الخميس , 8 ديسمبر 2016
الرئيسية » المكتبة الرقمية » أحكام التعامل مع غير المسلمين

أحكام التعامل مع غير المسلمين

بسم الله الرحمن الرحيم

تقديم الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين ، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، وبعد :

فهذه رسالة مختصرة تهدف إلى تعريف المسلم الجديد بأحكام غير المسلمين العقدية والفقهية ، وموقفه منهم ، وكيف يتعامل معهم في بلادهم ، وما يتعلق بهذا ؛ وذلك استجابة لطلب الإخوة في مكتب الجاليات بحي السلي بالرياض ، لما رأوه من حاجة المسلمين الجدد إلى بيان مختصر مناسب في هذا الجانب الهام من العلاقة مع الغير .

كتبه

خالد بن محمد الماجد

تعريف غير المسلمين :

هم من لم يؤمن برسالة نبينا محمد وعليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والتسليم ، أو لم يؤمن بأصل معلوم منها بالضرورة ، ويسمون في المصطلح الشرعي (الكفار) .

أصنافهم : صنفان :

الصنف الأول : غير المسلمين ظاهرا وباطنا ، ويسمون ” الكفار الصرحاء” ، وهم نوعان :

النوع الأول : أصليون : وهم من لم يسبق لهم الدخول في دين الإسلام ، وهؤلاء منهم أهل كتاب ، ومجوس ، وغيرهم لهم أحكام تختلف بحسب دينهم .

النوع الثاني : مرتدون : وهم من دخل في دين الإسلام ثم خرج منه ، سواء أكان بالغا حين دخل في دين الإسلام ثم ارتد ، أم كان صغيرا وأبواه أو أبوه مسلم ثم وقع في الكفر بعد بلوغه وثبوت الكفر عليه بشروطه .

الصنف الثاني : من أظهر الإسلام وأبطن الكفر ، ويسمون ” المنافقون ” .

الأحكام العقدية أولاً : الأحكام الأخروية :

لا يخلو من مات على غير الإسلام من أحد أمرين :

1 – أن يكون غير مكلف ، وهو المجنون أو غير البالغ : فحكمهم في الآخرة محل خلاف بين أهل العلم ، فمنهم من قال : يعاملهم الله بعلمه فهو أعلم بمن سيسلم منهم لو بلغ أو عقل ، وهذا قول ضعيف ؛ لأن الله لا يحاسب العباد إلا بما عملوا حقيقة ، ومنهم من قال : هم كمجانين المسلمين وأطفالهم يدخلون الجنة ، ومنهم من قال : إن الله يمتحنهم في الآخرة كما يمتحن أهل الفترة الذين عاشوا في زمن لم يكن فيه نبي ولا دين صحيح ، وهذان القولان أرجح من القول الأول .

2 – أن يكون مكلفا ، أي : عاقلا بالغا ، فهؤلاء قسمان :

القسم الأول :

من بلغهم دين الإسلام الصحيح على وجه تقوم به الحج ، بحيث يفهمونه ، ويدركون أصول عقائده وشرائعه ، فلم يقبلوا به ، وأبوا الدخول فيه ، فهؤلاء جزاؤهم النار ، خالدين فيها أبدا ، كما قال ـ جل وعلا ـ : ( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ) البينة [6]، وقال( وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ) فاطر [36].

القسم الثاني :

من لم يبلغهم دين الإسلام ولم يسمعوا به أبدا ، أو بلغهم على وجه لا تقوم به الحجة عليهم كأنه يبلغهم مشوها ، ولم يمكنهم التعرف على الحق والبحث عنه ، فهؤلاء يسمون أهل الفترة ، يمتحنهم الله في الآخرة ، بأن يخلف ما يرون نارا ، وهي في الحقيقة جنة ، ثم يأمرهم بدخولها ، فمن أطاعه كان مسلما ودخل الجنة ، ومن عصاه كان كافرا ودخل النار ، والدليل على ذلك قول الله ـ جل وعلا ـ : (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا) الإسراء [15].

ومع أن غير المسلمين في النار ـ جميعا ـ إلا أن شدة عذابهم تختلف بحسب شدة كفرهم ومعاداتهم للحق ، فمن كان أشد كفرا كان أشد عذابا ، فالمنافقون أشدهم عذابا ؛ لشدة كفرهم وخطرهم على المسلمين ، يقول الله ـ جل وعلا ـ ( إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا) النساء [145] ، فالنار دركات ، أشدها عذابا أسفلها .

ثانيا : أحكامهم في الدنيا :

الحكم الأول :

وجوب الاعتقاد أن كل ملة غير الإسلام كفر ، وأنه لا يقبل في الآخرة إلا الإسلام ، لقول الله ـ جل وعلا ـ ( وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ) آل عمران [85] ، وأن غير المسلمين كفار كلهم ، مهما اختلفت أصنافهم ، وأنهم على ضلال مبين ؛ لقوله ـ جل وعلا ـ ( أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ) الزمر [22] ، وأن على المسلمين إجراء ما يستطيعون من أحكام الكفر عليهم ، والاعتقاد بأنهم إن ماتوا على الكفر بعد أن بلغتهم دعوة الإسلام على النحو الذي تقوم به الحجة عليهم فإنهم من أصحاب النار ، ولو كانوا من أهل الكتاب ؛ للحديث الذي رواه مسلم عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه قال : والذي نفسي بيده لا يسمع بي من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار .

الحكم الثاني :

وجوب البراءة منهم ومن مللهم ، وبغضهم ظاهرا وباطنا ، ومعاداتهم ، بلا تفريق بين أصنافهم ؛ وذلك لكونهم جحدوا حق الله المتمثل في عبادته وحده لا شريك له ، وكذبوا رسالة نبينا خاتم الأنبياء ؛ لقول الله ـ عز وجل ـ حاكيا قول إبراهيم ومن معه لقومهم : ( قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ) الممتحنة [4] وقوله :( يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ) المائدة [57] ، وقوله : ( يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) المائدة [51] .

وبغضهم ومعاداتهم على درجات بحسب شدة كفرهم وحربهم على المسلمين .

وتعني البراءة عدم الرضا عنهم ولا عن مللهم ولا ببقائهم عليها ، ويعني البغض عدم محبتهم محبة دينية ، أو محبة مطلقة بدون سبب ، تقتضي الرضا بكفرهم ، أو تقديم رضاهم على رضا الله ، فأما المحبة الدنيوية غير المطلقة ، لسبب خاص كمحبة الأب ولده ، والزوج زوجته ، والزميل زميله ، ومحبة ذي الخلق الحسن لخلقه ، والمحسن منهم لإحسانه فلا بأس بها . وتعني العداوة عدم مودتهم وعدم موالاتهم بنصرتهم على المسلمين بنفس أو مال ، أو بقول أو فعل .

الحكم الثالث :

تحريم تقليدهم في شيء من خصائصهم ، سواء في الدين كتعميد الأولاد في الكنائس ، أو إحياء أعيادهم الدينية كعيد ميلاد المسيح ـ عليه السلام ـ أو في العبادات التي تختص بهم في اللبس والهيئة ، وإقامة الاحتفالات ، كالاحتفال بأعياد الميلاد ، وعيد الزواج ، وذلك لقوله ـ عز وجل ـ : ( وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ ) المائدة [77] وقوله (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا) آل عمران [156] وقول النبي صلى الله عليه وسلم من تشبه بقوم فهو منهم . رواه أبو داود .

أحكام غير المسلمين الفقهية القسم الأول : أحكام غير المسلمين في العبادات :

ثمة حكم عام يشمل العبادات كلها ، وهو أنه لا تصح عبادة غير المسلم ؛ لقول ـ جل وعلا ـ (وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ ) التوبة [54] . إذ شرط صحة العبادة الإسلام ؛ ومع ذلك فهم مأمورون بالعبادات كلها ، ويعاقبون على تركها ؛ لقوله ـ جل وعلا ـ ( مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ) المدثر [ 42-44] .

ولذا فإن أول ما يجب على المسلم دعوة الكفار إليه هو الدخول في الإسلام ، وهو النطق بالشهادتين ، وهذا ما أوصى به النبي صلى الله عليه وسلم معاذا حين بعثه إلى اليمن ، فقال : إنك تأتي قوما من أهل الكتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله متفق عليه .

أحكام غير المسلمين في الطهارة والصلاة :

أولا : يقول الله ـ جل وعلا ـ ( إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ) التوبة [28] . والراجح أن المراد بالنجاسة هنا النجاسة المعنوية الحاصلة فيهم بالكفر ، وليست النجاسة الحسية ، ولذا جاز الزواج بالمحصنات من الكتابيات ، ومس أبدانهم بالمصافحة إذا ابتدءونا ، ولبس ثيابهم التي يخيطونها ، بل حتى التي يلبسونها ، ما دام لم تصبها نجاسة ، كثياب المسلمين .

ثانيا : أواني غير المسلمين لا تخلو من إحدى حالين :

الأولى : أن تكون مصنوعة من محرم لذاته ، كجلد الكلب والخنزير ، وكآنية الذهب والفضة ، أو لوصفه كمغصوب ومسروق فلا يجوز استعمالها ؛ لأنها لو كانت آنية مسلمين ما جاز استعمالها فكيف وهي آنية كفار .

الثانية : أن تكون مصنوعة من مادة طاهرة مباحة كالحجر والخشب والحديد وسائر المعادن والزجاج ، فإن اشتراها المسلم جديدة فاستعمالها جائز ، وإن كان يستعملها غير المسلمين ويطبخون فيها ، ويأكلون ويشربون فلا يخلو الحال من أحد ثلاثة أمور :

الأمر الأول : أن يغلب على ظنه عدم استعمالهم هذه الأواني في المآكل والمشارب المحرمة فيجوز استعمالها مباشرة دون غسل ؛ لحديث جابر بن عبد الله ـ رضي الله عنهما ـ قال : كنا نغزو مع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فنصيب من آنية المشركين وأسقيتهم فنستمتع بها ، ولا يعيب ذلك عليهم رواه أحمد وأبو داود .

الأمر الثاني : أن يغلب على ظن المسلم أنهم يطبخون فيها اللحوم والأشربة المحرمة ويأكلون ويشربون ، فإن وجد المسلم غيرها لم يجز له استعمالها ، وإن لم يجد وجب غسلها لإزالة المحرمات عنها ، ثم له أن يستعملها ؛ لحديث أبي ثعلبة الخشني أنه قال : يا رسول الله إنا بأرض قوم أهل كتاب أفنأكل في آنيتهم ؟ قال : ” إن وجدتم غيرها فلا تأكلوا فيها ، وإن لم تجدوا فاغسلوها وكلوا فيها” رواه البخاري .

الأمر الثالث : أن يشك فلا يغلب على ظنه شيء فيعمل بالأحوط وهو غسل الأواني قبل تناولها .

وبناء على ما سبق تجوز الصلاة في مصنوعاتهم من اللباس والفرش الطاهرة المباحة .

ثالثا : ينبغي للشخص إذا أسلم أن يغتسل ؛ لحديث قيس بن عاصم أنه أسلم فأمره النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن يغتسل بماء وسدر رواه الخمسة إلا ابن ماجه ، وصححه ابن السكن ، وله شواهد . وللمسلم إلزام زوجته الكتابية بالاغتسال بعد الطهارة من الحيض والنفاس ، والتطهر من النجاسات كالبول ؛ رعاية لحقه في نظافتها ، الذي هو كمال حقه في الاستمتاع بها ، وإن كان لا يجب عليها الاغتسال من حيث الأصل .

رابعا : يجب على غير المسلم إذا أسلم أن يجري عملية الاختتان ولو كان كبيرا ، إلا أن يخاف على نفسه الموت أو المرض فيسقط عنه الوجوب ، حفاظا على نفسه ، وصحة بدنه ؛ لأن الختان سنة المرسلين ـ عليهم السلام ـ وقد اختتن إبراهيم ـ عليه السلام ـ وهو ابن ثمانين سنة .

خامسا : الأصل عدم جواز الصلاة في دور عبادة غير المسلمين كالكنائس والبيع وبيوت النار ، إلا أنه يستثنى من الأصل حال الاضطرار إلى الصلاة فيها لعدم وجود مكان غيرها يصلي فيه المسلم ، كما لو حبس فيها ، فإن أمكنه إزالة التصاوير والمجسمات من أمامه وجب عليه أن يزيلها ، أو يصلي في جانب من المعبد بحيث لا تكون النار أو التصاوير في قبلته .

سادسا : لا يجوز دخول غير المسلمين المسجد الحرام مطلقا ـ والمقصود به حرم مكة شرفها الله ومن باب أولى مسجد الكعبة ـ ولو كان بإذن من المسلمين ، أو لحاجة ، أو لقصد تأليف قلوبهم على الإسلام .

فأما غيره من المساجد فمحل خلاف بين أهل العلم ، والراجح جوازه إذا كان لحاجة أو لمصلحة ، والدليل على هذا أن الكفار كانوا يدخلون على النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في مسجد المدينة ولم يكن يمنعهم ، بل إنه حبس ثمامة بن أثال في مسجد المدينة قبل أن يسلم ـ رضي الله عنه ـ .

سابعا : لا يجوز تمكين غير المسلمين من أخذ المصحف بإهداء أو بيع ، أو وصية ، أو رهن ؛ لأنهم لا يؤمنون من أن يهينوا المصحف ، ولا يجوز تمكينهم من مسه ؛ لقول الله ـ جل وعلا ـ( إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ ) التوبة [28] لكن يجوز إعطاؤهم ترجمة للمصحف إن رجي إسلامهم ، لا إن خشي أن يهينوا الترجمة ، أو يستغلوها في عدواتهم للإسلام وأهلهم .

ثامنا : لا يجوز للمسلم قصد موافقة غير المسلمين في أماكن الصلاة ، كالكنائس ، ولا في أزمنتها ، كوقت طلوع الشمس وقبل أن ترتفع قيد رمح ، أو وقت غروبها ، إلا ما خصه الدليل وهي الصلوات ذوات الأسباب ، كصلاة الجنازة فيجوز أداؤها قبيل الغروب وقبيل الإشراق .

تاسعا : يجوز للمسلم عيادة غير المسلم إذا مرض ، كما عاد النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ جاره اليهودي ، والدعاء له بالشفاء ، دون الدعاء بالأجر والمغفرة ، كما يجوز للطبيب المسلم علاجه ، وبذل الجهد في ذلك ، ورقيته بالقرآن ؛ لما في حديث أبي سعيد الخدري المتفق عليه في قصة الصحابة الذين رقوا سيد قوم كفار حين لدغته عقرب بقراءة سورة الفاتحة ، فصوب النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فعلهم .

وذهب بعض أهل العلم إلى أن للمسلم تعزية غير المسلم إذا ما مات له قريب ، ويقول في تعزيته ـ إن كان الميت غير مسلم ـ ما يجوز قوله ، مثل : أخلف لكم الله خيرا منه ، وأحسن عزاءكم ، ولا يدعوا له بالأجر ، ولا لميته بالرحمة ؛ لأنهما ليسا من أهل الأجر والرحمة ، وينبغي أن يقصد بذلك كله تأليف قلب غير المسلم على الإسلام ، كما للمسلم أن يزور قبر غير المسلم للعظة ، ولا يسلم عليه ، ولا يدعو له ، أو يستغفر ؛ للحديث الذي رواه مسلم عن أبي هريرة أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال : استأذنت ربي أن أستغفر لأمي فلم يؤذن لي واستأذنته أن أزور قبرها فأذن لي .

ولا يجوز للمسلم تغسيله ، ولا تكفينه ؛ لأن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ ألقى قتلى بدر من المشركين في القليب ، بلا غسل ، ولا تكفين ، ولا تجوز الصلاة عليه ؛ لقوله ـ جل وعلا ـ : ( وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا) التوبة [84] . ولا الدعاء لهم بالمغفرة والرحمة ، أو قول : المرحوم فلان ؛ لقوله ـ جل وعلا ـ : ( مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى) التوبة [113] ، كما لا يجوز للمسلم تولي دفن غير المسلم كما يدفن أموات المسلمين ، وإذا لم يكن للكافر الميت قريب يدفنه ، فللمسلم أن يواري جثته في التراب ليمنع تأذي الخلق من نتنها ، كما لا يجوز للمسلم أن يتبع جنازته ، أو يمشي فيها ، أو يحملها معهم ، أو يحضر دفنه إذا أراد أهله دفنه ؛ لقوله ـ جل وعلا ـ :( وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ ) التوبة [84] ، ولا يجوز دفنه في مقابر المسلمين ، بل يدفن في مقابر مثله من غير المسلمين ؛ لفعل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وإجماع المسلمين على ذلك ، إلا إذا ماتت امرأة كتابية زوجها مسلم وهي حامل منه ، وقد بلغ عمر الحمل أكثر من ثلاثة أشهر فإنها تدفن في قبر المسلمين ، ويكون ظهرها إلى القبلة ؛ ليكون وجه حملها مستقبل القبلة ؛ لأن الجنين مسلم ؛ لكون أبيه مسلما ، والمسلم لا يجوز دفنه في مقابر غير المسلمين ، فرعاية لحقه تقدم مصلحة دفنه في مقابر المسلمين على مفسدة دفن أمه فيها .

القسم الثاني : أحكام غير المسلمين في الزكاة :

أولا : لا يجوز دفع زكاة المال والفطر إلى غير المسلمين ؛ لقول النبي ـ صلى الله عليه وسلت ـ لمعاذ حيث بعثه إلى اليمن : فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة ـ وهي الزكاة ـ تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم متفق عليه . يعني أغنياء المسلمين وفقرائهم ، ويستثنى من ذلك إذا كان غير المسلم من المؤلفة قلوبهم الذين يتحقق بإعطائهم من الزكاة تحصيل مصلحة المسلمين ، أو دفع مفسدة ، أو دخوله في الإسلام ؛ لقوله ـ جل وعلا ـ ( وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ) التوبة [60].

ثانيا : يجوز للمسلم أن يتصدق على غير المسلم إذا كان غير حربي ، ويوصى له ، ويهدي إليه ، ويكرمه بماله ، ويكافئه على المعروف الذي صنعت إليه ؛ لأنه من البر المباح تقديمه لهم بقول الله ـ جل وعلا ـ ( لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ) الممتحنة [8] ؛ ولعموم قول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وفي كل كبد رطبة أجر متفق عليه . ولحديث أسماء بنت أبي بكر الصديق أن أمها جاءتها راغبة في صلتها وهي مشركة فاستأذنت رسول الله أن تتصدق على أمها فأذن لها ، وأهدى عمر حلة من حرير لأخ له مشرك . إلا أنه لا يجوز أن يهديه شيئا إذا كان سبب الهدية غير مشروع ؛ كالهدية بسبب عيد من أعيادهم الدينية.

ويجوز للمسلم أن يقبل هدية غير المسلم إذا كانت مباحة ، وقد قبل النبي صلى الله عليه وسلم هدية المقوقس وكان غير مسلم .

القسم الثالث : أحكام غير المسلمين في الجهاد :

أولا : غير المسلمين من حيث مشروعية قتالهم وعدمها قسمان :

القسم الأول :

المحاربون : وهم من ليس بينهم وبين المسلمين ذمة ، ولا عهد ، ولا أمان ، فيشرع قتالهم بحسب القدرة ، فربما يكون قتالهم فرض عين ، وذلك متى غزوا بلدا مسلما ليحتلوه ، أو يستبيحوا دماء أهله ، وأموالهم ، فيلزم كل قادر من مسلمي ذلك البلد قتالهم ، فإن احتاجوا إلى غيرهم من المسلمين من أهل البلاد الأخرى وجب على سائر المسلمين عونهم بالرجال والمال والسلاح حتى تحصل الكفاية ؛ لقول الله ـ جل وعلا ـ ( وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ) الأنفال [ 72 ] .

وقد يكون قتالهم فرض كفاية إذا قام به من يكفي من المسلمين سقط الوجوب عن الباقين ، وذلك إذا منع غير المسلمين وصول دعوة الإسلام إلى بلادهم ، أو منعوا أهلها من الدخول فيه ، وكان المسلمون أقوياء وجب على من يكفي منهم قتال غير المسلمين ؛ لقول الله ـ جل وعلا ـ ( وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ) البقرة [193] ، وبقى حكم القتال على غيرهم من المسلمين مستحبا ، لكن لا يجوز ابتداء قتالهم حتى يدعوا إلى الإسلام ، فإن رفضوا وجب دعوتهم إلى الصلح والقبول بدفع الجزية للمسلمين ، فإن رفضوا جاز قتالهم .

القسم الثاني :

غير المحاربين : وهم من بينهم وبين المسلمين ذمة ، أو عهد ، أو أمان ، ولم يفعلوا ما ينقض ذلك ، كقتالهم المسلمين أو الإعانة عليهم ، وهذا يشمل ثلاثة أصناف:

1 – أهل الذمة : وهم رعاية الدولة الإسلامية الذين رضوا بحكم الإسلام عليهم فأعطوا الجزية والتزموا بأحكام أهل الذمة ، وأكثر أهل العلم لا يرون جواز إعطاء الذمة لغير أهل الكتاب والمجوس ، فلا يقبل من غيرهم ممن يعيش في بلاد المسلمين إلا الإسلام ، أو السيف ، ومن أهل العلم من يجيز إعطاء الذمة لغيرهم أيضا ، ولعل هذا هو الأرجح ؛ أخذا بقول الله ـ جل وعلا ـ ( لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ) البقرة [256] .

2 – المعاهدون : وهم رعايا الدولة غير المسلمة ، والتي بينها وبين المسلمين عهد وصلح على عدم القتال .

3 – المستأمنون : وهم رعايا الدول غير المسلمة المحاربة للمسلمين ، الذين أعطاهم إمام المسلمين ، أو أحد من المسلمين الأمان على نفسه وماله إذا دخل بلاد المسلمين حتى يخرج منها ، سواء أكان من أهل الكتاب أم من غيرهم .

فحكم هؤلاء واحد ، وهو أنهم معصومو الدم والمال ، فلا يجوز سفك دمائهم ، ولا أخذ أموالهم ، لقول الله ـ جل وعلا ـ (قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ) التوبة [29] وقوله ( وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ) التوبة [6].

ويستحب الإحسان إليهم والقسط معهم ؛ ترغيبا لهم في الإسلام .

ويجب على المسلمين حفظ دمائهم وأعراضهم وأموالهم ما داموا في ذمة المسلمين وعهدهم ممن أراد الاعتداء عليهم ، سواء أكان المعتدي منهم أم من المسلمين أم من الحربيين ؛ قول علي ـ رضي الله عنه ـ : ” إنما بذلوا الجزية لتكون أموالهم كأموالنا ودماؤهم كدمائنا ” ، ويجب على المسلمين فداء أسرى أهل الذمة بالمال ، بعد فداء أسرى المسلمين ؛ لأنه من حمايتهم .

ومتى خاف المسلمون من المعاهدين أو المستأمنين ، أو من بعضهم نقض العهد جاز نبد عهدهم إليهم ، أي إخبارهم ببطلان العهد الذي بيننا وبينهم ، ثم جاز قتالهم ؛ لقول الله ـ جل وعلا ـ ( وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ) الأنفال [58] .

ومتى نقضوا العهد جاز قتالهم ، ولم يجب نبذ العهد إليهم ؛ لأن الخيانة وقعت منهم ، كما قاتل النبي ـ صلى الله عليه وسلت ـ قريشا دون أن يخبرهم بنقض العهد ، لما غدروا فنقضوا العهد ، وذلك عام فتح مكة ، فأما أهل الذمة فلا ينبذ إليهم عهدهم حتى ينقضوه فعلا ، لأنهم تحت أيدينا وفي حكمنا فضرر الخوف من نقضهم العهد أخف من غيرهم ، فإذا نقضوه أو بعضهم زالت عصمة الناقضين فقط ، وحل للمسلمين سفك دمائهم وأخذ أموالهم ؛ جزاء لهم على نقضهم العهد ، ويحصل نقض العهد بمخالفة شروط عقد الذمة معهم ، مثل سب الله ـ جل وعلا ـ أو سب رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أو دين الإسلام ، أو الاستهزاء بشيء من ذلك ، أو الزنا بمسلمة ، أو معاونة الكفار على المسلمين ، أو التجسس على المسلمين ، ونحو ذلك .

أما المرتدون عن الإسلام إذا ثبتت ردتهم ثبوتا لا شك فيه فيستتابون ثلاثة أيام فإن تابوا قبل منهم ، وإلا حكم عليهم بحد الردة وهو القتل .

وأما المنافقون نفاقا اعتقاديا فيعاملون معاملة المسلمين في الظاهر ، ومن أظهر نفاقه فهو مرتد يعامل معاملة المرتدين .

ثانيا : إذا قاتل المسلمون غير المسلمين لسبب مشروع ، فإن للقتال آدابا يلزم المسلمين بالتأدب بها ، من أهمها :

1 – عدم قتل النساء والأطفال والشيوخ ، والرهبان في صوامعهم ، ما لم يشارك أحد منهم في الحرب فيقتل كغيره .

2 – عدم التمثيل بقتلاهم ، أو إحراقهم ، إلا على وجه المجازاة لهم بمثل صنيعهم ؛ لقول الله جل وعلا سورة الشورى الآية 40 وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا الشورى [40].

3 – الوفاء بالعهد ، وعدم الخيانة ، أو الغدر .

وقد دل على ما تقدم من الآداب حديث بريدة أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال اغزوا ولا تغلوا ولا تغدروا ، ولا تمثلوا ، ولا تقتلوا وليدا رواه مسلم ، وحديث ابن عمر أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ رأى امرأة مقتولة في بعض مغازيه ، فأنكر قتل النساء والصبيان ، متفق عليه .

ثالثا : يجب على المسلم الهجرة من بلد الكفر إلى بلد الإسلام بالشروط الآتية :

1 – عدم قدرة المسلم على إقامة شعائر دينه في بلد الكفر ، أو خوفه من الفتنة على نفسه أو أهله أو ولده .

2 – قدرة المسلم على السفر وتحمل تكاليف الهجرة .

3 – وجود بلد مسلم يستطيع الإقامة فيه إقامة نظامية ، وأن يقيم فيه شعائر دينه.

فإذا اختل أحد هذه الشروط لم تجب الهجرة ، بل تكون مستحبة ، أو مباحة حسب درجة الفائدة منها .

رابعا : حكم إقامة المسلم في بلد الكفر يختلف بحسب نوع انتمائه إليه :

النوع الأول : أن يكون المقيم مواطنا من مواطني بلاد الكفر ومعه جنسيته فيجوز له أن يقيم في بلاده تلك إذا اختل شرط من شروط وجوب الهجرة المذكورة في ثالثا .

النوع الثاني : أن يكون من غير مواطني ذلك البلد ، بل يريد أن يفد عليه من بلاد الإسلام فلا يجوز له ذلك من حيث الأصل ؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم أنا بريء من مسلم يقيم بين ظهراني الكفار لا تراءا ناراهما رواه أبو داود . وذلك لعظم خطر الإقامة في بلاد الكفر على دين المسلم وخلقه ، والتي لا يمكن لعاقل أن ينكرها ، إلا أنه يستثني من التحريم ما إذا تحققت الشروط الآتية فتجوز الإقامة حينئذ :

1 – وجود العذر الشرعي وهو الحاجة للهجرة المعتبرة شرعا ، كخوف المسلم على دينه أو نفسه أو ماله أو عرضه أو من يعولهم إذا أقام في بلده الأصلي ولا يجد غير بلاد الكفر تستقبله ويأمن فيها على تلك الأمور ، أو طلب علاج أو تجارة أو عمل أو علم لا يتوافر نحوه في بلد الإسلام ، أو التمثيل الرسمي لبلد مسلم .

2 – نية الإقامة المؤقتة التي تنقضي بزوال العذر الذي من أجله أقام في بلد الكفر ، فلا يجوز له أن ينوي تأبيد إقامته ؛ لأن التأبيد يعني الهجرة من بلاد الإسلام إلى بلاد الكفر ، وهذا مناقضة صريحة لحكم الشرع في إيجاب الهجرة من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام .

3 – كون بلد الكفر الذي ينوي الإقامة فيه غير محارب للمسلمين .

4 – توفر الحرية الدينية في بلد الكفر بما يأمن المسلم على نفسه وأهله وولده من الافتتان في الدين ، ويتمكن من تعلم دينه وتعليمه لأهله وولده ، ويتمكن من إقامة شعائر دينه الظاهرة ؛ وذلك لأن حفظ الدين أهم من حفظ النفس والمال .

5 – بقاء ولاء المسلم لدينه الإسلام ولإخوانه المسلمين ، فلا يقدم على ذلك ولاءه لوطنه .

فإذا توافرت هذه الشروط جار للمسلم أن يقيم في بلد الكفر ، وأن يستخرج بطاقة إقامة ، أو حتى يتجنس بجنسية ذلك البلد إن توقف حصول الإقامة والاستفادة من مزاياها على استخراج الجنسية .

خامسا : حكم القتال مع غير المسلمين يختلف بحسب المستهدفين بالقتال ، إذ لا يخلو المستهدف بها أن يكون إحدى جهتين :

الجهة الأولى : جهة مسلمة ـ سواء أكانت أفرادا أم منظمات أم دولا ـ ابتدأت قتالها الجهة غير المسلمة فمقاتلتها غير مشروعة ، ولا يجوز للمسلمين المشاركة فيها ، بل ذلك بعد من موالاة الكفار الموجبة للخروج من دين الإسلام ، بل تجب على المسلم معاونة المسلمين عليهم ، أو تستحب ، حسب الحال والقدرة .

فإن كانت الجهة المسلمة هي البادئة وكانت في ذلك غير معتدية لم يجز له أن يقاتل مع غير المسلمين ؛ لأنه لا يجوز قتال المسلمين تحت آي ظرف ، ولا يجوز له أيضا القتال ضد أولئك الكفار إن كان بينه وبينهم عهد ؛ لقول الله ـ جل وعلا ـ ( وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ) الأنفال [72] ، وإن لم يكن بينه وبينهم عهد شرع قتاله مع المسلمين إما وجوبا وإما استحبابا بحسب الحال والقدرة .

وإن كانت الجهة المسلمة معتدية واستطاع المسلم رد الظلم الواقع منها على غير المسلمين دون القتال فعل ، وإلا كف عن قتال الفئتين ، ولم يجز له أن يعين أحدا على أحد .

الجهة الثانية : جهة أخرى غير مسلمة ، فلا يخلو :

1 – أن يكون بينه وبين هذه الجهة عهد ، فلا يجوز قتالها ، ولو كان قتالها بسبب ظلمها لهم ؛ لوجوب الوفاء بالعهد .

2 – ألا يكون بينه وبينها عهد ، فإن كان قاتلها ظلما لم يجز قتالها معهم ، ولو كان بينه وبين المعتدين حلف على التناصر ؛ لأنه لا تجوز إعانة الظالم على ظلمه ولو كان مسلما ، فكيف وهو غير مسلم ، وإن كان الظلم واقعا من هذه الجهة على أولئك الكفار وجب قالتها معهم إن كان بينه وبينهم حلف على التناصر ؛ لوجوب الوفاء بالعهد ، أو جاز إن كان مصلحة المسلمين في قتالها ، أو حرم إن لم يكن حلف ، ولا مصلحة ؛ لأنه لا يشرع القتال إلا وفاء بالعهد ، أو لمصلحة الدين أو مصلحة المسلمين ، وهي منتفية هنا .

سادسا : يجوز عمل المسلم في وظائف الدولة غير المسلمة وتولي المناصب والدخول في البرلمانات بثلاث شروط في الجملة :

1 – أن يكون العمل مباحا ؛ لأنه لا يجوز تولي العمل المحرم في الدولة المسلمة فكيف بتوليه في الدولة غير المسلمة ، كأن يعمل في مصنع خمور ، أو في بنك ربوي ، أو في صالة قمار .

2 – عدم حصول الضرر على المسلمين أو على دينهم بتوليه هذا العمل ؛ لأن الأصل جواز العمل عند غير المسلم ما لم يترتب عليه ضرر يلحقه المرء بدينه ، أو بالمسلمين ، مثل العمل في دوائر التجسس على المسلمين ، أفراد أو حكومات ، أو في صناعة الأسلحة ـ إلا أن قصد اكتساب الخبرة لنقلها للمسلمين وعلم من نفسه القدرة على ذلك ـ أو في شن الحرب الإلكترونية على المواقع الإسلامية ، أو الحرب العسكرية على أحد من المسلمين ، فإما أن تحقق بتوليه مصلحة للدين أو للمسلمين ، أو دفع مفسدة عنه أو عنهم كان الجواز أولى ، مثل العمل وزيرا للأديان ، أو الهجرة ، أو عضوا في المجالس البلدية ، لأنه يتمكن من نفع المسلمين في منصبه.

3 – ألا يترتب على ذلك العمل التزام بما لا يجوز في دين الإسلام ، سواء في أمور العقيدة ، كالمشاركة في الاحتفال بأعياد غير المسلمين الدينية ، أو في العبادة ، كعدم الصلاة في المساجد بدعوى عدم التعصب الديني ، أو في المعاملة ، كإقرار الربا في التعامل المالي ، أو السلوك والأخلاق ، كإلزام المرأة المسلمة بخلع حجابها أثناء عملها .

سابعا : مشاركة المسلم في انتخابات بلده غير المسلم سواء منها الرئاسية ، أو البرلمانية ، أو البلدية جائزة ، بل قد تكون واجبة متى كان في ذلك جلب مصلحة للمسلمين ، أو دفع مفسدة عنهم ، لا يحصل أحدهما إلا بالمشاركة في الانتخابات ؛ لأن ذلك من الأمر بالمعروف وتثبيته ، والنهي عن المنكر وإزالته .

ثامنا : الالتزام بقوانين بلاد غير المسلمين يختلف بحسب تلك القوانين التي لا تخلو من أحد أمرين :

1 – أن تكون غير مخالفة لأحكام الشرع ، كالأحكام المتعلقة بأنظمة السير ، وإصدار التراخيص ، واحترام حقوق الآخرين ، وممتلكاتهم فهذه يجب على المسلم الالتزام بها ؛ لأن عقد إقامته متضمن وجوب التزام نظام بلده وقوانينه ، والله ـ جل وعلا ـ يقول : ( يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُود)ِ المائدة [1] .

2 – أن تكون مخالفة لأحكام الشريعة فإن كان يستطيع تحاشي الالتزام بها ؛ لكونه لا يحتاجها ، كالمعاملات المالية المحرمة ، فعليه تحاشيها ولم يضره كونها موجودة في البلد الذي يعيش فيه ، لقوله ـ جل وعلا ـ ( يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ ) المائدة [105]، وإن كان يستطيع تحاشيها نظرنا إلى سبب إقامته فإن كان سببا اختياريا لم يجز له البقاء في ديار غير المسلمين ، ولزمته الهجرة منها ، وإن كان سببا قهريا اتقى الله ما استطاع في تحاشي الوقوع في أسبابها ، فما وقع فيه بعد ذلك منها فيكون من باب الضرورة ، والضرورات تبيح المحظورات .

تاسعا : اختلف أهل العلم في حكم استعانة المسلمين بغيرهم في الجهد ، فذهب أكثر أهل العلم إلى عدم جواز ذلك ؛ لحديث عائشة ـ رضي الله عنها ـ أن رجلا من المشركين قال للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ : جئت لأتبعك وأصيب معك ( يريد الغنيمة ) فقال له ” أتؤمن بالله ورسوله ” قال : لا . قال ” فارجع فلن أستعين بمشرك ” رواه مسلم .

وفي حديث آخر رواه أحمد في مسنده أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال : فإنا لا نستعين بالمشركين على المشركين . ومن أهل العلم من قال بجواز ذلك بثلاثة شروط :

1- حاجة المسلمين للاستعانة بغيرهم .

2- أن يكون من يستعين به المسلمين مأمونا ، لا يخون المسلمين ولا يتجسس عليهم .

3- أن تكون الغلبة للمسلمين على من يستعينون به من غيرهم في العدد والعدة ، ودليل الاستعانة أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ استعان بصفوان بن أمية في غزوة حنين وكان مشركا ، حيث استعار دروعه ، واصطحبه معه.

القسم الرابع : أحكام غير المسلمين في المعاملات المالية :

أولا : يجوز التعامل مع غير المسلمين بالبيع والشراء والإيجار وسائر العقود المالية ، ويجري عليهم من الأحكام والضوابط ما يجري على التعامل مع المسلمين.

ثانيا : يجوز للمسلم أن يعقد من الذمي والمعاهد والمستأمن عقد شركة ، شريطة أن يثق المسلم أن التعامل يجري في الشركة على وفق قواعد الشريعة الإسلامية وضوابطها فيما يحل ويحرم من المعاملات ، وألا يمكن شريكه غير المسلم من التصرف بأموال الشركة تصرفا مطلقا ، دون إجراء رقابة عليه لضمان حصول التصرف المشروع ، وتجنب التصرف غير المشروع .

ثالثا : لا يجوز التعامل مع غير المسلمين بالمعاملات المحرمة كالربا والقمار ، ولا بالمواد المحرمة كالمخدرات والخمور ولحوم الميتة والخنزير ، سواء أكانوا من الذميين أو المعاهدين أو المستأمنين ، أم كانوا من الحربيين ؛ لأن التعامل بالمعاملات المحرمة ، وفي المواد المحرمة من نشر الفساد في الأرض ، والله لا يحب الفساد .

رابعا : اختلف أهل العلم في حكم بيع المسلم على بيع غير المسلم ، وشرائه على شرائه ، وسومه على سومه ( أي أن يبيع الرجل على الرجل سلعة فإذا تم البيع وأراد تسليم السلعة وقبض الثمن جاء بائع آخر فعرض على المشتري مثل السلعة بسعر أقل ، أو يشتري سلعة فإذا تم الشراء وأرادا التقايض جاء مشتر آخر فعرض على البائع الشراء بسعر أكثر مما اشتراه الأول ، أو يسوم شخص سلعة فيرغب البائع بيعها على صاحب السوم ويعزم على ذلك فيأتي آخر فيسوم بأكثر من سوم الأول ) ، والراجح جوازه سواء أكان غير المسلم ذميا أم غير ذمي ، لأن الأصل الحل ، والنهي ورد عن بيع الأخ على أخيه ، أو شرائه على شرائه أو سومه على سومه ، والكافر مهما كانت صفته ليس بأخ للمسلم ؛ إذا المقصود بالأخوة هنا الأخوة الدينية .

خامسا : يجوز إقراض غير المسلم والاقتراض منهم ،فقد ثبت أن المسلمين على عهد النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ كانوا يقترضون من اليهود في المدينة ، ويقرهم النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ على ذلك ، لكن يشترط لذلك الشرط الآتية :

1 – أن يكون قرضا حسنا لا ربا فيه .

2 – ألا يترتب على إقراضهم ضرر بالمسلمين ، كإقراض المحاربين .

3 – أن يغلب على ظن المسلمين رجوع أموالهم إليهم إذا كانوا هم المقرضين .

سادسا : يجوز أن يوكل المسلم غير المسلم بدلا عنه في القيام بأموره ، ويتوكل عنه ، لكن بالشروط الآتية :

1 – ألا يترتب على توكيل غير المسلم ولاية له على مسلم ، كأن يوكله في تطليق امرأته المسلمة ، أو في رعاية أولاده القصر ، أو في نظارة وقف ، أو في تنفيذ وصية ، أو في قسم ميراثه بين ورثته ، أو يوكله قاضيا للمسلمين ؛ لقوله ـ جل وعلا ـ( وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا ) النساء [141].

2 – ألا يوكله في القيام بالعبادات التي يجوز فيها توكيل المسلم ، كأن يوكله أن يذبح أضحيته ، أو يؤذن عنه أو يؤم أو يخطب ، لأنها لا تصح من غير المسلم ح لقوله ـ جل وعلا ـ ( وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ) التوبة [54].

3 – ألا يتوكل المسلم على غير المسلم في القيام بما لا يجوز شرعا للمسلم القيام به ، ولا يقر غير المسلم على القيام به ، كأن يعقد له عقد ربا ، أو كان مما يحرم على المسلم ويقر غيره عليه ، كأن يشتري له خمرا ، أو كان مما يجوز للمسلم فعله دون غيره ، كأن يتوكل عنه في تزويجه بامرأة مسلمة ، أو شراء رقيق مسلم .

سابعا : يجوز للمسلم الاستعارة من غير المسلم ما يحتاجه من الأدوات والكتب وغيرها ، وكذلك إعارته إذا كان غير محارب ، لأنها من الإحسان ، وهو جائز منا لهم ، لكن يشترط كون العارية مما يجوز لغير المسلم الانتفاع بها، كسيارة ، أو جهاز كمبيوتر ، وإلا لم تجز إعارتها له ، كمصحف ، أو رقيق مسلم .

ثامنا : يجوز للمسلم قبول ودائع غير المسلمين ، وإيداعهم ، لكن في حال الإيداع يشترط ـ مع كونهم غير محاربين ـ كونهم أمناء ، بحيث يغلب على ظنه عدم خيانتهم ، بجحد العارية ، أو المماطلة في ردها .

تاسعا : يجوز للمسلم قبول هدية غير المسلم وإهدائه ، كما قبل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ هدية المقوقس ملك مصر ، وكانت من ضمنها مارية القبطية ، وكما أهدى عمر ـ رضي الله عنه ـ أخا له مشركا حلة من حرير كان النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أعطاها عمر .

عاشرا : أموال غير المسلمين من غير المحاربين التي أقرهم الإسلام على الانتفاع بها محترمة ، لا يجوز إتلافها ، ولو كانت مما لا يجوز للمسلم حيازتها ، كالخمر ، فإما أموال المحاربين فيجوز للمسلمين إتلافها إذا كانت المصلحة في ذلك ، كما أقر الله نبيه ومن معه من الأصحاب على قطع نخل يهود بني النضير في غزوة خيبر ، بقوله ـ جل وعلا ـ :( مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ) الحشر [5] واللينة : النخلة .

حادي عشر : اللقيط غير المسلم ( وهو الطفل المنبوذ أو التائه الذي لا يعرف والداه ووجد في بلد أكثر أهله غير مسلمين ) له حق على المسلمين الذين عثروا عليه أن يتولوا حضانته ، والإنفاق عليه ، والقيام بمصالحه ، كما يفعل باللقيط المسلم ، لأن نفسه مكرمة محترمة ، وقد قال ـ جل وعلا ـ ( وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ) الإسراء [70] .

القسم الخامس : أحكام غير المسلمين في الفرائض :

أولا : الراجح من أقوال أهل العلم أنه ليس للمسلم أن يرث غير المسلم بنسب أو مصاهرة أو ولاء ، ولا أن يرثه غير المسلم ؛ لقوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في الحديث الذي رواه البخاري : لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم .

ثانيا : إذا تحاكم إلينا غير المسلمين في قسم مواريثهم قسمناها على وفق شرعنا ، وحينئذ فللمتحاكمين إلينا منهم حالتان :

الأولى : أن يكون المورث والوارث على دين واحد ، كأن يكونا نصارى فيرثه ، ويقسم الإرث كما يقسم بين المسلمين .

الثانية : أن يختلف الدين ، فيكون الميت الذي يراد قسم ميراثه نصرانيا ـ مثلا ـ ويكون قريبه الذي يراد توريثه يهوديا ، فقد اختلف أهل العلم في توريثه من الميت على ثلاثة أقوال :

القول الأول : لا إرث بين كفار أقرباء دينهم مختلف ؛ لقول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ : لا يتوارث أهل ملتين شتى رواه أحمد وأبو داود والنسائي.

القول الثاني : يتوارثون فيما بينهم مهما اختلفت أصنافهم ، شرط أن يكونوا من دار واحدة (أي من بلاد ليس بينها حرب) ؛ لأن الكفر ملة واحدة ، وقد قال ـ جلا وعلا ـ ( وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ) الأنفال [73] .

القول الثالث : يتوارث أهل الكتاب (اليهود والنصارى) من بعضهم ؛ لوجود جامع بينهم وهو أنهم أهل كتاب ، ويتوارث غيرهم من بعضهم ؛ لوجود جامع بينهم وهو أنهم ليسوا أهل كتاب ، لكن لا توارث بين أهل الكتاب وغيرهم ، لعدم وجود الجامع .

والمسألة لا تحتمل الأخذ بأحد هذا الأقوال ؛ لعدم وجود دليل صحيح صريح يرجح أحدها .

القسم السادس : أحكام غير المسلمين في فقه الأسرة :

أولا : لا يجوز للمسلم النظر إلى المرأة غير المسلمة ، إذا كانت من غير محارمه ؛ لعموم قول الله ـ جل وعلا ـ (قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ) النور [30] ، ولا يجوز له مسهن ، ولا مصافحتهن ؛ لعموم قول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لأن يطعن في رأس رجل بمخيط من حديد خير له من أن يمس امرأة لا تحل له ، ويستثنى من ذلك ما إذا دعت الحاجة ، كالنظر للمخطوبة ، أو نظر القاضي أو الشاهد ، أو نظر الطبيب ومسه لها ، كالمرأة المسلمة ،

وأما المرأة المسلمة فيجوز لها النظر إلى غير المسلمة ، والعكس لكن يرى بعض أهل العلم عدم مبالغة المسلمة في إظهار الزينة عند غير المسلمة .

ثانيا : لا ولاية لغير المسلم على قريبته المسلمة في عقد نكاحها ؛ لقول الله ـ جل وعلا ـ (وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا) النساء [141] ويكون وليها قريبها المسلم ، فإن لم يوجد فالحاكم المسلم ، أو من يمثله كالقاضي ، أو مسؤول الجالية المسلمة ، فإن لم يوجد فتوكل بعقد نكاحها من تجده من صالح المسلمين .

ثالثا : لا يجوز لغير المسلم نكاح المسلمة ، سواء أكان من أهل الكتاب أم من غيرهم ؛ لعموم قوله ـ جل وعلا ـ (فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ) الممتحنة [10] ، وقوله ( وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا) البقرة [221] .

رابعا : لا يجوز للمسلم نكاح الكافرة غير الكتابية ، لقول الله ـ جل وعلا ـ (وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ) البقرة [221] ، وأما الكتابية فالأولى بالمسلم نكاحها لوجود مخاطر على دينه ودين أولاده ، فإن رغب في نكاحها جاز ؛ لقول الله ـ جل وعلا ـ ( الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ) المائدة [5] .

لكن يشترط للجواز خمسة شروط :

1 – كونها محصنة أي : عفيفة غير زانية .

2 – كون عقد النكاح يجري وفق أحكام الشريعة الإسلامية .

3 – ألا يخشى الأب المسلم أن يترتب على هذا العقد لوازم مخالفة للشريعة ، مثل أن يكون قانون بلاد الكفر يعد الأولاد تبعا للأم في الدين ، وهي الأحق من الأب المسلم بحضانتهم عند حصول الفرقة ، أو تكون الأم متعصبة لدينها لتعلمه أولادها ، أو تذهب بهم إلى كنائس النصارى ، أو معابد اليهود ؛ لأن في هذا إلحاق أعظم الضرر بأولاده الذين من صلبه،حيث يرضون بالكفر بعد إسلامهم .

4 – توافر شروط عقد النكاح ، وهي :

الأول : الرضا من الزوجين بالنكاح ومن لازمه معرفة الكتابية أن هذا نكاح وليس صداقة .

الثاني : ولي الزوجة .

الثالث : المهر .

الرابع : الشاهدان .

الخامس : الإيجاب من ولي الزوجة بأن يقول : زوجتك موليتي فلانة . والقبول من الزواج بأن يقول : قبلت الزواج بها .

5 – عدم جود مانع من موانع النكاح ، ككونها في عدة طلاق أو وفاة ، ولذا فعلى الزوج المسلم إن كانت الكتابية ثيبا التأكد من أنها اعتدت العدة الشرعية بعد فراقها لزوجها الأول ، سواء أكانت فرقة بسبب طلاق زوجها لها ، وهي وضع الحمل إن كانت حاملا ، أو أن تحيض ثلاث حيض إن لم تكن حاملا ، أو مضي أربعة أشهر وعشرة أيام منذ وفاته .

خامسا : يجب على المسلم معاشرة زوجته الكتابية بالحسنى والعدل في النفقة والقسم كما يعاشر زوجته المسلمة ، وله أن يحبها حب الزوج زوجته ، وليس محبة دين ورضا بما هي عليه ، ويجب عليه دعوتها إلى دين الإسلام ؛ لأنه من الأمر بالمعروف ، وهو واجب على كل مسلم بحسبه ، وله أن يلزمها بالتنظف من الشعر غير المرغوب فيه ، وأن يأمرها بالغسل بعد الحيض والجنابة ؛ لأن ذلك من كمال استمتاعه بها ، وهو حق له عليها ، فيلزمها طاعته فيه .

سادسا : إذا طلق المسلم زوجته الكتابية فعليها أن تعتد ثلاث حيض ، أو تضع حملها إن كانت حاملا قبل أن تتزوج بغيره ، كما تعتد المسلمة ، وعليه الإحداد بعد وفاته إن توفى وهي في ذمته ، في مدة عدتها ، وهي مدة حملها حتى تضع إن كانت حاملا منه ، أو تمضي على وفاته أربعة أشهر وعشر ؛ لأن العدة والإحداد حق للزوج .

سابعا : حضانة أولاد المسلم من زوجته الكتابية إذا حصلت الفرقة بينهما للمسلم ؛ لأنهم مسلمون تبعا لأبيهم ، وقد قال الله ـ جل وعلا ـ (وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا) النساء [141] .

ثامنا : يقر الإسلام غير المسلمين على أنكحتهم ، ولا يطلب منهم تجديد عقودها إذا أسلموا ؛ كما فعل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ حيث أقر أنكحة من أسلم منهم ، سواء أكانوا من أهل الكتاب أم من غيرهم في مكة والمدينة ، ولم يبطلها.

فإن أسلما جميعا فنكاحهما صحيحا ، ويستمران عليه ، وإن أسلم الرجل دون المرأة فإن كانت من أهل الكتاب فكذلك نكاحهما صحيح ويبقيان عليه ، وإن كانت من غير أهل الكتاب فإن لم يكن دخل بها انفسخ نكاحهما في الحال دون حاجة إلى أن يطلقها وإن كان بعد الدخول وقف الأمر على انقضاء عدة طلاق بوضع حمل أو انتهاء ثلاث حيض ، فإن أسلمت أثناء العدة فهي زوجته دون حاجة إلى تجديد العقد ، وإن انقضت العدة وهي لم تسلم انفسخ عقدهما مباشرة ويحسب الانفساخ من حين أسلم الزوج ، لقول الله ـ جل وعلا ـ ( وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ) الممتحنة [10] وقوله ـ جل وعلا ـ (وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ) البقرة [221] ، وإن أسلمت المرأة دون زوجها ، سواء أكان كتابيا أم غير كتابي فهي في الحكم نفس حكم الزوج إذا أسلم وكانت زوجته غير كتابية ، وبنفس التفصيل ، لقوله ـ جل وعلا ـ ( فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ) الممتحنة [10] .

القسم السابع : أحكام غير المسلمين في القصاص والحدود والتعزيرات :

أولا : إذا ارتكب غير المسلم ـ ممن له عهد وذمة ـ في بلاد المسلمين جناية يمكن القصاص منه بها خير صاحب الحق بين إقامة القصاص عليه ، أو دفع الدية ، أو العفو ، فإن كانت جناية على النفس كقتله معصوم الدم ، خير أولياء المقتول ، وإن كانت جناية على عضو كقطع رجل أو فقء عين خير المجني عليه ، وإن كانت الجناية لا يمكن القصاص منه بها خير المجني عليه بين الدية أو العفو ، فهو في هذا كالمسلم ؛ لقوله ـ جل وعلا ـ ( وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ) المائدة [45] ، وقوله ـ جل وعلا ـ (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى) إلى قوله (فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ) البقرة [178] .

ثانيا : إذا اعتدى المسلم على غير مسلم من ذمي أو مستأمن فقتله أو جرحه فقد ارتكب إثما عظيما ، قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم من قتل ذميا أو معاهدا لم يرح رائحة الجنة رواه البخاري . وهو مستحق للعقوبة ، كما عليه دفع ديته ، لكن لا يقتص منه به بقتل ولا جرح ، لقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه البخاري لا يقتل مسلم بكافر ، كما أن الذمي لو قتل حربيا فإنه لا يقام عليه القصاص ، ولا يعاقب ، وليس عليه دية ، ولا كفارة ؛ لأنه قتل غير معصوم الدم .

ثالثا : الراجح من أقوال أهل العلم أن دية الكتابي إذا كان معصوم الدم في جناية القتل أو الجراح إذا كان خطئا نصف دية المسلم ، فإن كان ذكرا فديته نصف دية المسلم الذكر ، وإن كان أنثى فنصف دية الأنثى المسلمة ، لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى أن عقل الكتابي نصف عقل المسلم . رواه أحمد ، والعقل هو الدية ، وإن كانت الجناية عمدا والاني مسلما ، فقد ذهب الإمام أحمد إلى تضعيف الدية على المسلم فتصبح مثل دية المسلم ، وروى ذلك عن عثمان بن عفان ، لكن رأي جمهور أهل العلم على عدم تضعيفها .

رابعا : إذا ارتكب غير مسلم من الذميين والمعاهدين في بلاد الإسلام معصية توجب الحد في شرعنا على المسلم لو ارتكبها نظرنا فإن كانت المعصية مما أقره الإسلام على فعلها خفية كشرب الخمر فلا يقام عليه الحد الواجب فيه ، لكن لو جاهر بشربها جاز تعزيره بعقوبة مناسبة تردعه عن تكرار المجاهرة ، وإن كانت المعصية مما لم يقره الإسلام على فعلها كالزنا وجب إقامة حد الزنا عليه وهو الرجم إن كان محصنا ( وهو المتزوج حتى لو طلق ثم زنا ) أو الجلد مائة جلدة إن كان غير محصن ، وهذا إذا ثبت الزنا عليه باعترافه أو شهادة أربعة شهود عدول ، كما يفعل بالمسلم إذا زنا ، لعموم قوله ـ جل وعلا ـ ( الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ ) النور [2].

ولحديث ابن عمر أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أقام حد الرجم على يهوديين زنيا في المدينة حين رفع اليهود أمرهما إلى النبي صلى الله عليه وسلم . متفق عليه . ومثله السرقة والقذف .

ويجدر التنبيه هنا أن بعض أهل العلم لا يوجب إقامة الحدود عليهم إلا إذا ترافعوا إلى محاكم المسلمين ، أو كان المعتدي عليه مسلما ، فإن كان الأمر فيما بينهم وليس فيه طرف مسلم ولم يترافعوا إلينا لم يلزم الحكم بينهم ، ولا إقامة الحدود عليهم .

خامسا : إذا اعتدى المسلم على غير المسلم من الذميين والمعاهدين بما يوجب حدا كما لو زنى بامرأة من نسائهم ، أو عمل عمل قوم لوط مع أحدهم أو سرق ماله المحترم أقيم عليه الحد الواجب في كل معصية منها كما يقام عليه لو فعل ذلك بمسلم ، فإن كان الاعتداء قذفا له بالزنا أو اللواط لم تجب إقامة الحد على المسلم ، ولكن يجب تأديبه ، ردعا له عن الكلام في أعراضهم ، وكفا له عن أذاهم .

سادسا : لا يقام القصاص ولا الحدود على من ارتكب موجبها من أفراد الجالية المسلمة في الدول غير المسلمة ، سواء أكانت معادية لدول المسلمين ، أو غير معادية بل بينها وبين المسلمين صلح وعهد ، ولكن لا يسقطان عمن ارتكب موجبهما ، بل تؤخر إقامتهما حتى يسافر إلى بلد مسلم فيقام عليه في ذلك البلد القصاص أو الحد ، إذا كملت شروط إقامتهما وانتفت الموانع ، وهذا على الراجح من أقوال أهل العلم ، والدليل على ذلك ـ إن حصل في الدولة المحاربة للمسلمين ـ ما روى بشر بن أبي أرطاة أنه أتى برجل في الغزاة قد سرق فقال : لولا أني سمعت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول : لا تقطع الأيدي في الغزاة لقطعتك ، أخرجه أبو داود وغيره . وروى سعيد بن منصور عن الأحوص بن حكيم عن أبيه أن عمر ( كتب إلى الناس ألا يجلدن أمير جيش ولا سرية رجلا من المسلمين حدا وهو غار ، حتى يقطع الدرب قافلا ، لئلا تلحقه حمية الشيطان فيلحق بالكفار ) ، وعن أبي الدرداء وحذيفة بن اليمان نحوه ، فإذا كان هذا في الغزاة المسلمين وهم تحت حكم المسلمين فمن الأولى إجراء هذا الحكم على أفراد الجالية المسلمة وهم تحت حكم دولة كافرة محاربة للمسلمين .

والدليل على ذلك ـ إن حصل في دولة مهادنة للمسلمين ـ أن الحكم فيها لغير المسلمين ، وليس ثمة للمسلمين ولاية تحكم بما أنزل الله ، وتقيم القصاص والحدود ، وقد تعد تلك الدولة إقامة الحدود فيها والقصاص خارج محاكمها ودوائرها الأمنية افتياتا عليها وانتهاكا لسيادتها على أراضيها ، وتعدها جريمة يعاقب عليها ، فلا يلزم المسلمين فعل ما يعاقبون عليه في غير أراضيهم .

وبناء على هذا يكون واجب القصاص وإقامة الحدود مما يترك في غير بلاد المسلمين عجزا عن إقامته أو رعاية للمصلحة التي اعتبرها الشرع ، ودرءا للمفسدة .

[ص-21] فأما دليل إقامة القصاص أو الحد إذا دخل المرتكب ما يوجبهما بلاد المسلمين فلعموم النصوص الآمرة بذلك ، وإنما أخرت لعارض كما تؤخر بعض الواجبات لمرض أو شغل .

القسم الثامن : أحكام ذبائح غير المسلمين وأطعمتهم :

أولا : مأكولات غير المسلمين من غير اللحم الواجب ذبحه بالطريقة الإسلامية حلال ، كالسمك والخضروات والفواكه وما صنع منها ، ويشترط في ذلك ما يشترط في مأكولات المسلمين من كونها حلالا ، مباحة ، غير نجسة ولا متنجسة ، لعدم الدليل المحرم لها فبقيت على الأصل وهو الحل ، الذي دل عليه قول الله جل وعلا : ( هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا) البقرة [29] .

ثانيا : لا يجوز أكل ذبائح غير المسلمين ؛ لقوله ـ جل وعلا ـ سورة الأنعام الآية 121 وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ الأنعام [121] ، ويستثنى من ذلك ذبائح اليهود والنصارى فقط ، فيجوز أكلها شريطة أن يذبحوها بالطريقة الشرعية للذبح التي يجب على المسلم الذبح بها إن كانت مما يذبح كالشياه ، بأن يقطعوا بالسكين ونحوها رقبتها من جهة البلعوم فيقطعوه ويفروا الودجين وهما الوريدان اللذان على جانبي الرقبة ، أو ينحروها إن كانت مما ينحر كالإبل ، بأن يضربوا نحرها بالحربة ونحوها حتى يخرج الدم كالنهر ؛ لقول ـ جل وعلا ـ ( الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ ) المائدة [5] فإن ماتت بغير هذه الطريقة فهي ميتة حرام كميتة المسلم ، بل وتحريمها أولى ؛ لأنها ميتة كافر.

والمسلم من حيث علمه بطريقة موت ذبائح أهل الكتاب لا يخلو من إحدى ثلاث حالات :

الأولى : أن يتيقن أنها ماتت بغير الطريقة الإسلامية ، أو يغلب ذلك على ظنه فلا يجوز له أكلها .

الثانية : أن يتيقن أنها ذبحت على الطريقة الإسلامية أو يغلب ذلك على ظنه فهي حلال .

الثالثة : أن يشك ، ولا يغلب على ظنه شيء من ذلك فله الأكل منها ؛ لأنه الأصل ، والورع والترك .

القسم التاسع : أحكام غير المسلمين في القضاء والبينات :

أولا : لا يجوز تولية غير المسلم الولايات الكبرى في الدولة الإسلامية ، كرئاسة الدولة والوزارة والقضاء ، وكذلك الصغرى كمدير إدارة أو رئيس رئاسة ، سواء أكانت وظيفة مدنية أم عسكرية ؛ لقول الله ـ جل وعلا ـ ( وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا ) النساء [141] ولأنها وظائف يشترط في من يتولاها القوة والأمانة وغير المسلم ليس أمينا على مصالح المسلمين ، وهذا أمر اتفق عليه أهل العلم ، أما الوظائف الأخرى فيجوز توظيفهم فيها إذا حقق مصلحة للمسلمين أو دفع مفسدة عنهم ، سواء في ما لا ولاية فيه من الوظائف [ص-22] كطبيب أو فني أو مهندس أو عامل ونحوها ، أو ما كان فيها شيء من ولاية كوظائف تدريب المدنيين والعسكريين على الأمور الفنية والطبية والهندسية والقتالية وغيرها .

ثانيا : إذا ادعى الكافر دعوى على مثله أو على مسلم قبلت ، ووجب على القاضي إن حكم بينهم أن يحكم بالعدل ، كما يحكم بين المسلمين ؛ لقول الله ـ جل وعلا ـ (وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ) المائدة [42] .

ثالثا : لا تقبل شهادة غير المسلم على المسلم في مجلس القضاء ؛ لأن شرط قبولها العدالة وغير المسلم ليس بعدل ، وأما شهادتهم على بعضهم ففيها خلاف بين أهل العلم ، والأقرب قبولها ، سواء أكان المشهود عليه من نفس ملة الشاهد أم لا ؛ لأنه قد يتعذر عليهم أن يجدوا مسلما يشهد لهم بحقوقهم ؛ لقلة مخالطتهم للمسلمين ، فإذا لم تقبل شهادتهم على بعضهم أدى إلى ضياع حقوقهم ، بخلاف المسلم يوجد من يشهد له أو عليه من المسلمين .

رابعا : تقبل يمين الكافر في الخصومات ؛ لعموم قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ اليمين على المدعى عليه متفق عليه . وفي حديث الأشعث بن قيس أنه وقعت بينه وبين يهودي خصومة على أرض فرفعه إلى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال للأشعث : هل لك بينة ، قال : لا . قال لليهودي : احلف رواه البخاري.

لكن لا يحلف إلا بالله ؛ لقوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت متفق عليه . وذلك بأن يقول اليهودي : والله الذي أنزل التوراة على موسى . ويقول النصراني : والله الذي أنزل الإنجيل على عيسى . وللقاضي أن يغلظ اليمين على غير المسلم فيجعله يحلف في الزمان والمكان الذين يعظمهما.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين ، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا .

خالد بن محمد الماجد في 23 / 4\1425هـ

أحكام التعامل مع غير المسلمين خالد بن محمد الماجد – 1 –

-- خالد بن محمد الماجد

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*