكثرية المسلمة في المجتمعات الإسلامية تطالب بتطبيق الشريعة ، فيجب أن تمكن من تحقيق طلبها وفق المبادئ الديمقراطية . فكيف والمجتمع السعودي كله مسلم ؟

والمملكة كذلك تطبق نظام العقوبات الإسلامية والحدود من هذا المنطلق :

إن الحدود والعقوبات – جسدية أو غير جسدية – ما هي إلا أحكام تنص عليها الشريعة كما ينص على مثلها أي قانون في الدنيا باعتبارها جزاءات توقع على المخالفين ، [ص-421] وكل شعوب العالم ودوله لها خصوصياتها ومناهجها في قوانينها وأنظمتها الخاصة في قانون الجزاء والعقوبات وغيرها .

ويبقى النظر في المصالح المتحققة من جراء القانون ومدى إعطائه أثره ونتيجته كحافظ للأمن ومثبت لاستقرار الناس في معاشهم وتنقلاتهم وأخلاقهم . وقد أثبت نظام العقوبات والحدود في الإسلام ( والذي تعتز به المملكة ) أنه الأنفع والأجدى في حفظ الضرورات الخمس ( الدين والعقل والنفس والمال والنسب ) وفي الردع والعدل ، وليس من الإنصاف انتزاع مادة من قانون أو حكم من شريعة وإبرازه وكأنه مثلبة في هذا القانون أو ذاك . ولكن نظرة الإنصاف تقتضي النظر إلى النظام كله ، شروط الجريمة وتحققها وشروط إيقاع الجزاء وأسباب ذلك . قطع يد السارقعلى سبيل المثال : من أشهر العقوبات قطع يد السارق وقتل المفسد في الأرض وقتل المرتد .

أما عن قطع يد السارق ، وقتل المفسدين في الأرض فإنك تجد في تاريخ الإسلام الطويل أن تنفيذها كان في حالات يسيرة ، ليس لأنها غير عملية ، وإنما من أجل الأمان الذي تحققه الشريعة في صرامة العقوبة ، ثم الشروط الموضوعة لتطبيقها ، حيث تدرأ الحدود بالشبهات ، ثم إن قطع يد واحدة أو قتل مجرم تكون فيه حماية للملايين من الأجيال بهذا الرادع الفردي .

وقبل ذلك كله أن الله تعالى هو الذي حكم في كتابه الكريم بقطع يد السارق فقال : (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) [ سورة المائدة ، آية : 38 ] وحتى يكون الأمر أكثر واقعية نستشهد بالواقع المعاصر بقوانينه ونظمه .

إن الأمم المعاصرة وبخاصة دول الغرب قد ملكت أسلحة فتاكة وأجهزة نفاذة وتقنيات متقدمة ووسائل دقيقة واستكشافات باهرة وبخاصة في مجال مكافحة الجريمة ، وبحوثًا ودراسات وطرقًا في الملاحقات وتتبع المجرمين ، إضافة إلى التوعية الإعلامية الواسعة للجمهور والاستنارة بالثقافة والتقدم العلمي والوعي المعرفي للأفراد والجماعات ، وعلى الرغم من كل ذلك فإن الجريمة تستفحل ويزداد المجرمون عتوًا وطغيانًا ، هذا من جهة ، ومن جهة أخرى فإن تركيزهم منصب على استصلاح المجرمين وتهذيب الأشرار ، وقد أرادوا أن يجعلوا من السجون أماكن تهذيب وعنابر إصلاح ، واعتبروا المجرمين مرضى أحق بالعلاج منهم [ص-422] بالعقاب ، وألقوا باللائمة على عوامل الوراثة والبيئة والفساد الاجتماعي ، وهذا قد يكون حقًا لا ينكر ، ولكن الأمر ليس مقصورًا على هذا الجانب وحده ، ذلك أن العضو المريض قد تكون المصلحة في بتره حتى لا يسري مرضه إلى الجسم كله ، وهذا أمر مقرر عقلًا وواقعًا ، وشرعًا قبل ذلك .

قتل المفسدينوالفساد الاجتماعي ما هو إلا من مجموع فساد الأفراد :

والسجن فقط كما تنحى أكثر القوانين الوضعية ليس هو الحل الأمثل ، فالسجون غلظت فيها قلوب كثير من المجرمين وخرجوا منها في ضراوة أشد وشقاوة أعظم ، ومن اليسير أن يتعاون المجرمون واللصوص والقتلة في رسم الخطط ، ويجعلوا من السجن ساحات ممهدة للتدارس وتقاسم المهمات يشاركهم في ذلك إخوان لهم في الغي خارج القضبان .

وأنت ملاحظ ومدرك أن فكرة الهدف الإصلاحي للمجرمين والمعالجات اللينة قد مضى عليها عشرات السنين فلم تجد في أكثر المجرمين نفعًا ، بل ومع هذا فالإجرام في تزايد مطرد ، فما كان هذا الهدف إلا وهمًا وسرابًا .

كما أن كثيرًا من أصحاب الجريمة يجعلون من السجن دار استجمام وترفه . إن المجتمع الإنساني المعاصر قد بلغ المجرمون فيه ذروة من الاستهتار والاستباحة والاسترخاص للدماء والأموال والأعراض جعلت العقوبات في التشريعات الوضعية ضعيفة هزيلة بجانب سوء صنائع هؤلاء العتاة المجرمين . أي رحمة أو تهذيب يستحقها هؤلاء القتلة والسفاكون وقطاع الطريق ؟ وهل كانوا رحماء بضحاياهم الأبرياء ؟ وهل كانوا رحماء بالمجتمع كله ؟ بل تطور الأمر كما هو مشاهد إلى تطور المجرمين في وسائلهم فصاروا يشكلون العصابات التي تفوق أحيانًا في إمكاناتها ووسائلها وتجهيزاتها الدول والحكومات ، ولا أدري أي عقاب سوف ينزلـه هؤلاء الرحماء بتجار المخدرات وأصحاب الجرائم الكبرى الذين لا نزال نسمع ازدياد أعمالهم وأخبارهم واستفحال إجرامهم حتى أصبحوا ظاهرين غير متسترين ، بل صاروا يفاوضون الحكومات علنا في كل البلاد التي لا تحكم بشرع الله ؟

وبناء على ما سبق فإن العلم والثقافة والحضارة والمدنية في صورتها الراهنة حينما خلت من العقوبات الرادعة أصبحت عاجزة عن دفع الأخطار عن الإنسان الذي يعيش حياة الخوف والرعب على الأرض وفي الجو والبحر وفي المنزل والمكتب والمصنع والشارع .

[ص-423] ومجرم اليوم كما أسلفت مزود بالعلم والمعرفة ، ويتطور مع تطور أنظمة الشرطة وتجدد أساليب الملاحقة والمتابعة ، ويخطط كما يخطط رجال الأمن ، والكل في صراع لا يفصله إلا العقاب الزاجر العادل .

وأخيرًا فإن هناك العقوبات الجسدية التي يعيبون المملكة بها صارت تطبقها بعض القوانين المعاصرة ، وأبرزها عقوبة الإعدام ، بل هذه العقوبة كانت ملغاة في بعض القوانين ، ثم عادوا إليها ، وفي كتابنا نحن المسلمين عبارة جامعة قاطعة : ( وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ) [ سورة المائدة ، آية : 50 ] ، وقال سبحانه : (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) [ سورة البقرة ، آية : 179 ] . أما عن قتل المرتد :

فإن المملكة العربية السعودية حين تحكم بقتل المرتد ، فإنها لا تفعل ذلك حتى تستكمل الإجراءات النظامية أو الشرعية والقضائية ، فهي تُحَكِّمُ شرع الله في ذلك ، إذ صح عن النبي – صلى الله عليه وسلم – أنه قال : من بدَّل دينه فاقتلوه وهي مع ذلك لا تجبر أحدًا على الإسلام كما قال الله – عز وجل – : ( لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ) [ سورة البقرة ، آية : 256 ] وذلك يعني :

أولًا : أنه لا يجوز للسلطة إجبار أحد على الإسلام ؛ لكنه حين يدين به ويلتزمه ويعلن ذلك يلتزم تبعات التزامه التي منها أنه لو ارتد وجب قتله .

ثانيًا : أن الإنسان لا يقبل منه الدخول في الإسلام حتى يستعد لقبوله ، ويلتزم أركان الإسلام ، ويقتنع فيه ، ويأتي إليه راغبًا لا راهبًا ، جادًا لا هازلًا ، فإذا أسلم الإنسان وخالطت بشاشة الإيمان قلبه فلا يمكن أن يرتد عنه ، ولذا قال هرقل – ملك الروم – لأبي سفيان : وهل يرتد عنه – أي الإسلام – أحد سخطة عليه ؟ فقال : لا . فقال فكذلك الإيمان حين تخالط بشاشته القلوب .

ثالثًا : إن الذي يدخل في الدين بغير نية صادقة والتزام جاد ، فإنه يسيء إلى نفسه ، ثم يسيء [ص-424] إلى الإسلام وأهله جدير بالعقوبة .

وجميع القوانين الدولية تجيز قتل من يعارض المصالح الكبرى للأمة ، أو يتعدى فساده ، مثل من يتجسس عليهم أو يريد إشاعة الفوضى وإظهار الفساد في المجتمع ، كما أن الذي يرتد عن الإسلام كان يعلم قبل إسلامه أن عقوبة المرتد هي القتل ، فلماذا يغامر ويدخل في دين يعلم أن عاقبة الارتداد عنه القتل ؟ إنه حين يفعل ذلك فسيتهم بأنه لم يغامر ويعزم أنه سيرتد إلا لمكيدة سابقة دبرها للإسلام ، أو تم استئجاره لذلك .

رابعًا : ليس في قتل المرتد عن الإسلام انتهاك لحقوق الإنسان ؛ لأنه هو الذي اختار هذا الطريق وعلم المصير الذي يؤول إليه .

خامسًا : أن الخروج عن الإسلام يعتبر خروجًا عن النظام العام ؛ ذلك أن الإسلام دين كامل ، كما يهتم بعلاقة المرء بربه فهو يهتم بعلاقته بغيره من بني جنسه بين الإنسان ومجتمعه وسلطانه ، وبينه وبين أقربائه ، وبينه وبين أعدائه حربًا وسلمًا في شمول منقطع النظير عبادة ومعاملة وجناية وقضاء ، إلى سائر ما تنقسم إليه قوانين الدنيا ، ولذا يجب النظر إلى الإسلام ككل متكامل وليس قاصرًا فقط على علاقة العبد بربه كما يظنه غير المسلمين ، وإذا كان ذلك كذلك فالردة تعني الخروج على النظام العام .

سادسًا : أن في جعل العقوبة في الردة إباحة دم المرتد وقتله زاجرًا لمن يريد الدخول في هذا الدين نفاقًا وإرصادًا ، وباعثًا لـه على التثبت في أمره ، فلا يعتنقه إلا على بصيرة وسلطان بَيِّن ، فلديه تكاليف وشعائر يتعسر الاستمرار عليها من قبل المفسدين أصحاب الضمائر الفاسدة وأصحاب المآرب المدخولة .

سابعًا : للمرء قبل أن يسلم أن يؤمن ويكفر ، فإذا آثر أي ديانة فلا اعتراض عليه ويبقى لـه حق الحياة والعيش بسلام ، فإذا آمن بالإسلام فعليه أن يخلص لـه ويتجاوب معه في أمره ونهيه .

ثامنًا : ليس من الحرية في شيء أن يمكن لشخص من أن يخرج على دين المجتمع وينبذ قواعده ويستهزئ بشعائره ومقدساته ويشاق أبناءه ، فإن ذلك يعد خيانة للدين والوطن .

تاسعًا : أن عقوبة القتل ( الإعدام ) موجودة في كثير من القوانين المعاصرة للمفسدين وأصحاب الجرائم البشعة والكبرى لمهربي المخدرات أو غيرهم لجدواها في القضاء على الجريمة وحماية المجتمع منها ، وإفساد الدين أعظم من الإفساد في بعض مناحي [ص-425] الحياة ، ولم يقل أحد إن تشريع عقوبة الإعدام في حق هؤلاء المفسدين الذين يهربون المخدرات مصادم لحريتهم ، إذ كانوا قد تجاوزوا في حرياتهم حتى سطوا على حريات الآخرين . منع دخول غير المسلمين إلى مكة والمدينة ، ومنع إحداث معابد لغير المسلمين في جزيرة العرب :

وهذا كسابقه حكم شرعي تقتضيه التعاليم الدينية ، ولم تشرعه الدولة السعودية ولا ما يسمونه المذهب ( الوهابي ) فقد نصت الآيات القرآنية والسنة النبوية على هذه الخصوصية .

أما عن منع غير المسلمين دخول مكة والمدينة : فإن الإسلام يحرم على غير المسلمين دخول مكة وكذلك دخول المدينة ، ويعلل ذلك بأن هذا ليس نظامًا مدنيًا شرعه المسلمون ، أو الحاكم ، بل هو تشريع رباني لا خيار للمسلمين فيه .

فما تختص به جزيرة العرب عامة والحرمين خاصة في الإسلام من أحكام شرعية إلهيَّة جعلتها تتميز بها عن غيرها ، حتى إن المسلم نفسه إذا ارتكب في مكة إثمًا فإنه يضاعف عليه العذاب لحرمة المكان ، بل إن المسلم يحرم عليه أن يصيد فيها الصيد أو يقتلع منها النبات البري ، وعليه : فإن منع غير المسلم من دخول مكة والمدينة حكم من أحكام كثيرة شرعت في الإسلام لخصوصية المكان ، بعضها خاص بمكة وبعضها بالمدينة ، وبعضها بهما معًا ، وبعضها يعم جزيرة العرب ، وهي أحكام باقية ولازمة إلى قيام الساعة .

وكذلك بناء المعابد في جزيرة العرب لغير المسلمين غير جائز في الإسلام

تمنع المملكة العربية السعودية بناء المعابد والكنائس على أرضها ؛ لأن الإسلام يحرم بناء معابد لغير المسلمين على أرض الجزيرة العربية ، كما يحرم منح حق المواطنة في جزيرة العرب لغير المسلم .

[ص-426] فالمملكة بحكم مسئوليتها الدينية ، وبحكم سيادتها وبصفتها دولة إسلامية تحكم أرض المقدسات ملتزمة شرعًا بمنع إنشاء المعابد لغير المسلمين في أراضيها ، ومن المعلوم أن المجتمع الدولي في العصر الحديث يتكون من دول ذات سيادة على أراضيها بحدود معترف بها ، وأنه من حق كل دولة أن تطبق أنظمتها ( قوانينها ) داخل حدودها على رعاياها وعلى المقيمين على أراضيها ، وألا يطبق في أراضيها نظام ( قانون ) أجنبي إلا طبقًا لدستورها ونظامها العام ، وأمَّا سريان التزاماتها التعاهدية بموجب مواثيق منظمة الأمم المتحدة وقراراتها التي تتناول حقوق الإنسان على وجه الخصوص فهو مقيد بشرط عدم المساس بنظام الدولة ودينها وأمنها العام ، حسبما ورد في نصوص المواثيق والإعلانات الدولية الخاصة بحقوق الإنسان .

والشريعة الإسلامية لا تمنع حق الإنسان في الاعتقاد وممارسة الشعائر ، ومن ثم فالمملكة العربية السعودية – التي تلتزم بالشريعة الإسلامية في سياستها الداخلية والخارجية – لا تعارض المواثيق الدولية المتعلقة بالمبادئ العامة والخاصة لحقوق الإنسان الأساسية في مجال حرية الاعتقاد وممارسة الشعائر ، وقد يوجد الخلاف حول بعض المفاهيم في مجال تطبيق هذه المبادئ وكيفية تنفيذها ، وعلى الحدود التي ينبغي عدم تعديها في هذا الشأن ، لكن ليس لأحد أن يفرض علينا مفهومًا يُختلف عليه .

فالإسلام لا يبيح أن يقام في الجزيرة العربية أماكن للعبادة غير المساجد ، ولا أن تمارس فيها الشعائر الدينية لغير المسلمين علانية ، لما روى مالك في الموطأ عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال : لا يبقين دينان في جزيرة العرب .

وليس القصد من هذا اتخاذ موقف تمييزي ضد غير المسلمين من معتنقي الديانات الأخرى ؛ لأن هذا التحريم شمل العرب غير المسلمين أيضًا ، كما أن الشرع الإسلامي جعل لبعض مناطق الجزيرة حرمة خاصة فلا يجوز لغير المسلم عربيًا كان أم غير عربي أن يدخل الأماكن المقدسة ( كالحرم المكي ) كما لا يجوز للمسلم نفسه أن يخل بحرمتها ولو بصيد الحيوان أو [ص-427] اقتلاع النبات البري ، فيعد ذلك – إذا حدث – من المسلم إثمًا دينيًا .

وفي ظل هذه الخصوصية الدينية والتاريخية للجزيرة العربية استمر هذا الوضع وسريان أحكامه في المملكة العربية السعودية ، فلم تنشأ فيها معابد أو أماكن عبادة أخرى غير المساجد ولم تمارس فيها الشعائر الدينية علنا لغير المسلمين .

ولذلك أصدرت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بالمملكة العربية السعودية الفتوى ذات الرقم 21413 في 1\4\1421هـ الموافق 3\7\2000م مؤكدة على عدم جواز إقامة معابد لغير المسلمين ولا السماح بإعلان شعائرهم في جزيرة العرب ، وأصدر المجلس الأعلى للدعوة والإغاثة في جلسته المنعقدة بالقاهرة بتاريخ 10\10\2000م برئاسة فضيلة شيخ الأزهر بيانًا تضمن التأكيد الحاسم بأن الجزيرة العربية وقلبها المملكة العربية السعودية هي الحصانة الجغرافية لعقيدة الإسلام ، ولا يجوز شرعًا أن يقوم فيها دينان ، ولا يجوز بحال أن يشهر على أرضها غير دين الإسلام .

كما أصدر المجلس الإسلامي العالمي للدعوة والإغاثة بيانًا في جلسته المنعقدة برئاسة فضيلة شيخ الأزهر في القاهرة بتاريخ العاشر من أكتوبر عام 2000م حول التصريحات الصادرة عن الكردينال ( بيفي ) أسقف ( بولونيا ) وغيره من مسؤولي الكنيسة الكاثوليكية في إيطاليا والفاتيكان ، ضد المسلمين ، التي تطالب ببناء كنائس في السعودية ، وقد تضمن ذاك البيان ما نصه :

« التأكيد الحاسم بأنَّ الجزيرة العربية ، وقلبها المملكة العربية السعودية ، هي الحصانة الجغرافية لعقيدة الإسلام ، لا يجوز شرعًا أن يقوم فيها دينان ، ولا يجوز بحالٍ أن يُشْهَرَ على أرضها غيرُ دين الإسلام ، كما تستنكر هيئة رئاسة المجلس العودةَ إلى المطالبة ببناء كنائس على أرض السعودية بعد أن حُسِمَ هذا الأمرُ سابقًا في حوار مطوَّلٍ مع الفاتيكان عبر اللجنة الإسلامية العالمية للحوار ، واتُفِقَ على إغلاق هذا الملف ، وعدم إثارته ثانيًا » .

وليس هذا راجعا لنظام وضعيٍّ لكنه راجع إلى شرع الله تعالى وسنة رسوله – صلى الله عليه وسلم – ، إذًا فهي خصوصية دينية .

وهذه الخصوصية فرضت على المملكة العربية السعودية التزامات شرعية توجب عليها المحافظة على قدسية المكان فلا يجوز لها أن تأذن لأتباع دين غير الإسلام أن يقيموا فيها معابدهم ، كما يحرم عليها [ص-428] أن تأذن لأتباع الأديان الأخرى أن يقيموا على أراضيها شعائرهم التعبدية بصفة معلنة .

إن هذا الوضع لا خيار للمملكة العربية السعودية فيه ، إذ إنه يستند إلى أصل ديني لا يمكن تجاوزه ، ويعتمد على قاعدة أساسية من قواعد العقيدة الإسلامية ، التي هي شرعة سماوية ، وليست قانونًا وضعيًا قابلًا للتعديل أو التعطيل ، فلا تملك أي سلطة حق التغيير والتعديل فيه ، كما أن ذلك يتناول في الوقت نفسه النظام العام في المملكة العربية السعودية وأمنها الوطني ، وهما يقومان على أساس الشريعة الإسلامية ، وبخاصة أن المملكة العربية السعودية ليس فيها مواطنون غير مسلمين ، أما من سواهم فإن إقامتهم مؤقتة حيث قدموا بإرادتهم ، وطبقًا لعقود عمل تنص على ضرورة التزامهم بأنظمة البلد الذي يعملون فيه ، والمملكة العربية السعودية تضم ملايين من الوافدين ، ومن مختلف الجنسيات ، جاءوا للعمل والتجارة فيها ، وهم يعتنقون أديانًا مختلفة ، فالسماح لكل منهم بممارسة شعائره الدينية علنًا وإقامة كنائس ومعابد ونحوها للعبادة يؤدي إلى فتنة وإخلال بالأمن العام والنظام العام . قضايا المرأة وحقوقها في المملكة العربية السعودية :

المملكة العربية السعودية انطلاقًا من الإسلام الذي تدين به وتحكمه أعطت المرأة حقوقها المشروعة ، ووفرت لمجتمعها المسلم رجالًا ونساءً أسباب العمل بشرع الله الذي يدينون به ، والحجاب لدى المرأة المسلمة في المملكة لم تفرضه الدولة ولا العادات كما يظن الكثيرون ، بل فرضه الدين كما قال سبحانه :( وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) [ سورة النور ، آية : 31 ] وقال سبحانه : (وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا) [ سورة الأحزاب ، آية : 33 ] . [ص-429] إذن فليس الحجاب من التقاليد الخاصة بهذه البلاد ، ولا من التعاليم الوهابية كما يزعمون .

إن النساء في الإسلام هنَّ شقائق الرجال كما أخبر النبي – صلى الله عليه وسلم – والله يقول : ( وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ) [ سورة التوبة ، آية : 71 ] وقال – صلى الله عليه وسلم – : استوصوا بالنساء خيرا .

أما عن تعدد الزوجات :

فالتعدد مما شرعه الله في كتابه فقال سبحانه : ( فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا) [ سورة النساء ، آية : 3 ] . فقد أباح الإسلام التعدد بشروط معينة تضمن العدل وعدم الظلم ليحمي المرأة في شرفها وعرضها وكرامتها وملبسها ومسكنها ، وذلك أعلى في ميزان الدين والعقل والقيم من البغاء الذي يتخذ فيه الرجل المرأة سبيلًا لقضاء شهوته ، ويتخلى عنها بعد ذلك لترتمي في حضن غيره . وقد شرع الإسلام التعدد لأسباب كثيرة منها :

1 – أن من المقرر – سواء عن طريق الملاحظة والإحصاء – أن النساء أكثر من الرجال لما يتعرض لـه الرجال من آفات في أعمالهم ، أو لما يواجهون من الحروب والكوارث ، وإذا كانت النساء أكثر من الرجال فإن التعدد هو السبيل لحفظ كرامتهن وشرفهن .

2 – أن الرجل بحسب الظروف والأوضاع الاجتماعية قد لا يتزوج إلا متأخرًا ، ومن المعلوم أن المرأة تكون راغبة في الزواج وقادرة عليه منذ سن البلوغ ، وبهذا تكون النساء الصالحات للزواج والراغبات فيه أكثر من القادرين والراغبين فيه من الرجال ، فهنا يكون التعدد أصون للمرأة وأحفظ لكرامتها ، ويكون هو السبيل لإشباع حقها الفطري ؛ لئلا تناله من طريق الزنا والفجور الذي يعرضها للضياع والتشرد .

3 – أن العقم قد يعترض المرأة قبل الزواج أو بعده ، وبهذا يفقد الزواج هدفه الأسمى وهو [ص-430] طلب الولد ، والتعدد هو الذي يكفل لهذه الأسرة الاستمرار في الحياة واستقرار الحياة العائلية ، والتمتع بزينة الحياة وهم الأولاد ، وهذا مطلب ديني واجتماعي لـه اعتباره .

4 – أن من النساء من تتعرض للطلاق والترمل والشباب لا يرغبون في الزواج من هؤلاء فمن يكفلهن ويحفظ كرامتهن إلا التعدد ؟

5 – أن استعداد الرجل للعملية الجنسية غالبًا أكثر من استعداد المرأة ، في حين أن المرأة تعترضها فترات تكون غير مهيأة لذلك كالحيض والنفاس ، فكيف ينال الرجل حقه الفطري ؟ إن التعدد هو الذي يحقق للرجل رغبته ؛ لئلا يطلبها من طريق محرم فيجر على نفسه وعلى زوجه شؤم المعصية وما يستتبع ذلك من أمراض .

6 – أن استعداد الرجل ورغبته وقدرته على الإنجاب يمتد إلى سن متأخرة في حين أن هذا السن لدى المرأة أقل منه لدى الرجل ، فكيف يتمكن الرجل من تحقيق رغبته ؟ وليس من سبيل إلا التعدد أو امتهان المرأة بالزنا .

7 – أن الذين يشنعون على الإسلام إباحته التعدد يعيشون العلاقات غير المشروعة ، بل ويدعون إليها ، ويسنون لها القوانين التي تحميها ، قال روجيه جارودي : « لدى المسلمين تعدد منضبط ولدينا [ يعني الغرب ] فوضى تعدد » ، وليس التعدد اعتداء من الرجل على حق المرأة ، بل يجب عليه شرعًا أن يوفيها حقها كاملًا ، وأن يستمتع بما أباحه الله لـه ، وأن يعدل بينها وبين ضرتها ، فإن عجز عن العدل بينهن أو القيام بحقوقهن فلا يجوز لـه التعدد ؛ لأن التعدد شرع لمصلحة الفرد والجماعة ولم يشرع فقط لإشباع شهوة الفرد ، وكما أننا نسمع إلى من يطالب باسم الزوجة الأولى ، فلا بد أن ننظر بعين العطف والشفقة إلى الزوجة الأخرى العوانس والمطلقات والأرامل .

وأخيرًا فإن التعدد لمن استطاع العدل بين الزوجات جائز وليس بواجب .

وكذلك كون نصيب المرأة نصف نصيب الرجل في الميراث :

يقرر الإسلام أن حق المرأة من الميراث نصف حق الرجل كما قال تعالى : ( لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ) [ سورة النساء ، آية : 11 ] وليس هذا من الاعتداء على حقوق المرأة ، وليس هذا يعني أن الإسلام يضع المرأة في المرتبة الثانية في أهميتها وكرامتها . بل هو حكم الله العليم الخبير .

إن نصيب الذكر في الميراث يختلف عن نصيب الأنثى وذلك يرجع لعدة أمور منها :

1 – الميراث من جملة النظام العام في الإسلام فهو خاضع لعموم المسؤوليات والأحكام [ص-431] المناطة بالذكر والأنثى ، وما اختلف فيه من أحكام فهو راجع إلى القاعدة العامة في عدم لزوم اطراد المساواة بين العاملين ؛ لأن لهم من الحقوق بحسب أعمالهم ومسؤولياتهم ، فالرجال وهم جنس واحد ليسوا بمتساوي الدخول والمرتبات لدى الجهات الحكومية أو غيرها في جميع الأنظمة ، وإنما التفاوت راجع إلى طبيعة أعمالهم ومؤهلاتهم وكفاءاتهم ، ولا تقوم الحياة إلا بهذا ، ولا يعتبر هذا مؤثرًا في أصل المساواة .

2 – ليس في جميع الحالات تأخذ الأنثى أقل من نصيب الذكر ، بل في بعض الحالات تأخذ الميراث كاملًا ، وفي بعضها تأخذ نصفه ، إن الحالات التي تأخذ فيها الأنثى الأقل تعتبر حالات معدودة ، وذلك لاختلاف الحقوق الواجبة على كل منهما .

3 – زيادة الذكر في نصيبه راجعة إلى طبيعة التكاليف المناطة به في النظام الإسلامي . فهو المسؤول وحده عن تكاليف الزواج من مهر ومسكن ونفقة ، ومن أجل مزيد إيضاح لهذا النظام لنفرض أن رجلًا مات وخلف ابنًا وبنتًا وكان للابن ضعف نصيب أخته ، ثم أخذ كل منهما نصيبه وتزوجا ، فالابن مطالب بالتكاليف السابقة من المهر والسكن والنفقة مدى الحياة . أما أخته فسوف تأخذ المهر من زوجها حين زواجها ، وكذلك النفقة ، وليست محتاجة إلى شيء من نصيبها لتصرفه في زواجها أو نفقة بيتها .

ثم إن دية قتل الخطأ يتحمل الرجال من العصبة والأقارب مساعدة القاتل في دفعها دون النساء . ومن هذا يتضح ما على الرجال من تكاليف مالية ليست على النساء في نظام الإسلام . من أجل هذا يجب أن نعلم أن الشريعة الإسلامية تختلف عن أنظمة البشر الجائرة التي تحكم كثيرًا من بقاع العالم اليوم ، حيث فيها يتبرأ الأب من ابنته حين تبلغ سن الثامنة عشرة لتخرج باحثة عن لقمة العيش ، وكثيرًا ما يكون ذلك على حساب الشرف ونبيل الأخلاق . أما الفتاة في الإسلام فهي مرعية في كنف أبيها أو من يقوم مقامه شرعًا حتى تتزوج .

3 – الميراث ملحوظ فيه الجانب المادي ، فهو مرتب على نظام الزواج ، فهو كعملية الطرح بعد عملية الجمع لإخراج نتيجة صحيحة . أي أن الزيادة في الميراث ليس تفضيلًا ، ولكنها تعويض مادي بحت .

4 – وقبل ذلك كله هو حكم الله تعالى العليم الخبير الذي تضمن كمال العدل وكمال الحكمة ، وضمان حقوق العباد ومصالحهم الظاهرة والخفية ، العاجلة والآجلة .

زعم بعض الحاسدين والجاهلين ، وبعض وسائل الإعلام المشبوهة أن المملكة حكومة وشعبًا من مصادر ما يسمونه ( الإرهاب والتطرف ) .

وهؤلاء لهم معايير ومقاصد مختلفة وإن اتفقوا على البهتان والزور .

فمنهم من يدخل تطبيق الشريعة والحدود الشرعية ، والنهي عن المنكر بمفهوم الإرهاب والتطرف ، وهذا أمره واضح فإنه بذلك يتهم الإسلام نفسه ، ويعيب المملكة بما هو شرف لها .

ومنهم من يتوهم أو يكذب حين يزعم أن المملكة مصدر ما يسمونه ( الإرهاب والتطرف ) .

والواقع في المملكة يشهد بخلاف ذلك ، فالدولة السعودية كانت ولا تزال تتميز بالطرح المتزن في محاربة التشدد والفساد في الأرض والإرهاب الحقيقي ، والتطرف الحقيقي ، وذلك في كل المجالات والأصعدة في البلد نفسها ، وعلى مستوى دول الخليج ، والدول العربية والإسلامية ، وعلى مستوى العالم دولًا ومنظمات وهيئات .

ومواقف علماء المملكة وفتاويهم كثيرة وجلية في وجوب الاعتدال والوسطية [ص-433] وتوخى الحكمة ، والنهي عن التشدد في الدين ، وعن الفساد في الأرض ، وتحريم الظلم والعُدوان مع المسلم وغير المسلم .

ووسائل الإعلام ، ومناهج التعليم كلها في المملكة تقوم على منهج الحق ، على الاعتدال والرشد والوسطية ، أما ما يصدر من بعض التصرفات الشاذة من بعض الأفراد الذين يغويهم الشيطان وتنحرف بهم سبل الضلالة أو تستغلهم بعض الاتجاهات المشبوهة ، فهذا خلاف المنهج وخلاف الأصل والواقع .

والمملكة لا تزال – حكومة وشعبًا علماء ومسئولين – تنكر هذه الاتجاهات الشاذة وتحذر منها ، وتبذل جهودًا كبيرة للوقاية منها وعلاجها في كل المستويات ، وعلى كل الأصعدة .

هذا والمملكة من منطلق التزامها للإسلام لا تقر المفاهيم الخاطئة للإرهاب والعنف ونحوهما من المصطلحات الحادثة التي تباينت المفاهيم حولها .

وكذلك دفع العدوان والاستعداد لـه حق مشروع ، تقره كل الشرائع والنظم والقيم في العالم ليس إرهابًا ، كما قال الله تعالى : (فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ) [ سورة البقرة ، آية : 194 ] ، وقال :(وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) [ سورة البقرة ، آية : 190 ] .

فالدفاع المشروع للشعوب المظلومة كما يحدث في فلسطين ليس إرهابًا ولا عنفًا في أكثر صوره .

كما أن تطبيق الشريعة الإسلامية ، والحدود الشرعية بالضوابط الشرعية ليس عنفًا ولا إرهابًا .

وكذلك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ليس إرهابًا ولا عنفًا كما يزعم الجاهلون ، إنما هو منهج إصلاحي شرعه الله تعالى يحقق العدل والأمن والفضيلة ، ويحارب الظلم والفساد والرذيلة .

إنني لأعجب ولا ينقضي عجبي حينما أسمع أن هناك من يصغي لأسطورة توهمَّها وأشاعها من لا يعرفون حقيقة المملكة في دينها ودولتها وعلمائها وشعبها وهي أن المملكة تسهم في الدوافع وراء أحداث سبتمبر .

ومع الأسف أن كثيرين من الغرب وغيرهم قد يكون عندهم الاستعداد لتلقي هذه الأسطورة بناء على أساطير سابقة ومفاهيم خاطئة ، وتصورات وهمية حول الإسلام والمسلمين ، وما يسمونه ( الوهابية ) وحول جزيرة العرب ، والبادية .

هذه التصورات والمفاهيم الخاطئة كوَّنت بعد أحداث سبتمبر أوهامًا مؤذية عن المملكة العربية السعودية وأهلها ، بأنها بلد متطرف يوائم الإرهاب وانبعث مع هذه الأوهام أوهام قديمة وأساطير عن ما يسمونه ( الوهابية ) .

وهؤلاء الذين يتهمون المملكة ويتهمون ما يسمونه ( الوهابية ) لو تعاملوا مع الحقائق ، لعلموا أنهم ظلموها وبهتوها بهتانًا كبيرًا .

فإن المملكة أنكرت هذا العمل الشنيع ، وأنكره العلماء الكبار ، وطلاب العلم والمفكرون والمثقفون ، وبيَّنوا أن الإسلام لا يجيز مثل هذا العمل الذي يستهدف أرواح غير المحاربين ، من المسلمين وغير المسلمين .

والمملكة بحكم التزامها لتعاليم الإسلام ، كانت ولا تزال في طليعة الدول التي تحارب الفساد في الأرض والظلم والعدوان على الآخرين ، وكانت ولا تزال من أقوى الدول التي تأخذ بحزم في كف فساد المفسدين وردعهم وإن كانوا من مواطنيها ، بل المشهور أن [ص-436] بعض الدول والمنظمات الدولية تعتب على المملكة منهجها القوي والحازم في تطبيق الحدود ومحاربة الفساد في الأرض في كل مكان .

والواقع شاهد بذلك فماذا بعد الحق إلا الضلال ؟ !

وإن كان هناك من المشاركين من هم من أبناء البلد ، أو كذلك بعض الآراء التي أيَّدت هذا الحدث ، فليس هذا هو الموقف الرسمي ، ولا الموقف الشرعي المعبَّر ، لكنها مواقف وآراء تمثل أصحابها ، وليست على المنهج الشرعي الذي تسير عليه البلاد ولا المجتمع في الجملة .

فالإسلام يحرم الفساد في الأرض ، ويحرم الظلم ، ويحرم قتل غير المقاتلين حتى في حالة الحرب ، وكل ذلك بمقتضى نصوص وقواعد شرعية ، وهذا هو المنطلق الذي تنهجه المملكة .

والواقع أنه لا يستطيع أحد ينشد الحق والإنصاف ، ويتعامل مع الأمور بتجرد وموضوعية إلا أن يعلن أن المملكة – كما أسلفت في الفقرة السابقة – من الدول الرائدة في محاربة الفساد في الأرض ، ومعالجة أسبابه ومظاهره ، وأن علماءها وشعبها يدينون بالإسلام الحق ، الذي يحرم الفساد والبغي والظلم والعدوان والغدر .

وعلى هذا فلا يتهمها أو يتهم شعبها بالعدوانية والتطرف والإرهاب ونحو ذلك إلا جاهل أو مغرض . والله حسبنا ونعم الوكيل .

وتتضمن بعض النتائج والتوصيات :

أولًا : من النتائج :

1 – تبين من خلال استعراض تاريخ الأمة الإسلامية عمومًا وجزيرة العرب ونجد على الخصوص أنها في القرن الثاني عشر الهجري وصلت إلى مرحلة من التدهور والفوضى ، والتخلف والجهل ، وهيمنة البدع وغربة السنة كانت فيها بحاجة ماسة إلى الإصلاح والتجديد ، فجاءت دعوة الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب بقدر الله تعالى تحقيقًا لوعده سبحانه بأنه يبعث لهذه الأمة في كل قرن من يجدد لها دينها ، كما أخبر بذلك النبي – صلى الله عليه وسلم – بقولـه في الحديث : إن الله تعالى يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها .

وقد توافرت في هذه الدعوة وإمامها ونتائجها صفات التجديد وسماته .

2 – كما تبين لنا من خلال عرض سيرة الإمام محمد بن عبد الوهاب ودعوته ، والإمام محمد بن سعود ودولته ، وسير علماء الدعوة ومؤلفاتهم وأقوالهم وأحوالهم والواقع الذي تعيشه الدعوة وأتباعها إلى اليوم أنها تمثل الإسلام والسنة والجماعة ، ونهج السلف الصالح وتعتمد على الكتاب والسنة وآثار السلف .

3 – وأن الناظر في حقيقة الدعوة حين يعرضها على الأصول الشرعية والقواعد العلمية المنهجية والعقلية السَّليمة ، يجد أنها تقوم على أصول الحق والعدل ، وأنها تعني الإسلام جملة وتفصيلًا ، وأنها امتداد طبيعي لسنة النبي – صلى الله عليه وسلم – والخلفاء الراشدين وأئمة الدين السلف الصالح عبر التاريخ .

4 – وأن كل ما أشاعه الخصوم الجاهلون بحقيقة الدعوة وإمامها وأهلها ودولتها من المفتريات والاتهامات والمزاعم لم يثبت منه شيء ( بحمد الله ) أمام التحقيق العلمي ، والبحث [ص-439] المتجرد المنصف وأن واقع الدعوة يكذب ذلك في كل جوانبه ؛ من خلال سير أئمتها وعلمائها ، ودولتها وما يمثلهم ويمثل دعوتهم من الكتب والمؤلفات والرسائل ، والسير والمواقف والأحداث ، وواقعهم الذي يعيشونه ، وسائر أحوالهم ، إلا النادر ، والنادر لا حكم لـه .

5 – أن كثيرين من نقَّاد الدعوة إنما يأخذون عليها زلات بعض علمائها أو تصرفات بعض أتباعها : من الشدة والحدة والجفاء ونحو ذلك ، في حين أنهم لا يجدون ما يطعن في الدعوة من حيث مضامينها وأصولها وغاياتها ومناهجها ؛ لكنهم لا يفرقون . . . وهذا ظلم وجور وتحامل لا يجوز .

نعم توجد لدى بعض المنتسبين للدعوة مظاهر شدة وحدة وجفاء ، وغلظة ، وقلة حكمة وقلة صبر ، وهذا حق يجب الاعتراف به وعلاجه من قبل العلماء والولاة والعقلاء ؛ لأن لهذه المظاهر عوامل نفسية راجعة إلى ضخامة الباطل ، وكثرة البدع والفجور ، وإصرار أهلها عليها ، واستفزاز أهل الباطل لأهل الحق ، ثم قلة العلم والتجربة عند بعض شباب السنة ، والعبرة بالأصل والمنهج وما عليه العلماء المعتبرون والعقلاء ، أما الزغل ، وما يشذ من زلات وتصرفات ومواقف غير لائقة من بعض المنتسبين فهذا مما لا يحسب على المنهج والأصل ، ومما لا يسلم منه دين ولا مبدأ ولا دعوة ولا أمة ولا مجتمع .

6 – وقد تبين أن أثر هذه الدعوة المباركة الإيجابي لا يقتصر على أتباعها وأنْصارها ، بل نجد أنها أثرت في مناهج المخالفين كذلك ، حيث كانت سببًا في تخفيف مظاهر الغلو والابتداع واضمحلال مظاهر الشركيات والشعوذة والدجل ، وزوال كثير من المشاهد والمزارات والقباب ، وتناقص روَّاد هذه المبتدعات ونحوها .

واستطاعت الدعوة أن تجر خصومها إلى الاقتراب من أصول الحق ، والابتعاد عن الشطط بعض الشيء ، كما أنها لفتت نظر كثيرين من أتباع الفرق والطرق إلى أهمية الرجوع إلى الكتاب والسنة ، والارتباط بالدليل الشرعي ، ومحاولة التخلص من المصادر الدخيلة والاستحياء من التعويل على الاستدلالات الباطلة كالكشف والذوق والوجد ، والحكايات ، والرؤى ، والخوارق ، والأقوال المرسلة ، والأحاديث الموضوعة والضعيفة ، إلا القليل من الرؤوس والمتعصبين والمقلدين والمنتفعين ببقاء البدع وشيوعها .

7 – وقد تواترت وتوافرت شهادات معتبرة من جمع كبير من العلماء والمفكرين والأدباء والساسة ، والمؤرخين وغيرهم ، ومن المسلمين وغير المسلمين ، من المنصفين والمحايدين ، كلهم أجمعوا [ص-440] على أن هذه الدعوة المباركة تمثل الإسلام والسنة التي جاء بها النبي – صلى الله عليه وسلم – والسلف الصالح .

وأنها دعوة إصلاحية شاملة ، تدعو إلى الدين الحق الذي جاء به محمد – صلى الله عليه وسلم – وكلهم اتفقوا على أنها حققت نجاحًا عظيمًا في إصلاح أحوال الأمة في الدين والدنيا . في العقيدة والأحكام والشعائر ، وتحقيق العدل والأمن والجماعة .

8 – وأن المناوئين لهذه الدعوة كانت دوافعهم باطلة من الهوى والحسد والخوف على الجاه والسلطان ، والتقليد والعصبية ، أو الجهل بحقيقتها من كثير منهم ، وعدم التثبت مما يشيعه خصومها والجاهلون بحقيقتها عنها .

9 – والدعوة تشهد لها آثارُها إلى اليوم بما حققته للأمة من صحوة ويقظة ومن نهضة كبرى في جميع المجالات ؛ في تصحيح العقيدة والعبادة ، وفي إظهار السنن وشعائر الدين ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد ، وإحياء منهج السلف الصالح وتحكيم شرع الله في جميع شؤون الحياة ، وإقامة دولة مسلمة ومجتمع على السنة في الجملة والذي لا يزال بحمد الله يشهد لـه بالفضل مقارنة بحال الأمة الإسلامية اليوم .

10 – والمملكة العربية السعودية وهي ثمرة من ثمار هذه الدعوة المباركة ، لا تزال بحمد الله كيانًا قائمًا بدولتها ومجتمعها بالإسلام عقيدة ومنهج حياة في سائر شؤونها ، لا سيما في القضاء والحدود ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتعليم وغيره .

فهي – أعني المملكة – واقع يمثل الإسلام والسنة في سائر مناحي الحياة ولا ينكره إلا مكابر أو جاهل ، أو فاقد للموازين الشرعية والعلمية المعتبرة ، أو حاسد يحكم بالهوى ، والهوى يضل ويعمي ويصم .

ولست بذلك أزكي هذه البلاد وأهلها ( حكامًا ومحكومين ) تزكية مطلقة فإني أعلم أن لدينا شيئًا من التقصير ، والتجاوز ، والتفريط ، لكن لا نزال – بحمد الله – مستمسكين بالثوابت والأصول ، والأمن والجماعة واتفاق الراعي مع الرعية في العموم ، ونسأل الله الثبات على الحق ، ولا حول ولا قوة إلا بالله ، والله حسبنا ونعم الوكيل .

11 – هذا في الجملة ، أما أن يكون لبعض المنصفين والمحايدين ونحوهم ملاحظات واستدراكات على الدعوة وأتباعها فهذا مما لا يضر بالأصل ، ولا يضيق به الصدر ، ولا كمال إلا لله تعالى ولا عصمة إلا لرسوله – صلى الله عليه وسلم – .

[ص-441] وأعني بذلك أنه توجد ملاحظات ونصائح ، ومؤاخذات واستدراكات قيمة ومفيدة يجب على علماء الدعوة وأتباعها الإفادة منها ، ورحم الله من أهدى لنا عيوبنا .

وكثيرا ما يأتي نقد مفيد وهادف ليس من الصديق فحسب ، بل أحيانًا من المعادي والمخالف ، فضلًا عن المنصف والمحايد ، فالحق أحق أن يتبع ، أو الاعتراف بالحق فضيلة .

12 – وما يشيعه الحاسدون والجاهلون من أن هذه البلاد بدينها وعقيدتها ومجتمعها ودولتها ، تسهم في بعث الإرهاب والتطرف فهذا بهتان عظيم واتهام يسقط أمام الدليل والبرهان .

أما أن يشذ عن المنهاج القويم أفرادٌ أو طوائف منحرفة فهذا مما لم تسلم منه أمة ولا بلاد ولا ديانة ولا مبدأ .

وإنا على يقين أن ما يحدث من شذوذات إنما وراءها كيد الكائدين وحسد الحاسدين ، وتخطيط الأعداء والمفسدين الذين لا يمتون لديننا ومجتمعنا وبلادنا بصلة مشروعة والله حسبنا ونعم الوكيل .

ثانيًا : توصيات ونصائح .

1 – المراجعة والتقويم :

إن أمور الدعوة في شموليتها على قسمين :

القسم الأول : ما يتعلق بالمضامين والأصول والقطعيات في الدين والمنهج فهذه من الثوابت التي تمثل الإسلام والسنة ، ولا مجال فيها للتنازل والتبديل والتغيير ؛ لأنها تحكمها قاعدة : كل محدثة في الدين بدعة وكل بدعة ضلالة .

والقسم الثاني : وهو ما يتعلق بالأساليب والوسائل والاجتهاديات ، وهي ما يجب على كل من يهمه أمر هذه الدعوة ، ويهمه أمر السنة والإسلام والمسلمين أن يبذل قصارى الجهد المعنوي والمادي لمراجعة الأساليب والوسائل في الدعوة إلى الله ، والإفادة من الوسائل الحديثة – بالضوابط الشرعية – لتقويم الأساليب والوسائل ومراجعتها وتحديثها دراسة وتخطيطًا وتنفيذًا وتمويلًا .

2 – الحماية والحراسة :

لا تزال السنة وأهلها ( والإسلام والمسلمون عمومًا ) يواجهون من التحديات والمخاطر ما تحتاج معه إلى مزيد من الحراسة والحماية ، بالتصدي للشبهات والمفتريات أولًا ، ثم باستدراك ما عرض في التطبيقات للدين والدعوة إليه من نقص وخطأ وخلل وتجاوز من الدول والمجتمعات والأفراد ومن ذلك :

3 – إيجاد آلية فعالة لتثبيت الدين في نفوس الناس وحمايتهم من غوائل الشبهات والصوارف التي تستهدف هدم الدين والتدين في قلوب الناس وعقولهم وأعمالهم وحياتهم من حيث المناهج والوسائل والأساليب ومن ذلك :

4 – الإفادة من الوسائل البحثية والإعلامية المعاصرة في أداء هذا المطلب الجليل المشار إليه في رقم ( 1 ) ، ( 2 ) ، ( 3 ) وما بعد ذلك .

5 – وأقترح لأداء هذه المهام الكبيرة أن تقيم حكومة المملكة العربية السعودية بصفتها الدولة التي حملت هذه الرسالة العظيمة ، وهي موئل السنة ومحضن الإسلام ومقدساته ولما عرف عنها من المسارعة إلى الخير أن تقيم مؤسسة أو مركزًا متكامل المرافق إداريًا وعلميًا وماديًا للقيام بالمهام التي أشرت إليها وما سأشير إلى شيء منها بعد قليل في هذه التوصيات .

أو تسند هذا العمل إلى مؤسسات أُخرى قائمة ، أو تنشأ لهذا الغرض ، وتيسر لها الإجراءات والإمكانات التي تجعلها تؤدي مهامها على أكمل وجه .

6 – وأن تصدر التوجيهات إلى الجامعات والمؤسسات العلمية والإعلامية ومراكز البحوث والدراسات وسائر القطاعات الحكومية والأهلية لخدمة هذا المشروع الكبير الذي تقوم عليه البلاد وكيانها .

وأن يعقد لهذا الغرض المؤتمرات والندوات والحوارات الجادة .

7 – بدا لي من خلال البحث أنه من الضروري إتاحة الفرصة من قبل المملكة لأكبر عدد ممكن من طلاب المنح للدراسة في جامعات المملكة ومعاهدها ومدارسها ، ودروس المشايخ ؛ لأن هذا يسهم إسهامًا كبيرًا في إطلاع عامة المسلمين من كل مكان على واقع الدعوة والسنة وحقيقتها ودولتها ومجتمعها ، وتلقيهم العلوم الشرعية من منهلها الصافي ، وعلى النهج السليم الذي يسهم بفعالية وأصالة في جمع كلمة المسلمين وتوحيد صفوفهم ، ولم شتاتهم وتخفيف مظاهر الفرقة والتنازع ، وجمع الشمل على الحق والسنة .

3 – توصيات لدعاة السنة في كل مكان :

قد لوحظ من خلال نتائج الاستبانات التي سبق عرضها في مبحث سابق من هذا المؤلف ورود عدد من الملاحظات والنصائح والوصايا القيمة التي يجب الأخذ بها واعتبارها ، والتي مفادها :

أن بعض الدعاة والمنتسبين للسنة والدعوة قد يتسمون بشيء من الحدَّة والشدة والجفاء ، والتسرع ونحو ذلك .

ومن المعلوم أن هذه الخصال تنافي ما أمر الله به وشرعه رسوله – صلى الله عليه وسلم – من الرفق ، والتيسير ، والتسديد ، والمقاربة ، وتوخي الحكمة والموعظة الحسنة ، والمجادلة بالتي هي أحسن ، ودرء المفاسد ، والإشفاق على المسلمين والصبر والحلم والأناة .

وأن يكون قصد الداعي : الإصلاح ، والنصيحة ، وهداية الناس ، وأن يكون الداعي على بصيرة وفقه بما يدعو إليه ، وأن يكون قدوة .

وهذه الأمور ليست نتيجة آراء أو تجارب الآخرين بل هي وصية الله تعالى ، ووصية رسوله – صلى الله عليه وسلم – ، وأذكر القارئ في هذه العجالة ببعض النصوص الواردة في هذا الأمر العظيم :

قال الله تعالى : (قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ) [ سورة يوسف ، آية : 108 ] .

وقال : (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) [ سورة النحل ، آية : 125 ] .

وقال : (وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ) [ سورة فصلت ، آية : 33 ] .

وقال : ( وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) [ سورة العنكبوت ، آية : 46 ] .

وقال : ( فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ) [ سورة آل عمران ، آية : 159 ] .

[ص-444] وكان النبي – صلى الله عليه وسلم – رفيقًا حليمًا في دعوته للناس مؤمنهم وكافرهم ، لا يعنف ولا يماري ، وقال – صلى الله عليه وسلم – : ما كان الرفق في شيء إلا زانه ، ولا نزع من شيء إلا شانه .

هذا وأسأل العظيم رب العرش الكريم أن يرينا الحق حقًّا ويرزقنا اتباعه ، ويرينا الباطل باطلًا وأن يرزقنا اجتنابه ، وأن يجمع كلمة المسلمين على الحق والهدى ، وأن يعز الإسلام وينصر المسلمين . وأن يحفظ لنا ديننا وأمننا ، وأن يقينا شر الفتن ، وشر كل عدو وحاسد ، وأن يوفق ولاة أمرنا – وعامة ولاة المسلمين – إلى ما فيه خير الإسلام والمسلمين ، وأن يهدينا وإياهم سواء السبيل .

اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون ، اهدنا لما اختلف فيه من الحق بإذنك ، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم ، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله .

ورضي عن صحابته أجمعين ، وعن التابعين ، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وعنا معهم بفضلك وإحسانك ، وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين .

تم بحمد الله

شملت الاستبانة ( 60 ) شخصًا من ( 34 ) بلدًا من البلاد الإسلامية وغيرها ، وهي : أثيوبيا ، أرتريا ، أفغانستان ، أوزبكستان ، أوغندا ، أندونسيا ، باكستان ، بنين ، البوسنة والهرسك ، تونس ، تشاد ، تايلند ، بوركينا فاسو ، السودان ، السنغال ، غانا ، ساحل العاج ، غينيا كوناكري ، مالي ، الكاميرون ، كينيا ، المغرب ، كونغولي ، سنغافورا ، نيبال ، نيجيريا ، قرقيزيا ، الهند ، الصومال ، طاجكستان ، كازخستان ، اليمن ، سوريا ، ليبيا .

2 – الغالبية التي أسهمت في هذه الاستبانة هم من طلبة الجامعات وحملة الماجستير والدكتوراه .

3 – أكثر الإجابات نقلتها بنصها أو بتصرف يسير ، وبعضها نقلته بمعناه لتفاوت الصياغات والتعابير .

السؤال وجوابه

ملاحظات س1

السؤالماذا تعرف عن دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب أو ( الوهابية ) ؟

الإجابة

وكانت الإجابات تتلخص بما يلي :

1 – أنها توصف باسمها الحقيقي : دعوة محمد بن عبد الوهاب ، لكن هذه التسمية ( الوهابية ) غير صحيحة .

2 – دعوة الكتاب والسنة على فهم السلف الصالح .

3 – سنية سلفية .

4 – دعوة لتجديد الإسلام .

5 – إصلاحية تجديدية .

6 – دعوة التوحيد .

7 – ( الوهابية ) لفظة أطلقت على أتباع إمام الدعوة محمد بن عبد الوهاب من قبل خصومهم .

8 – توافق ما عليه النبي – صلى الله عليه وسلم – .

9 – خرجت من الجزيرة العربية .

10 – تطلق على من تمسك بالكتاب والسنة .

11 – هي دعوة الإسلام والسنة لكنها شوهت .

12 – تطلق ( الوهابية ) على أصحاب اللحى وغير مسبلي الثياب ، ومن يضع يده على صدره في الصلاة ونحو ذلك .

13 – أطلقت ( الوهابية ) على السعوديين .

* الجميع يذكر أنه يعرفها ويختلفون في تعريفها كما في هذا الحقل .

-- أ . د ناصر بن عبد الكريم العقل

المرفقات

المرفقات المرفقات

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*