جديد الموقع
الرئيسية » مركز البحوث والدراسات » ملفات » منهج المجامع الفقهية في العالم الإسلامي في معالجة القضايا المعاصرة

منهج المجامع الفقهية في العالم الإسلامي في معالجة القضايا المعاصرة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء وإمام المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:

إن أفضل ما تمخض عنه العصر الحديث في الشطر الثاني من القرن العشرين هو وجود ظاهرة المجامع الفقهية الإسلامية والندوات الفقهية المتخصصة في بعض الموضوعات المهمة جداً، مثل مجمع البحوث الإسلامية في مصر، والمجمع الفقهي الإسلامي في مكة المكرمة، ومجمع الفقه الإسلامي الدولي في جدة، وغيرها مما يأتي، ومثل ندوات هيئة المحاسبة والمراجعة في البحرين، وندوات متخصصة في ماليزيا، والأردن، وجدة، والبحرين، وسلطنة عُمان، والكويت، وغيرها من الدول الإسلامية والعربية، بفضل جهود كبار الدعاة لميلاد هذه المجامع وعقد هذه الندوات في مظلة الصحوة الإسلامية والضرورات والحاجات الطارئة·

وكان من النتاج الطيب المبارك لهذه المجامع والندوات صدور توصيات وقرارات عامة، وفقهية، وعَقَدية، ولا سيما في مجال الطب والاقتصاد، والأسرة وحقوق الإنسان، والمصارف الإسلامية، والتي كان لها الأثر الكبير في حل مشكلات معاصرة، ولبيان الحكم الشرعي السديد النابع من أصول الشريعة ومبادئها ونصوصها، في ضوء اجتهاد جماعي موفّق ونيّر ومفيد فائدة ملموسة، وقائم على مقاصد الشريعة، ورعاية المصالح والمستجدات المعاصرة·

وكان من ثمار هذه الجهود العلمية الفقهية المباركة تجميد بعض الفتاوى الفردية الشاذة أو المصادمة لآراء العلماء الثقات وهم الأغلبية المتوارثة والمعاصرة، وتسليط الأضواء على ما روَّجته وأعلنته بعض القنوات التلفازية الفضائية مما سمي بزاوية الفتاوى على الهواء·

ومما أدى إلى نجاح المجامع الفقهية والندوات العلمية المتخصصة هو الاعتماد على الاجتهاد الجماعي لكوكبة من مشاهير العلماء والفقهاء الراسخين في العلم·

وهذا يستدعي على الخصوص بيان “منهج المجامع الفقهية في العالم الإسلامي في مجال القضايا المعاصرة – فقه الأولويات” لمعرفة سلامة الأسلوب أو المنهج الذي تمارسه للوصول إلى إصدار توصيات وقرارات حكيمة وسديدة وأقرب إلى الصواب، بدلاً من الآراء الشخصية المعلنة في الكتب والمجلات والمنشورات والقنوات الفضائية من أناس ليسوا متخصصين في الواقع، ولا يطمأن إلى آرائهم الفجّة أو العبثية أو النابعة من الهوى، وفيها شبهة المسارعة إلى إرضاء الحكام أو الاتجاهات الاستشراقية، أو التأثّر بتيار العولمة الغربية أو الأمريكية·

ويتبين المطلوب من خلال المحورين الآتيين:

المحور الأول – منهج المجامع الفقهية في معالجة القضايا المعاصرة·

المحور الثاني – المجامع الفقهية وفقه الأولويات·

*****

المحور الأول – منهج المجامع الفقهية في معالجة القضايا المعاصرة:

اتفقت المجامع الفقهية في أثناء ممارسة مهمتها العلمية وإعداد دوراتها العامة لمجلس المجمع التي هي أهم أنشطة كل مجمع والمعبِّرة عن وظيفتها الأساسية على اتباع الخطة التالية التي تحقق لها النجاح في إصدار القرارات الفقهية لعلاج القضايا المعاصرة التي تواجهها في ضوء ما يأتي(1):

- تعقد هيئة مكتب المجمع برئاسة الأمين العام للمجمع عدة اجتماعات لوضع أسماء الموضوعات التي يتراوح عددها في كل دورة سنوية عادية بين خمسة أو سبعة موضوعات، يراعى في اختيارها التنوع والتجديد، وتلبية الضرورات أو الحاجات البحثية، والظروف المعاصرة، والأولويات الفقهية في حل المشكلات وعلاج المسائل والمستجدات الطارئة، بسبب كون المجمع هو الجهة العلمية الأمينة والحيوية والمحققة لطموحات المسلمين، من الخاصة والعامة·

وقد يعقد المجمع ندوة أو دورة استثنائية لبحث موضوع محدد، وتتم مناقشة الموضوع، وبيان محاوره، فإن بُحث الموضوع في ندوة خاصة، يتم عرض ما نجم عنه الاجتماع على دورة المجمع العادية، كما حدث فعلاً في بحث مسائل التضخم النقدي، والصكوك الإسلامية، والتأمين التكافلي أو التعاوني، في مجمع الفقه الإسلامي الدولي·

وتقدَّم أسماء الموضوعات المقترحة إلى رئيس المجمع، لإقرارها أو تعديلها، أو تأجيلها حين تقديم مزيد من البحث والتصور وبيان الجدوى·

وبعد إقرار هيئة المجمع للموضوعات، ترسل قائمة بها إلى أعضاء المجمع لاختيار بحث أحدها، وقد يكلَّف الباحث بموضوع معين – وهو الغالب -·

وتضع هيئة المكتب برئاسة أمين المجمع بعض القواعد والأصول التي تراعى في كتابة البحث، مثل ضرورة الاعتماد على الأدلة الشرعية المعتبرة، ومراعاة الظروف والأحوال المعاصرة، والتوثيق وتخريج الآيات والأحاديث، وتقديم ملخص في نهاية كل موضوع، وصياغة صورة قرار مجمعي·

فإذا اكتمل إرسال البحوث وإعدادها، بعد إعطاء الباحث مهلة زمنية كافية لإعداد البحث، فتعقد دورة المجمع·

ويجتمع المجلس عادة كل عام في دولة مضيفة من الدول الإسلامية أو العربية، ويبدأ مجلس المجمع أعماله في اليوم الأول بجلسة الافتتاح التي يشترك فيها عادة شخصيات رسمية من الدولة من الوزراء والدبلوماسيين، وقد يكون ممثل الدولة أمير المنطقة، أو وزير الشؤون الدينية أو الإسلامية والأوقاف، ثم تنعقد جلسات المجمع لأيام، ويعرض في كل جلسة لمدة نصف يوم أو أكثر أحد الموضوعات بحسب جدول أعمال المؤتمر، ويقدم عارض باحث ملخصاً عن موضوعه وعن جميع الموضوعات المتماثلة، بعد تعيين مقرر عام للجلسات·

ثم يبدأ النقاش والحوار، وتعطى الفرصة الكافية لكل متحدث في نقد أو إقرار مشتملات البحوث، وفي نهاية الجلسة المخصصة للموضوع تُعيَّن لجنة من أصحاب البحوث وغيرهم لصياغة القرار المناسب فيها، ويسمَّى مقرِّر لكل موضوع، وبعد صياغة القرارات، تقدَّم لأمين المجمع، وتتم مناقشتها مع وجود أمين المجمع ورئيس المجمع·

ثم في الجلسة النهائية تعرض مشاريع القرارات وتتم مناقشتها وتقديم الاعتراضات أو التحفظات والملاحظات، ويجيب أصحاب البحوث عن الأسئلة المقدمة، ثم تصدر القرارات إما بالإجماع، وهو الغالب، وإما بأغلبية الأصوات أحياناً·

علماً بأن حق التصويت مقصور على أعضاء المجمع، ولا يحق للخبراء التصويت، لأن المشاركين في المجامع كمجمع الفقه الدولي إما أعضاء وإما خبراء·

وفي هذه الجلسة يقرأ أمين المجمع القرارات والتوصيات الصادرة المطبوعة على جميع الحاضرين في اجتماع مجلس المجمع لإقرارها، وإذا كان لأحد الموجودين اعتراض أو إبداء رغبة في تعديل قرار، يقدِّم ورقة مكتوبة بما يريده إلى المقرر العام للنظر فيها في لجنة الصياغة العامة أو الخاصة، فإما أن يؤخذ باقتراحه أو يهمل·

ثم تطبع القرارات المعتمدة وترسل إلى الأعضاء والدول المشاركة في صورتها النهائية، وكلما مضت عشر دورات في الجملة، أعيد طبع جميع القرارات القديمة والجديدة، وتعلن في الصحف، وعلى شبكة “نت” ويبادر عادة إلى اقتنائها المستفيدون منها في مجال الدراسات العليا في الجامعات وغيرها، وكذا في المصارف الإسلامية، والشركات التجارية ونحوها، وتلك هي الغاية المنشودة من إصدار القرارات المجمعية، وتكون الفائدة منها محققة غالباً، وإن لم تتوافر لها صفة الإجماع الملزم، وإنما هي بمثابة اتفاق أكثرية العلماء·

وإذا عقدت ندوة أو أكثر في موضوع ما، فيعاد عرض قرار المجتمعين في الندوة على دورة المجمع لإقرارها أو تعديل بعض بنودها، كما تقدم بيانه·

ومن مناهج المجامع الكبرى غالباً: دعوة مئة عالم فأكثر في كل دورة، من الدول الإسلامية المختلفة، ومن أتباع المذاهب الإسلامية، ويلتزم كل باحث بإعداد بحثه منطلقاً من المصادر المعتمدة النصية والاجتهادية، ولا تتقيد قراراتهم بمذهب معين، وإنما يجعل القرار محققاً للمصلحة العامة، ويكون توثيق البحث أساساً مرعياً في الكتابة والإعداد وصياغة القرار والحوار والنقاش والترجيح·

ومن الطريف أن منهج الفقه الإسلامي في الهند في القضايا العامة نص على ما يأتي:

اتخذ المجمع – انطلاقاً من وجهة نظره في وحدة الأمة الإسلامية – منهجاً قويماً ومتزناً بخصوص توحيد صفوف العلماء وجمعهم على رصيف واحد، مع اختلاف المذاهب الفقهية والمدارس الفكرية، واتجه المجمع منذ أول يوم من تأسيسه اتجاهاً إيجابياً جادّاً، حيث كان يوجه قائمة الموضوعات وورقة الأسئلة المستحدثة والقضايا المستجدة حول تلك الموضوعات، والدعوة إلى جميع العلماء بدون ما تمايز وتعصب أو تحزب، كما أنه كان على اتصال دائم بجهات الاختصاص في الجامعات العصرية، والخبراء، للاستفادة العلمية· والمجمع يسترشد ويستهدي بالوحيين (الكتاب والسنة) في جميع أموره(2)·

وجاء في تعريف المجلس الأوربي للإفتاء والبحوث أنه يتوخى الأهداف التالية:

1- إيجاد التقارب بين علماء الساحة الأوربية والعمل على توحيد الآراء الفقهية فيما بينهم، حول القضايا الفقهية المهمة·

2- إصدار فتاوى جماعية تسد حاجة المسلمين في أوربا، وتحل مشكلاتهم، وتنظم تفاعلهم مع المجتمعات الأوروبية، في ضوء أحكام الشريعة ومقاصدها·

3- إصدار البحوث والدراسات الشرعية التي تعالج الأمور المستجدة على الساحة الأوربية بما يحقق مقاصد الشرع ومصالح الخَلْق·

4- ترشيد المسلمين في أوروبا عامة وشباب الصحوة الإسلامية خاصة، وذلك عن طريق نشر المفاهيم الإسلامية الأصيلة والفتاوى الشرعية القويمة(3)·

صفة الاجتهاد الجماعي في دورات المجامع:

تتخذ قرارات المجامع صفة “الاجتهاد الجماعي” بسبب التزام المجمع بطريقة الشورى والحوار والمناقشة الحرة واستنباط الآراء الفقهية القائمة على ضوابط وشرائط الاجتهاد عملاً بالمقرر في علم أصول الفقه، بعد إعداد الموضوعات المعروضة على المجمع إعداداً علمياً رفيعاً، ومحققاً لكل شروط البحث العلمي الرفيع المستوى من أصحاب الثقافات العالية والخبرات والممارسات المتميزة من المشاركين في المجمع وكذا المدعوين إلى دوراته المتتالية أو لبعضها فيما يتعلق باختصاص غير الفقهاء كالفلكيين والاقتصاديين والأطباء ونحوهم·

والاجتهاد الجماعي: هو اتفاق مجموعة من العلماء على حكم شرعي في بعض المسائل الظنية ذات الصلة بالقضايا المعاصرة التي تتطلب حلاً عاجلاً أو آجلاً، أو اتفاق الأكثرية أو جميع المشاركين في الدورات المجمعية على رأي معين(4)·

ومما لا شك فيه أن الاجتهاد الجماعي الحاصل في أنشطة المجامع الفقهية الحديثة النشأة، يحقق حاجة العصر وضرورة تطبيق أحكام الدين، ويواكب حركة التغير والتطور التي تكون في كل عصر، إذ من “المعروف أن الزمان كثير التغيرات” مما يتطلب الاستجابة لدواعي التغيير، ولو كان للفقهاء القدامى بحسب عصورهم رأي آخر، ثم تغيَّرت الأعراف، وتبدلت المصالح، وقذفت الحياة المعاصرة بعشرات أو مئات المسائل المستجدة التي تتطلب اجتهادات جديدة، وذلك يحقق ديمومة الشريعة وصلاحيتها لكل زمان ومكان، في ضوء مقاصد الشريعة الخمسة: “حفظ الدين، والنفس، والعقل، والنسب، والمال”

والدين يواكب الحياة على أساس من التفرقة بين التغيير الصالح والتغيير الرديء، وذلك يكفل خلود الشريعة وتفاعلها مع قضايا الناس في شتى المجالات ويحقق القدرة على النمو والتغيير، والاستقرار والثبات، إلى جانب المواد الصالحة القديمة(5)، وهذا يعني أن الاجتهاد الجماعي يحقق فعلاً الجمع بين الأصالة والمعاصرة، أي التقيد بالثوابت أو القطعيات التي ليست محلاً للاجتهاد، ومراعاة المتغيرات المبنية في الأصل على أساس تحقيق مصالح الناس وأعرافهم وحاجاتهم، وتلبية احتياجات المجتمع الإسلامي أيضاً·

المحور الثاني – المجامع الفقهية وفقه الأولويات:

فقه الأولويات: مصطلح جديد للأستاذ الدكتور يوسف القرضاوي، وهو مفهوم صحيح وطريق جدير بالعناية لدى مؤسسات الاجتهاد الجماعي، ومعناه واضح وهو وضع كل شيء في مرتبته بالعدل، من الأحكام والقِيَم والأعمال، ثم يقدم الأولى فالأولى، بناء على معايير شرعية صحيحة، يهدي إليها نور الوحي، ونور العقل: {نُّورٌ عَلَى? نُورٍ } [النور: 35]·

وهو مرتبط بـ “فقه الموازنات” أي الموازنة بين المصالح، وبين المفاسد أو المضار، وبين المصالح والمفاسد إذا تصادمت، وتعارض بعضها ببعض(6)·

وهذا هو الاتجاه السديد الذي تمليه المصلحة والعقول السليمة، وهو منهج المجامع الفقهية كلها، والمراعى لدى هيئة مكتب الأمين العام لكل مجمع عادة، بدليل ما تقترحه هذه الهيئة من موضوعات البحث في كل دورة مجمعية، وما يصدر عن المجامع من قرارات على مدى أكثر من نصف قرن·

وهذه أمثلة من حصاد هذه المجامع منذ إنشائها وإلى يومنا هذا، وأبدأ باختيار ثُلّة منها، بحسب تاريخ إحداثها·

أولاً – مجمع البحوث الإسلامية في القاهرة:

وهو أقدم المجامع الإسلامية، حيث أنشئ في عام 1382هـ/ 1962م، وصدرت لائحته التنفيذية عام 1395هـ/ 1975م، ومن بواكير ثماره ما يأتي:

- حكم الربا في الشريعة: فقد جاء في مؤتمره الثاني الذي انعقد في عام 1385هـ/ 1965م ما يأتي:

1- الفائدة على أنواع القروض كلها ربا محرّم، لا فرق بين ما سمي بالقرض الاستهلاكي، وما يسمى بالقرض الإنتاجي، لأن نصوص الكتاب والسنة في مجموعها قاطعة في تحريم النوعين·

2- كثير الربا وقليله حرام، كما يشير إلى ذلك الفهم الصحيح في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً } [آل عمران: 130]·

3- الإقراض بالربا محرّم، لا تبيحه حاجة ولا ضرورة، والاقتراض بالربا محرّم كذلك، ولا يرفع إثمه إلا إذا دعت الضرورة، وكل امرئ متروك لدينه في تقدير ضرورته·

4- الحسابات ذات الأجل، وفتح الاعتماد بفائدة، وسائر أنواع الإقراض نظير فائدة، كلها من المعاملات الربوية، وهي محرّمة·

ولا عبرة بعد هذا وغيره للقول بإباحة الفوائد الربوية في البنوك التقليدية عملاً بفتوى باطلة لشيخ الأزهر السابق، بدليل إصدار جميع المجامع الفقهية قرارات صريحة بتحريم فوائد البنوك وغيرها، كما تقدم بعضها·

- حكم التأمين: قرر المؤتمر الثاني لمجمع البحوث ما يلي:

1- التأمين الذي تقوم به جمعيات تعاونية، يشترك فيها جميع المستأمنين لتؤدي لأعضائها ما يحتاجون إليه من معونات وخدمات أمر مشروع، وهو من التعاون على البر·

2- نظام المعاش الحكومي وما يشبهه من نظام الضمان الاجتماعي المتَّبع في بعض الدول ونظام التأمينات الاجتماعية المتبعة في دول أخرى، كل هذا من الأعمال الجائزة·

3- أما أنواع التأمينات التي تقوم بها الشركات أياً كان وضعها، مثل التأمين الخاص بمسؤولية المستأمن، والتأمين الخاص بما يقع على المستأمن من غيره، والتأمين الخاص بالحوادث التي لا مسؤول فيها، والتأمين على الحياة وما في حكمه، فقد قرر هذا المؤتمر تأجيله لاستكمال الدراسة·

وفي المؤتمر السابع قدِّم فيه تقرير شامل جمع فيه الشيخ محمد فرج السنهوري آراء علماء المسلمين ، ثم صدر فيه قرار بتحريم التأمين التجاري، حيث أعلن مؤتمر علماء المسلمين الثاني في القاهرة عام 1385هـ، ومؤتمر علماء المسلمين السابع فيها أيضاً عام 1392هـ/ 1972 م تحريم التأمين التجاري·

ثانياً- المجمع الفقهي الإسلامي في مكة المكرمة التابع لرابطة العالم الإسلامي:

بدأت دورات هذا المجمع عام 1398هـ، وانعقدت في أواخر عام 2009م الدورة العشرون، وقد أصدر المجمع خلالها أكثر من مئة قرار في العقيدة والعبادة والفقه الطبي والاقتصادي والسياسي، مثل مطالبة ولاة الأمور في الدول الإسلامية بتطبيق الشريعة الإسلامية، والعمل بالرؤية في إثبات الأهلة، لا بالحساب الفلكي، وحكم التأمين بشتى صوره وأشكاله، وحكم الأوراق النقدية، وسوق الأوراق المالية والبضائع (البورصة) وما واكبها من أنواع الصفقات المحظورة شرعاً، والمقامرة، والاستغلال، وأكل أموال الناس بالباطل، والعقود الآجلة بأنواعها التي تجري على المكشوف، أي على الأسهم والسلع التي ليست في ملك البائع، وبيع السلعة المتعاقد عليها قبل الحيازة أو القبض الفعلي أو الحكمي·

ومن قراراته: بيان حكم التلقيح الصناعي وأطفال الأنابيب، وتشريح جثث الموتى، وتقرير حصول الوفاة، ورفع أجهزة الإنعاش، وطرق ذبح الحيوان بواسطة الصعق الكهربائي، وزكاة أجور العقارات، والشرط الجزائي، وفرض غرامات جزائية على المدين المتأخر في سداد الدين، في المدة المحددة·

وحكم المواعدة ببيع العملات بعضها ببعض، ومسؤولية الأولياء والأوصياء على من تحت وصايتهم، والمسؤولية عن أضرار الأشياء من حيوان وبناء وآلات، ومدى الاستفادة من علم الهندسة الوراثية والبصمة الوراثية، وبيع الدين، وبيع التورُّق، واستثمار أموال الزكاة، وزراعة ونقل الأعضاء عام 1430هـ/ 2009م·

ثالثاً – مجمع الفقه الإسلامي الدولي في جدة التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي:

أنشئ هذا المجمع عام 1401هـ/ 1981م، وصدر عنه في دوراته التسع عشرة وندواته عن التأمين التعاوني، والصكوك الإسلامية، والتضخم النقدي زهاء (150) قراراً في قضايا العبادات ونظام الأسرة وحقوق الإنسان والأطفال والمسنين والأيتام، وعالم الاقتصاد والمعاملات، والمسائل الطبية، وبعض الحقوق الدولية، كهجرة اليهود إلى فلسطين، وحكم الاستنساخ البشري، والبورصات أو الأسواق المالية، وحكم طوائف القاديانية، واللاهورية والبهائية والماسونية والعلمانية·

وكذا حكم مرض المناعة المكتسب (الإيدز) وقرار توحيد بدايات الشهور القمرية، وقرار أجهزة الإنعاش، وعلامات الموت بأحد أمرين: توقف حركات القلب، وتعطّل جميع وظائف الدماغ، وحكم صرف أموال الزكاة لدعم وقفية صندوق التضامن الإسلامي·

رابعاً – مجمع الفقه الإسلامي في الهند:

عقد هذا المجمع خمس عشرة ندوة فقهية في ولايات الهند بدءاً من عام 1410هـ/ 1989 وكان العلاَّمة القاضي الشيخ مجاهد الإسلام القاسمي أول أمين عام له والمؤسس له· وصدرت عنه زهاء (75) قراراً منها: تنظيم الأسرة، وبدل الخلو، وزراعة الأعضاء، والتكييف الشرعي للعملات الورقية، وحكم الفوائد البنكية والمعاملات الربوية، والمصرفية الإسلامية والمرابحة، وبيع الحقوق، والتأمين ، وقضايا مستجدة تتعلق بالزكاة، ونظام العُشْر والخراج في الإسلام، والضرورة والحاجة الشرعيتان، وأخلاقيات الطبيب وواجباته، ومرضى الإيدز، وضوابط العرف والعادة، وأسهم الشركات، وقضايا الأوقاف والكفاءة والولاية في النكاح، وحكم الأحاديث الضعيفة، وصفة اختلاف الأئمة، وطلاق السكران وحكم الإنترنت وأجهزة الاتصال الحديثة، وانقلاب الماهية، واستثمار أموال الزكاة، وعلاقة المسلمين مع غيرهم، والإسلام والسلام العالمي، وحكم مادة الجيلاتين، والتأمين الصحي وبطاقات الائتمان والهندسة الوراثية·

خامساً – مجمع فقهاء الشريعة بأمريكا وكندا:

عقد هذا المجمع سبع دورات أو سبعة مؤتمرات، كان المؤتمر السابع منها في قضية التحكيم في دولة الكويت في 26/ 10/ 2010م، وأنشئ هذا المجمع من أجل معالجة قضايا الجالية المسلمة في بلاد الغرب، وأهدافه تتمثل فيما يلي:

- إصدار الفتاوى فيما يعرض عليه من قضايا ونوازل·

- وضع خطة لإعداد البحوث والدراسات الشرعية التي تتعلق بأوضاع المسلمين في المجتمع الأمريكي، ثم أضيف: والكندي·

- دراسة وتحليل ما ينشر عن الإسلام والتراث الإسلامي في وسائل الإعلام·

- معاونة المؤسسات المالية الإسلامية بإعداد البحوث والدراسات، وتقديم ما تطلبه من الفتاوى والاستشارات·

- إقامة دورات تدريبية لأئمة ومديري المراكز الإسلامية في مختلف المجالات الفقهية·

- دعم التعاون بين المجمع والهيئات والمجامع الفقهية الأخرى·

- معالجة قضية المواطنة·

- دعم أنشطة لجان التحكيم الشرعية التي تقيمها الجاليات الإسلامية في البلاد الغربية، وإعداد تقنين ميسَّر للأحكام الفقهية يكون مرجعاً لجهات التحكيم الناشئة في الغرب·

- إنشاء صندوق المجمع للزكاة والتكافل الاجتماعي في حدود ما تسمح به القوانين والنظم· أما منهج هذا المجمع: فهو لا يختلف عن بقية المجامع في طريقة اختيار البحوث، وتكليف الباحثين، وتقديم ملخص عنها في الدورة، ثم مناقشتها وصياغة قرارات عنها، ثم طباعتها وتوزيعها في العالم·

يتبيّن مما تقدم بنحو واضح أن المجامع الفقهية راعت فقه الأولويات وتميزت بالسماحة وعدم التعصب لمذهب معين، وبالتزام مطلق الحرية في النقاش، والعمل بمبدأ الاجتهاد الجماعي، ومناقشة الأمور الحديثة واستخلاص النتائج، والتصويت على القرارات إذا لم يكن هناك اتفاق، مع بحث القضايا العالمية والدولية، وتلبية مطالب وطموحات الأمة الإسلامية في التجديد والاجتهاد، إلى آخر ما هنالك من الإفادة من مختلف ألوان الثقافة والمعرفة والاختصاصات العلمية المتنوعة، دون تقيد بالفقه الضيق، أو التعصب لرأي معين، ولا مراعاة لسياسة دولة في قضايا الاقتصاد والاجتماع والعلاقات الدولية، مما أكسب هذه المجامع سمعة عالية، وثقة واضحة، واحتراماً لقراراتها ومناهجها وأعمالها الأخرى الجانبية المتعلقة بقضايا المصير الإسلامي في البلاد التي تعرضت للاحتلال مثل فلسطين والعراق وأفغانستان ودول البلقان الإسلامية·

علماً بأن هذه المجامع تلتزم أصول الشريعة وفقه المجتهدين، ولا تتساهل عادة في بيان الأحكام الشرعية، إلا بقدر ما يصدر عن بعضها – وهذا نادر – من فتاوى ربما تكون محل نظر وانتقاد·

الخلاصة

تتفق المجامع الفقهية في العالم الإسلامي وأمثالها من ندوات البركة وتطور العلوم الفقهية في عُمان، وهيئة الزكاة المعاصرة وغيرها في الجملة على ما يأتي:

- الاعتماد في مناهجها على إحياء معالم الشريعة الإسلامية في تفعيل مصادرها الشرعية الأصلية والتبعية بإصدار الفتاوى والقرارات والتوصيات في المسائل والقضايا الشرعية، ومستجدات النوازل في ضوء مقاصد الشريعة، وتحقيق أهدافها وغاياتها الكبرى لتكون مواكبة لمسيرة الحياة وتغيُّراتها ونمو عطاءاتها وتنمية فاعلياتها، وعلى أساس الجمع بين الأصالة والمعاصرة، أو التزام الثوابت ومقتضيات التغيُّرات والمصالح والأعراف التي لا تتصادم أو تتعارض مع الشريعة في هديها العام أو الكلي·

- أسلوبها في اختيار الموضوعات المعروضة للبحث هو التصدي للمشكلات والمستجدات المعاصرة ومعالجتها موضوعياً ومسلكياً·

- التزام طريق أو منهج التشاور والحوار والنقاش والبحث المشترك، والاجتهاد الجماعي المتعين سلوكه في عصرنا·

- العمل على توحيد الفتاوى والتقارب بين علماء الأمة الإسلامية وإغناء الساحة الإسلامية بما يناسب العصر، ويحقق طموحات المسلمين أفراداً وجماعات ومؤسسات ودولاً·

- إعداد الدراسات والبحوث المتعددة في الموضوعات المختلفة بحيث لا يناقش موضوع إلا إذا تقدمت فيه مجموعة أبحاث أقلها ثلاثة·

- العمل على إشاعة روح التسامح والتقارب بين أتباع المذاهب الإسلامية تمهيداً لتحقيق وحدة الأمة ووقوفها صفاً واحداً أمام أعدائها·

- إغناء الساحة الإسلامية بالأحكام الشرعية الميسرة، ونشر المفاهيم الإسلامية الأصيلة والصحيحة·

- تلبية حاجة المسلمين في بيان أحكام المستجدات حتى لا يتورّطوا بتطبيق القوانين الوضعية، والارتماء في تقاليد وعادات وأساليب الحياة الغربية والدخيلة الفاسدة·

* عميد كلية الشريعة ورئيس قسم الفقه الإسلامي في جامعة دمشق- كلية الشريعة سابقاً- عضو المجامع الفقهية في (مكة، جدة، الهند، السودان، أمريكا)

(1) المادة الحادية عشرة من النظام السياسي لمجمع الفقه الإسلامي الدولي·

(2) نبذة عن مجمع الفقه الإسلامي – الهند: ص 4·

(3) المجلس الأوربي للإفتاء والبحوث: ص 11 – 12·

(4) مؤسسات الاجتهاد الجماعي للباحث في مجلة نهج الإسلام السورية للباحث: ص 27·

(5) الاجتهاد الجماعي للعلاَّمة أبي الحسن الندوي: ص 39 – 54، المقدم في الندوة الفقهية الأولى لمجمع الفقه الإسلامي بالهند عام 1989م·

(6) في فقه الأولويات – دراسة جديدة في ضوء القرآن والسنة: ص 9، 27، أ· د· يوسف القرضاوي·

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>

إلى الأعلى