الأحد , 11 ديسمبر 2016
الرئيسية » المكتبة الرقمية » قضايا الإرهاب والعنف والتطرف في ميزان القرآن والسنة

قضايا الإرهاب والعنف والتطرف في ميزان القرآن والسنة

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي أراد بنا اليسر وجعل التسامح بيننا صيانة لنا من الغلو والتطرف والعنف والصلاة والسلام على خير من دعا إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة وسلك مسلك الوسطية والحنيفية السمحة .

وبعد فمما لا شك فيه أن ظاهرة التطرف واستخدام العنف في المجتمع بمختلف أشكالها وتجلياتها تشكل ظاهرة مرضية تعبر عن اختلال في التقدير واختلاف في التصور والسلوك . إنها مظهر من مظاهر مجانبة الوسطية التي تعد خاصية متميزة نعت الله بها هذه الأمة في قوله تعالى : (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا)(سورة البقرة الآية 143 ) لا وهذه الوسطية هي التي تؤهل هذه الأمة لتقوم بالشهادة على الناس فتقيم بينهم العدل والقسط .

انطلاقا من هذا فإن تشخيص ظاهرة العنف والتطرف والحكم عليها وتقويمها ينبغي أن يتم من خلال منظومة الإسلام العقدية والفكرية والأخلاقية التي ترتكز إلى القرآن الكريم والسنة الشريفة .

وإذا كان ما يعرف اليوم في الأوساط السياسية والإعلامية بالإرهاب والتطرف وما شاكل ذلك من مصطلحات تحمل دلالات وإيحاءات سلبية من صنع الدوائر السياسية والإعلامية الغربية فإن الإسلام له موقف ثابت وصارم في نبذ كل ما يرتبط بلغة العنف من مفاهيم متنوعة كالإرهاب والتطرف .

موقف القرآن والسنة من قضايا الإرهاب والعنف والتطرف والغلو سنحاول بإذن الله في هذا البحث التأصيل لموقف القرآن الكريم والسنة النبوية من الإرهاب والعنف والتطرف والغلو للقوة وللتدمير والإلغاء ، وذلك من خلال تقديم إضاءات واضحة بهذه المصطلحات ثم التأسيس لموقف القرآن والسنة منها ونبذهما التام لكل ما يتعارض مع الفطرة الإنسانية من نزوع إلى أي شكل من أشكال العنف والتطرف ومحو الآخر .

تعريف الإرهاب

لا توجد كلمة أكثر إثارة للجدل واستخداما في مختلف وسائل الإعلام العالمية في السنوات الأخيرة مثل كلمة “إرهاب” . وبالرغم من الاستعمال الواسع النطاق للكلمة فإنه ليس هناك أدنى اتفاق حول التعريف الدقيق والمحدد والمقبول من جميع الدول والجماعات والشعوب لمصطلح “الإرهاب” .

ولذلك لم يعرف مصطلح الإرهاب في معناه الشائع اليوم إلا انطلاقا من إطلاق الغرب لهذا المصطلح في العقود الأخيرة في سياق مبادرته إلى توظيف المصطلحات عن طريق الهيمنة على اللغة الإعلامية ، فهو الذي يصوغ المفاهيم ويسوقها إعلاميا ، ويبادر إلى نعت المسلمين بالإرهاب في سياق منظومة من المفاهيم الهجومية تبدأ بالتشدد إلى التطرف فالتعصب ثم إلى الأصولية فالإرهاب . ويتطرف الغرب أحيانا عندما يصف الإسلام ذاته بأنه يغذي كثيرا من أشكال العنف والإرهاب ، في حين أن نصوصه القرآنية والحديثية صريحة في نبذ كل صور العنف وأشكال الإرهاب بالمفهوم الغربي للإرهاب .

وتعد لفظة “الإرهاب” في استعمالها الحديث المنبثق عن التسويق الغربي للمفهوم كلمة غامضة لم يتم الاتفاق على معنى محدد لها حتى إن هناك مثلا سائرا يقول : إن الإرهابي عند فئة من الناس هو مناضل من أجل الحرية عند فئة أخرى .

وتعرف موسوعة Encarta‎ الإلكترونية “‏Terrorisme‎ الإرهاب” بأنه “استعمال العنف أو التهديد باستعمال العنف من أجل إحداث جو من الذعر بين أناس معينين يستهدف مجموعات إثنية أو دينية أو حكومات أو أحزاباً سياسية أو غيرها” .

أما الدول العربية فقد اعتمدت في وثيقة عرفت بالاتفاقية العربية لمكافحة الإرهاب التعريف الآتي : “كل فعل من أفعال العنف أو التهديد به أيا كانت بواعثه أو أغراضه يقع تنفيذا لمشروع إجرامي فردي أو جماعي ويهدف إلى إلقاء الرعب بين الناس أو ترويعهم في أبنائهم أو تعريض حياتهم وأمنهم للخطر . . . ولا تعد جريمةً حالات الكفاح بمختلف الوسائل بما في ذلك الكفاح المسلح ضد الاحتلال الأجنبي والعدوان من أجل تقرير المصير لمبادئ القانون الدولي” .

فالمقاومة مشروعة إذن ، وبهذا المفهوم استعملت لفظة الإرهاب في القرآن الكريم كما سبق تقريره . فمصطلحات المقاومة والكفاح وردع العدوان كلها تدل على الدفاع عن النفس أو الوطن ، وهذا مشروع في جميع الشرائع والقوانين ، أما إذا خرج الأمر عن المقاومة وصار عدوانا فإن الكلمة عند ذلك تدل على معنى مذموم حسب نوع الإرهاب أو القتل أو الحرب .

دلالات مصطلح الإرهاب في القرآن الكريم

إن مصطلح الإرهاب جاء في القرآن الكريم في دلالات مختلفة لا صلة لها ألبتة بالمفهوم الغربي ، يقول تعالى :( وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ)( سورة الأنفال الآية 60) .

وإذا تأملنا جيدا معنى الإرهاب في الآية نجده يرمي إلى معنى “الردع” فيكون معنى ( تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ)(سورة الأنفال الآية 60) أي تعدون من القوة ما يجعله يخاف من الحرب فيرتدع عن ممارسة العنف الذي قد يدفعكم إلى العنف المضاد .

إنها نوع من المقاومة القبلية أو الدفاع عن النفس والدين عن طريق الوقاية من الاضطرار إلى الرد على العنف بالعنف المضاد على أساس أنه رد طبيعي وتلقائي ومشروع ضد العنف المراد إنشاؤه وتوجيهه ضد المسلمين .

أما اليوم فهناك من (يؤصل) للإرهاب الجاري بقول الله تعالى (تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ)(سورة الأنفال الآية 60 ) وهذا بدون شك ضلال عن المنهج القويم : منهج فهم الآية في سياقها الصحيح ، فهناك نزع للآية من سياقها المنهجي والاستشهاد بها لتسويغ الإرهاب الفاجر على أساس أن القرآن الكريم يدعو إلى العنف والإرهاب .

إن مفهوم (الرهبة العسكرية) أمر معروف ونافذ على مستوى الدول والجيوش النظامية ، بمعنى أن الذي لا يرهب جانبه العسكري يصبح كيانا مستباح الحمى .

وإذا كان معنى الإرهاب وفق المفهوم الغربي ينطوي على عدد من الوقائع والدلالات المغمسة بالتطرف والعنف ونشر الذعر والقتل والسفك في سبيل نشر فكر سياسي أو ديني ، فإن المعاجم العربية لا تعترف بهذا المعنى الذي اختير ليكون ترجمة مجحفة ومربكة .

إن معنى الإرهاب في المفهوم الإسلامي والعربي وكما تعرفه قواميسنا هو تخويف الآخر .

لقد اشتقت كلمة “إرهاب” من الفعل المزيد (أرهب) . ويقال أرهب فلان فلانا أي خوفه وأفزعه ، وهو المعنى نفسه الذي يدل عليه الفعل المضعف (رهب) . أما الفعل المجرد من المادة نفسها وهو (رهب) يرهب رهبة ورهبا ورهبا فيعني خاف ، فيقال : رهب الشيء رهبا ورهبة أي خافه ، أما الفعل المزيد بالتاء وهو (ترهب) فيعني انقطع للعبادة في صومعته ( رهبان النصارى) ، ويشتق منه الراهب والرهبانية . . . إلخ . وكذلك يستعمل الفعل ترهب بمعنى توعد إذا كان متعديا فيقال : ترهب فلانا : أي توعده ، وكذلك تستعمل اللغة العربية صيغة “استفعل” من المادة نفسها فتقول : (استرهب) فلانا أي رهبه .

ويلحظ أن القرآن الكريم لم يستعمل مصطلح “الإرهاب” بهذه الصيغة وإنما اقتصر على استعمال صيغ مختلفة الاشتقاق من المادة اللغوية نفسها بعضها يدل على الإرهاب والخوف والفزع ، وبعضها الآخر يدل على الرهبنة والتعبد .

وهكذا وردت مشتقات المادة (رهب) سبع مرات في مواضع مختلفة في الذكر الحكيم لتدل على معنى الخوف والفزع كما يأتي :

يرهبون : (وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ)(سورة الأعراف الآية 154 ) .

فارهبون :(وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ )( سورة البقرة الآية 40 ) .

( إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ)(سورة النحل الآية 51) .

ترهبون : (تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ)(سورة الأنفال الآية 60 ) .

استرهبوهم : ( وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ )(سورة الأعراف الآية 116) .

رهبة : ( لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ )(سورة الحشر الآية 13) .

رهبا :( وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ )( سورة الأنبياء الآية 90) .

ووردت مشتقات المادة نفسها (رهب) خمس مرات في مواضع مختلفة لتدل على الرهبنة والتعبد (رهبان- رهبانهم – رهبانية) . بينما لم ترد مشتقات مادة ( رهب) كثيرا في الحديث النبوي . ولعل أشهر ما ورد هو لفظ (رهبة) في بعض الأحاديث النبوية منها حديث الدعاء ( وألجأت ظهري إليك رغبة ورهبة إليك ) .

ومما يلحظ أيضا أن القرآن الكريم والحديث النبوي قد اشتملا على بعض المفاهيم التي تتضمن معاني ودلالات الإرهاب والعنف بمعنى استخدام القوة أو التهديد لتحقيق أهداف معينة ، ومن أهمها : القتل والبغي والحرابة والعدوان .

وقد قام النبي صلى الله عليه وسلم بالتطبيق الذكي في الحرب لمفهوم “الإرهاب” وفق المدلول القرآني السابق أي معنى الردع ، فقد أمر عمه العباس في فتح مكة أن يحبس أبا سفيان في شعب” ، وأن يوجه كتائب جنود المسلمين لتمر أمامه كتيبة كتيبة ، وينسب كل كتيبة إلى قبيلتها ، فراح أبو سفيان يسأل عن كل كتيبة فيقال : هؤلاء بنو فلان ، فيقول : ما لي ولبني فلان ، فكان لذلك الاستعراض تأثيره الفاعل في نفسية أبي سفيان على النحو الذي يرهبه ويردعه عن بدء القتال ، وبعد اقتناع أبي سفيان بقوة المسلمين ركب فرسه ودخل على قومه يقول : “يا معشر قريش ، هذا محمد قد جاءكم فيما لا قبل لكم به” . فكان أن فتحت مكة سلميا ولم تزهق أي روح وبذلك تحقق أمر الإعداد المفضي إلى الإرهاب ، أي الردع . وقد أشار القرآن الكريم إلى ذلك ملمحا إلى معنى الردع الذي نتج عنه كف أيدي الكفار عن المسلمين وعدم نشوب الحرب ، قال تعالى : ( وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ)(سورة الفتح الآية 24) .

وانتهى أمر فتح مكة بتطبيق النبي صلى الله عليه وسلم للمفهوم السلمي الحضاري عندما خاطب قريشا بقوله : اذهبوا فأنتم الطلقاء ، فلم يمارس حقه الطبيعي في ممارسة العنف المضاد والمشروع أي العقاب بالمثل : ( وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ )(سورة النحل الآية 126)

العنف

العنف مفهوم سلبي يرمي إلى انتزاع المطالب بالقوة وإكراه الآخر على التنازل عنها أو الاعتراف بها بوسائط يتكبد خسائر من جراء استعمالها . وهو أسلوب مرفوض في الأديان والقيم الإنسانية والحضارية ، لأنه يحول القوة الفكرية والمادية والمعنوية والروحية من طاقة ضرورية للإنسان لبناء ذاته ومجتمعه وحضارته إلى طاقة تدميرية وقوة سلبية .

ولا بد من التمييز بين نوعين من العنف : العنف المادي والعنف الرمزي ، فالأول يلحق الضرر بالموضوع ( الذي يمارس عليه العنف ) سواء كان في البدن أو في الحقوق ، أو في المصالح أو في الأمن وغير ذلك . أما العنف الرمزي فيلحق ذلك الضرر بالموضوع على المستوى النفسي بأن يكون في الشعور الذاتي بالأمن والطمأنينة والكرامة والاعتبار والتوازن . . . إلخ ولا يقل الثاني عن الأول في فداحة العواقب ، وهو وإن لم يكن يمس حق الحياة لدى الفرد والجماعة – كما هو شأن العنف المادي أحيانا – إلا أنه يصيب المعرض له في ما قد يكون مقدسا لديه ، بل قد يكون هذا الضرب من العنف مرحلة نحو ممارسة العنف المادي .

بيد أن هذا التعريف للعنف يحتاج إلى مراقبة احترازية ضرورية ، ويرتبط الأمر بالحاجة إلى التمييز بين العنف المشروع والعنف غير المشروع .

فالعنف المشروع يهدف إلى استعمال القوة لانتزاع الحقوق أو إقرارها على النحو الذي يرفع الظلم والجور ، ومن ذلك مقاومة الاستعمار واستعمال القوة لطرد المحتل واستعادة الأرض والسيادة ، أو استعمال العنف لردع الظلم الاجتماعي وكف أساليبه المسلطة على الشعب عندما يتعذر تحصيل الحقوق بشكل سلمي ، أما العنف غير المشروع – وهو الذي يهمنا – فهو كل استعمال للقوة للمطالبة أو الاحتفاظ بحق مزعوم أو لانتزاع حق قابل لأن ينتزع بدون استعمال العنف . وأول حالة عنف حصلت في تاريخ البشرية كما يسجلها القرآن الكريم أدت إلى إزهاق الروح الإنسانية المقدسة هي قتل قابيل أحد أبناء آدم عليه السلام لأخيه هابيل ، وقد حكى القرآن الكريم هذه الواقعة في سياقات مختلفة ليبين أهمية الحدث في فهم ظاهرة العنف ، كما ركز على وصف حالة قابيل المتردية نفسيا وروحيا بعد أن لجأ إلى استعمال العنف ضد أخيه فقال تعالى : ( فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ *مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا)(سورة المائدة الآية 31-32) .

والقرآن الكريم في هذا السياق يتكلم عن العنف المستعمل بطريقة سلبية ويدينه إدانة شديدة ويتكلم عن مآلاته وعواقبه الوخيمة مثل إزهاق الأرواح والنفوس أو إلحاق الأذى بالناس أو الإفساد في الأرض . وإذا كان مصطلح “العنف” لا ورود له في القرآن فإننا في المقابل نجد أن بعض الأحاديث النبوية تتحدث عن هذا المصطلح في سياق الدعوة إلى نبذه والتحذير منه ، ففي الحديث : إن الله – عز وجل – لم يبعثني معنفا . وفي الحديث أيضا : إن الله يعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف .

وروى البخاري في صحيحه من حديث عائشة قصة اليهود لما قالوا : السام عليكم وردت عليهم باللعنة فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” مهلا يا عائشة ، عليك بالرفق وإياك والعنف والفحش .

مصطلحات التطرف

التطرف في اللغة معناه الوقوف في الطرف بعيدا عن الوسط ، وأصله في الحسيات كالتطرف في الجلوس أو الوقوف أو المشي ، ثم انتقل إلى المعنويات كالتطرف في الدين أو الفكر أو السلوك . إن التطرف في جميع الأحوال ظاهرة مرضية تعبر عن حالة غضب واحتقان ، وهو مؤشر على وجود خلل ما في النفس الإنسانية أو في الظروف التي تحيط بتلك النفس ، والإنسان السوي بطبيعته يرفض التطرف ويضيق بالعنف لأن الفطرة السليمة تأبى ذلك وتنفر منه .

وإذا كان مصطلح التطرف لم يرد لا في القرآن الكريم ولا في السنة النبوية ، فقد وردت مصطلحات مرادفة له تحمل الدلالة نفسها وترمي إلى المفهوم نفسه ، ويظهر أن مصطلح “الغلو” هو أكثر تلك المصطلحات تعبيرا عن معنى التطرف كما أنه أكثر ورودا في النصوص الشرعية وخاصة في السنة النبوية . ولما كان التطرف بعيدا عن الوسط ونقيضا له ، فإن القرآن الكريم نص على خاصية الوسطية لكونها إحدى الخصائص العامة للإسلام وأبرز المعالم الأساسية التي ميز الله – تعالى – بها أمة الإسلام عن غيرها ، قال تعالى : (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ)(سورة البقرة الآية 143 ) فالأمة الإسلامية أمة العدل والاعتدال التي تشهد في الدنيا والآخرة على كل انحراف يمينا أو شمالا عن خط الوسط المستقيم . بيد أن القرآن الكريم والسنة النبوية تحدثا عن التطرف ضمن مصطلحات وعناوين مختلفة منها : التنطع والتشديد والتعسير والغلو في الدين وغيرها . ا – التنطع

مأخوذ من النّطع ، وهو الغار الأعلى من الفم ، ثم استعمل في كل تعمق قولا أو فعلا وهو بمعنى مجاوزة الحد والخروج عن حد الوسط . وقد جاء في صحيح مسلم عن ابن مسعود – رضي الله عنه – أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : هلك المتنطعون . قالها ثلاثا . قال النووي في شرحه للحديث : ” أي المتعمقون المجاوزون الحدود في أقوالهم وأفعالهم ” .

والملاحظ أن النبي صلى الله عليه وسلم قد استعمل هنا لفظة ” الهلاك” كما استعملها في حديث النهي عن الغلو إشارة إلى عاقبة الغلاة والمتنطعين في أمور الدين وكفى بهذا زجرا وترهيبا ، ومنه حديث عمر رضي الله عنه : ” لن تزالوا بخير ما عجلتم الفطر ولم تنطعوا تنطع أهل العراق” . أي تتكلفوا في القول والعمل . وقد يكون التنطع بمعنى التعنت في السؤال عن عويص المسائل التي يندر وقوعها حتى يفضى بالمسؤول إلى الجواب بالمنع بعد أن يفتى بالإذن ، وقد نبه القرآن الكريم على هذا الأمر ، فقال تعالى : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ)(سورة المائدة الآية 101) .

فالنصوص القرآنية والحديثية السابقة تهدف جميعها إلى اتباع منهج التسهيل والتخفيف والبعد عن التعمق والتدقيق في فروع المسائل والقضايا حتى لا يتم تجاوز اليسر إلى العسر والخروج من السعة إلى الحرج الذي نهى الله عنه في قوله تعالى : (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ)(سورة الحج الآية 78 ) .

ومما لا ريب فيه أن سلوك مسلك التنطع والتعمق يدفع إلى التشديد في الأمور الصغيرة والضيق بكل مخالف فيها عكس ما تجلبه السماحة واليسر من أسباب الوفاق والوئام .

ب – التشديد

وهو النزوع إلى ما يناقض التخفيف والتيسير ، وقد روى أبو يعلى في مسنده عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول : لا تشددوا على أنفسكم فيشدد عليكم ، فإن قوما شددوا على أنفسهم فشدد عليهم ، فتلك بقاياهم في الصوامع والديارات :( وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ )( سورة الحديد الآية 27) .

وفي حديث أبي هريرة في صحيح البخاري : لن يشاد الدين أحد إلا غلبه وقد أنكر القرآن الكريم على أصحاب نزعة التشديد والتضييق على النفس في تحريم الطيبات والزينة التي أخرج الله لعباده ، فقال تعالى : ( يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ * قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ)(سورة الأعراف الآية 31-32) وجاء في سورة المائدة : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ)(سورة المائدة الآية 87 ) .

وفي السنة النبوية الشريفة نجد أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد قاوم كل اتجاه ينزع إلى التشديد ويميل إلى الغلو في التدين ، وقد أنكر عليه الصلاة والسلام على من بالغ من أصحابه في التقشف والتعبد مبالغة تخرجه عن حد الاعتدال والتوسط الذي هو منهج الإسلام القويم ، ففي الصحيح عن عائشة رضي الله عنها أن ناسا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم سألوا أزواج النبي صلى الله عليه وسلم عن عمله في السر فكأنهم تقالوها ( أي عدوها قليلة) فقال بعضهم : لا آكل اللحم . . وقال بعضهم : لا أتزوج النساء ، وقال بعضهم الآخر : لا أنام على فراش ، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال : “ما بال قوم يقول أحدهم كذا وكذا ، لكني أصوم وأفطر وأنام وأقوم وآكل اللحم وأتزوج النساء ، فمن رغب عن سنتي فليس مني . فإذا كان بعض الصحابة قد بالغ في العبادة وتشدد في الإعراض عن الدنيا فإن التوحيه النبوي واضح في التنبيه والتحذير من عدم التوازن والاعتدال في فهم الدين وتطبيقه ، والغلو في معاملة النفس والأهل والناس .

ج – التعسير

ومعناه جعل الأمر اليسير عسيرا والسهل صعبا ، قال تعالى : (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ)(سورة البقرة الآية 185 ) وجاءت الوصية النبوية العامة موجهة نحو التسديد والمقاربة وعدم مغالبة الدين فقال صلى الله عليه وسلم : إن الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه ، فسددوا وقاربوا وأبشروا . . ” أي الزموا السداد وهو الصواب بلا إفراط ولا تفريط وإذا لم تستطيعوا الأخذ بالأكمل فاعملوا بما يقرب منه .

الغلو في الدين

الغلو أو المغالاة هو الزيادة والمبالغة والمغالاة في التدين هو التشدد والتصلب في مجاوزة الحد المطلوب والمقدر شرعا ، ذلك أن الله تعالى أنزل الدين وحدد فيه الوسائل والغايات وتعبد الناس بالوسائل كما تعبدهم بالغايات وبين لهم طريق العبادة وكيفية الأداء ومنهج السلوك في التعامل والتشريع ، ونصت الشريعة على أن أفضل وسيلة لعبادة الله تعالى هي الكيفية التي أمر الله تعالى بها وشرعها لعباده لتحقيق مصالحهم في الدنيا والآخرة ، فالخروج عن هذه الكيفية انحراف عن الدين ، والمغالاة في التدين حياد عن جادة الصواب ومجاوزة للحد الذي قدره الشارع الحكيم .

وقد جاء في النهي عن الغلو حديث ابن عباس (ضمنا) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إياكم والغلو في الدين فإنما هلك من قبلكم بالغلو في الدين .

والمراد بمن قبلنا أهل الأديان السابقة وخاصة أهل الكتاب وعلى الأخص النصارى وقد خاطبهم القرآن بقوله : (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ)(سورة المائدة الآية 77 ) وقوله تعالى : ( يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ)(سورة النساء الآية 171) .

والقصد من هذه الآيات أن يبين القرآن الكريم للناس جميعا العقيدة الصحيحة وأن يكشف العاقبة الوخيمة للغلو في الاعتقاد ، كما أراد القرآن الكريم أن يحذرنا من السقوط في هذه الشباك وأن نحرص على تصحيح عقيدتنا باستمرار في ضوء القرآن والسنة دون خبط في الدين أو إفراط فيه أو تفريط .

إن من وسائل الغلو في الأحكام أن يتشدد الإنسان في تطبيقها وأن يلتزم جانب الشدة والقسوة في عبادته وسلوكه ، ويزيد فيها على ما بينه الشرع الحكيم ، ويخترع وسائل جديدة للعبادة لم يرد لها أصل في كتاب ولا سنة .

كما أن من وسائل الغلو أيضا أن يتوهم الإنسان أنه وحده على الصراط المستقيم وأن غيره من الناس ليسوا على شيء ، فتراه يُكَفِّرُ وَيُفَسق ويحكم على المؤسسات الحكومية وغيرها بالظلم والجور وعدم الحكم بما أنزل الله ، فيلتجئ عندئذ إلى الطعن والتضليل وسوء الظن بالناس والإعجاب بالنفس ، هذا مع حداثة السن وسفاهة الحلم وقلة الفهم مصداقا لقوله صلى الله عليه وسلم : سيخرج في آخر الزمان قوم أحداث الأسنان سفهاء الأحلام قال الحافظ ابن حجر : “أحداث الأسنان ، المراد أنهم شباب ، ومعنى سفهاء الأحلام أن عقولهم رديئة . قال النووي : إن التثبت وقوة البصيرة تكون عند كمال السن وكثرة التجارب وقوة العقل” .

ومما يلاحظ أن كثيرا من الشباب المتحمس الذي يندفع نحو الغلو والتشدد في كل شيء لا يصبر ولا يطيق ذلك التغالي والمبالغة ، فيتراجع وينقص أمر تدينه وسلوكه ، وهذا ما حذر منه الرسول صلى الله عليه وسلم في قوله : إن هذا الدين متين فأوغلوا فيه برفق ، إن المُنبَتَّ لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى .

وهناك أحاديث كثيرة حذر فيها الرسول صلى الله عليه وسلم من الغلو في العبادة أو التشدد في أدائها ومنع من التطرف في العمل بالأحكام أو الخروج عن حدودها .

 

نبذ العنف والقوة السلبية في القرآن والسنة قضايا ومواقف جاء القرآن الكريم والسنة النبوية بتشريعات حكيمة تمنع مسببات الخصومات والصراعات ، وبضوابط هادفة تحول دون اللجوء إلى الثأر لكونه أسلوبا فوضويا في الانتصاف واسترجاع الحق ، وتؤصل هذه التشريعات والضوابط أيضا للقصاص والحدود وسيلة حضارية عن طريق دعم مؤسسة القضاء والفصل في الخصومات من أجل إشفاء غليل الإنسان المظلوم بكل واقعية دون لجوئه إلى استخدام العنف .

لا مجال لاستعمال القوة إلا بالحق

إن المتأمل في القرآن الكريم والسنة النبوية يتبين له أن هنالك إشارات قوية تدعو إلى نبذ العنف واستعمال القوة بالمفهوم السلبي إلا في حالة الوقوع تحت ظلم الآخر أو عدوانه ، كما أنه لا إكراه على الدخول في الإسلام بالقوة ولا قتل للنفس التي حرم الله إلا بالحق .

الانتصاف من القوة بالقوة

أمر الله – عز وجل – المسلمين بأن يحجموا عن استعمال القوة إلا في حالة وقوعهم تحت ظلم الآخر واحتاجوا إلى الانتصاف من قوة الآخر المسلطة عليهم بالقوة ، وهذا الخيار الذي لا يلجأ إليه المسلم إلا بعد أن يقهر عليه يضبطه القرآن في مستوى المعاملة المثلية ، أي ضرورة استعمال القوة من أجل إلغاء حالة القوة المفروضة حتى ترجع إلى حالة التوازن . ولذلك يقول تعالى :( وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ)( سورة النحل الآية 126) .

وعندما نستعرض سبب نزول الآية نجده يوضح لنا أكثر منهج القرآن في ضبط النفس وعدم استعمال القوة إلا في حالة الضرورة ، فقد ورد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غضب لمقتل عمه حمزة الذي اغتيل بطريقة غادرة فبكى وحزن لموته وقال في غضب : والله لأقتلن بك سبعين منهم ، لكنه صلى الله عليه وسلم لم ينفذ ما أوعد به ولم يتركه الوحي الإلهي يفعل ذلك ولكنه جاء ليؤصل ويقعد في القتال منهج وقاعدة ضبط القوة :(وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ)( سورة النحل الآية 126 ) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : بل نصبر يا رب فبين القرآن بذلك أن هناك طريقين فقط ، إما المعاملة بالمثل دون تجاوز الحد أو الصبر ، لكن اللجوء إلى الطريق الثاني الذي هو الصبر يبدو مفضلا ومختارا .

أما عندما لا تكون هناك ضرورة لاستعمال القوة فإن الإسلام يمنع اللجوء إلى العنف وتوظيف القوة بأي وجه من الوجوه ، ولو كان الأمر متعلقا بمجال الدعوة إلى الدخول في الإسلام :( لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ)( سورة البقرة الآية 256) فالقرآن يدعو إلى الإيمان الذي يقوم على النظر والتأمل والاختيار بدون إرغام أو اضطهاد أو تخويف ، فالحرية الدينية في منظور الإسلام تنطلق من كون الدين عقيدة وإيماناً ، وهو الإيمان الذي يقوم على الاقتناع وميل النفس واطمئنانها ، لأنه استسلام وانقياد لله عز وجل .

إن العنصر العميق والحقيقي في الإنسان لا يدخل أبدا في مناط الإجبار أو الإكراه ، لذلك يلغي الإسلام من الناحية المنهجية كما من الناحية التصويرية أي وسيلة لإكراه الآخر لأن مجال المعالجة غير قابل للإكراه ، لهذا نراه يجعل النية هي مناط المحاسبة إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى ، أي أن النية هي المنطقة المحررة من الإكراه التي لا يمكن أن نستدعي إليها العنف المادي فهي محرمة عليه ، وبما أنها كذلك فإنها لا تمارس اعتناقا أو اعتقادا إلا بإرادتها ، ولهذا يراها الإسلام مجال المحاسبة الحقيقي ، حتى العقيدة التي هي أقدس ما عند المسلم ، إذا أكره على النطق بما يخالفها فلا مجال للمحاسبة ، كما قال تعالى في واقعة تعذيب عمار بن ياسر : (إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ)(سورة النحل الآية 106 ) .

هكذا إذن يتأسس موقف الإسلام من إعمال القوة سلبا ( العنف) بحيث يرفض ذلك انطلاقا من إدراكه للأسس الفطرية للإنسان .

النهي عن قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق

من التشريعات القرآنية والنبوية القائمة على نبذ استعمال العنف تجاه الآخر وتعزيز ميزان الأخوة بين المسلمين والتعايش بينهم وبين غيرهم النهي عن الاعتداء على الأرواح سواء بالترويع أو بالقتل وسفك الدماء .

فالإسلام يحمي النفس الإنسانية أيا كانت عقيدتها أو جنسيتها أو عرقها إلا في حالة العدوان ، ويعد قتل الفرد جريمة تعادل في بشاعتها قتل أبناء الإنسانية كلها ، قال تعالى : (مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا)(سورة المائدة الآية 32 ) والإسلام بما تضمنه ورمى إليه من أحكام وتشريعات وما أمر به في مجال القصاص وتطبيق أحكام الحدود حمى الإنسان من العدوان عليه واستعمال العنف المؤدي إلى القتل ، قال تعالى :( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى)( سورة البقرة الآية 178) والقصاص إنما يوقع بشروط شرعية مضبوطة تضمن حق المجتمع وحق الفرد وتحمي الآمنين من شرور القتل والفتك والغدر .

وقد بلغ الإسلام في نهيه عن الاعتداء على النفوس إلى حد النهي عن مجرد ترويع وتخويف المسلم المؤمن وجعله غير آمن في سربه غير مطمئن على روحه ، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم : لا يحل لمسلم أن يروع مسلما وفي حديث آخر : من أشار على أخيه بحديدة لعنته الملائكة . فكل هذا النهي يدل دلالة قاطعة على وجوب الحد من انتقال الأمور إلى العنف ولو كان بطريقة غير مباشرة ، فالإعانة على قتل المؤمن ولو بكلمة أو إشارة تعد إثما كبيرا ، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم أيضا : من أعان على قتل مومن بشطر كلمة لقي ربه مكتوبا بين عينيه آيس من رحمة الله .

تصحيح مفهوم الجهاد

إن الجهاد في الإسلام بمعنى القتال لا يكون إلا عند الضرورة ، ذلك أن الإسلام يعد الحرب جريمة وخرقا للسلام لا يقبلها إلا إذا كانت لها دواع مشروعة ، ولا شك أن أول آية شرعت الجهاد ربطته برد الظلم والعدوان ، قال تعالى : (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ * الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ)(سورة الحج الآية 39 ) ومعنى الآية الكريمة مقدر فيه محذوف هو القتال أي أذن القتال ، وهذا ما يؤكده عز وجل في قوله : ( كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ)(سورة البقرة الآية 216) .

ويستشف من هذه الآية في إعلان واضح ومبدئي أن القرآن صريح في بيان كون الفطرة الإنسانية تنبذ العنف وتكره استعمال القوة أو الإفراط في هذا الاستعمال ، إنها فطرة مسالمة سلمية ، ومعنى هذا أن التأسيس لحكم شرعي بالمسالمة وتجنب العنف يستند على فطرة كراهية القتال مما يقوم دليلا واضحا على أن القتال حالة استثنائية في الإسلام .

إن الإذن بالقتال نزل في سياق الدفاع والاقتصاص ، وهذا هو الشرط الوحيد والظرف الاستثنائي الذي يجيز فيه الإسلام استعمال القوة ، فهو يجيزها لمواجهة القوة ، إنه استعمال أسلوب الردع لمواجهة الاعتداء ، مما يعني أن استعمال القوة في الجهاد حالة اضطرارية تتوقف فور توقف دواعيها ، قال تعالى : سورة الأنفال الآية 61 وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وجواب الشرط هنا بالفاء الملزمة بالفور والسرعة والعجلة ، فبمجرد ما يكف العدو عن الاعتداء على المسلم أن يتوقف فورا عن عملية رد هذا الاعتداء ، فهذا عهد سلم لكف الأذى المتبادل يأمر القرآن بتبنيه .

وقد اتفق فقهاء المسلمين على أن الجهاد بالمعنى الاصطلاحي الفقهي لا يكون إلا ضد الكفار الذين لا تربطهم بالمسلمين معاهدات ولا يعيشون بين المسلمين بعلاقات الذمة .

أقسام الكفار

وهؤلاء الكفار على قسمين :

ا – أهل الكتاب ، إذ لا سبيل إلى إعلان الجهاد عليهم طالما أن هناك معاهدات دولية تربطنا بهم ولم يقدموا على غزو بلادنا .

ب- المشركون ، ويقصد بهم : من يعبدون غير الله كالأصنام والنار والكواكب وغيرها ، هؤلاء بيننا وبينهم فواصل كثيرة ونرتبط ببعضهم بمعاهدات ومواثيق تمنع قيام حرب جهادية ضدهم .

وأما المسلمون وهم كل من شهد الشهادتين ولم ينكروا ضروريا من ضروريات الدين ، فإن هؤلاء جميعا مسلمون وهم جزء من الأمة الإسلامية بالمعنى السياسي الاجتماعي .

ولا يشرع الجهاد – بالمعنى المصطلح عليه – ضد المسلمين بأي وجه من الوجوه .

أما الأجانب غير المسلمين الموجودون في البلاد الإسلامية بإجازات دخول وإقامة عمل من قبل حكومات البلاد الإسلامية فإنه ينطبق عليهم ما ذكره الفقهاء جميعا وأجمعت عليه المذاهب الإسلامية من كونهم ( أهل العهد وأهل الأمان وأهل الذمة) ، وهم ليسوا بهذا الاعتبار موضوعا للجهاد قطعا وإنما ينبغي شرعا حمايتهم وحفظ أنفسهم وأموالهم وأعراضهم من كل أشكال العنف ضدهم أو الاعتداء عليهم .

من جهة أخرى فإن القرآن الكريم عندما يتحدث عن ضبط العلاقات مع الآخر يحددها تحديدا عمليا قائما على محدد واحد وهو درجة استعماله للعنف ، قال تعالى : ( لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ) .

بل حتى في حالة القتال كحالة اضطرارية فإن الإسلام يضبط الأخلاق المصاحبة له ويشدد عليها مثل النهي عن قتل النساء أو الأطفال أو الشيوخ أو الأسرى ومراعاة البيئة .

وعدم التشهير والتنكيل بجثث القتلى ، فالمسلمون مأمورون بالإحسان حتى في حالة الاضطرار إلى القتال ، ومأمورون بالرفق حتى في حالة استعمال القوة .

هكذا نرى إذن أن النصوص الشرعية تتحدث عن القوة والحرب والجهاد بوصفها كرها لنا وحالات استثنائية ودفاعية واضطرارية ، وهو يقيدها بكل الاحتياطات والضوابط الإنسانية المشروعة .

لا عنف تحت راية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قطب عظيم في الأديان ، وقد بعث الله به النبيين ، ولو طوي بساطه في أي عصر لاضمحلت الديانة وظهر الفساد ولخربت البلاد ولفتن العباد ، ولذلك بلغت النصوص التي أوجبت الأمر بالمعروف [ص-21] والنهي عن المنكر مبلغ القطع ، ومن ذلك قوله تعالى :(كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ)( سورة آل عمران الآية 110 ) وقوله عز وجل : ( وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)(سورة آل عمران الآية 104) .

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان وعن حذيفة بن اليمان أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابا من عنده فلا يستجيب لكم .

استنادا إلى هذه النصوص القطعية وغيرها فإن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مبدأ لا يماري فيه مؤمن ، لكن من حيث فهم المبدأ أو تطبيقه فإن الاستدراك أو التصحيح ينبغي أن يكون خاصة وأن كثيرا من أعمال العنف والإرهاب والتطرف التي يمارسها بعض من ينتسبون إلى الإسلام إنما ترتكب تحت مظلة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فسوغ العنف الدامي بمسوغ الأمر والنهي ، وقديما مارس الخوارج والمعتزلة العنف باسم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في حين أن كلتا الطائفتين قد شردتا عن هدي المنهج في الأمر والنهي ، فأي أمر هذا الذي يؤدي إلى سفك الدماء المعصومة ، وأي نهي هذا الذي يؤدي إلى منكر أشد وأغلظ .

ولما كانت هذه قضية دقيقة شائكة فإن علماء الإسلام سدا للذرائع ومنعا للفتنة ضبطوا الأمر بضوابط محددة ، ووزنوا الأحكام المتعلقة بالموضوع بميزان المنهج الحق حتى لا تزل قدم بعد ثبوتها ، ولئلا تقع فتنة باسم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر . يقول ابن تيمية رحمه الله : “إذا كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أعظم الواجبات والمستحبات ، فالواجبات والمستحبات لا بد أن تكون المصلحة فيها راجحة على المفسدة ، إذ بهذا بعثت الرسل ونزلت الكتب والله لا يحب الفساد . . ولهذا قيل : ليكن أمرك بالمعروف ونهيك عن المنكر غير منكر ، فحيث كانت مفسدة الأمر والنهي [ص-22] أعظم من مصلحته لم تكن مما أمر الله به . . ” وإنه بتتبع مواقف كثيرة في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم يتبين لنا بوضوح وجلاء كيف كان المنهج النبوي في استعمال اللين والرفق والتسامح في الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر درءا للمفاسد وجلبا للمصالح .

فعن أبي موسى الأشعري قال : ‎ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا بعث أحدا من أصحابه في بعض أمره قال : “بشروا ولا تنفروا ويسروا ولا تعسروا وقال صلى الله عليه وسلم : ما كان الرفق في شيء إلا زانه ولا كان العنف في شيء إلا شانه ، وقال : إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله ويعطي عليه ما لا يعطي على العنف . وجاء في الأثر عن بعض السلف قوله : ” لا يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر إلا من كان فقيها فيما يأمر به ، فقيها فيما ينهى عنه ، رفيقا فيما يأمر به ، رفيقا فيما ينهى عنه ، حليما فيما يأمر به ، حليما فيما ينهى عنه” .

لذلك كان لا بد من هذه الأركان الثلاثة : العلم والرفق والصبر ، العلم قبل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، والرفق معه ، والصبر بعده وهذه الأركان ثلاثتها تتنافى واستعمال العنف والشدة والتطرف في توظيف مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وتدل بالمقابل على مظاهر السماحة واليسر وعدم العنف .

وسطية الإسلام منافاة للتطرف ومجافاة للغلو في الدين

[ص-23] لا شك أن الإسلام نظام اجتماعي متكامل ، ينظم علاقة الإنسان بربه وعلاقة الإنسان بالكون وعلاقة الإنسان بالآخر ، تقوم في أساس بنائه العقيدة ، وتتولى الشريعة التنظيم على مختلف المستويات ، ويطبع كل ذلك مبدأ الوسطية بتوازن داخلي وسلوكي ناتج عن توازن السنن ، قال تعالى : (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا )(سورة البقرة الآية 143 ) .

إن الوسطية الإسلامية عدل وتوازن ، يقابل من جهة بتطرف المغالاة ، ومن جهة ثانية بتطرف الانحلال ، وكلا التطرفين مدان في الإسلام . ومن معاني الوسطية التي وصفت بها الأمة في الآية الكريمة معنى العدل ، وتفسير الوسط في الآية بالعدل مروي عن النبي صلى الله عليه وسلم فقد روى الإمام أحمد عن أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم فسر الوسط هنا بالعدل والعدل والتوسط والتوازن عبارات متقاربة المعنى ، فالعدل يدل على التوسط بين الطرفين المتنازعين دون ميل أو تحيز إلى أحدهما ، وهو بالتالي ضد التطرف والمغالاة .

والوسطية تعني أيضا الاستقامة أي استقامة المنهج والبعد عن الميل والانحراف والتطرف ، لأن ما كان مستقيما ( الصراط المستقيم) لم يكن مائلا أو منحرفا ، ولذلك جاء وصف الصراط المستقيم في سورة الفاتحة : ( اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ)(سورة الفاتحة الآية 6) كموقف وسط بين تطرفين ، تطرف المغضوب عليهم الذين هم اليهود ، وتطرف الضالين الذين هم النصارى . واليهود حادوا عن الصراط المستقيم بقتلهم الأنبياء والغلو في التحريم ، والنصارى حادوا عن الصراط المستقيم بتأليه الأنبياء والتطرف في التحليل .

من جهة أخرى نجد أن وسطية الإسلام تتلاءم مع الفطرة الإنسانية التي تنبذ الغلو والمبالغة والتطرف في كل شيء ، إنها وسطية ترتكز على ما يلائم الطبع الإنساني عقلا ووجدانا وجسدا ، فليس الإسلام دينا يضغط على النفس ويكلفها ما لا تطيق ، وهو لا يقاوم التطرف في الماديات بالتطرف في الروحانيات وإنما جاء ليضع التوازن بين الفطرة والتكاليف الشرعية ، وهذا هو معنى حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم : استقيموا ولن تحصوا وأتوا من الأعمال ما تطيقون وفي حديث آخر : خذوا من الأعمال ما تطيقون فإن الله لا يمل حتى تملوا .

[ص-24] إن الوسطية الإسلامية تنبض بروح الاعتدال والانتصاف والتوازن وتنفر من كل تطرف أو غلو في أي مجال من مجالات الحياة الدينية والدنيوية سواء كان اعتقادا أو عبادة أو طاعة أو سلوكا ، فهي تحقق الملاءمة بين الفطرة والتكاليف على نحو يحفظ للنفس نشاطها وإقبالها على الطاعة ، ويرعى لها حقوقها من غير إفراط أو تفريط .

لكن هذا المفهوم للوسطية الإسلامية المنافية للتطرف والمجافية للغلو في الدين لا يمكن تحقيقها في واقع الحياة بالنسبة للمجتمع الإسلامي إلا إذا صدرت عن التزام أخلاقي لدى الإنسان المسلم يصبح معه السلوك الوسطي فعلا تلقائيا في ذاته وعقله وضميره وجوارحه ، ومعنى هذا أن يكتسب المؤمن من عقيدته الصحيحة الانفعال السليم بحقائقها ودوافعها وقيمها التي تنهاه عن الانحراف عن خط الوسط والميل إلى التطرف والغلو .

إن التزام النفس المؤمنة بوسطية الإسلام هو وقوفها مع العدل وإيثارها للإحسان في غير تخاذل أو مهانة أو مداهنة ، وهذا ما تفرضه طبيعة التعايش الإنساني فتجعل من أو كد شروطه إقامة الحوار مقام التنابذ بالعداء ، والدعوة إلى الحق بالحكمة والموعظة الحسنة بدل العنف والقمع .

سنة الاختلاف إقرار بقبول الآخر ونفي الاعتداء عليه

الاختلاف في الإسلام سنة كونية ما فتئ القرآن الكريم يثير انتباه المسلمين إليها ، اختلاف في مظاهر الكون واختلاف في البشر وفي أجناسهم وألسنتهم وألوانهم ، وعقائدهم ومذاهبهم ، فالاختلاف سنة لا سبيل إلى إلغائها وتجاوزها ، بل ينبغي فهمها واستيعابها .

[ص-25] قال تعالى : (وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ *إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ )(سورة هود الآية 118 -119) وقال : (لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا)(سورة المائدة الآية 48 ) .

فسنة الله في الأرض تقوم على تباين البشر . والإسلام يرى الأمر خاضعا لإرادة الله تعالى الذي يؤكد هذه الإرادة وما يترتب عليها من عدم إكراه الناس على الإيمان فيقول :(وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ)( سورة يونس الآية 99 ) . وإنها لآية كريمة تدل على أن الله تعالى لو شاء لجعل الناس في مستوى واحد من الفهم والإدراك المفضيين إلى الإيمان .

وإذا تم التأكيد على مشروعية الاختلاف مع الآخر ثم الإقرار بقبول الآخر ، فالإسلام يقبل الآخر من موقع القوة وليس من موقع الضعف ، ولذلك فهو ليس في حاجة إلى أن يمارس أي شكل من أشكال العنف لاحتواء الآخر ، لنضرب مثلا لذلك بأهل الذمة الذين لم يظهروا في صورة حركة اجتماعية احتجاجية تحتج على تفاقم أوضاعها ، ولم يدخلوا في نضالات دامية ومستمرة واجهها الإسلام بالعنف أولا ثم لما فشل قبل بالأمر الواقع وتم استيعابهم داخل الإسلام ، بل نظر الإسلام بدءا أو حتى قبل أن يصبح قوة لوجود الآخر داخله ، فسن قوانين تنظم سبل التعامل معهم وحمايتهم من كل اعتداء وإشراكهم في المواطنة مع احتفاظهم بأديانهم .

إن الإقرار بقبول الآخر والاعتراف به مع حصول الاختلاف معه سواء على مستوى الاعتقاد أو الأفكار أو المواقف يدفع إلى التحاور معه والتفاهم ويحول دون ممارسة العنف عليه والاعتداء عليه ، فيكون هناك من التسامح وعدم التعصب للرأي أو الموقف ما يدعو إلى التفاهم والتعاون على تقريب شقة الخلاف والتوفيق بين الآراء والمواقف .

الدعوة إلى السلم نبذ للعنف والاعتداء على الآخر ورد مصطلحا “الأمن” و”السلم” في القرآن الكريم في آيات متعددة كلها دعوة صريحة إلى العمل من أجل استتباب الأمن وتحصيل السلم ونشر معالم الأخوة والتعاون ، والإسلام لا يقف عند حدود تنظيم الإجراءات الكفيلة بتحقيق الأمن فحسب كما هو معروف في التنظيمات الوضعية الحديثة ، بل إنه إلى جانب ذلك يربي في النفوس تحقيق النيات الصالحة والدوافع الخيرة والنزوع الدائم والطوعي إلى الأمن والسلام وتدعيم أسس الألفة والطمأنينة .

[ص-26] وفي السياق نفسه يتجلى تسامح الإسلام مع أتباع المجتمعات الأخرى المخالفة في مظهر السلم وفق مفهوم الصلح والسلامة وضد الحرب ، وقد وردت لفظة “السلم” باشتقاقات كثيرة في عدة مواطن من القرآن الكريم ، كقوله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ)(سورة البقرة الآية 208 ) مع ملاحظة أن اتباع الدعوة إلى الدخول في السلم بالنهي عن اتباع خطوات الشيطان يعني أن عكس السلم- أي الحرب – هي من إيعاز الشيطان . وكقوله تعالى :(وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ)( سورة الأنفال الآية 61 ) أي : وإن مالوا إلى السلم عن رغبة صادقة . ويكفي لإبراز أهمية السلم في الإسلام أن نعرف أن لفظ “الإسلام” نفسه مشتق منه ، إذ هو يعني الانقياد والاستسلام لله تعالى ، ثم إنه – عز وجل – يدعو إلى دار السلام : ( وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ)(سورة يونس الآية 25) والمقصود دار الأمن والاستقرار والطمأنينة .

وعندما نكون مطالبين بتبادل تحية السلام وإفشائها فذلك أكبر دليل على أنه لا مكان للعنف والخشونة والكراهية بين المسلمين ، فإفشاء السلام ينتج عنه إشاعة المحبة والوئام ونفي كل مظاهر الصراع والاعتداء ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا ، أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم .

وإن المتأمل في دعوة القرآن إلى السلم يجدها في واقع الأمر راجعة إلى أسباب كثيرة كلها نبذ لمنطق القوة السلبية وأسلوب العنف وإقصاء الآخر ، نكتفي بالإشارة منها إلى ثلاثة :

أولا : إنه يقوم على التعارف والتعاون ، فالقرآن الكريم يؤسس لمبدأ التعارف بين الأمم والشعوب والحضارات :( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ)( سورة الحجرات الآية 13) .

فالتنوع بين الناس وامتدادهم وتكاثرهم على ربوع الأرض لا يعني أن يتفرقوا أو تتقطع أواصرهم ، كما لا يعني هذا التنوع أن يتصادموا ويتنازعوا ويلجؤوا إلى استعمال القوة والعنف للسيطرة من أجل الثروة والقوة والسيادة وإنما [ص-27] ليتعارفوا ، فللتعارف دور كبير في الحيلولة دون وقوع حوادث العنف والنزاع والصدام وهو يكفل نسبة كبيرة من نجاح لقاءات التفاهم والنقاش والتحاور .

إن المبدأ القرآني في الدعوة إلى التعارف وهو مبدأ إنساني حضاري سام يهدف إلى استبعاد وإقصاء سبل التفكير في استخدام العنف أو الصدام أو الاعتداء ، فهو يقرب الأفكار والمسافات وينسج أواصر التعاون والتقارب .

ثانيا : إنه يدعو إلى الحوار الذي يسعى إلى تبادل وجهات النظر وإبداء الرأي والإقناع به في حل جميع المشكلات ، قال تعالى : (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ )(سورة النحل الآية 125 ) .

ثالثا : إنه ينبذ التعصب للرأي الذي هو أول دلائل التطرف فالتعصب للرأي تعصبا لا يعترف معه للآخرين بوجود . وجمود الإنسان على رأيه وفهمه جحودا لا يسمح له برؤية المصالح وتبين المقاصد واستحضار ظروف العصر وفقه الواقع ، كل ذلك يجعل صاحبه بعيدا عن روح المسالمة والمحاورة ، ويزداد الأمر خطورة حين يراد فرض الرأي على الآخرين بالعصا الغليظة ، والعصا الغليظة هنا قد لا تكون من حديد ولا خشب ، فهناك الاتهام بالابتداع أو بالاستخفاف بالدين أو بالكفر والمروق – والعياذ بالله – فهذا الإرهاب الفكري أشد تخويفا وتهديدا من الإرهاب الحسي .

-- أ د . حسن بن إدريس عزوزي

المرفقات

المرفقات المرفقات

التعليقات

  1. لا بد ان نظيف دور النبي المبلع في ارساءه لتلك القيم الدالة على اللاعنف
    السؤال المحير اذا كان الدين كقرىن وسنة منعا العنف والارهاب … فبمن يقتدي السلفيون اليوم؟

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*