القائمة البريدية
البريد الإلكتروني:
الرئيسة | المكتبة الرقمية | إرهاب المستأمنين وموقف الإسلام منه | المبحث الرابع الفرق بين الأمان والذمة والهدنة

المبحث الرابع الفرق بين الأمان والذمة والهدنة

مقاس الخط: تصغير الخط تكبير الخط تكبير الخط تكبير الخط

لابن القيم - رحمه الله تعالى - كلام نفيس في الفرق بين هذه المصطلحات الثلاثة وما يترتب عليها من أحكام ، حيث يقول : " الكفار إما أهل حرب وإما أهل عهد ؛ وأهل العهد ثلاثة أصناف : أهل ذمة ، وأهل هدنة ، وأهل أمان ، وقد عقد الفقهاء لكل صنف باباً فقالوا : باب الهدنة ، باب الأمان ، باب عقد الذمة ، ولفظ الذمة والعهد يتناول هؤلاء كلهم في الأصل ، وكذلك لفظ الصلح ، فإن الذمة من جنس لفظ العهد والعقد ، وقولهم : هذا في ذمة فلان أصله من [ص-9] هذا ، أي : في عهده وعقده ، أي : فألزمه بالعقد والميثاق ، ثم صار يستعمل في كل ما يمكن أخذ الحق من جهته ، سواء وجب بعقده أو بغير عقده ، وهكذا لفظ الصلح عام في كل صلح ، وهو يتناول صلح المسلمين ، بعضهم مع بعض وصلحهم مع الكفار ، ولكن صار في اصطلاح كثير من الفقهاء أهل الذمة عبارة عمن يؤدي الجزية ، وهؤلاء لهم ذمة مؤبدة ، وهؤلاء قد عاهدوا المسلمين على أن يجري عليهم حكم الله ورسوله ، إذ هم مقيمون في الدار التي يجري فيها حكم الله ورسوله ، بخلاف أهل الهدنة فإنهم صالحوا المسلمين على أن يكونوا في دارهم ، سواء كان الصلح على مال أو غير مال ، لا تجري عليهم أحكام الإسلام كما تجري على أهل الذمة ، ولكن عليهم الكف عن محاربة المسلمين ، وهؤلاء يسمون أهل العهد وأهل الصلح وأهل الهدنة ، وأما المستأمن فهو الذي يقدم بلاد المسلمين من غير استيطان لها ، وهؤلاء أربعة أقسام : رسل وتجار ومستجيرون ، حتى يعرض عليهم الإسلام والقرآن ، فإن شاؤوا دخلوا فيه ، وإن شاؤوا رجعوا إلى بلادهم ، وطالبوا حاجة من زيارة أو غيرها ، وحكم هؤلاء ألا يهاجروا ولا يقتلوا ولا تؤخذ منهم الجزية ، وأن يعرض على المستجير منهم الإسلام والقرآن ، فإن دخل فيه فذاك وإن أحب اللحاق بمأمنه ألحق به ، ولم يعرض له قبل وصوله إليه فإذا وصل مأمنه عاد حربياً كما كان"  .

ففي تقريره - رحمه الله - عدة فوائد منها : ذكر حقوق أهل الذمة ، وأهل الهدنة ، والمستأمنين . فجميعهم في طور العهد . ومنها : وجوب الوفاء لهم ما أوفوا . ومنها : جواز دخول التجار والرسل والعمال وأهل الحرف والصناعات ونحوهم . ومنها : أن أحكام الشرع تطبق على المعاهدين إذا كانوا يقيمون في الدار التي يجري فيها حكم الله ورسوله . ومنها : أنه لا تطبق أحكام الإسلام على أهل الهدنة إذا كانوا يقيمون في ديارهم . ومنها : جواز إعطاء أهل العهد الرخصة لزيارة أو حاجة تفيد المسلمين . فالمسلمون قد يحتاجون إلى غيرهم في الصناعة والتجارة ونحو ذلك ، كالعلوم اللازمة لتقوية الشوكة والدفاع . أو في شؤون الزراعة أو الاقتصاد ، فليس هناك حرج في دخول غير المسلمين في دار الإسلام من أجل هذه المقاصد بعقد وعهد .

قال شيخ الإسلام : " ولهذا ذهب طائفة من العلماء كمحمد بن جرير الطبري إلى أن الكفار لا يقرون في بلاد المسلمين بالجزية ، إلا إذا كان المسلمون محتاجين إليهم ، فإذا استغنوا عنهم أجلوهم كأهل خيبر ، وفي هذه المسألة نزاع ليس هذا موضعه ، والمقصود هنا أن الناس إذا احتاجوا إلى الطحانين والخبازين ، فهذا على وجهين : أحدهما : أن يحتاجوا إلى صناعتهم ، كالذين يطحنون ويخبزون لأهل البيوت ، فهؤلاء يستحقون الأجرة ، وليس لهم عند الحاجة إليهم أن يطالبوا إلا بأجرة المثل كغيرهم من الصنّاع ، والثاني : أن يحتاجوا إلى الصنعة والبيع فيحتاجون إلى من يشتري الحنطة ويطحنها وإلى من يخبزها ويبيعها خبزاً لحاجة الناس . . . "  . وقال الشيخ محمد بن عثيمين : " أنا أوافق على أنه ليس عندنا أهل ذمة ، لأن أهل الذمة هم الذين يخضعون لأحكام الإسلام ويؤدون الجزية وهذا مفقود من زمان طويل ، ولكن لدينا معاهدون ومستأمنون ومعاهدون معاهدة عامة ومعاهدة خاصة فمن قدم إلى بلادنا من الكفار [ص-10] لعمل أو تجارة وسمح له بذلك فهو إما معاهد أو مستأمن لا يجوز الاعتداء عليه ، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :  من قتل معاهداً لم يرح رائحة الجنة  . . فنحن مسلمون مستسلمون لأمر الله عز وجل محترمون لما اقتضى الإسلام احترامه من أهل العهد والأمان ، فمن أخل بذلك فقد أساء للإسلام وأظهره للناس بمظهر الإرهاب والغدر والخيانة ، ومن التزم أحكام الإسلام واحترم العهود والمواثيق فهذا هو الذي يرجى خيره وفلاحه" .

فهؤلاء ومن على شاكلتهم مستأمنون لا يجوز قتالهم ولا التعرض لهم أو أذيتهم كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى .

اضف في: Add to your del.icio.us | Digg this story | Google bookmark | Stumbleupon bookmark | Furl bookmark | Facebook bookmark | Live bookmark | Myspace bookmark | Yahoo bookmark
تقييم الموضوع
0