الخميس , 8 ديسمبر 2016
الرئيسية » مركز البحوث » أفكار حول (مصيدة التطرف في طريق المتدينين)

أفكار حول (مصيدة التطرف في طريق المتدينين)

الحمد لله وبعد:  فإن  سبل اصطياد الشباب لإيقاعهم في مصيدة التطرف عديدة منها :
1 ـــ الجهل وضعف البصيرة بحقيقة هذا الدين، وقلة البضاعة في فقهه وفهم مقاصده .
فإذا لم يتحصن الشخص بالعلم الصحيح ، فقد يجره المتطرفون إلى الوقوع في التطرف . قال الشاطبي رحمه الله : البدع لا تقع من راسخ في العلم وإنما تقع ممن لم يبلغ مبلغ أهل الشريعة المتصرفين في أدلتها .
2 ــ إسقاط العلماء الربانيين الراسخين المعروفين  في العلم  وإتقان علوم الكتاب والسنّة الذين لهم نظرٌ ثاقبٌ في مقاصد الشريعة الإسلامية  , وبصيرةٌ ربانيةٌ يميزون بها بين المصالح والمفاسد .
فالمتطرفون – حتى يُلَبِّسوا على العامة ويروِّجوا لأفكارهم المنحرفة – أوّلُ ما يفعلونه هو الطعنُ في الأئمة والعلماء والقَدْحُ فيهم واتهامُهم بشتى أنواع التُّهَم , وَرَمْيُهُمْ بأصنافٍ من العظائم ,مثل اتهامهم بالعمالة والجبن والمداهنة والنفاق , وأنهم علماء السلاطين .. إلى غير ذلك من الكذب والبهتان الموجود في قواميسهم .
أقول : فإذا تمكَّنوا من ذلك وأشاعوه ، سقطتْ هيبةُ أهل العلم بين الناس , وضَعُفَتْ ثقتُهم بالعلماء , حينئذ يتخذ الناسُ هؤلاء الجماعة رؤساءَ فيفتونهم بغير علم ولا بصيرة , فلا تسأل بعد ذلك عن التطرف الانحراف والضلال الذي يحصل في عقائد الناس وأفكارهم !! ولا تسأل أيضًا بعد ذلك عن الفوضى واختلال الأمور واختلاطها في واقع النّاس وحياتهم !! . والعلماءُ هُمُ الأمناءُ على دين الله , فواجبٌ على كلّ مكلَّفٍ أخذُ الدِّين عن أهله كما قال بعض السلف : إن هذا العلمَ دينٌ فانظروا عمن تأخذون دينكم . فأمَّا مَنْ تَعَلَّقَ بظواهر ألفاظٍ من كلام العلماء المحققين , ولم يعرِضْهَا على العلماء , بل يعتمدُ على فهمه , وربما قال حجّتُنا مجموعةُ التوحيد , أو كلامُ العالم الفلاني , وهو لا يعرف مقصودَه بذلك الكلام ؛ فإنَّ هذا جهلٌ وضلالٌ
3 ــ بتر النصوص وأقوال أهل العلم بما يوافق أهواءهم ، والاستدلال ببعض النصوص دون بعض : قال تعالى {أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب}.
4 ــ استغلال عاطفة الشباب نحو هذا الدين وحماسهم . والعاطفة التي لا تضبط بالشرع تصبح عاصفة .
فالتوازن وضبط الحماس والانطلاق من الثوابت الراسخة أمور مطلوبة في هذا الباب .
لا ننكر أن للمشاعر حقها في أن تفور وتغلي ، أما الأفعال فلا بد أن تكون مضبوطة بهدي الكتاب والسنة ومقاصد الشرع وضوابط المصلحة .
ولهذا نجد علماءَنا الكبارَ دائمًا يربطون الحماسَ والغَيرةَ للدّين الموجودةَ عند الشباب بالحكمة والبصيرة حتى تؤتي ثمارها , وتكون عاقبتُها إلى خير وفلاح . 
يقول العلامة الشيخ صالح الفوزان في كتابه محاضرات في العقيدة والدعوة (3/359-360)  : ” الغَيرةُ  على الدِّين ، والحماسُ لا يكفيان ، لابُدَّ أن يكونَ هذا مؤسَّسًا على علمٍ وفقهٍ في دين الله عز وجل ، يكونُ ذلك صادِرًا عن علم , وموضوعاً في محلّه , والغَيرةُ على الدِّين طيّبةٌ , والحماسُ للدِّين طيّبٌ , لكن لا بُدَّ أن يُرَشَّدَ ذلك باتباع الكتاب والسنَة .
ولا أَغْيَرَ على الدّين ، ولا أنصحَ للمسلمين من الصحابة  رضي الله عنهم  ومع ذلك قاتلوا الخوارجَ لخطرِهم وشرِّهم ” .
وقال أيضاً: ” لأنهم جماعةٌ اشتدُّوا في العبادة والصلاة والصيام وتلاوة القرآن , وعندهم غَيرةٌ شديدةٌ , لكنّهم لا يفقهون ! وهذه هي الآفَة!.
فالاجتهادُ في الورع والعبادة لابُدَّ أن يكون مع الفقه في الدّين والعلم ، ولهذا وصفهم النبيُّ  صلى الله عليه وسلم  لأصحابه : بأنَّ الصحابة يحقرون صلاتهم إلى صلاتهم ، وعبادتهم إلى عبادتهم ثم قال : يمرقون من الإسلام كما يمرقُ السّهمُ من الرّميّة ، مع عبادتهم ومع صلاحهم ومع تهجّدهم وقيامهم بالليل ، لكن لما كان اجتهادُهم ليس على أصلٍ صحيحٍ ، ولا على علمٍ صحيحٍ صارَ ضلالاً ووبالاً ، وشرًّا عليهم وعلى الأمّة ” أهـ . 
ويدخل في مصيدة العاطفة : نشر الحكايات والرؤى والمنامات :ولذا فلا ينبغي أن نعجب إذا سمعنا من يقول أنه رأى فلاناً ممن فجروا أنفسهم ينغمس في أنهار الجنة ، وأن فلاناً تعانقه الحور العين، وغير ذلك ممن الشائعات والادعاءات التي أساسها الكذب والوهم .
 5 ـــ اصطياد الشباب بالتدين والزهد : فبعض دعاة التطرف قد يكون لهم  نصيبٌ من الإخلاص ، أو غَيْرَة على محارم الله تعالى ، وقلبُهم يمتلئ حماسًا لدينِ الله عز وجل  وإقامةَ شرعِ اللهِ في الأرض الأمرُ الذي أدَّى ببعض الناس إلى أن يغترَّ بهم , ويقعَ في حبالهم .
لكن هذا الإخلاصُ وهذا الحماسُ لا يكفي وحده ليكون الإنسان على المنهج الحق .
والأمرُ كما قال الصحابيُّ الجليلُ أبو عبد الرحمن عبد الله بن مسعود  رضي الله عنه  حينما أنكرَ على تلك الطائفة التي كانت تذكرُ اللهَ بطريقةٍ غير شرعيّة , وعلى كيفيّةٍ غير نبويّة ، وقد قالوا له : والله يا أبا عبد الرحمن ! ما أردنا إلا الخيرَ . فقال عبد الله بن مسعود : ” وكَمْ مِنْ مُريدٍ للخير لن يصيبَه ” .
ينبغي الاعتبارَ بما كان عليه الخوارجُ الأوائلُ من كثرة العبادة ، والزهد والتقشّف والورع ، وحسنِ النّيّة والقصد ، مع الشجاعة والتضحية بالنفس ، لكن لما خرجوا عن السّنّة , وخالفوا خيارَ الأمّة – وهم أصحابُ النبي  صلى الله عليه وسلم  – واستقلُّوا بفهومهم دون فَهْمِ الصحابة للقرآن والسنّة ؛لم تشفع لهم تلك العبادات , ولا أنجتهم عند الله حُسْنُ النّيّات ، بل وَرَدَ في الأخبار النبويّة التحذيرُ منهم , والتنفيرُ عنهم , وبيانُ ضررِهم على الأمّة الإسلامية , مثلُ قولِـه  صلى الله عليه وسلم  – والخطابُ لأصحابه  رضي الله عنهم  – :  ” يخرجُ فيكم قومٌ تحقرون صلاتَكم مع صلاتهم ، وصيامَكم مع صيامهم , وعملَكم مع عملهم ، يقرؤون القرآنَ لا يجاوز حناجرَهم , يمرقون من الدّين كما يمرق السّهمُ من الرّميّة ” .
وَمِنْ هنا نُدْرِكُ خطرَ هؤلاء القوم على عقيدة المسلمين وأمْنِهم ودينهم وسلامتهم , ولا ينبغي إطلاقًا الاغترارُ بما يظهرُ من صلاحهم , وحماسهم لهذا الدّين .
فلا بُدَّ أنْ يكونَ الحماسُ والغَيْرَةُ منضبطةً بعلم وبصيرة , ومبينةً على فقه وحكمة ورويّة .
والمقصودُ : أنَّه لا ينبغي للمسلم أَنْ يغترَّ بما يظهرونه من العبادة والزهد والعلم, حتى لا يقعَ في حبالهم ، وينخدعَ ببدعتهم وضلالهم .
ولم يزلْ العلماءُ الناصحون قديمًا وحديثًا : ينبهون على خطورة هذا المسلك – أعني النظرَ إلى عبادة الرجل وزهده و… الخ , ونسيانِ بدعته وضلاله – أذكرُ مثالاً واحداً يبين ذلك ويزيد الأمر وضوحًا :
لما كان عمرو بن عبيد – كبيرُ المعتزلة – زاهدًا عابدًا : اغترَّ به بعضُ النّاس , وغفلوا بدعتَه وضلالَه , فقد كان المنصور يعظِّم ابنَ عبيد ويقول :     
كلّكم يمشي رويد 
كلّكم يطلب صيد 
غير عمر بن عبيد .
فعلَّقَ الحافظُ النّاقدُ الذهبيُّ رحمه الله تعالى على ذلك بكلامٍ نفيسٍ فقال في السير :” قلت : اغترَّ بزهده وإخلاصه ، وأغْفلَ بدعتَه ” أهـ.
وكان يغرّ النّاسَ بنسكه وتقشّفه ، وهو مذمومٌ ، ضعيفُ الحديث جدًّا ، معلِنٌ بالبدع ، وقد كفانا ما قاله فيه النّاسُ ” أهـ.
6 ــ ومن مصائد التطرف : استغلال العلاقات الشخصية والملازمة والصحبة ولذا ، حذر السلف من مجالسة أهل البدع :
عن ابن عباس رضي الله عنهما : لا تجالس أهل الأهواء فإن مجالستهم ممرضة للقلب .
وعن أبي قلابة رحمه الله : لا تجالسوهم ولا تخالطوهم فإني لا آمن أن يغمسوكم في ضلالتهم ويلبسوا عليكم كثيراً مما تعرفون .
وعن يحي بن كثير رحمه الله : إذا لقيت صاحب بدعة في طريق فخذ في طريق آخر .
7 ــ ومما يسهل مهمة المتطرفين في اصطياد الشباب والتغرير بهم: غياب التربية القويمة القائمة على المنهج الصحيح ….   .
وتقصير أهل العلم والدعاة في التحذير مما يوقع الشباب  ورطة التطرف .

———————————————–

المصدر: http://www.saadalbreik.com/saad/index.php?t=content&tid=40&cid=112

-- الشيخ د/ سعد بن عبد الله البريك

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*