الأربعاء , 7 ديسمبر 2016
الرئيسية » مركز البحوث » التعصب "مظاهره – أسبابه – نتائجه – البعد الشرعي"

التعصب "مظاهره – أسبابه – نتائجه – البعد الشرعي"

تعريف التعصب
لغة: يأتي بمعنى الشدة يقال لحم عصب: صلب شيد، وأتعصب أشتد، والعصب: الطي الشديد، وعصب رأسه وعصبه تعصيباً: شده واسم ما شد به العصابة.
ومن أمثال العرب: فلان لا تعصب سلماته، يضرب مثلاً للرجل الشديد العزيز الذي لا يقهر ولا يستذل.
ومنه قوله عز وجل “هذا يوم عصيب” أي شديد.
ويأتي بمعنى: التجمع الإحاطة والنصرة ومنه قوله عصبة الرجل: بنوده وقرابته لأبيه والعرب تسمى قرابات الرجل أطرافه ولما أحاطت به هذه القرابات وعصبت بنسبه سموا عصبة وكل شيء استدار بشيء فقد عصب به والعمائم يقال لها العصائب، ويقال عصب القوم بفلان أي استكفوا حوله والعصبة والعصابة جماعة ما بين العشرة إلى الأربعين.
والتعصب من العصبية والعصبية أن يدعو الرجل إلى نصرة عصبته والتألب معهم على من يناوئهم ظالمين كانوا أو مظلومين.
والعصبي هو الذي يغضب لعصبته ويحامي عنهم. 
اصطلاحاً:
لا يخرج المعنى الاصطلاحي عن المعنى اللغوي فالتعصب هو التشدد وأخذ الأمر بشدة وعنف وعدم قبول المخالف ورفضه والأنفة من أن يتبع غيره ولو كان على صواب.
وكذلك التعصب هو نصرة قومه أو جماعته أو من يؤمن بمبادئه سواء كانوا محقين أم مبطلين، وسواء كانوا ظالمين أو مظلومين.
وبضدها تتبين الأشياء:
فالتعصب ضد التسامح ،والانغلاق ضد الانفتاح والتحجر ضد التفكر ، ورفض الآخر وعدم قبوله ضد التواصل معه والتعايش والتوافق والعصبية والحمية ضد التجرد للحق والانتصار له فمعاني التعصب ممقوته مذمومة وضدها هذه المعاني الجميلة المحمودة.
 
من مظاهر التعصب:
1.التعصب الحزبي:
وهو التعصب للفئة أو الحزب أو الجماعة التي ينتسب إليها الفرد والانتصار لها بالحق والباطل، وإضفاء صفة العصمة والقداسة عليها، وذكر مزاياها ومحاسنها ومهاجمة غيرها بذكر عيوبها وسيئاتها ويعظم حزبه ويحتقر غيره.
2.التعصب القومي:
وهو الانتصار للقومية التي ينتسب إليها لمجرد القومية، كما تعصب الأتراك لقوميتهم في آخر الخلافة العثمانية وكما تعصب العرب لقوميتهم مقابل هذا التعصب وحروب القوميات لا تخطئ على الناظر وقد تقع في البلد الواحد.
3.التعصب المذهبي أو الطائفي:
هذا التعصب الذي فرّق المسلمين وجعل لهم أربعة منابر في الحرم المكي حول بيت الله ومنع الشافعي يصلي خلف الحنبلي والحنبلي خلف المالكي وهلمّ جرا وأغلق باب الاجتهاد في وجه الأمة، والتعصب الطائفي الذي أشعل نار الفتنة والقتال بين طوائف الأمة كتعصب الخوارج ضد الصحابة وقتالهم.
4.التمييز العنصري:
بسبب الجنس كتمييز الذكور ضد الإناث أو اللون كتمييز الأبيض ضد الأسود أو الأرض والوطن كالتمييز الحاصل ضد المهاجرين واللاجئين ، أو القبيلة كالتمييز ضد أبناء القبائل الأخرى واحتقارهم.
5.التعصب الفكري:
وهو رفض فكر الآخر وعدم قبوله والاستماع إليه وترك التجرد والإنصاف في الحكم عليه والتشدد في التعامل معه ونقده بألذع الصور وتكوين صورة وإطار معين لفكر المخالف مشوبة بكثير من الأخطاء والمغالطات لأنها قائمة على أسس وأهية من التعصب والتحجر.
 
من أسباب التعصب:
1.تضخم الذات: كما قال فرعون:
ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد ”   وهذه الذات المتضخمة قد تكون ذات الشخص أو ذات الجماعة أو ذات الدولة.
2.الجهل والتخلف المعرفي:
فالجهل بالآخر وعدم توسيع المدارك بمعرفته والإطلاع على ما يؤمن به، يدعوه إلى التعصب ضده ورفضه وحسبنا أن نقول: إن الهجوم على الإسلام اليوم ومحاربته من كثير من الشعوب الغربية هو بسبب الجهل بمبادئه وعدم معرفته على الحقيقة هذا مع التشويه وإلقاء الشبهات المتعمد وغير المتعمد من وسائل الإعلام وغيرها.
3.تقديس البشر والغلو فيهم:
كما قال تعالى: “اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله” وهذا التقديس والغلو يصل إلى حد إضفاء صفة العصمة والقداسة مما يؤدي إلى التعصب لهذا الشيخ أو لهذه الجماعة.
4.الانغلاق وضيق الأفق:
نجد كثيراً من الطوائف والجماعات منغلقة على ذاتها لا تسمع إلا لنفسها وتمنع أتباعها من الاستماع لغيرها وكثير من الأفكار المتطرفة والمتعصبة تنشأ في الأوكار السرية وسراديب الظلام في أجواء مغلقة تعلِّم الإرهاب ورفض الآخر والعنف الموجه وتكفير المخالف.
5.التنشئة الاجتماعية:
فالنشأة في أسرة تميز ضد اللون أو الجنس أو القبيلة والجماعة أو الفكر وتغذي روح التعصب والتطرف ضد الآخر تنتج لنا أناسا متعصبين ومتحجرين ومتطرفين والأسرة نواة المجتمع، وتأثير تنشئتها لابد وأن يظهر في المجتمع ، وقد يغلب فيكون التعصب هو الصبغة العامة له.
6.الفهم الديني الخاطئ:
لا شك أن الانحراف في فهم الدين من أسباب التعصب الرئيسية فالتعصب الصليبي ضد المسلمين كان ناتجا من فهم خاطئ لمبادئ الدين النصراني، والتعصب المذهبي الذي أدّى إلى رفض الآخر في الإسلام كان ناتجاً من فهم خاطئ لاتباع العلماء.
7.غياب أخلاقيات التعامل مع المخالف:
مثل العدل والإنصاف والتجرد والتعايش معه رغم الاختلاف والثناء عليه بما أصاب والدفاع عنه إذا ظُلم وتطاول عليه الآخرون بغير حق وغيرها من الأخلاقيات التي سنذكرها في البعد الشرعي.

نتائج التعصب:
كل ما ذكرناه فيما سبق من مظاهر التعصب الممقوت هو من نتائجه فالتعصب سبب رئيسي لتفرقة الأمة وتشتتها وعدم اجتماعها والتعصب هو فتيل الفتنة والاقتتال بين فئات الشعب الواحد والأمة الواحدة ،والتعصب هو سبب رفض الآخر ورفض التعايش والتوافق معه.
البعد الشرعي:
جاء الإسلام ليحارب كل أشكال التعصب والانغلاق.
•فكل بني آدم مكرم: “ولقد كرمنا بنى آدم  ” وقال عز وجل ” يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا .. الآية  ” فلا فضل لعربي على أعجمي ولا لأحمر على أسود إلا بالتقوى كما قال رسولنا الكريم (صلى الله عليه وسلم) .
•ويأمرنا الله بالعدل والإنصاف “إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون “، “إذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل “.
•وكل تعاون على الإثم والعدوان محرم “وتعاون على البر والتقوى ولا تعاونا على الإثم والعدوان “.
•وجعل الإسلام المناصرة بين المؤمنين على الحق ودفع الظلم: قال تعالى “والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ” وقال صلى الله عليه وسلم “انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً” فقال رجل يا رسول الله انصره إذا كان مظلوما، أفرأيت إن كان ظالماً كيف أنصره؟ فقال تحجره أو تمنعه من الظلم فإن ذلك نصره ” وقال صلى الله عليه وسلم “من نصر قومه على غير الحق فهو كالبعير الذي ردى فهو ينزع بذنبه  “.
•وأساس التفاضل في الإسلام هو التقوى والعمل الصالح “إن أكرمكم عند الله أتقاكم  ” وقال صلى الله عليه وسلم “لينتهين أقوام يفتخرون بأبائهم الذين ماتوا، إنما هم فحم جهنم أو ليكونن أهون على الله من الجعل الذي يدهده الخرء بأنفه، إن الله قد أذهب عنكم عبيه  الجاهلية، إنما هو مؤمن تقي وفاجر شقي ، الناس كلهم بنو آدم خلق من تراب “.
•ومنع الإسلام الظلم والبغي وكان مع المخالف: “اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة ” وقال تعالى: “ولا يجرمنكم شنأن قوم على إلا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى  ” ودعا إلى قبول الحق ، كما قال صلى الله عليه وسلم: الكبر بطر الحق وغمض الناس ” والحق لا يعرف بالرجال، أعرف الحق تعرف أهله كما قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه وقال معاذ رضي الله عنه: “أقبلوا الحق من كل من جاء به وأن كان كافراً أو قال فاجراً ، قالوا كيف نعلم إنه يقول الحق ؟ قال: “على الحق نور”.
•وحارب الإسلام تقديس البشير وإعطائهم منزلة فوق منزلتهم “وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفان مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا  ” وقال صلى الله عليه وسلم: إياكم والغلو في الدين، فإنما أهلك من كان قبلكم بالغلو في الدين  ” ومن غلو من كان قبلنا أنهم ” اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله  “.
•والإسلام دين الرحمة والتسامح مع المخالف : قال تعالى : وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ” وقال تعالى “لا إكراه في الدين  ” يقول المؤرخ الغربي (أر نولد): “إن هذه القبائل المسيحية التي اعتنقت الإسلام إنما فعلت ذلك عن اختيار وإرادة حرة وأن العرب المسيحيين الذين يعيشون في وقتنا هذا بين جماعات مسلمة لشاهد على هذا التسامح ” ويقول (جوستاف لبون) “وما كانت انتصارات العرب لتعمي أبصارهم لأول أمرهم وتحملهم على الإفراط المألوف عند الفاتحين في العادة، ولا اشتدوا في إرهاق المغلوبين على أمرهم ولا فرضوا عليهم بالقوة دينهم الجديد الذي كانوا يريدون بثه في أقطار العالم، ولو علموا ذلك لأهاجوا عليهم جميع الشعوب التي لم تخضع لهم فاتقوا حق التقاة هذه التهلكة التي لم ينج منها الصليبيون الذين دخلوا الشام في القرون اللاحقة، بل رأيناهم حيث دخلوا في الشام ومصر وأسبانيا يعاملون الشعوب بمنتهى الرفق تاركين لهم أنظمتهم وأوضاعهم ومعتقداتهم غير ضاربين عليهم في مقابل السلام الذي ضمنوه لهم إلا جزية ضئيلة كانت على الأغلب أقل من الضرائب التي كان عليهم أداؤها من قبل، وما عرفت الشعوب فاتحا بلغ هذا القدر من المسامحة، ولا ديناً حوى في مطاوية هذه الرقة واللطف “.
 
وفي الختام إيضاحات لابد منها:
1-لابد من الاختلاف فيما بيننا لأننا بشر نخطئ ونصيب ولسنا ملائكة فلا نستطيع أن نزيل الخلاف أو نلغيه ولكن نستطيع تقليل دائرته والتعايش السوي السليم معه، ولابد لنا من التأدب بآداب الإسلام في التعامل مع المخالف.
2-ليس من التعصب الاعتزاز بالشخصية الإسلامية وبيان عظمة هذا الدين وأنه دين جاء ليخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، وأنه الدين الخاتم الذي ارتضاه الله للبشرية جمعاء، وهذه الشخصية المسلمة ترفض التبعية والانهزامية أمام أعدائها مما يدعوهم إلى رميها بالتعصب كما هو الحال اليوم.
3-وكذلك ليس من التعصب حوار المخالف، والرد عليه علمياًً وكشف خطئه وبيان نوع الزلل الواقع فيه إن كان كفراً أو بدعة أو معصية مع الحفاظ على أدب النقد العلمي الرصين، وأدب التعامل مع المخالف، وعدم إطلاق الأحكام المتعصبة جزافاً لمجرد المخالفة.

وآخر دعوانا أن الحمد الله رب العالمين والصلاة والسلام على خاتم المرسلين.

-- د/ عادل الدمخي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*