جديد الموقع
الرئيسية » مركز البحوث والدراسات » ملفات » خارطة تنظيم القاعدة العالمية

خارطة تنظيم القاعدة العالمية

بعد انتهاء المرحلة التي وصفت بـ”الجهاد الأفغاني”، عاد معظم المشاركين العرب والمسلمين الذين شاركوا في حرب أفغانستان إلى بلادهم، وقد شكل بعض هؤلاء النواة الرئيسة لنشر ما حمله أو طوره من أفكار من تلك المرحلة إلى بلاده، ويعد تنظيم القاعدة، القائم على مبدأ الجهاد العالمي التجسيد الأبرز لهذه الأفكار “الجديدة” قياسا إلى ما انتهت إليه تنظيمات إسلامية أخرى. وقد اختلفت نشأة كل فرع من فروع القاعدة ووسائل وطرق عمله وحتى أهدافه من بعض الوجوه، تبعا للظروف التي اختبرها أعضاؤه في أوطانهم المختلفة، وإن بقي “فهم” موطن النشأة الأصلي (أفغانستان) لها هو الموجه الأساس.

وترصد هذه الورقة تنظيم القاعدة في ثلاث مناطق رئيسة من الرقعة الإسلامية شهدت حراكا ملفتا للقاعدة ولبعض أعضائها في الفترة الأخيرة على وجه الخصوص، وذلك بغية الوقوف على طريقة عمل هذا التنظيم وأهدافه المرحلية والمحلية، وطريقة تفكيره وانتشاره إضافة إلى استخلاص ما يمكن استخلاصه من مسيرة هذا التنظيم:

1. باكستان وأفغانستان.
2. يمن جزيرة العرب.
3. الصومال.
4. خلاصات.

باكستان وأفغانستان

“اختلفت نشأة كل فرع من فروع القاعدة ووسائل وطرق عمله وحتى أهدافه من بعض الوجوه، تبعا للظروف التي اختبرها أعضاؤه في أوطانهم المختلفة.”
القاعدة في أفغانستان وباكستان تمثل النواة الرئيسة للقاعدة العالمية، وتتميز برمزية ملهمة لكل أفرع القاعدة أو المتحالفين معها في شتى أرجاء العالم، وقد سعت منذ البداية إلى “تقعيد” طالبان أي جعلها حاملة للأفكار والأطروحات التي تنادي بها جماعة القاعدة، ولقيت تجاوبا من طالبان أفغانستان التي سمحت لها بالعمل وسط الشباب الأفغاني، وتجنيد أفضل عناصره لصالحها، وهو ما يعكس مدى العلاقة والترابط بين الطرفين. وعلى العموم يمكن رصد أربع محطات مهمة ولو على سبيل الإيجاز لمسار القاعدة منذ نشأتها وحتى يومنا هذا:

مرحلة التأسيس والتدريب وتحديد الأولويات

امتدت هذه المرحلة منذ إنشاء أول مجموعة للقاعدة عام 1987 وحتى التوجه إلى الصومال في منتصف عام 1992 بعد نشوب الحرب بين فصائل “المجاهدين الأفغان”، ونأي القاعدة بنفسها عن الحروب الداخلية، وقد ركزت القاعدة في هذه المرحلة على اختيار الشباب العربي المناسب لأفكارها وعملياتها وضمان البيعة لأسامة بن لادن، كما باشرت التدريبات اللازمة واختيار الهدف الأساسي للصراع وهو مواجهة أميركا باعتبارها العدو الأكبر الذي حل محل الاتحاد السوفيتي المنهار، لذا كان من الطبيعي التوجه إلى الصومال لمقاتلتها هناك بعدما تورطت بالتدخل في هذا البلد. وضمت القاعدة حينها كل الجنسيات التي جاءت إلى الجهاد الأفغاني تقريبا وهو ما وفر لها فرصة ذهبية للتواصل مع مناطق مختلفة من العالم، أي التواجد على كل الخريطة العالمية تقريبا وهذا ما أعطى تنظيمها بعدا عالميا.

مرحلة المواجهة مع أميركا

عملت القاعدة وفق نظرية العدو المشترك، ومن ثم لجأت إلى قتال أميركا رافعة شعارا سهلا ومفهوما وبسيطا وهو “أخرجوا المشركين من جزيرة العرب” وبالتالي نفذت عمليتي “العليا” و”الخبر” وغيرهما في المملكة العربية السعودية، ثم كان تفجير السفارتين الأميركيتين في نيروبي ودار السلام عام 1998، وبعدها الهجوم في عدن باليمن على البارجة يو إس إس كول في أكتوبر/ تشرين أول 2000، لتصل المواجهة ذروتها في أحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول 2001، وهي المرحلة التي أعقبها تصعيد أمريكي وغزو لبلدين مسلمين (أفغانستان ثم العراق). بعد سقوط طالبان في أفغانستان بدأت القاعدة تعد لخوض حرب عصابات شبيهة بحربها مع السوفييت ولكن بفارق مهم: وهو غياب الدول الحاضنة لهذه “المقاومة”، فبينما كانت هناك دول في زمن السوفييت تحتضن المقاومة، فإنها تكاد تنعدم في المرحلة الجديدة، من هنا راهنت القاعدة وطالبان على الحاضنة الاجتماعية الشعبية في مناطق القبائل والشرق الأفغاني البشتوني.

مرحلة الحاضنة القبلية

بعد سقوط طالبان تمكنت القاعدة وطالبان من سحب مقاتليهما إلى مناطق القبائل وبدأت مرحلة جديدة من تجنيد مقاتلي طالبان باكستان والقبائل، وقد لجأت إلى وزيرستان، المنطقة التي تختزن عداءً كبيرا للأجانب المحتلين، ثم أعادت طالبان تنظيم صفوفها حتى أواخر عام 2003 حين بدأت العمليات العسكرية الباكستانية تحت الضغط الأميركي في مناطق القبائل. لكن تمكنت التنظيمات المسلحة الثلاث القاعدة وطالبان أفغانستان وباكستان على يبدو من إعادة تجميع صفوفها إلى حد كبير. مع الإشارة هنا إلى أن القاعدة وطالبان أفغانستان قد نأتا بنفسيهما عن المواجهة مع الجيش الباكستاني، وباشرت طالبان باكستان القيام بهذه المهمة، بالتوازي مع تعزيز حضور جماعات من الأوزبك التي يقدر عددها بأكثر من ألفي مقاتل، وكذلك مجموعة من مسلمي تركستان الشرقية الصينية وهم يقدرون أيضا ببضع مئات حسب المصادر المطلعة.

طالبان وباكستان

شكلت طالبان باكستان ما يشبه درعا لكل من القاعدة وطالبان أفغانستان ووفرت لهما ملاذا آمنا رغم كل الضربات التي كالتها لها أميركا بنفسها أو من خلال الضغط على الجيش الباكستاني لتنفيذ عمليات عسكرية في منطقة وزيرستان والمناطق الحدودية. لكن ما لعب لمصلحة طالبان والقاعدة معا هو أن باكستان تدرك أنه ليس من مصلحتها القضاء على طالبان أفغانستان والقاعدة نهائيا، لكون ذلك يصب في نهاية المطاف لصالح الهند والأحزاب والأفغانية الموالية لها. كما أن إسلام آباد لا تثق بالنوايا الأميركية، خاصة وأنها سمحت سابقا للتحالف الشمالي الموالي لإيران والهند بالسيطرة على كابول وفرض رؤيته الخاصة، وقامت راهنا باستقبال رئيس الوزراء الهندي مانموهان سنغ في البيت الأبيض قبل إعلان الرئيس الأميركي باراك أوباما لإستراتيجيته الجديدة في أفغانستان.

وعلى هذا الأساس هناك من يتوقع أن تزداد القاعدة في هذين البلدين قوة وانتشارا خلال الفترة المقبلة وذلك للاعتبارات التالية:

* حالة “غياب الثقة” بين الجيش الباكستاني والقوات الأميركية قد تمكن القاعدة وطالبان باكستان وطالبان أفغانستان من الحصول على دعم من بعض قادة الجيش الباكستاني والمخابرات العسكرية الباكستانية، لإنهاك القوات الأميركية العاملة هناك.
* مع سعي الهند وإيران سواء بصورة منفردة أو بالتنسيق بينهما، لملء الفراغ الذي سينشأ عن أي انسحاب أميركي، فإنه ليس من المصلحة الإستراتيجية لباكستان استئصال شأفة القاعدة كليا، فهي قد تحتاجها في صراعها ضد الهند المختلفة معها أصلا حول كشمير، أو حتى لكبح التمدد الإيراني في أفغانستان التي تمثل عمقا أمنيا لباكستان لا غنى عنه.

يمن جزيرة العرب

تحظى اليمن بأهمية خاصة عند القاعدة، بسبب قربها من المملكة العربية السعودية التي ينحدر منها أسامة بن لادن، ولأنها من جزيرة العرب التي دعا تنظيم القاعدة لإخراج “المشركين” منها.

المراحل التاريخية
يمكن القول بشيء من التجاوز إن تنظيم القاعدة في اليمن مر بأربع مراحل تاريخية بعضها يتشارك فيها مع بقية أفرع القاعدة، وبعضها الآخر تخصه دون غيره من الأفرع الأخرى:

*
“يعتبر العام 2006 الذي حدثت في بدايته عملية هروب لثلاثة وعشرين عنصرا من أخطر عناصر تنظيم القاعدة في اليمن، عام التحولات الكبرى في مسار تنظيم القاعدة في اليمن وظهور ما يعرف بالجيل الثاني للتنظيم في اليمن.”
المرحلة الأولى: التأسيس، مثلت مرحلة حيوية في مسار قاعدة اليمن كما سواها من بقية الأفرع، وامتدت من منتصف الثمانينيات حتى مطلع تسعينيات القرن الماضي. وكان أبرز معالمها حشد الطاقات الشبابية لمعسكرات تدريب في أفغانستان مع التركيز بأن المعركة لن تتوقف بخروج السوفييت من أفغانستان بل لا بد من الاستعداد لخوض معركة عالمية أوسع نطاقا.

* المرحلة الثانية: الاستكشاف، وهي محاولة اكتشاف التنظيم أي من مناطق العالم ستكون الأفضل لإدارة الصراع، فكان الصومال أول ميدان للقاعدة خارج أفغانستان بعد سقوط الاتحاد السوفييتي. ففي هذه المرحلة نازل شباب من اليمن والسعودية القوات الأمريكية في الصومال، وانتشرت فيها المنظومة الفكرية للقاعدة، وهو ما تم ترجمته في عمليات الرياض في حزيران/ يونيو 1996 التي استهدفت مقرا للقوات الأمريكية، وهي إن لم يتبنها أسامة بن لادن إلا أنه باركها. واستمرت هذه المرحلة من مطلع التسعينيات حتى انطلاق الجبهة العالمية لمقاتلة اليهود والصليبيين في فبراير/شباط 1998، وكان الخطاب فيها متركزا أساسا على شبه الجزيرة العربية وخصوصا السعودية واليمن، وأطلق على الوجود الأمريكي هناك بأنه احتلال لبلاد الحرمين والمقدسات وصنفته القاعدة الاحتلال الثاني بعد فلسطين. وأبرز ملامح هذه المرحلة تعيين قيادة محلية للقاعدة (أبو علي الحارثي-40 عاما، قتلته طائرة المخابرات الأمريكية مطلع نوفمبر/تشرين الثاني 2002) وبأهداف عالمية، كان أبرز معالمها ضرب المدمرة الأمريكية يو أس أس كول، ومن خلالها نجح التنظيم في استقطاب مجندين محليين جدد للمرحلة التالية.

* المرحلة الثالثة: البناء التنظيمي، وهي مرحلة البناء التنظيمي الأول للقاعدة في المنطقة والتي تزامنت مع الغزو الأمريكي للعراق في العام 2003، وأبرز معالمها تأسيس تنظيم القاعدة في جزيرة العرب، كتنظيم محلي هيكلي بقيادات معلومة ومعلنه، ورغم أنه كان يحمل اسم القاعدة في منطقة شبه الجزيرة العربية إلا أنه لم تسجل له محاولة واحدة تجاوزت حدود المملكة العربية السعودية، إلا فيما يخص رفد الجبهة العراقية بالمقاتلين والأموال والدعم الإعلامي. وكان من سمات وأبرز نتائج تلك المرحلة النشاط الفكري والأبحاث العلمية التي تصدرها مشايخ وعلماء ساعدوا في إثراء المكتبة الإيديولوجية للقاعدة بقراءات وتفسيرات للإسلام وفق متطلبات وحوادث عصرية.

* المرحلة الرابعة والأخيرة، وتخوض فيها القاعدة حربا كبرى مع القوى العالمية وتصفها بأنها معركة استنزاف لأميركا في اليمن إلى جانب العراق وأفغانستان والصومال.

جيل القاعدة الثاني

ويعتبر العام 2006 الذي حدثت في بدايته عملية هروب لثلاثة وعشرين عنصرا من أخطر عناصر تنظيم القاعدة في اليمن، عام التحولات الكبرى في مسار تنظيم القاعدة في اليمن وظهور ما يعرف بالجيل الثاني للتنظيم في اليمن. فعلى الرغم من أن السلطات كانت قد أعلنت عن استسلام عشرة من العناصر الفارين وقتل خمسة آخرين، فإنه قد تبين خلال عام 2007 أن من يقود القاعدة في اليمن هو أحد الثمانية الباقين وممن فروا من سجن الأمن السياسي، وهو ناصر الوحيشي المكنى بأبي بصير. والوحيشي من محافظة شبوة بجنوب اليمن وكان في أفغانستان وعمل سكرتيرا شخصيا لأسامة بن لادن، وبعد الغزو الأميركي لأفغانستان فر إلى إيران حيث قبض عليه وسلم إلى السعودية ومنها إلى اليمن. والوحيشي هو الوحيد إلى جانب قاسم الريمي (رابع أهم شخصية في تنظيم القاعدة حاليا) اللذان ينتميان إلى ما يعرف بالجيل الأول لتنظيم القاعدة في اليمن. وتتشكل عناصر الجيل الأول من أغلبية قاتلت في أفغانستان في مراحل مختلفة وعادت ضمن ظاهرة ما يعرف بالأفغان العرب، وبشكل محدد أولئك الذين تم تجنيدهم في تنظيم القاعدة منذ إنشائه في نهاية الثمانينات.

ومن المهم هنا الإشارة إلى أن العمليات الكبرى لتنظيم القاعدة في اليمن نفذها عناصر من الجيل الأول، بدءا من الهجوم على فندق في عدن كانت تتخذه القوات الأمريكية كمحطة للانتقال إلى الصومال ضمن عملية “إعادة الأمل” وذلك في بداية عهد الرئيس بيل كلينتون عام 1990، وحتى تفجير المدمرة الأمريكية يو أس أس كول في ميناء عدن في أكتوبر/تشرين أول 2000، والهجوم على السفارة البريطانية في الشهر ذاته، ثم ناقلة النفط الفرنسية في أكتوبر/تشرين أول 2002، وقتل الأطباء الأمريكيين في جبلة بمحافظة إب في ديسمبر/كانون أول 2003 وقبل ذلك بأيام وفي الثالث من نوفمبر/تشرين الثاني تحديدا تم إطلاق صاروخ على طائرة تابعة لشركة نفطية عقب إقلاعها من مطار صنعاء، إضافة إلى التخطيط لاغتيال السفير الأمريكي السابق أدموند هول. وكانت الأهداف في الأغلب أميركية أو غربية عدا استثناءات بسيطة مثل الهجوم على مبنى تابع للاستخبارات اليمنية في العاصمة صنعاء في إبريل/نيسان 2001.

من اليمين محمد العوفي (أبو الحارث)، (أبو بصير) ناصر الوحيشي، السعودي سعيد الشهري (أبو سفيان الأزدي)، اليمني قاسم الريمي (أبو هريرة) (الجزيرة-أرشيف)
أما الجيل الثاني من القاعدة فأغلب عناصره لم يعرف أفغانستان، بل تم تجنيده وتدريبه داخل اليمن أو في السعودية، وفي الأغلب على يد العناصر الفارة من سجن الأمن السياسي، وقد طعم بعناصر سعودية يقدرها البعض ما بين 40 و50 عنصرا فروا إلى اليمن بعد تضييق الخناق عليهم في السعودية، ولذلك لم يكن مستغربا توحد تنظيمي القاعدة في السعودية واليمن تحت لواء تنظيم قاعدة الجهاد في جزيرة العرب، الذي اختير ناصر الوحيشي لقيادته في نوفمبر/تشرين الثاني 2008، وقد ظهر الوحيشي في شريط مصور إلى جانب السعوديين سعيد الشهري ومحمد العوفي واليمني قاسم الريمي، وتأكدت زعامته لتنظيم القاعدة في اليمن بعدما أشاد به أسامة بن لادن في تسجيل صوتي.

وأعلن الوحيشي في بداية يناير/كانون أول 2009 هذا التحالف على الملأ وكشف عن أهدافه المتمثلة باستهداف الوجود الغربي والأميركي خصوصا، وضرب مصالحه في جزيرة العرب والسلطات الحاكمة التي تحميه وتوفر له المظلة. وتبدو عناصر الجيل الثاني أكثر تشددا وأكثر عدائية للسلطات، ففي تسجيل صوتي في 2007 دعا الوحيشي عناصر القاعدة (من الجيل الأول) إلى الانضمام إليه وعدم مهادنة السلطات أو الدخول في اتفاقات معها باعتبار أن التجارب أثبتت أن لا عهد ولا ميثاق لها. وبدا الوحيشي في التسجيل الصوتي غاضبا من مقتل رفاقه من الفارين لا سيما فواز الربيعي ومحمد الديلمي، وغاضبا من التعذيب وسوء المعاملة التي يعاني منها عناصر التنظيم في السجون، وربما لذلك استهدفت أغلب عملياته مصالح يمنية، بداية من منشآت النفط في حضرموت ومأرب، مرورا بالعديد من النقاط الأمنية ومقرات الأمن فيهما.

وعلى هذا النهج يرفض الجيل الثاني أي حوار مع السلطات بخلاف عناصر من الجيل الأول، حيث دخل حوالي 600 منهم في حوار مع السلطات من داخل السجون بين عامي 2003 و2006، وخرجت منه بالتزام بتجنب العنف والعيش تحت مظلة الدستور والقانون. لكن البعض منهم عاد إلى العمل مع القاعدة مجددا وإن اتجه أغلب هؤلاء إلى العمل معها خارج البلاد، وتحديدا في العراق، وباتفاق -مع السلطات كما يتردد- مفاده تجنب القيام بأي أعمال داخل اليمن أما خارجه فذلك يعود إليهم.

واستهدفت القاعدة خلال الأعوام 2007- 2009 سياحا أسبانا وبلجيكيين وكوريين، كما هاجمت مرتين السفارة الأمريكية أحدهما كان محاولة فاشلة بقذائف أو صواريخ محمولة والأخرى بسيارتين مفخختين وستة انتحاريين في سبتمبر/أيلول 2008، بالإضافة إلى الهجوم على مجمع سكني لخبراء في شركة نفط أجنبية ومحاولة فاشلة لقصف السفارة الايطالية. لكن أغلب عمليات الجيل الثاني كانت أهدافها محلية (نفطية وأمنية)، واللافت أنها تركزت في المنطقة الشرقية للبلاد(حضرموت ومأرب) حيث منشآت النفط والغاز في مسعى على ما يبدو لإيجاد مجال نفوذ في منطقة تتسم أصلا بضعف وجود الدولة، وبالاتساع وقلة السكان وهيمنة الروابط القبلية.

القاعدة والحراك الجنوبي

كانت حركة القاعدة وعملياتها في حضرموت تثير شكوكا كثيرة لدى الحراك الجنوبي الذي بدأ يظهر أواخر 2006 ليتسع ويكبر تباعا في السنوات اللاحقة على امتداد أربع محافظات رئيسية في الجنوب من أصل سبع.

اعتقد الحراك ولا يزال أن الأمر مجرد لعبة من السلطات للتشويش على حركته والتعمية على مطالبه، لأن إظهار الجنوب كمعقل للقاعدة يعني استهدافه غربيا، ويعني أيضا تجاهل مطالبه بفك الارتباط عن الشمال، ولا شك أن هذا الوضع من شأنه خلق مزيد من الفوضى والانقسام الذي من شأنه أن تستفيد منه القاعدة. واللافت أن الوحيشي ظهر بالفعل في تسجيل صوتي خلال عام 2009 يعلن تأييده للحراك الجنوبي وللقضية الجنوبية ولكن لأهداف مختلفة تنسجم مع رؤيته للدولة الإسلامية المنشودة في الجنوب بعد استقلاله. الأكثر من ذلك أن أحد قيادات الحراك رحب بالتحالف مع القاعدة وحتى مع الشيطان -كما قال- من أجل أن ينتزع الجنوبيون حقوقهم، لكن قيادات وفصائل الحراك كلها رفضت إعلان القاعدة واعتبرته مؤامرة ضدها طبخت مع نظام صنعاء.

وقد ساهم الحراك الجنوبي على نحو أو آخر، في إفساح المجال أمام القاعدة للتوسع والانتشار في الجنوب، حيث أن حركة الحراك في محافظتي أبين وشبوة تتسم بكثير من العنف، ومن ذلك واستهداف كل ما يمثل الدولة من مقار حكومية وعناصر أمن وشرطة وجنود، بل كل ما يمثل الشمال من تجار وموظفين ومواطنين، فكانت المحصلة أن غابت الدولة عن هذه المناطق، ما خلا وجود بعض المعسكرات هنا وهناك، وبعض الدوائر التي تشغلها شخصيات جنوبية من المنطقة ذاتها.

“أصبحت الحرب على القاعدة في اليمن دولية بعد محاولة تفجير الطائرة الأمريكي وعلى ما يبدو ليس أعداء القاعدة وحدهم يرصون الصفوف لمواجهتها في اليمن، بل إن القاعدة أيضا على الجهة الأخرى تعبئ صفوفها وتحشد طاقاتها..”
استغلت القاعدة حالة الفراغ هذه لتجمع صفوفها من داخل اليمن وخارجه، وخلال عام 2009 تناقل الناس ونشرت الصحف أنباء عن معسكرات تدريب للقاعدة في شبوة وأبين، استهدفت مع نهاية العام وفي ديسمبر/كانون الأول تحديدا بضربات جوية (سقط فيها عناصر من القاعدة لكن أغلبية الضحايا مدنيين)، وتقول السلطات إنها ضربة يمنية بعون أميركي، وتقول وسائل الإعلام والصحافة الأمريكية إنها أميركية بتسهيلات يمنية.

وجاءت الضربات بعدما تجاوزت عمليات القاعدة حدود البلاد من خلال محاولة تفجير طائرة أميركية فوق مدينة ديترويت، تورط فيها النيجيري عمر الفاروق عبد المطالب الذي نسبت إليه اعترافات بتلقي التدريب في اليمن وفي شبوة تحديدا، وكانت القاعدة قبل ذلك قد حاولت اغتيال مساعد وزير الداخلية السعودي في عملية خطط وأعد لها في اليمن أيضا.

إمكانات القاعدة ومستقبلها

أصبحت الحرب على القاعدة في اليمن دولية بعد محاولة تفجير الطائرة الأمريكي وعلى ما يبدو ليس أعداء القاعدة وحدهم يرصون الصفوف لمواجهتها في اليمن، بل إن القاعدة أيضا على الجهة الأخرى تعبئ صفوفها وتحشد طاقاتها..

هذا إن لم تكن قد سبقت الجميع إلى ذلك عندما بدأت حشد عناصرها مستفيدة من حالة الفشل التي أخذ يتجه إليها اليمن منذ العام 2007، وذلك: مع تفجر الأوضاع في الجنوب، وعودة الحرب إلى صعدة في شكل جولات رابعة وخامسة وسادسة تجاوزت الحدود اليمنية لتطال السعودية، فضلا عن تفاقم الأزمة السياسية بين السلطة والمعارضة ودخولهما مرحلة القطيعة وتدهور الوضع الأمني بسبب انشغال الأمن والجيش بمواجهة الحراك والحوثيين.

أما التوقعات فترجح أن القاعدة ستزداد قوة في هذا البلد، وذلك للأسباب والعوامل التالية:

* هناك الكثير من المناطق اليمنية لم تعد تحت سيطرة السلطة المركزية للدولة (لا يسيطر الجيش اليمني أو قوات الأمن بشكل كلي أو جزئي على محافظات الضالع، لحج، أبين، مأرب، الجوف، شبوة، صعدة). وبات العديد من المناطق تتوزع بين سلطة القبائل والمجموعات المسلحة المتمردة على الحكم في صنعاء.
* فقدان الرئيس علي عبد الله صالح لجزء كبير من حاضنته القبلية المتمثلة في قبيلة حاشد، خاصة بعد ظهور أقوى صوت قبلي معارض حاليا من بيت الأحمر، ممثلا بالشيخ حميد بن عبد الله الأحمر ابن الراحل عبد الله الأحمر.
* الخلافات في عائلة الرئيس علي عبد الله صالح والتي انعكست إلى حد ما انقساما في ولاء المؤسسة العسكرية، ما بين الولاء لنجل الرئيس أحمد وابن شقيقه علي محسن صالح.
* الفوضى الضاربة في مؤسسات الدولة نتيجة تزايد معدلات الفساد المالي والإداري، بما أضعف من شرعيتها وحد من سلطتها.
* ضعف فصيلي المعارضة الرئيسيين حزب التجمع اليمني للإصلاح والحزب الاشتراكي اليمني.

الصومال

بدأ الاقتتال عام 1993 بين الجنرال عيديد والقوات الأمريكية في مقديشو، مما أدى إلى سحل الجنود الأمريكيين في شوارع مقديشو وهي الصورة المرعبة التي نقلتها وسائل الإعلام العالمية والأمريكية نفسها، وقد نتج عن ذلك خروج القوات الأمريكية من الصومال بعد انتخاب الرئيس بيل كلينتون.

ويذكر أن القاعدة كانت موجودة في الصومال وقتها، فهي التي كانت تدير العمليات التفجيرية ضد القوات الأمريكية، لكنها قررت عدم الإعلان عن نفسها ككيان مستقل يحارب ضد الأمريكان في الصومال لاعتبارات قبلية، لم تكن تسمح بظهور طرف ثان غير القوة التي يقودها الجنرال عيديد، الطامح إلى رئاسة الصومال والمدعوم من قبائل الهوية الأوسع امتدادا في الصومال.

تلك كانت مرحلة تعرف فيها تنظيم القاعدة على الصومال، أما العلاقة الفعلية بين القاعدة والصومال فتعود بدايتها إلى فترة وجود بن لادن في السودان، حيث كانت تجرى محادثات لإنشاء معسكرات تؤمن بالفكر الجهادي وتوالي تنظيميا أسامة بن لادن، وكان الشيخ حسن التركي أهم شخصية صومالية تترد حينها على السودان للتواصل مع قيادة القاعدة (وهو حاليا في غابات جوبا السفلى، ويعاني من مرض يفقده الوعي في بعض الأوقات) ثم تطورت هذه العلاقة إلى إقامة معسكرات لتدريب المقاتلين في هذه المناطق. ومنذ ذلك التاريخ وحتى هذه اللحظة لم تفارق القاعدة الصومال، وإن اختلفت أشكال تواجدها وطرق تعاونها مع الأطراف الفاعلة في الساحة الصومالية وفي ظل الحروب الأهلية المستمرة إلى يومنا هذا.

وتعتبر القاعدة منطقة القرن الأفريقي عموما من أهم مناطق الصراع مع أمريكا، حيث تحتضن كينيا السفارة الأمريكية المسؤولة عن مناطق الصومال وجنوب السودان، فضلا عن كون هذه المنطقة تتمتع بعمق إسلامي شعبي، وهذه كلها عوامل جاذبة للتنظيم. ولكن يبقى أهمها حالة الفوضى التي تعم الصومال، ما يتيح للقاعدة التحرك بلا قيود والتخطيط بحرية متى شاءت وكيفما شاءت.

طبيعة وجود القاعدة في الصومال

تؤمن حركة الشباب المجاهدين الصومالية بأفكار القاعدة جملة وتفصيلا (الجزيرة نت-أرشيف)
ينتشر فكر القاعدة بين فئات واسعة من الشباب، ويمثل ذلك حركة الشباب المجاهدين التي تؤمن بأفكار القاعدة جملة وتفصيلا، وتبحث عن الاعتراف والاعتماد من أسامة بن لادن، وتأتمر بأمر بعض المقيمين المنتمين للقاعدة من غير الصوماليين في تنفيذ كثير من الأعمال والعمليات، علما وأن هذه الحركة تعتبر هي الأقوى ميدانيا وتسيطر حاليا على تسع مناطق من أصل ثمانية عشرة منطقة على مستوى الصومال.

وتتواجد القاعدة في الصومال أيضا من خلال أفراد ينتمون فعلا إلى تنظيمها، وتنشر الإدارة الأمريكية أسماء بعضهم بشكل دوري وتعلن عن تعقبها لتحركاتهم داخل وخارج الصومال، ومن أبرز هؤلاء أبو طلحة السوداني الذي قتل في ظروف غامضة في مناطق جوبا بجنوب الصومال أثناء سقوط المحاكم الإسلامية، وصالح علي نبهاني الكيني الذي قتل في غارة أمريكية في جنوب الصومال قبل شهور، وفضل هارون محمد المشهور بـ(فزول) وهو مازال طليقا إلى يوما هذا. وتقول المخابرات الكينية والأميركية إنه يتجول في المناطق الصومالية والمدن الكينية، وتذكر بعض المعلومات أن هناك أسماء أخرى تنتمي إلى هذا التنظيم ولا تزال تقيم داخل الأراضي الصومالية. وتعتبر مناطق جوبا في الجنوب ملاذا آمنا للقاعدة وتسمح لها بحرية التحرك، حيث تكثر فيها الغابات بخلاف معظم أرض الصومال المفتوحة، وتسيطر القاعدة على هذه المناطق أو أنها تخضع على الأقل لإدارة جهات لا تعاديها، ألا وهي حركة الشباب المجاهدين والحزب الإسلامي.

يجدر التنبيه هنا إلى أن لا علاقة بين القاعدة والحزب الإسلامي خلافا لما يشاع، ويسود اعتقاد أن القاعدة ترغب في إقصاء الحزب الإسلامي في هذه المرحلة على الأقل، على أن تحتفظ بعلاقة متينة مع بعض أفراده البارزين من أمثال الشيخ حسن تركي النائب الأول للحزب. ولا شك أن أحد التحديات التي تواجه القاعدة، تتمثل في كون القوى والأطراف السياسية الصومالية الأخرى في حالة عداء مع أيدولوجية القاعدة، وتحديدا تلك التي تجسدها حركة الشباب المجاهدين.

أهداف القاعدة ومستقبلها في الصومال

في بعض الوجوه لا تختلف أهداف القاعدة في الصومال عن غيرها من فروع التنظيم في دول أخرى، فهي تحاول كسب المزيد من الأنصار وتستهدف فئة الشباب بالدرجة الأولى، وبشكل خاص من هم بين 13 إلى 25 عاما، باعتبار أن هذه الفئة يمكن تكوينها فكريا، وليست مرتبطة بالتزامات عائلية أو اهتمامات أخرى تعيق تشكيل قناعاتها الدينية والفكرية، أو تحول دون إتمام بنائها بما يؤهلها لإتمام واجباتها التي تفرضها رؤية التنظيم، من تنفيذ عمليات وغيرها.

ويشكل الصومال إحدى الساحات التي يستهدف فيها التنظيم الوجود والمصالح الغربية والأميركية، ويسمح له تواجده في الصومال النفاذ إلى جميع الدول الأفريقية، خاصة الشرقية والوسطى من القارة السمراء، كما أن التنظيم معني إستراتيجيا بضرب النظام الأثيوبي وإيصال المدد والدعم للمنظمات المسلحة في المناطق التي يقطنها المسلمون هناك.

فالقاعدة كما هو واضح في أدبياتها تجد الصومال عموما أرضا خصبة لتنفيذ أهدافها المرحلية والمستقبلية، ودائما تذكر خطابات أسامة بن لادن أهمية منطقة القرن الأفريقي بالنسبة لتحرير القدس، وأنها إحدى جبهات القتال ضد إسرائيل وضد “توسع وهيمنة القطب الأميركي المتفرد عالميا بالقوة”. وليس من المستبعد أن تزداد القاعدة في الصومال قوة وأن يتسع نشاطها، إلا أن هذا الأمر يظل مرهونا بالعناصر الآتي ذكرها:

* أن يضفي أسامة بن لادن شرعية القاعدة التنظيمية الكاملة على حركة الشباب المجاهدين في الصومال، وهو الأمر الذي لم يحصل بصورة واضحة إلى حد الآن.
* أن يستمر ضعف التيارات الإسلامية الموصوفة بالاعتدال والتي من شأنها أن تقف في وجه القاعدة. ومنها المؤيدة لشيخ شريف أحمد، أو جماعة أهل السنة والجماعة التي تحظى بدعم إثيوبي ولها أتباع كثر إلا أنها لا تزال تفتقد للرؤية السياسية وللهدف الإستراتيجي.
* أن يستمر ضعف حكومة شيخ شريف وضعف القوات الأفريقية (قوامها خمسة آلاف جندي) المسؤولة عن حمايتها، أو أن تفقد هذه الحكومة الدعم الإقليمي والدولي.

ملخص

ويمكن استخلاص النقاط الآتية على ضوء التشخيص الآنف الذكر لتنظيم القاعدة في النقاط الساخنة:

*
“إذا ما استمرت الولايات المتحدة في سياستها التدخلية في المنطقة وفي دعمها لأنظمة الحكم الفاسدة، فإن مبررات وجود القاعدة سوف تظل قائمة، وربما يتعاظم نشاطها في المستقبل المنظور مستفيدة من مناخات الأزمة السياسية والاقتصادية التي تعصف بالكثير من دول المنطقة.”

على صعيد الأهداف، تختلف أهداف التنظيم باختلاف البلدان التي يتواجد فيها. ففي أفغانستان تهدف القاعدة إلى مساعدة طالبان في حربها ضد الأميركان تمهيدا لعودة الإمارة الإسلامية إلى السلطة التي أطيح بها عام 2001. وفي باكستان تهدف القاعدة بالتحالف مع طالبان باكستان إلى إلحاق أكبر قدر ممكن من الخسائر بالولايات المتحدة لإفشال محاولاتها السيطرة على هذا البلد. وفي شبه الجزيرة العربية يعمل التنظيم على “طرد المشركين من جزيرة العرب”، وإسقاط أنظمة الحكم المتعاونة مع الولايات المتحدة وعلى رأسها النظام السعودي. ولا يختلف الهدف كثيرا في الصومال عن ذلك.

* على صعيد التنظيم، يتسم تنظيم القاعدة بالمرونة والتغير بحسب نوعية البيئة التي ينشط فيها. ففي بلدان مثل باكستان وأفغانستان واليمن يوجد هيكل تنظيمي هرمي محكم البناء. أما في الصومال فيتم العمل استنادا إلى جاذبية الفكرة وعبر الأفراد بدل المجموعات المنظمة.

* على صعيد الانتشار، تختار القاعدة البلدان التي تعمل فيها وفق شروط معينة، ومن ذلك أن تكون هذه البلدان “رخوة وهشة”، تفتقد السلطة الحاكمة فيها القدرة على بسط نفوذها على كافة المناطق. كما تحرص القاعدة أن تكون تلك البلدان ذات طبيعة جغرافية معقدة، كأن تكون كثيرة الجبال كاليمن وأفغانستان والمناطق الحدودية مع باكستان، أو مترامية الأطراف كالمناطق الصحراوية الشاسعة الممتدة بين الجزائر والمغرب وموريتانيا ومالي، وذلك حتى يسهل عليها القيام بعمليات التمويه والاختباء وتهريب السلاح.

ولا شك أنه إذا ما استمرت الولايات المتحدة في سياستها التدخلية في المنطقة وفي دعمها لأنظمة الحكم الفاسدة (العامل الرئيس في تحويل الدول إلى دول رخوة، هشة، فاشلة)، فإن مبررات وجود القاعدة سوف تظل قائمة، وربما يتعاظم نشاطها في المستقبل المنظور مستفيدة من مناخات الأزمة السياسية والاقتصادية التي تعصف بالكثير من دول المنطقة.
المصدر: مركز الجزيرة للدراسات

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>

إلى الأعلى