
جماع الكلام في المظاهرات على الحكام
الحمد لله الذي لم يدع للمسلمين في غير التزام دينه من البلاء َفرجًا، والصلاة والسلام على نبيه الذي بيَّن لنا من كل فتنة مخرجًا، ورضي الله عن أصحابه وأتباعهم الذين لا يجدون في الرجوع إلى كلام ربهم وهدى نبيهم حرجًا، أما بعد:
فيقول محبكم: أبو بكر أسامة بن محمود الحريري عفا الله عنه:
لقد قام رسول الله صلى الله عليه وسلم في أواخر أيام حياته، وفي أعظم موقف له في الإسلام، وأمام أكبر حشد في أعظم بقعة في حجة الوداع، ليخطب الناس قائلاً لهم: «إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، ألا كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع، ودماء الجاهلية موضوعة.. وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به: كتاب الله، وأنتم تسألون عني(1) فما أنتم قائلون؟»(2).
لقد أحزننا -والله- ما يجري على أمة الإسلام وأن يتهاوى الناس في فتنة كهذه التي يشهدها العالم اليوم من خروج على السلاطين والحكام باسم المظاهرات والسلمية والمطالبة بالحقوق وغير ذلك من الشعارات التي لا يراد بها إلا لجم الأفواه لتسويغ نزع الناس يدهم من طاعة حاكمهم، فيُقتل من المسلمين ما يٌقتل، ويٌهتك من الأعراض ما يهتك، وتنتهك الحرمات، وتسرق الأموال، ويستباح ما حرم الله يذهب بالدين في بعض الأحيان.
ومن العجيب أن ذلك كلَّه سبق أن انتشر عن الرافضة تخطي ُ طهم له في بروتوكولاتهم الخمسينية، ولم يتأمل أحد من المسلمين ما سبب اختصاص دول كتونس ومصر والبحرين والسعودية واليمن وغيرها من دول المنطقة بمثل هذا الخروج دون دول حكامها من أكفر أهل الأرض وأظلمهم على الإطلاق، أولم يتفكروا في مجرد احتمال كون هذه فتنًة كيف لهم أن يتقوها إن كانت كذلك؟ أيتهافت الناس على النار تهافت الفراش حتى إذا ذبهم عنها ذاب جعلوا يكيلون له الاتهامات وسيول اللعنات؟!!
لقد ذكرني هذا بالحديث الثابت عن حذيفة رضي الله عنه قال: ُذكر الدجال عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "لأنا, لفتنة بعضكم أخوف عندي من فتنة الدجال، ولن ينجو أحد مما قبلها إلا نجا منها، وما صنعت فتنة منذ كانت الدنيا -صغيرة ولا كبيرة- إلا تتضع لفتنة الدجال"(3).
لقد بلغ الخلل في تفكير الناس إلى حدِّ ذهبت معه عقولهم كما ورد في الحديث عن الحسن أن أسيد بن المتشمس قال: أقبلنا مع أبي موسى الأشعري من أصبهان فتعجلنا وجاءت عقيلة فقال أبو موسى: ألا فتى ينزل كنته قال: يعني أمة الأشعري، فقلت: بلى فأدنيتها من شجرة فأنزلتها ثم جئت فقعدت مع القوم، فقال: ألا أحدثكم حديثًا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدثناه؟ فقلنا: بلى يرحمك الله! قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدثنا أن بين يدي الساعة الهرج، قيل: وما الهرج؟ قال:الكذب والقتل، قالوا: أكثر مما نقتل الآن؟ قال: إنه ليس بقتلكم الكفار! ولكنه قتل بعضكم بعضًا !!! حتى يقتل الرجل جاره ويقتل أخاه ويقتل عمه ويقتل ابن عمه!! قالوا: سبحان الله! ومعنا عقولنا؟! قال: لا، ألا إنه ينزع عقول أهل ذاك الزمان حتى يحسب أحدكم أنه على شيء وليس على شيء –وفي رواية: إنه لينزع عقول أكثر أهل ذلك الزمان، ويخلف له هباء من الناس يحسب أكثرهم أنه على شيء وليسوا على شيء-، قال أبو موسى: والذي نفس محمد بيده لقد خشيت أن تدركني وإياكم تلك الأمور، وما أجد لي ولكم منها مخرجًا فيما عهد إلينا نبينا صلى الله عليه وسلم إلا أن نخرج منها كما دخلناها لم نحدث فيها شيئًا –وفي الرواية الأخرى: لم نصب فيها دمًا ولا ما ً لا-.(4)
وإنما مرجع ذلك وأسبابه فيما بيّن لنا ربنا ونبينا صلى الله عليه وسلم في عدة أمور يجب على كل أحد الوقوف عليها قبل الكلام في هذه الفتن الواقعة في ديار الإسلام نسأل الله لنا وللمسلمين منها العافية.
وجماع هذه الأمور كلها يرجع إلى استقرار عقل الفرد وطريقة تفكيره واطمئنان قلبه تجاه ثلاثة أشياء:
1- الدنيا بما فيها من شهوات وملذات واحتياجات متنوعة ما بين ضرورات وحاجيات وتكميليات.
2- علاقة الحاكم والمحكوم، وما يحف هذه العلاقة من واجبات وحقوق ومخاطر خاصة وعامة.
3- علاقة الفرد بربه تبارك وتعالى، فالعبد يدور بين رغبات يرجو تحصيلها، ومخاوف يرجو نجاته منها.
فطريق الإسلام في الوصول إلى الأمن الشامل يتجلى أساسها في تحقيق الأمن الفكري للمجتمع واستقرار العقل واطمئنان القلب لأفراده؛ وهو يدور على هذه الأمور على النحو الآتي:
أولاً: تحقيق الأمن الفكري باستقرار الفكر واطمئنان القلب تجاه الدنيا:
ذلك أن الإسلام دفع الفرد إلى الراحة النفسية التامة تجاه شؤون الحياة الدنيا من خلال تركيزه على الأمور الآتية:
1- تكفل الله تعالى لعبد بتحقيق ما يسر العبد في دنياه وتوسعة العطاء عليه من الأموال والأولاد والثمرات إذا التفت العبد عنها إلى طاعة ربه سبحانه وتعالى، وذلك ما تردد في العديد من آيات الكتاب العزيز، ومن ذلك قوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ}[الأعراف:96], {وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُواْ مِن دِيَارِكُم مَّا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِّنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا(66)وَإِذًا لَّآتَيْنَاهُم مِّن لَّدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا(67)لَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا(68)وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا(69)ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا(70)}[النساء], {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُواْ وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ(65)وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِم مِّن رَّبِّهِمْ لأَكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم مِّنْهُمْ أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ سَاء مَا يَعْمَلُونَ(66)}[المائدة ].
2- حث الفرد على الزهد في الدنيا وعدم طلبها لذاتها، وبالتالي لا يكون تحصيلها شغله الشاغل، كما في الحديث عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنكبي فقال: (كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل)، وكان ابن عمر يقول: إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك.(5)
3- قصر نظر الفرد على من هو دونه في شؤون الدنيا، وعلى من هو فوقه في شؤون الدين، مما يجعله شاكرًا لنعمة ربه مقدرًا لها حق قدرها، فلا يطلب المزيد منها بغير حقه ووسائله المشروعة، كما في الحديث عن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه قال: أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجلاً فقال: يا رسول الله! دلني على عمل إذا أنا عملته أحبني الله وأحبني الناس؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما في أيدي الناس يحبك الناس).(6)
وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: نام رسول الله صلى الله عليه وسلم على حصير فقام وقد أثر في جنبه، فقلنا: يا رسول الله لو اتخذنا لك وطاء، فقال: (ما لي وللدنيا! ما أنا في الدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها).(7)
4- تبيين حال الدنيا وهوانها على الله تعالى وما ينبغي أن يكون حال العبد معها وما يكفيه منها، كما في الحديث عن عبيد الله بن محصن الخطمي الأنصاري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من أصبح منكم آمنًا في سربه، معافى في جسده، عنده قوت يومه؛ فكأنما حيزت له الدنيا).(8)
ثانيًا: تحقيق الأمن الفكري باستقرار الفكر واطمئنان القلب بين الحاكم والمحكوم:
وهذا أمر عظم خطره في الآونة الأخيرة وكثر خطأ الناس وانزلاقهم فيما يخالف المنهج الرباني فيه، فغلا أقوام في الحاكم فقدّسوه وأطاعوه في معصية الله تعالى، وجفا عنه آخرون حتى تظاهروا وخرجوا عليه وحاربوه، والحق بين هؤلاء وأولئك كما سيتبين من منهج الإسلام في تحقيق الأمن الفكري جهة الحاكم وذلك بعرض الأمور الآتية في محورين اثنين:
المحور الأول: من جهة الحاكم نفسه، وذلك من خلال الآتي:
1- أمَر الله تعالى الحاكم أن يقوم للناس بالقسط والحق والعدل، كما قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا}[النساء:58]، قال ابن كثير: "قوله: {وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ} أمر منه تعالى بالحكم بالعدل بين الناس؛ ولهذا قال محمد بن كعب وزيد بن أسلم وشهر بن حوشب: إنما نزلت في الأمراء، يعني الحكام بين الناس. وقوله: {إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ} أي: يأمركم به من أداء الأمانات، والحكم بالعدل بين الناس، وغير ذلك من أوامره وشرائعه الكاملة العظيمة الشاملة"(9).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وإذا كانت الآية قد أوجبت أداء الأمانات إلى أهلها، والحكم بالعدل: فهذان جماع السياسة العادلة، والولاية الصالحة"(10).
وقال ابن القيم: "وجميع هذه الولايات في الأصل ولايات دينية ومناصب شرعية، فمن عدل في ولاية من هذه الولايات وساسها بعلم وعدل؛ وأطاع الله ورسوله بحسب الإمكان، فهو من الأبرار العادلين، ومن حكم فيها بجهل وظلم، فهو من الظالمين المعتدين، و{إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ(13)وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ(14)}[الانفطار]"(11)
وفي الحديث عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم: «إن المقسطين عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن عز وجل وكلتا يديه يمين الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولّوا»(12).
كما جاء الوعيد الشديد لمن ولي فظلم وجار ولم يقم بحق الله عليه في ولايته، ففي الحديث عن معقل ابن يسار قال في مرضه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (ما من أمير يلي أمر المسلمين ثم لا يجهد لهم وينصح؛ إلا لم يدخل معهم الجنة).(13)
2- وجهت الشريعة الإسلامية الحاكم إلى أخذ الناس بالرفق فيما ليس فيه حد شرعي، كما في الحديث عن عائشة رضي الله عنها قالت: سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في بيتي هذا: (اللهم من ولي من أمر أمتي شيئًا فشق عليهم فاشقق عليه ومن ولي من أمر أمتي شيئًا فرفق بهم فارفق به).(14)
المحور الثاني: معاملة المحكوم للحاكم المسلم، وذلك من خلال الآتي:
1- عدم طلب الإمارة أصلا والتزهيد فيها والإقبال على شؤون المرء الخاصة وعلاقته مع ربه ليستكملها ولا ينشغل بالإمارة عنها مع ما فيها من المسؤولية، ففي الحديث عن أبي ذر قال: قلت: يا رسول الله ألا تستعملني؟ قال: فضرب بيده على منكبي ثم قال: (يا أبا ذر! إنك ضعيف، وإنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة، إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها).(15)
وفي الحديث عن عبد الرحمن بن سمرة قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يا عبد الرحمن بن سمرة لا تسأل الإمارة، فإنك إن أعطيتها عن مسألة؛ وُكِلتَ إليها، وإن أعطيتها عن غير مسألة أعنت عليها، وإذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرًا منها؛ فكفر عن يمينك واْئت الذي هو خير).(16)
وفي الحديث أيضًا عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إنكم ستحرصون على الإمارة، وستكون ندامة يوم القيامة، فنعم المرضعة، وبئست الفاطمة).(17)
2- توجيه المسلم إلى التعامل الشرعي مع الحاكم، وقد سبق استعراض بعض النصوص في ذلك، وهي تدعو في مجملها إلى: الصبر على جوره، والسمع له، والطاعة في المعروف، وعدم نزع يدٍ من طاعة مهما صدر منه دون الكفر البواح، والنصيحة له في السر وبرفق، وعدم الغل عليه أو الغش له، والدعاء له في السر والعلن بالصلاح والمعافاة، ونشر محاسنه بين الناس، وأداء حقوقهم علينا وإن تعدوا على حقوقنا.(18)
وما فتئ علماء السنة سلفًا وخلفًا(19) يذكرون الدعاء للسلطان بالصلاح والمعافاة على أن سنة واتباع، وخلاُفه شر وابتداع، معلِّلين ذلك بأن صلاحه صلاح الأمة كما ورد في عدة أحاديث(20)، وقال أبو الدرداء رضي الله عنه: "إن أول نفاق المرء طعنه على إمامه"(21). وقد روى اللالكائي عن الفضيل بن عياض أنه قال: "لو كانت لي دعوة مستجابة لم أجعلها إلا في إمام، لأنه إذا صلح الإمام أمن البلاد والعباد"(22) ورواه عنه أبو نعيم بلفظ: "لو أن لي دعوة مستجابة ما صيرتها إلا في الإمام، قيل له: وكيف ذلك يا أبا علي؟ قال: متى ما صيرتها في نفسي ْ لم تجزني، ومتى صيرتها في الإمام فصلاح الإمام صلاح العباد والبلاد" وفسّرها، فقّبل ابن المبارك جبهته وقال: يا معلم الخير! من يحسن هذا غيرك.(23)
أما المظاهرات –وإن سلمية زعموا- فض ً لا عن الخروج بالسيف فهي من سبيل الكفار وأهل البدع في مختلف الأزمان، كما نص عليه أئمة الإسلام، قال معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما: "لما خرج أبو ذر رضي الله عنه إلى الربذة لقيه ركب من أهل العراق فقالوا: يا أبا ذر قد بلغنا الذي صُنع بك فاعقد لواء يأتيك رجال ما شئت. فقال: مهلا، مهلا يا أهل الإسلام فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (سيكون بعدي سلطان فأعزوه، من التمس ذله ثغر ثغرة في الإسلام ولم يقبل منه توبة حتى يعيدها كما كانت).(24)
قال ابن قيم الجوزية: "لزوم جماعتهم مما يطهر القلب من الغل والغش ؛ فإن صاحبه -للزومه جماعة المسلمين– يحب لهم ما يحب لنفسه، ويكره لهم ما يكره لها، يسوؤه ما يسوؤهم، ويسره ما يسرهم، وهذا بخلاف من انحاز عنهم واشتغل بالطعن عليهم والعيب والذم، كفعل الرافضة والخوارج والمعتزلة وغيرهم؛ فإن قلوبهم ممتلئة غلاً وغشًا، ولهذا تجد الرافضة أبعد الناس من الإخلاص، وأغشهم للأئمة والأمة، وأشدهم بعدًا عن جماعة المسلمين. فهؤلاء أشد الناس غلاً وغشًا بشهادة الرسول صلى الله عليه وسلم عليهم، وشهادتهم على أنفسهم بذلك؛ فإنهم لا يكونون قط إلا أعوانًا وظهرًا على أهل الإسلام، فأي عدو قام للمسلمين كانوا أعوان ذلك العدو وبطانته، وهذا أمر قد شاهدته الأمة منهم، ومن لم يشاهده فقد سمع منه ما يصم الآذان ويشجي القلوب"(25)
3- مسؤولية الحكم العام على الأمة تقع حصرًا على الحاكم دون المحكوم، وليس للناس أن يحاسبوه حتى لا ينتكس الوضع وينقلب الحاكم محكومًا والمحكوم حاكمًا!، والحاكم وحده يتحمل مسئولية تصرفاته، والله يحاسبه عليها، كما قال صلى الله عليه وسلم : (إنما الإمام جُنَة يقاتل من ورائه ويتقى به، فإن أمر بتقوى الله عزوجل وعدل كان له بذلك أجر، وإن يأمر بغيره كان عليه منه).(26)
وفي الحديث يقول صلى الله عليه وسلم: (أعطوهم حقهم فإن الله سائلهم عما استرعاهم).(27) وعن علقمة بن وائل الحضرمي عن أبيه قال: سأل سلمة بن يزيد الجعفي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا نبي الله أرأيت إن قامت علينا أمراء يسألونا حقهم ويمنعونا حقنا فما تأمرنا؟ فأعرض عنه، ثم سأله فأعرض عنه، ثم سأله في الثانية أو في الثالثة فجذبه الأشعث بن قيس، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اسمعوا وأطيعوا فإنما عليهم ما حُمِّلوا وعليكم ما حُمِّلتم).(28)
4- تعريف المسلم بأن الشرع المطهر إنما كلَّف المسلم ببذل النصيحة للإمام إن قدر عليها أو السكوت وعدم الخوض في جور الإمام ولا معاونته بأي شكل، كما في الحديث عن قتادة حدثنا الحسن عن ضبة بن محصن العنزي عن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إنه يستعمل عليكم أمراء فتعرفون وتنكرون فمن كره فقد برئ ومن أنكر فقد سلم ولكن من رضي وتابع) قالوا يا رسول الله ألا نقاتلهم؟ قال: (لا ما صلوا) قال قتادة: أي: من كره بقلبه وأنكر بقلبه(29), وبقول قتادة قال الإمام أحمد كما في رواية أبي داود عنه(30).
وعن أبي سعيد وأبي هريرة رضي الله عنهما قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ليأتين عليكم أمراء يقربون شرار الناس ويؤخرون الصلاة عن مواقيتها فمن أدرك ذلك منكم فلا يكونن عريفًا ولا شرطيًا ولا جابيًا ولا خازنًا).(31)
وروى سعيد بن منصور في «سننه» ومن طريقه البيهقي في «الشعب» وغيرهما عن سعيد بن جبير قال: قلت لابن عباس: آمر السلطان بالمعروف، وأنهاه عن المنكر؟ قال: "إن خفت أن يقتلك فلا تؤنب الإمام، فإن كنت لابد فاعلاً، ففيما بينك وبينه، ولا تغتب إمامك".
5- عدم الملالة من الصبر على جور الأئمة لأن ذلك من أوامر الشرع الكريم، ولأن الشرع مد أمد الصبر إلى يوم القيامة، فلم يسمح بنفاد الصبر قبل ذلك، قال البخاري(32): "باب قول النبي صلى الله عليه وسلم للأنصار اصبروا حتى تلقوني على الحوض، قاله عبد الله بن زيد عن النبي صلى الله عليه وسلم" ثم روى عن أنس بن مالك عن أسيد بن حضير أن رجلاً من الأنصار قال: يا رسول الله ألا تستعملني كما استعملت فلانًا؟ قال:ستلقون بعدي أثرة فاصبروا حتى تلقوني على الحوض(33). ثم روى عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم للأنصار: (إنكم ستلقون بعدي أثرة فاصبروا حتى تلقوني وموعدكم الحوض).(34)
فهذا أنس بن مالك الصحابي الذي عاصر الحجاج ينقل هذا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهل أظلم من الحجاج مضرب المثل في الظلم، وقد صرح أنس رضي الله عنه أن هذا الصبر أراد به مقابلة ظلم الحجاج فقد روى البخاري عن الزبير بن عدي قال: أتينا أنس بن مالك فشكونا إليه ما نلقى من الحجاج، فقال: "اصبروا، فإنه لا يأتي عليكم زمان إلا الذي بعده شر منه حتى تلقوا ربكم سمعته من نبيكم صلى الله عليه وسلم"(35).
6- الالتجاء إلى الله تعالى عند جور الأئمة وتقدير الله حق قدره وتحسين الظن به، لأنه هو وحده سبحانه القادر على تغيير حال الناس إلى خير منه، واستعجال الناس التغيير بغير الطريقة الشرعية يؤدي بهم إلى غضب ربهم وعكس مقصودهم، كما قال تعالى: {وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُم بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ(76)حَتَّى إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَابًا ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ(77)}[المؤمنون]، {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ(42)فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ وَلَكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ(43)فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُواْ بِمَا أُوتُواْ أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ(44)}[الأنعام]، {وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّبِيٍّ إِلاَّ أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ(94)ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا وَّقَالُواْ قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاء وَالسَّرَّاء فَأَخَذْنَاهُم بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ(95)}[الأعراف].
قال الحسن البصري: "لو أن الناس إذا ابتلوا من سلطان بشيء صبروا ودعوا الله لم يلبثوا أن يرفع الله ذلك عنهم ولكنهم يفزعون إلى السيف فيوكلون إليه، والله ما جاؤوا بيوم خير قط، ثم تلا هذه الآية {وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُواْ}[الأعراف:137]"(36).
وقد سبقه إلى هذا المعنى أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وهم أولى بكل خير وأجدر ألا يفوتهم إلى من بعدهم، وإمامهم في ذلك المصطفى لا الرأي والهوى، فقد قال أنس بن مالك رضي الله عنه: "نهانا كبراؤنا من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم قالوا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تسبوا أمراءكم، ولا تغشوهم، ولا تبغضوهم، واتقوا الله واصبروا؛ فإن الأمر قريب)"(37).
قال الحافظ ابن حجر: "وفي حديث عمر في مسنده للإسماعيلي من طريق أبي مسلم الخولاني عن أبي عبيدة بن الجراح عن عمر رفعه قال: أتاني جبريل فقال: إن أمتك مفتتنة من بعدك، فقلت: من أين؟ قال: من قِبل أمرائهم وقرائهم، يمنع الأمراء الناس الحقوق، فيطلبون حقوقهم؛ فيفتنون، ويتبع القراء هؤلاء الأمراء؛ فيفتنون، قلت: فكيف يسَلم من سلم منهم؟ قال: بالكف والصبر، إن ُأعطوا الذي لهم أخذوه، وإن منعوه تركوه"(38).
قال ابن كثير: "{لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ} أي: يدعون ويخشعون ويبتهلون إلى الله تعالى في كشف ما نزل. وتقدير الكلام: أنه ابتلاهم بالشدة ليتضرعوا، فما فعلوا شيئًا من الذي أراد الله منهم، فقلب الحال إلى الرخاء ليختبرهم فيه؛ ولهذا قال: {ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ} أي: حولَّنا الحال من شدة إلى رخاء، ومن مرض وسقم إلى صحة وعافية، ومن فقر إلى غنى، ليشكروا على ذلك، فما فعلوا.
وقوله: {حَتَّى عَفَوْا} أي: كثروا وكثرت أموالهم وأولادهم، يقال: عفا الشيء إذا كثر، {وَّقَالُواْ قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاء وَالسَّرَّاء فَأَخَذْنَاهُم بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ} يقول تعالى: ابتلاهم بهذا وهذا ليتضرعوا وينيبوا إلى الله، فما نجع فيهم لا هذا ولا هذا، ولا انتهوا بهذا ولا بهذا بل قالوا: قد مسّنا من البأساء والضراء، ثم بعده من الرخاء مثل ما أصاب آباءنا في قديم الدهر، وإنما هو الدهر تارات وتارات، ولم يتفطنوا لأمر الله فيهم، ولا استشعروا ابتلاء الله لهم في الحالين. وهذا بخلاف حال المؤمنين الذين يشكرون الله على السراء، ويصبرون على الضراء"(39).
وقال الحسن البصري: "اعلم –عافاك الله- أن جور الملوك نقمة من نقم الله تعالى، وِنقم الله لا تلاقى بالسيوف، وإنما تتقى وتستدفع بالدعاء والتوبة والإنابة والإقلاع عن الذنوب"(40).
7- النظر إلى الحاكم على أنه مرآة لشعبه، كما قيل في المثل السائر: كما تكونوا يولَّى عليكم، قال الطرطوشي في كتابه [سراج الملوك] في: [الباب الحادي والأربعون: كما تكونوا يولى عليكم]: لم أزل أسمع الناس يقولون : "أعمالكم عمالكم كما تكونوا يولى عليكم"؛ إلى أن ظفرت بهذا المعنى في القرآن، قال الله تعالى: {وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا}[الأنعام:129].
قال السيوطي: "أخرج أبو الشيخ عن منصور بن أبي الأسود قال: سألت الأعمش عن قوله {وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا} ما سمعتهم يقولون فيه قال: سمعتهم يقولون إذا فسد الناس أمر عليهم شرارهم. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مالك بن دينار قال: قرأت في الزبور: إني أنتقم من المنافق بالمنافق ثم أنتقم من المنافقين جميعًا وذلك في كتاب الله قول الله {وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ}"(41).
8- ولذلك لم ينفع الشعب أن يكون حاكمهم رسولاً من أولي العزم من الرسل، فهؤلاء بنو إسرائيل لما نجاهم الله تعالى من الغرق وخلصهم بموسى من فرعون وجنوده أجمعين أول شيء وقعوا فيه الشرك بالله تعالى! أفلا يقعون في غيره من المعاصي والظلم، كما قال تعالى حاكيًا حالهم بعد إهلاك عدوه وعدوهم فرعون وجنوده: {وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُواْ وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُواْ يَعْرِشُونَ(137)وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَّهُمْ قَالُواْ يَا مُوسَى اجْعَل لَّنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ(138)إِنَّ هَؤُلاء مُتَبَّرٌ مَّا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ(139)}[الأعراف].
ولذلك وقعوا في قتل الأنبياء والصالحين كما قال تعالى حاكيًا حالهم: {وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نَّصْبِرَ عَلَىَ طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنبِتُ الأَرْضُ مِن بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُواْ مِصْراً فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاؤُواْ بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ}[البقرة:61]، فتأمل كيف تمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا، وما أصابهم عندما قالوا: لن نصبر، {فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ}[الحشر:2].
9- إذا علم المرء ما تقدم ثم أصر على طلب الولاية برغم ذلك كله؛ فليعلم أن لا أمل له في أخذ مكان الحاكم إلا أن يشاء الله تعالى فليلجأ إليه وحده، ولا يسلكن الطرق الملتوية للوصول إليها، وليتأمل كيف استأثر الله سبحانه وتعالى بنسبة التمكين في الأرض لنفسه، قال تعالى: {أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّن لَّكُمْ}[الأنعام :6]، وقال: {أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِن لَّدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ(57)وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَن مِّن بَعْدِهِمْ إِلاَّ قَلِيلا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ(58)وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلاَّ وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ(59)}[القصص]، وقال: {وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ}[يوسف:21]، وقال: {وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاء نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَّشَاء وَلاَ نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ(56)وَلَأَجْرُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ(57)}[يوسف]، وقال: {إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا(84)فَأَتْبَعَ سَبَبًا(85)}[الكهف]، وقال: {وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ}[القصص:6]، وقال: {وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ}[الأعراف:10]، وقال: {الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ}[الحج:41], وقال: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ(55)وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ(56)لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الأَرْضِ}[النور], فقطع سبحانه أنظار الأفراد عن الحكم والسلطان بأن جعل التمكين في الأرض له وحده.
وقد ذكر أبو الحسن الأشعري خمسة وعشرين خارجًا كلهم من آل البيت! ولم يكتب لأحد منهم نصيب في الخروج!!!(42).
وروى ابن سعد قال: أخبرنا سليمان بن حرب قال: حدثنا حماد بن زيد قال: َذكر أيوب القراءَ الذين خرجوا مع ابن الأشعث فقال: "لا أعلم أحدًا منهم قتل إلا قد رُغب له عن مصرعه، ولا نجا فلم يقتل إلا قد ندم على ما كان منه"(43).
ويكفي من ذلك كله ما ثبت عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (عليك السمع والطاعة، في عسرك ويسرك، ومنشطك ومكرهك، وأثرة عليك، ولا تنازع الأمر أهَله وإن رأيت أنَّ لك)(44)، أي: "وإن اعتقدت أن لك في الأمر حقا؛ فلا تعمل بذلك الظن، بل اسمع وأطع إلى أن يصل إليك بغير خروج عن الطاعة".(45)
ثالثًا: تحقيق الأمن الفكري باستقرار الفكر واطمئنان القلب تجاه الله تبارك وتعالى:
ذلك أن المسلم يؤرقه خوفه من ربه تبارك وتعالى مما قد يؤول بالبعض أحيانًا إلى القنوط من رحمة الله تعالى وهو ما حذر الله تعالى منه وحذر منه رسوله صلى الله عليه وسلم وأرشد إلى الإقبال على الله تعالى مع حسن الظن به من خلال الآتي:
1- كون الله تعالى حكم عدل لا يظلم مثقال ذرة، وكونه لا يحمل على كل نفس إلا عملها، ولا يهضمها حقها، ولا يثقل عليها بغير عملها، قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا}[النساء:40]، وقال: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ}[فصلت:46]، وقال تعالى: {وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا(111)وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخَافُ ظُلْمًا وَلا هَضْمًا(112)}[طه].
2- إكثار الله تعالى من وصف نفسه بصفات الرحمة والعفو والمغفرة والود والرأفة وغيرها، وقرنها بصفات القوة والعزة وشدة العقاب ونحو ذلك، كما قال تعالى: {تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ(2)غَافِرِ الذَّنبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ(3)}[غافر]، وقال: {إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ} [الأعراف:167]، قال ابن كثير في تفسيره: "وهذا من باب قرن الرحمة مع العقوبة، لئلا يحصل اليأس، فيقرن الله تعالى بين الترغيب والترهيب كثيرًا؛ لتبقى النفوس بين الرجاء والخوف"(46).
3- تأكيد الله سبحانه وتعالى على أنه يتجاوز عن الكثير مما يقع من العبد من الذنوب إذا تحرى العبد عدم إصابتها في الجملة، كقوله تعالى: {إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلاً كَرِيمًا}[النساء:31]، بل وقوله: {إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء}[النساء:48]، وغيرها من جنسها، وفي الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله لما قضى الخلق كتب عنده فوق عرشه: إن رحمتي سبقت غضبي).(47)
والله أعلم بما يصلح عباده مع عفوه عنهم وتجاوزه عن خطاياهم، قال تعالى: {وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَيَزِيدُهُم مِّن فَضْلِهِ وَالْكَافِرُونَ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ(26)وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الأَرْضِ وَلَكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ(27)وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِن بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ(28)وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِن دَابَّةٍ وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ(29)وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ(30)}[الشورى].
4- حث المؤمن على إحسان الظن بالله تعالى لأنه يجازي الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف والسيئة بمثلها أو يعفو، بل ويعفو عن كثير، بل قد يبدل سيئات العبد إلى حسنات، كما قال تعالى: {مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا}[الفرقان].
وكلمة أخيرة أختم بها لمن كان له قلب فأقول:
إنما الحاكم رجل من الناس، له ذنوبه وأخطاؤه، وله حسناته ورجاؤه، فما بالنا نرجو لأنفسنا النجاة وله النار.
ولماذا يجزم البعض بأن الله لا يغفر لفلان لأنه حاكم، ويظن أنه قد غفر له هو ما تقدم من ذنبه وما تأخر.
لماذا تعظُم في عين الواحد من هؤلاء خطيئة الحاكم ولو صغرت؛ وتصغر في عينه خطيئته وإن كبرت.
ومما اشتهر من السنة قوله: (تُبْصِرُ القَذَاةَ فِي عَيْنِ أخِيْكَ وتَنسَى الجِذْعَ فِي عَيْنِكَ).(48)
وعن المسور بن مخرمة رضي الله عنه أنه قدم وافدًا على معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما فقضى له حاجته ثم دعاه فأخلاه، فقال معاوية رضي الله عنه: يا مسور ما فعل طعنك على الأئمة ؟
فقال المسور رضي الله عنه: دعنا من هذا، وأحسِن فيما قدمنا له.
فقال معاوية رضي الله عنه: لا والله لتكلَّمن بذات نفسك والذي تعيب علي.
فقال المسور رضي الله عنه: فلم أترك شيئًا أعيبه عليه إلا بينته له.
فقال معاوية رضي الله عنه: لا بريءٌ من الذنب، فهل تعد يا مسور ما لي من الإصلاح في أمر العامة،
فان الحسنة بعشر أمثالها، أم تعد الذنوب وتترك الحسنات؟
فقال المسور رضي الله عنه: لا والله ما نذكر إلا ما ترى من هذه الذنوب.
فقال معاوية رضي الله عنه: فإنا نعترف لله بكل ذنب أذنبناه، فهل لك يا مسور ذنوب في خاصتك تخشى أن تهلكك إن لم يغفرها الله ؟ فقال مسور رضي الله عنه: نعم !
فقال معاوية رضي الله عنه: فما يجعلك أحق أن ترجو المغفرة مني ؟ فوالله َلما َألي من الإصلاح أكثر مما تلي، ولكن والله لاُأُخيَّر بين أمرين -بين الله وبين غيره- إلا اخترت الله تعالى على ما سواه. وإنا على دين يقبل الله فيه العمل ويجزي فيه بالحسنات ويجزي فيه بالذنوب إلا أن يعفو عمن يشاء، فأنا أحتسب كل حسنة عملتها بأضعافها، وأوازي أمورًا عظامًا لا أحصيها ولا تحصيها؛ من عمل لله في إقامة صلوات المسلمين والجهاد في سبيل الله عز وجل والحكم بما أنزل الله تعالى، والأمور التي لست تحصيها
وإن عددتها لك، فتفكر في ذلك.
فقال المسور رضي الله عنه: فعرفت أن معاوية قد خصمني حين ذكر لي ما ذكر.
فلم يسمع المسور بعد ذلك يذكر معاوية إلا استغفر له"(49)
وعن الزبرقان قال: "كنت عند أبي وائل فجعلت أسب الحجاج وأذكر مساويه. فقال: لا تسبه! وما يدريك لعله قال: اللهم اغفر لي؛ فغفر له"(50).
ثم تأمل كلمة هذا الإمام الهمام، يقول ابن القيم رحمه الله: "وتأمل حكمته تعالى في أن جعل ملوك العباد وأمراءَهم وولاتهم من جنس أعمالهم، بل كأن أعمالهم ظهرت في صور ولاتهم وملوكهم، فإن استقاموا استقامت ملوكهم، وإن عدلوا عدلت عليهم، وإن جاروا جارت ملوكهم وولاتهم، وإن ظهر فيهم المكر والخديعة فولاتهم كذلك، وإن منعوا حقوق الله لديهم وبخلوا بها منعت ملوكهم وولاتهم ما لهم عندهم من الحق وبخلوا بها عليهم، وإن اخذوا ممن يستضعفونه ما لا يستحقونه في معاملتهم أخذت منهم الملوك ما لا يستحقونه وضربت عليهم المكوس والوظائف، وكلُّ ما يستخرجونه من الضعيف يستخرجه الملوك منهم بالقوة، فعمالهم –يعني حكامهم- ظهرت في صور أعمالهم".
ثم يقول: "وليس في الحكمة الإلهية أن يولى على الأشرار الفجار إلا من يكون من جنسهم، ولما كان الصدر الأول خيار القرون وأبرها؛ كانت ولاتهم كذلك، فلما شابوا شابت لهم الولاة، فحكمة الله تأبى أن يولي علينا في مثل هذه الأزمان مثل معاوية وعمر بن عبد العزيز، فضلاً عن مثل أبي بكر وعمر، بل ولاتنا على قدرنا، وولاة من قبلنا على قدرهم، وكلٌّ من الأمرين موجب الحكمة ومقتضاها"(51).
فهذا دين الله وإن أبى من أبى، وهذا هدى نبيه وإن رغب عنه من رغب، وهذا منهج صحابته وتابعيهم سلف الأمة وأئمتها، فبهداهم اقتده؛ ولا تكن من الذين لا يهتدون.
{مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَن تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا(80)وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُواْ مِنْ عِندِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِّنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً(81)أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا(82)وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً(83)}[النساء].
{لا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلا فِي الآخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ(43)فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ(44)}[غافر]
{قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىَ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ(88)وَيَا قَوْمِ لاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَن يُصِيبَكُم مِّثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِّنكُم بِبَعِيدٍ(89)وَاسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ(90)}[هود].
* * *
الحواشي:
============================================
(1) قال تعالى: {وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ(65)فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الأَنبَاء يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لا يَتَسَاءَلُونَ(66)}[القصص]
(2) رواه مسلم، كتاب الحج، باب حجة النبي صلى الله عليه وسلم، ج 4، ص 39 ، رقم (3009).
(3) أخرجه أحمد ج5، ص 389 ، وابن حبان (1897). قال الألباني: إسناده صحيح ورجاله ثقات رجال الشيخين. انظر: قصة المسيح الدجال ونزول عيسى عليه الصلاة والسلام، محمد ناصر الدين الألباني، نشر: المكتبة الإسلامية -عمان– الأردن، ص51.
(4) أخرجه أحمد ج 4، ص 406 ، رقم (19653). وإسناده صحيح، والرواية الأخرى له ج 4، ص 414 ، رقم (19732) بنفس الإسناد.
(5) رواه البخاري، كتاب الرقاق، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: (كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل)، ج 8، ص 110 ، رقم (6416).
(6) رواه ابن ماجه، ج 5، ص 225 ، رقم (4102) وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (944).
(7) رواه الترمذي، ج 4، ص 166 ، رقم(2377) وابن ماجه، ج 5، ص 229 ، رقم(4109)، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
(8) رواه الترمذي ج 4، ص 574، رقم (2346) وابن ماجه، ج 5، ص 253 ، رقم (4141)، وقال الترمذي: هذا حديث حسن، وحيزت: جمعت.اهـ
(9) تفسير القرآن العظيم، ج 2، ص 341.
(10) السياسة الشرعية، ص 4.
(11) الطرق الحكمية في السياسة الشرعية، ص 324.
(12) رواه مسلم، كتاب الإمارة، باب فضيلة الإمام العادل وعقوبة الجائر والحث على الرفق بالرعية والنهي عن إدخال المشقة عليهم، ج6، ص7، رقم (4825).
(13) رواه مسلم، كتاب الإيمان، باب استحقاق الوالي الغاش لرعيته النار، ج 1، ص 88، رقم (383)، وفي: كتاب الإمارة، باب فضيلة الإمام العادل وعقوبة الجائر والحث على الرفق بالرعية والنهي عن إدخال المشقة عليهم، ج 6، ص 9، رقم (4836).
(14) رواه مسلم، كتاب الإمارة، باب فضيلة الإمام العادل وعقوبة الجائر والحث على الرفق بالرعية والنهي عن إدخال المشقة عليهم، ج6، ص7، رقم (4825).
(15) رواه مسلم، كتاب الإمارة، باب كراهة الإمارة بغير ضرورة، ج 6، ص 6، رقم (4823).
(16) رواه البخاري، كتاب الأيمان والنذور، ج 8، ص 159، رقم (6622)، ومسلم، كتاب الإيمان، باب ندب من حلف يمينًا فرأى غيرها خيرًا منها أن يأتي الذي هو خير ويكفر عن يمينه، ج 5، ص 86 ، رقم (4370).
(17) رواه البخاري، كتاب الأحكام، باب ما يكره من الحرص على الإمارة، ج 9، ص 79 ، رقم (7148).
(18) في ذلك أحاديث كثيرة جدًا رواها أحمد والبخاري ومسلم وغيرهم من أصحاب الصحاح والسنن والمسانيد وغيرها بأسانيد صحيحة. انظر –مثلا-: الكتاب الرابع: في الخلافة والإمارة، من جامع الأصول في أحاديث الرسول، ج 4، ص 42 وما بعدها..
(19) انظر: مفهوم الجماعة والإمامة ووجوب لزومها وحرمة الخروج عليها في ضوء الكتاب والسنة ومنهج السلف الصالح، أ.د سليمان بن عبد الله أبا الخيل مدير جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، الطبعة الثانية، 1428هـ-2007 م، ص 155-174.
(20) كما في الحديث عن جبير بن مطعم رضي الله عنه قال: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخيف من منى، فقال: (نضر الله امرءًا سمع مقالتي فبلغها، فرب حامل فقه غير فقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ثلاث لا يغل عليهن قلب مؤمن: إخلاص العمل لله، والنصيحة لولاة المسلمين، ولزوم جماعتهم، فإن دعوتهم تحيط من ورائهم)رواه ابن ماجه(3056).
(21) ابن عبدالبر، يوسف بن عبدالله بن عبد البر النمري، التمهيد لما في الموطأ من المعاني والمسانيد، ج 21 ، ص 287.
(22) شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة من الكتاب والسنة وإجماع الصحابة، هبة الله بن الحسن بن منصور أبو القاسم اللالكائي، تحقيق: د. أحمد سعد حمدان، نشر: دار طيبة - الرياض، 1402 ه، ج 1، ص 176.
(23) حلية الأولياء، ج 8، ص 91-92 ، وتاريخ دمشق، ابن عساكر، ج 48 ، ص 445 ، بسند صحيح. وانظر ما قالت حكماء العرب والعجم في الباب الثامن من كتاب: سراج الملوك، لأبي بكر الطرطوشي، وهو باب في منافع السلطان ومضاره.
(24) أخرجه ابن أبي عاصم في السنة (499 رقم 1079). وصححه الألباني في ظلال الجنة (499).
(25) مفتاح دار السعادة (277-278/1).
(26) رواه مسلم، كتاب الإمارة، باب في الإمام إذا أمر بتقوى الله وعدل كان له أجر، ج 6، ص 17 ، رقم (4878) عن أبى هريرة رضي الله عنه.
(27) رواه البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء، باب ما ذكر عن بني إسرائيل، ج 4، ص 206 ، رقم (3455)، ومسلم، كتاب الإيمان، باب الوفاء ببيعة الخلفاء الأول فالأول، ج 6، ص 17 ، رقم (4879).
(28) رواه مسلم، كتاب الإمارة، باب في طاعة الأمراء وإن منعوا الحقوق، ج 6، ص 19 ، رقم (4888).
(29) رواه مسلم، كتاب الإمارة، باب وجوب الإنكار على الأمراء فيما يخالف الشرع وترك قتالهم ما صلوا ونحو ذلك، ج 6، ص 23 ، رقم (4907).
(30) انظر: جامع العلوم والحكم، زين الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن أحمد بن رجب، نشر: دار المعرفة – بيروت، الطبعة الأولى، 1408هـ، ص323.
(31) رواه ابن حبان، ج 10 ، ص 446 ، رقم (4586)، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (790).
(32) كتاب المناقب، ج 5، ص 41.
(33) رقم (3792).
(34) رقم (3793).
(35) رواه البخاري كتاب الفتن، باب لا يأتي زمان إلا الذي بعده شر منه، ج 9، ص 61 ، رقم (7068).
(36) أخرجه ابن سعد وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ كما في الدر المنثور في التفسير بالمأثور، عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي، تحقيق: مركز هجر للبحوث، نشر: دار هجر–مصر، 1424هـ 2003 م، ج 6، ص 534.
(37) أخرجه ابن أبي عاصم في السنة ج 2، ص 474 ، رقم (1015) وابن عبد البر في التمهيد ج 21 ، ص 287 ، وعزاه في كنز العمال ج5، ص780 ؛ لابن جرير، وإسناده جيد كما قال الألباني في ظلال الجنة ج 2، ص 217.
(38) فتح الباري، ج 13 ، ص 6.
(39) تفسير القرآن العظيم، ج 3، ص 449-450.
(40) آداب الحسن البصري، لابن الجوزي، تحقيق: محمد بن ناصر العجمي، نشر: دار النوادر، دمشق، 1426 ه، ص 119.
(41) الدر المنثور في التفسير بالمأثور، ج 6، ص 203.
(42) مقالات الإسلاميين، ج 1، ص 151-166.
(43) الطبقات الكبرى، ج 7، ص 188 ، رقم (9095). وانظر: سير أعلام النبلاء للذهبي، ج 8، ص 75.
(44) رواه الإمام أحمد في مسنده، ج 5، ص 321 ، رقم (2787)، وإسناده صحيح على شرط الشيخين وأصله فيهما دون قوله: (وإن رأيت أنَّ لك).
(45) فتح الباري، ج 13 ، ص 8.
(46) ج 3، ص 497.
(47) رواه البخاري كتاب التوحيد، باب {وكان عرشه على الماء}، ج 9، ص 153 ، رقم (7422).
(48) قال السخاوي في المقاصد الحسنة، ج1، ص 249-250، رقم (314).: رواه البيهقي في الشعب والعسكري من حديث محمد بن حميد عن جعفر بن برقان عن يزيد بن الأصم، عن أبي هريرة رفعه بلفظ: "يبصر أحدكم القذاة في عين أخيه، وينسى الجذع أو الجذل في عينه"، ومن حديث أبي الأشهب عن الحسن البصري، أنه قال: "يا ابن آدم تبصر القذاة في عين أخيك، وتدع الجذع معترضًا في عينيك"، وللبيهقي في الشعب عن ابن عمر من قوله: "كفى من البغي ثلاث: أن تبصر من الناس ما يخفى عليك من نفسك، وأن تعيب عليهم فيما تأتي، وتؤذي جليسك بما لا يعنيك"، قال: وروي معناه عن عمر، ومما قيل:
أرى كل إنسان يرى عيب غيره ** ويعمى عن العيب الذي هو فيه
ولا خير فيمن لا يرى عيب نفسه ** ويعمى عن العيب الذي بأخيه
(49) أخرجه عبد الرزاق في المصنف، ج 11 ، ص 344 ، رقم (20717) والخطيب في تاريخه، ج 1، ص 208 ، بسند صحيح.قال أبو عبد الله محمد المناوي في كتابه "طاعة السلطان" (30): لا يتمنى زوال السلطان إلا جاهل مغرور أو فاسق يقع في كل محذور، فواجب على كل واحد من الرعية أن يرغب إلى الله بنصرة السلطان، وأن يبذل له نصحه بصالح دعائه؛ فإن في نصرته وصلاحه صلاح البلاد والعباد. والسلطان معذور لانتشار الأمور عليه وكثرة ما يكابده من ضبط جوانب المملكة، وقلة الناصح له، وكثرة المدلِّس عليه والطامع.اهـ
(50) أخرجه هناد السري في الزهد ج 2، ص 464 ، رقم (931) ومن طريقه أبو نعيم الأصبهاني في الحلية ج 4، ص 102 ، بسند صحيح.
(51) مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة، محمد بن أبي بكر بن قيم الجوزية، نشر: دار الكتب العلمية، بيروت، ج 1، ص 253.
http://www.assakina.com/book/7599.html










ارسل إلى صديق
طباعة الصفحة
نسخة نصية
حفظ بصيغة PDF
حفظ بصيغة WORD
اضف إلى المفضلة


محاضرة موفقة ومهمة ,ومدعمة بأدلة من خير المنابع القرآن والسنة وكلام الأخيار من سلف الأئمة.,
مما لايقبل أدنى شك أو ريبة ., جزاك الله خيرا.,
إلى القارئ الكريم أبو معاذ زين العابدين.,
لو كنت سلفي ومعتز بدينك؛ لما تجرئت على الكلام الذي كتبته في محاضرة تتقاطر منها الصدق وكلام الله سبحانه
وكلام رسوله,.فرب كلمة قالت لصاحبها دعني.,
هداك الله لجادة الحق والصواب.,
فأقول لأخي في الله الشيخ أبو بكر الحريري : شكر الله لك وجزاك الله خير الجزاء على ما أوردته في هذه المحاضرة القيمة الجليلة الضافية من بيان بليغ لفساد الخروج على الحكام والسلاطين ونصيحة عطيمة عامة للمسلمين متضمنة بيانا جليل القدر لفضائل لزوم الجماعة والسمع والطاعة لولاة الأمر والتحذير من الخروج عليهم لما يترتب عليه من مفاسد عظيمة وعواقب مهلكة وفي مقدمتها سخط الله تعالى موثقا ما أوردته بالأدلة الشرعية والأمثلة والوقائع الثابتة حتى لقد اجتمع في محاضرتك القيمة الكثير والكثير مما أألقاه العلماء وطلاب العلم من إلقاءات قيمة مباركة في هذا الشأن الخطير فجزاك الله خيرا فإنك قد أجدت وأفدت وبينت ونفع الله بك وبعلمك وكثر في هذه الأمة من أمثالك ووقانا الله شرور إهل الزيغ والفتن ووفقنا جميعا للإعتصام بكتابه العزيز وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم إنه سميع مجيب وهو حسبنا ونعم الوكيل .
أرجو من حضرتك أن تزودنا من علمك وتكشف دجل هؤلاء كما قلت بالأدلة السلفية التى تدين بها حتى لا ننخدع! ولا تتهمهم فقط وتقذفهم فى دينهم بدون بينة .. هدانا الله وإياك
ابو معاذ زين العابدين
اكتب تعليقك