الجمعة , 9 ديسمبر 2016
الرئيسية » مركز البحوث » ملفات » السعوديون و .. الآخر

السعوديون و .. الآخر

إن نقد المملكة في: “عدم قبولها وجوداً دائماً لأفراد، أو مؤسسات، أو منشآت، لدين آخر يخالف الإسلام” نقد يتكرر في كل حين، وتثار مثل هذه المواضيع من قبل الأمريكيين والأوربيين وغيرهم في مواجهة السعوديين داخل المملكة وخارجها، ويجرؤهم على ذلك أن القضية، وإن كانت في جانب المملكة عادلة وعقلانية تستند إلى حجج قوية مثل الصلب قاطعة مثل مشرط الألماس، إلا أن المحامي مع الأسف ضعيف.

السعوديون عندما يُواجَهون بمثل هذا النقد يشعرون بالحيرة والحرج وضعف الحيلة، لأنهم يُسّلِمون منذ البداية بأن هذا النقد منطقي، ومبرراته صحيحة، وقد يتذاكى بعضهم فيحاول الدفاع بأن: صفة المملكة في هذا مثل صفة الفاتيكان، الذي لا يُسمح فيه بوجود ديانة أخرى غير الكاثوليكية، أو أن هذا مقتضى القانون الداخلي للمملكة، وللمملكة كغيرها الحق في وضع قوانينها الخاصة، ويجب على الوافدين إليها احترامها.

وبسهولة يرد الآخرون : بأنهم لا يمانعون أن تعامل مكة والمدينة معاملة الفاتيكان باعتبارهما مكانين مقدسين، لكن الاعتراض يبقى وارداً على ما عداهما من أرض المملكة ، أما مسألة القانون الوطني فالاعتراض أصلاً موجه إليه على أساس أنه قانون غير أخلاقي، ينتهك حقوق الإنسان، التي وافقت المملكة عليها، بصفتها عهداً دولياً.

في مركز الملك عبد العزيز للحوار الوطني يندر أن لا يثير شخص أو وفد من أمريكا أو أوروبا هذا الإشكال، ولكننا في المركز نسلك في الرد عليه مسلكاً مختلفاً، يتلخص في الآتي:

أولاً : ننطلق في المركز من: ثقة بالنفس، وثقة بعدالة وعقلانية قضيتنا، وبعد إحاطة بالواقع والعوامل المؤثرة في القضية، وطبيعة بنائها المنطقي، وما يحكمها من شأن معرفي.

ثانياً : ندرك أبعاد “الإطار الشامل”[1] الذي تقع داخله القضية، ليس لدينا لبس في أننا في “حالة حرب أيديولوجية” موجهة من قبل الغرب، حرب أيديولوجية معلنة مكشوفة ضد الإسلام، وضد المملكة بخاصة، بحكم صلتها المميزة بالإسلام.

ثالثاً : لم يكن مركز الملك عبد العزيز من الغفلة بحيث لا يدرك الصلة بين الإطار الشامل المشار إليه – الحرب ضد الإسلام – وبين الهجومات الدعائية مثل موضوع البحث، فكما ذَكرتُ نسلك تجاه موضوع البحث مسلكاً يختلف عن مسالك الآخرين، فمن البداية ننطلق من ثقة مبررة بالنفس، ومن وعي بالحقائق على أرض الواقع، ومن قدرة على الاستخدام الأمثل لهذه الحقائق.

من البداية نرمي القفاز، ونتحدى بشجاعة وحكمة، ونرفع أمام عيني الخصم مرآة صافية يرى فيها وجهه الحقيقي وليس الزائف، بعد أن نزيل الغشاوة عن عينيه فيرانا في صورتنا الحقيقية وليست الزائفة، وكل ذلك ضمن الأدب العالي للحوار، آخذين في الاعتبار لغة الخصم ونهج تفكيره، وعدم الحيدة شعرة عن استعمال المقاييس الموضوعية الدقيقة.

فمثلاً ندرك في المركز أن أنجح وسيلة لإخراس الخصم وفضح زيف تصوراته وأفكاره هو إبراز تناقضاتها إما من داخل الفكرة نفسها أو بينها وبين أفكاره الأخرى، وهي السياسة العقلية المنطقية.

رابعاً: من التطبيقات للسياسة المشار إليها آنفاً:

أ‌- تعاملنا مع التقارير الإمريكية عن الحرية الدينية في المملكة، فقد دأبت الإدارة الأمريكية في تقاريرها، وكذلك اللجنة الأمريكية للحريات الدينية في العالم على تأكيدات خاصة بالمملكة العربية السعودية بأنها ضمن الدول التي لها الأولوية في انتهاك الحرية الدينية، كما ذكر مثلا تقرير اللجنة الأمريكية “U.S.A Commission” (تقرير 2011، P.8)، وحيث قال التقرير إن اللجنة الأمريكية تعتبرها مبعث قلق خاص (P.141)، وإن الانتهاكات المنظمة والمنهجية والفظيعة للحرية الدينية لا تزال مستمرة في السعودية (P.12)، وقد استمرت السعودية في ارتكاب مجموعة من الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان كجزء من قمعها لحرية الدين والمعتقد شملت التعذيب والمعاملة الوحشية المهينة (P.141)، ولا تزال تصر على حظر كافة أشكال التعبير الديني التي تخالف التوجه الحكومي الذي يفسر الدين طبقاً لإحدى المدارس السنية (P.141)، بل وُصفت المملكة بأنه لا يوجد فيها حرية دينية مطلقاً (P.147)، وأوصى التقرير الحكومة الأمريكية بالضغط على السعودية لتمتنع عن الإكراه في شأن الدين والمعتقد (P.154).

في مركز الملك عبد العزيز للحوار الوطني نواجه من العدو مثل هذه القذائف ولكن الأرض لا تهتز تحت أقدامنا، لأننا نعرف أن في قدرتنا رد قذائف العدو إليه وهي أبلغ أثراً وأدق إصابة وإننا سنُري الخصم رأي العين أنه إنما يرمي، من بيته الزجاجي، الأحجار على قلعة حصينة.

ففي البداية نواجه الخصم – الذي يتحدث عن جهل أو هوى- بأنه لا ينكر أن وصف سلوك (ما) بأنه ينتهك، بدون مبرر، الحرية الدينية يختلف بين سلوك يتفق العقلاء والأسوياء من البشر على وصفه كذلك، وسلوك يختلف فيه رأي الناس وفقاً لتنوع ثقافاتهم، وبيئاتهم الاجتماعية، فلا يملك الخصم إلا الموافقة.

ثم نقول – والأصول تقضي بأن يتمحور الحوار حول مبدأ يتفق عليه المتحاوران ولا يختلف الأشخاص عليه- فلنؤسس حوارنا على أمر لا يختلف عليه الأسوياء من حيث اعتباره انتهاكاً للحرية الدينية وهو:” أن تجبر شخصاً على فعل أمر يحرمه دينه أو تمنعه من ممارسة واجب يوجبه دينه، أو تميز بين الأشخاص أو المجموعات في الحقوق والرخص العامة بسبب الاختلاف في الدين”، فلا يملك إلا الموافقة.

ثم نتحداه بأن يذكر حالة واحدة في أي وقت أو مكان أجبرت فيها السعودية مسلماً أو غير مسلم على فعل أمر يحرمه دينه أو منعته من فعل أمر يوجبه دينه فلا يحير جواباً، لأنه لا يوجد في الواقع شيء من ذلك.

ثم نتحداه بأن يذكر حالة واحدة في أي وقت أو مكان ميزت فيها القوانين أو الإجراءات أو حتى الممارسات المعتادة للبشر، في حق الوافدين إليها، بين الهندي المسلم والهندي الهندوسي أو بين الفلبيني المسيحي والفلبيني المسلم أو بين التايلندي البوذي والتايلندي المسلم أو الحالات المشابهة، وبالطبع لا يستطيع أن يذكر حالة واحدة لأن حالة مشابهة لم تقع فعلاً.

ثم نلتفت إلى الناحية المقابلة وإلى سلوك أمريكا والغرب فنُذكّره بأن أوروبا لم تمنع المسلمة ، مواطنة أو وافدة ، من وضع غطاء على رأسها يوجبه دينها ويسمى بالحجاب إلا في فترتين من الزمن في عهد محاكم التفتيش في أسبانيا، وفي القرن الواحد والعشرين في فرنسا بالقانون الذي أصدرته عام 2005م، وبالقوانين المماثلة في ثـمان ولايات من ستة عشر ولاية في ألمانيا، ونُذكّره بالدعوات القائمة القوية إلى تطبيق ذلك في البلدان الأخرى، ويُوشك أن يستجاب لها.

ثم نتلو عليه مما يلائم الموقف من الكم الكبير من اعترافات قمم النخبة في السياسة والفكر والمركز الاجتماعي في الولايات المتحدة مثل شهادة الرئيس الأمريكي نيكسون في شأن التمييز بين مسلمين أوروبيين وجيرانهم المسيحيين الذين يتفقون معهم في الجغرافيا والعرق وغالب طريقة العيش وإنما يختلفون عنهم في الدين حيث يقول: “إنها حقيقة مرة ولكن لا يمكن إنكارها أنه لو كان سكان سراييفو يهوداً أومسيحيين لما سمح العالم المتمدن بان يصل الأمر إلى ما وصل إليه حينما قصف الصرب في 5 نوفمبر السوق المكتظ بالجمهور”[2].

أو الإجراءات التي تناقض روح العدل ومفهومه لدى الأسوياء من البشر التي تمارسها الولايات المتحدة الأمريكية منذ بداية العقد الأخير من القرن المنصرم وأعني “الجريمة بالارتباط” Guilt by Association، و”الأدلة السرية” Secret Evidences، حيث طُبقت حصراً على المسلمين في أمريكا عدا حالات نادرة مثل حالة كينية مسيحية زوجها مسلم.

أو تطبيقات “قانون الوطني” Patriot Act US الذي صمم لتطبيقه على المسلمين في أمريكا، لأنه لم يظهر أي دليل أو حتى خبر أنه طُبق على غير المسلمين.

وقد شهد على ذلك الرئيس الامريكي الأسبق جيمي كارتر بقوله: “بعد هجمات 11 سبتمبر بالغت حكومة الولايات المتحدة الأمريكية برد الفعل، بقيامها باحتجاز أكثر من 1200 شخص برئ لم يسبق لأحد منهم مطلقاً أن أدين بأي جريمة لها علاقة بالإرهاب، واستبقيت هوياتهم سرية، ولم يعطوا أبداً الحق في سماع التهم الموجهة إليهم، أو تلقيهم المشورة القانونية، كلهم تقريباً كانوا مسلمين”[3]

وفي مجال التمييز الديني نلتفت بالمُحاور الذي يتهم المملكة – في مجال انتهاك الحرية والتمييز الديني بالتعذيب والمعاملة الوحشية – بدون تقديم أدله بل بدون تقديم مجرد معلومات، إلى حقيقة واقعة لا يستطيع المحاور إنكارها وهي اختطاف أمريكا الناس مباشرة أو بالتعاون مع حكومات أخرى أمريكية أو أوروبية وشحنهم بالطائرات إلى “المواقع السوداءBlack Sites “، وهي ما تعرف أمريكا أنها أسوأ مراكز التعذيب في التاريخ، في بلاد مثل أوزباكستان أو أوروبا الشرقية أو بعض بلدان الشرق الأوسط كسوريا التي تصنفها الدعاية الأمريكية بأنها محور الشر في حين تتعاون معها الحكومة الأمريكية في أكثر المجالات حساسية: المباحث والاستخبارات، وتتعاون الحكومات الأوروبية مع الولايات المتحدة الأمريكية بالدعم اللوجستي أو التعامي عن أفضع انتهاك لحرية الإنسان وكرامته وحقوقه.

من المتوقع تحت ظروف التعذيب في هذه المراكز أن لا يقاوم الإنسان أوأن يبقى على قيد الحياة، وهذا قد يفسر ندرة من نجا من العدد الذي لا يعلمهم إلا الله، الذين شحنوا ولا يزالون يشحنون بالطائرات لمراكز التعذيب هذه من مثل مسلميَن؛ جزائري وألماني، أسعدهما الحظ فنجيا من التعذيب – الذي مات تحته قبلهما أخرون – في سجن باجرام سيء السمعة، أو المواطن الكندي المسلم الذي أختطفته أمريكا وأرسلته إلى سوريا لاستجوابه تحت التعذيب، والذي أطلق سراحه من سجون سوريا بعد أن تأكدت سوريا أن لا شيء لديه ينتزع بالاعتراف بالتعذيب مما يهم أمريكا.

هذا لا يفضح فقط التمييز ضد المسلمين بسبب دينهم – ونقول ضد المسلمين لأنه لم يظهر أي دليل، أو حتى خبر، أن هذه السياسة طبقت على غير مسلم- بل إن هذا التمييز يتم في أبشع عمل وحشي يتصوره الإنسان وأبعده عن السلوك الحضاري والإنساني والأخلاقي، وأفظعه انتهاكاً لحرية الإنسان وكرامته وحقوقه.

ألا يشعر المحاور في مثل هذا الموقف بخزي الهزيمة ويجبر على التسليم بلا عقلانية اتهاماته للمملكة العربية السعودية بانتهاك حرية الدين والمعتقد؟

ب‌- يُظهر تقرير اللجنة الأمريكية “U.S.A Commission” عن الحرية الدينية في العالم (التقرير السنوي2011 ) هجومه على المملكة بأنها: “تحظر بصفة عامة كافة أشكال التعبير الديني عدا تفسيرها الخاص للإسلام وفقاً لأحد المذاهب السنية” (PP.12,142)، “وفيما عدا ذلك تمارس الإكراه الديني على الآخرين” (P.142) “وتمنع وجود الكنائس ومعابد اليهود ومعابد الأديان الأخرى غير الإسلام” (P.142).

ويقول التقرير: “إن السعوديين يحتجون بحديث لا يبقى دينان في جزيرة العرب في حين أن هذا الحديث مختلف في تفسيره” (P.147)، وفي المقابلات التي تتم مع السعوديين دائماً كانت تُرد حجتهم بتشبيه منع المعابد الأخرى في المملكة بمنع المعابد غير الكاثوليكية في الفاتيكان “بالفرق بين مساحة من الأرض تبلغ ميلين مربعين يسكنها من 800 إلى 900 من البشر ومساحة المملكة الشاسعة التي يقطنها بين مليونين وثلاثة ملايين من البشر غير المسلمين” (P.147).

“وكذلك لا تسمح السعودية للقادة الدينيين من الأديان الأخرى غير الإسلام بالدخول إلى المملكة، وقيادة الخدمات الدينية لأتباع تلك الأديان” (P.147).

“وأن المملكة العربية السعودية لا تعطي جنسيتها لغير المسلمين” (P.147) وتُهاجم المملكة بـ”أنها تصادر الكتب المقدسة، والمنشورات الدينية الأخرى لغير المسلمين، وإن كانت الجمارك تسمح بالمواد الدينية التي تستورد للاستعمال الشخصي” (P.148).

وفي الوقت نفسه يهاجم التقرير المملكة بـ “أنها تساعد على نشر أيدلوجيتها خارج المملكة وتدعم مالياً المدارس الدينية والمساجد حول العالم” (P.150).

“وان مكاتب وزارة الشؤون الإسلامية في السفارات السعودية في الخارج مسئولة عن نشر مواد تتضمن التطرف وعدم التسامح، ومنح الصفة الدبلوماسية للدعاة في هذه السفارات، وإن كان قد تم إغلاق هذه المكاتب مؤقتاً” (PP.151-150).

كما تهاجم المملكة بـ “أن وسائل الإعلام وخطباء المساجد تتضمن مواعظهم كلمات ضد السامية وضد المسيحية، وأنهم قد يدعون على اليهود والنصارى بالموت” (P.150).

“وأن الكتب المدرسية قبل تعديل نصوصها كانت تتضمن نصوصاً تشجع الكراهية ضد الأديان الأخرى، فمثلاً كتاب في أحدى المدارس العليا يدعو إلى العنف ضد المرتدين والشاذين جنسياً” (P.149).

وأن تقرير الحكومة الأمريكية لعام 2010م تضمن: “أنه بالرغم من حذف المواد التي تحث على العنف وفقاً لإدعاء الحكومة السعودية إلا أن الكتب المدرسية لا تزال تحتوي نصوصاً صريحة بعدم التسامح تجاه اليهود والنصارى” (P.149).

في المركز نواجه هذه الانتقادات أولاً بتكذيب ما هو منها زائف ولا حقيقة له، ثم نلتفت إلى الأمور الأخرى الواقعة فنعترف بها بشجاعة ونوضح موقفنا العقلاني والأخلاقي بشأنها.

من هذه الأشياء الواقعية عدم سماح المملكة بوجود دائم لدين آخر أو ثقافة أخرى غير الإسلام سواءً بصفة أشخاص، أو تنظيمات، أو منشآت، وعدم السماح بتجنيس غير المسلمين، ونوضح الحقيقة التي مع الأسف كثيراً ما يغفل عنها حتى المثقفين السعوديين وهذه الحقيقة تتلخص في الآتي:

منذ أن بدأ ظل السلطان السياسي للمسلمين يمتد ليغطي ساحة شاسعة من الكرة الأرضية وشعوباً مختلفة الأديان والثقافات لم تتغير السياسة التي أتبعها المسلمون فيما يتعلق في الحرية الدينية في أي زمان أو مكان، وطوال أربعة عشر قرناً كانت هذه الشعوب ذات الأديان أو الثقافات المناقضة للإسلام تتمتع بحرية العبادة وممارسة الطقوس وحماية المعابد، وبحقهم في أن يكون لهم قوانينهم الخاصة وقضاؤهم الخاص واستثنائهم من القانون الجنائي العام، بمعيار أن كل شيء مقبول في دينهم أخلاقياً لا يعتبر فعله جريمة في حقهم وإن كان يعتبر جريمة في القانون الجنائي العام المطبق على المسلمين، وذلك مثل: شرب الخمر وتصنيعها وتسويقها والتعامل بالربا…الخ.

بالطبع مثل هذه الحرية لا توجد الآن في أي بلد من بلدان العالم، غير العالم الإسلامي، وكان المسلمون لا يكثرون الضجيج والضوضاء بالتمدح بمنح هذه الحرية وتحقير الآخرين بدعوى أن مثل هذه الحرية لا يوجد لديهم، ذلك لأن المسلمين كانوا يؤمنون وفقاً لمبادئ دينهم أن هذا السلوك يقتضيه التفكير العقلاني كما يقتضيه العدل والأخلاق.

وفي الوقت نفسه استثنوا مساحة صغيرة سميت في الحديث الشريف “جزيرة العرب” وهو اصطلاح يختلف عن الاصطلاح الجغرافي الذي يستعمله الناس اليوم في الإشارة إلى شبه الجزيرة العربية، ففي هذه المساحة التي حددها الفقهاء في وقت مبكر بمكة المكرمة وتوابعها الإدارية والمدينة المنورة وتوابعها الإدارية واليمامة وتوابعها الإدارية أي تقريباً ما تشمله حدود المملكة العربية السعودية فهذا الجزء اعتبر “مركزاً للإسلام” وطبقت فيه الأحكام المشار إليها.

كانوا يؤمنون وفقاً لمبادئ دينهم أن هذا الاستثناء، الذي يثبت القاعدة، يقتضيه المنطق العقلاني ويقتضيه العدل وقواعد الأخلاق، ولو كان الأمر غير ذلك وأن الدافع لتطبيق هذه الأحكام شيء مما يعتبره الناس أساساً للتمييز ضد الأديان الأخرى لظهر ذلك في غير “مركزالاسلام” في أي زمان أو في أي مكان، في تاريخ العالم الإسلامي، الأمر واضح لغير الأحمق أوالمكابر إذ كيف يسمح بأن يوجد في مركز الإسلام من يصف الإسلام بأنه: دين زائف، وأن القرآن أساطير الأولين، وأن نبي الإسلام كاذب أو غير سويّ نفسيا، أو كيف يسمح لشخص يعتنق هذه الأفكار ويعتنق هذه الأحكام ضد الإسلام، بجنسية هذا المركز (مركز الإسلام).

هناك جانب آخر أن كل دولة لها مرجعها الثقافي الأعلى الذي يحكم قوانينها وإجراءاتها وتصرفاتها ويسمي القانون الأساسي للحكم أو “الدستور”، المملكة مرجعها الثقافي الأعلى ليس قانونها الأساسي للحكم بل هو “مرجع أعلى” يحكم قانونها الأساسي ويحكم قوانينها الأخرى، وهو الإسلام الذي يختلف عن غيره من الأديان بأنه منهج شامل للحياة الممثل في الكتاب الكريم والسنة الصحيحة .

ولا يتصور أن دولة في العالم تسمح بوجود دائم فيها لأشخاص أو مراكز ثقافية أو منشآت تحقر قانون تلك الدولة الأساسي للحكم “الدستور” وتعلن في ممارساتها زيف الدستور وقيمه وتشوهها، فهل من المنطق أو العدل أن تسمح المملكة في جانبها للغير بمثل ذلك.

ج- باقي الهجومات على المملكة، التي ذكرها التقرير، فأمرها غريب لأن قوتها وتأثيرها جاء من تخاذل الهجوم المضاد وهوانه على نفسه، وعدم إدراكه الحقائق على أرض الواقع، وإليك التفصيل:

– يهاجم الأمريكيون المملكة بأن الخطباء يذمون اليهود والنصارى ويدعون عليهم، وقال السفير الأمريكي في الرياض: “إن سبعة من هؤلاء الخطباء بقوا بعد أن أوقف الآخرون، أو أعيد تأهيلهم” (التقرير السنوي2011)، ولكن ما أثر ذلك إذا علمنا أن هؤلا الخطباء في حارات لا يسمعهم إلا عدد محدود، ومع ذلك لا يفهم السامعون من كلام الخطيب أن المقصود كل النصارى وكل اليهود، ولذا يصفونهم بالصليبيين والصهاينة، فهم يعرفون أن الخطيب لا يقصد النصارى واليهود العرب، ولا النصارى في أي بلد من بلاد العالم إذا ما كانوا مسالمين للمسلمين.

يقارن هذا بمرشح في سباق الوصول إلى الرئاسة الأمريكية (هيلاري كلينتون)، حين تورد خلال حملتها الإنتخابة، قصة سخيفة نشرتها صحيفة سعودية، مع أن الجهة المعنية بالمملكة أوضحت عدم صدق هذه القصة، فهذا المرشح جعلت من هذه القصة قضية عالمية ومادة انتخابية، وشوهت المملكة وأعلى رموزها “القضاء” مع علمها بعدم دقة كلام الصحفي، والعالم كله كان حينذاك يتابع السباق الرئاسي فحتما شوهت سمعة المملكة بدون حق، وعلى مسمع من العالم كله، بما لم يسبق له مثيل.

وبالإضافة إلى ذلك، نذكرهم بأن استطلاعا أمريكيا أجري عام 1980 في أمريكا أظهر أن حوالي نصف الشعب الامريكي يرون المسلم: “متعطش للدم، ومخادع، ومضطهد للمرأة، وعدو للسامية وللمسيحية”[4].

وفي كتابه اقناص الفرصة (أو كما يترجم أحيانا الفرصة السانحة) Seize the Moment أوضح نيكسون – الرئيس الامريكي السابق أن: “معظم الأمريكيين ينظرون نظرة موحدة إلى المسلمين على أنهم غير متحضرين، وسخين، برابرة، غير عقلانيين، لا يسترعون انتباهنا إلا لأن الحظ حالف بعض قادتهم وأصبحوا حكاما على مناطق تحتوي على ثلثي الاحتياطي العالمي المعروف من النفط”[5]

هذه الصورة النمطية لم تأت من فراغ وإنما بسبب الإلحاح الإعلامي على تكريس هذه الصورة سواء ظهر ذلك في خبر في نشرات الأخبار أو في أفلام هوليوود أو في كتب لكتاب مشهورين أو مقالات لصحفيين كبار أو سياسيين أمريكيين أو في كتب مدرسية أمريكية.

– وأما فيما يتعلق بالاتهام المتعلق بالكتب المدرسية السعودية فإن مثل هذه المعلومات التي تضمنتها إنما تشير إلى الاحكام التي نص عليها القرآن والسنة الصحيحة التي يؤمن بها كل المسلمين، في داخل المملكة وفي خارجها، ولو رجعنا في المقابل للكتب المدرسية في الولايات المتحدة الأمريكية ورأينا كيف ترسم الصورة النمطية عن الإسلام والسعودية[6] لظهر لنا التناقض في الاتهام بصورة واضحة.

– وأما عن الاتهام بنشر الثقافة السعودية فالملاحظ أن أحدا غير أمريكا لم يوجه هذا الاتهام للمملكة، إن نشر هذه الثقافة في الواقع لم يؤذ أحدا من العالم ولم يكن له أثر سلبي كما يزعم التقرير.

وأخيرا فيعترف التقرير[7] الصادر في مايو 2010، في إشارته للبيان الختامي للحوار بين الأديان المنعقد في يونيو 2008 بمدينة مدريد، بالآتي: “وعلى رغم تقدم السعودية بمقترح قرار ينص على إدانة أي (سخرية من الرموز الدينية) إلا أن العديد من الدول الأوربية رفضت النص، مستندة إلى عدم التعدي على حرية التعبير”

“ولقد خلى البيان الختامي من أي إشارة إلى التشهير بالأديان أو الرموز الدينية”

هذه الواقعة لوحدها كافية لنسف كل اتهام بما يتصل بتشوية المملكة للثقافات الأخرى.

‌د. بعد أن صار اتهام المملكة بدعم الإرهاب رخيصا، وأستنفد إمكاناته أو كاد، تحولت لغة الإتهام من إصطلاح “الإرهاب” إلى إصطلاح “الأصولية”، وصار التركيز على وصم الثقافة السعودية السائدة بأنها “أصولية”، وأنها “خطرة على العالم” وأن المملكة تنشط لنشر هذه الثقافة الأصولية في العالم، والمطالبة بتحجيم نشاط المملكة في هذا السبيل.

ومرة أخرى وكما حدث في اتهام المملكة بالإرهاب فقد صدّق عدد من المثقفين السعوديين وبعض الخاصة مع الأسف الخصم في وصف الثقافة السعودية بالأصولية، وأنه محق في مطالبته المملكة في تحجيم نشاطها في نشر ثقافتها الأصولية.

وفي مركز الملك عبدالعزيز للحوار الوطني ننطلق في حوارنا مع الخصم باستحضار الحقائق على أرض الواقع، ومنها:

1. أن اصطلاح الأصولية ترجمةٌ عربية للفظ Fundamentalism الذي ظهر في الولايات المتحدة الأمريكية كوصف لمذهب مسيحي برز في آخر القرن التاسع عشر، ويعتمد التفسير الحرفي لنصوص وردت في أحد نسخ الكتاب المقدس Bible، وفي النصف الأخير من القرن الماضي (العشرين) انتشر هذا المذهب بصورة قيل عنها أنه المذهب المسيحي الأسرع انتشارا[8].

ويعتقد معتنقو هذا المذهب أن عودة المسيح سوف تتم بعد تحقق شروط ظرفية:

i. قيام دولة إسرائيل

ii. إعادة بناء الهيكل في القدس للمرة الثالثة

iii. وقوع معركة آرمجيدون Armageddon، وهي الحرب التي تقع على مسافة 200 ميل من حدود القدس، ويقتل فيها 100 مليون من الكفار (المسلمين).[9]

وقد أظهر المسح الوطني للدين والسياسة الذي أجراه معهد Bliss Institute بجامعة أكرون University of Akron عام 1996 أن 31% من البالغين المسيحيين يؤمنون بأن نهاية العالم ستكون في حرب آرمجيدون، بين المسيح وأعداء المسيح[10] كما أظهر نفس المعهد في مسحه الرابع عام 2004 أن هذه النسبة ارتفعت لتصل إلى 77%[11].

وانتقل تأثير معتقدات هذه الطائفة الى سياسات الإدارة الامريكية بصورة “تدعو للقلق” بحسب تعبير الرئيس الأمريكي كارتر، والذي ذكر بأن تحقيق هذه المعتقدات يعتبرمسئولية شخصية – لدى المؤمنين بها- لا بد لهم من الوفاء بها، وأضاف بأن من أبرز أجندة المؤمنين بهذه المعتقدات الدعوة للحرب في الشرق الأوسط “ضد الإسلام”، والدعوة ليأخذ اليهود جميع الأرض المقدسة ويطردوا غيرهم.[12]

بل وكان الرئيس الأمريكي ريجان نفسه “يتشوف” أن تقع هذه الحرب في مدة رئاسته[13].

أما الرئيس الديموقراطي الليبرالي كلينتون فقد ورد في خطابة أمام الكنيست الإسرائيلي بتارخ 27 أكتوبر 1994 ما نصه:

“We visited the holy sites. I relived the history of the Bible, of your scriptures and mine, and I formed a bond with my pastor. Later when he became desperately ill he said he thought I might one day become president and he said, more bluntly than the Prime Minister did, if you abandon Israel, God will never forgive you. He said that it is God’s will that Israel, the biblical home of the people of Israel, continue for ever and ever”[14]

“قمنا بزيارة الأماكن المقدسة، وعشت هناك تاريخ الكتاب المقدس Bible، الكتاب المقدس الخاص بي وبكم، وأعطيت مرشدي[15] (القسيس) موثقا، وعندما نال من مرشدي المرض في وقت لاحق، قال أنه يعتقد أنه ربما أصبح يوم (ما) رئيسا، ثم وجهني بصرامة، أشد مما فعل رئيس الوزراء، حيث قال: )إذا تَخليتَ عن إسرائيل، فلن يغفر الله لك(، لقد كانت إرادة الله أن تبقى إسرائيل- موطنا لشعب إسرائيل بحسب الكتاب المقدس – إلى الأبد”

وفي خطابه أمام الكنيست في 15 مايو 2008 قال الرئيس الأمريكي المحافظ بوش الصغير:

“We gather to mark a momentous occasion. Sixty years ago in Tel Aviv, David Ben-Gurion proclaimed Israel’s independence, founded on the )natural right of the Jewish people to be masters of their own fate.( What followed was more than the establishment of a new country. It was the redemption of an ancient promise given to Abraham and Moses and David — a homeland for the chosen people Eretz Yisrael”[16]

“إننا اجتمعنا لإحياء مناسبة بالغة الأهمية. كان دافيد بن غوريون قد أعلن قبل ستين عاماً في تل أبيب استقلال دولة إسرائيل القائم على أساس )الحق الطبيعي للشعب اليهودي لتقرير مصيره(. وما تلا هذه الخطوة كان أكثر من مجرد إقامة دولة جديدة: إنه كان استيفاء وعد قديم مُنح لأبراهام وموشيه ودافيد بمعنى وطن قومي للشعب المختار على أرض إسرائيل”[17]

2. ولا يوجد في الإسلام مصطلحا يقابل اصطلاح “الأصولية”، ولكن ربما كان أقرب لفظ عربي لمصطلح الأصولية هو اصطلاح “الغلو”، والثقافة السائدة في السعودية كما هو معروف تعتمد النسخة الأصلية للإسلام التي حفظها الله وهي القرآن الكريم والسنة النبوية الثابتة عن النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وهي ثقافة ترفض الغلو، وكل من له أدنى معرفة بالإسلام يعرف أن أصدق وصف للإسلام، طبقا لنسخته الأصلية، أنه دين الوسطية والاعتدال، وفي القرآن وجد ذم الغلو وتجاوز الحد (التطرف) في أكثر من سبعين موضعا.

ومن الناحية العملية فكل أحد يعرف أنه في دروس المشايخ في الحرمين أو في الأطروحات العلمية التي تكتب في الجامعات السعودية يعامل أئمة الإسلام (كالأئمة الأربعة والإمام الأوزاعي والإمام الثوري والإمام جعفر الصادق) معاملة الإحترام والرجوع إلى أقوالهم الثابتة والاستئناس بها والإهتداء بهديهم، وبعد أن كان المسلمون يتفرقون في الحرمين الشريفين على أربعة أئمة أو خمسة عندما تقام الصلاة، وُحِّدت الإمامة، وصار الإمام يمكن أن يكون مالكيا أو حنبليا أو حنفيا أو شافعيا دون أن يثير ذلك أي إشكال[18].

وفي مواجهتنا للخصم نستحضر هذه الحقائق وأمثالها ونبدأ بمطالبته أن يذكر أي جزء من الثقافة السعودية السائدة يشكل خطورة على العالم؟ أو أن يذكر حالة واحدة جرى فيها الفساد في الأرض وإهلاك الحرث والنسل تأسيسا على الثقافة السعودية، كما يحدث في الحاضر أو في الماضي من الثقافة الغربية، فلا يستطيع أن يذكر حالة واحدة، لأن حالة واحدة لا توجد.

وفي الحقيقة أن الذين يصفون – من الغرب- الثقافة السعودية بالأصولية، كما تدل تجربتنا في الحوار مع الاخر، ليس لديهم معنىً محددٌ متفق عليه لهذا الوصف، وإنما الغالب أن المقصود بالوصف بـ “الأصولية” هو الاعتقاد السائد في ثقافة المملكة بوجوب الالتزام بالعقائد والتعليمات التي جاءت بها النسخة الأصلية للاسلام، القرآن والسنة الصحيحة، وكما يُعبر بعضهم: كيف نطبق في القرن الواحد والعشرين تعليمات جاءت قبل أربعة عشر قرنا؟ ونرد بأن قِدَم الأفكار لا يكون مبررا لرفضها، وإنما ترفض الأفكار أو تقبل بناء على “وافقتها للعقل” و”لمصلحة الإنسان” وفي هذا المعنى نعتقد أن تعاليم النسخة الأصلية للإسلام هي أرقى وأكثر تقدما ورقيا من الناحية الإنسانية في التاريخ الحاضر والماضي أو كما يعبر محمد أسد[19]: “ولا تظهر إشارة إلى أن البشرية في حالتها الحاضرة قد تجاوزت الإسلام، فلم تتمكن من انتاج نظام أخلاقي خير مما تضمنه الإسلام، ولم تتمكن من وضع فكرة الأخو البشرية على أساس عملي كما فعل الإسلام في معنى الأمة…ولم تتمكن من إعلاء كرامة الإنسان وشعوره بالأمن ورجائه الأخروي- وأخيرا وليس آخرا- سعادته”.

“في كل هذه الأشياء فإن الإنجازات الحديثة للبشرية اقصر بوضوح عما حققه الإسلام فأين المسوغ –إذا- لمقولة: إن الإسلام قد انتهى زمنه؟”

“لدينا كل الأسباب لنعتقد أن الإسلام قد دلت عليه كل انجازات البشرية الصحيحة، لأنه قررها وأشار إلى صحتها قبل تحقيقها بزمن طويل، ومساويا لذلك فقد دلت عليه أيضا النواقص والأخطاء والعقبات التي صاحبت التطور البشري، لأنه حذر منها بقوة ووضوح قبل أن يتبين البشر هذه الأخطاء بزمن طويل”.

“ولو صرفنا النظر عن الاعتقاد الديني للفرد فإن في وجهة النظر الفكرية حافزا لاتباع هداية الإسلام العملية بكل ثقة” انتهى.

ولقد كتب ريتشارد نكسون، الرئيس الأسبق للولايات المتحدة الأمريكية، في آخر مؤلفاته المعنون Beyond Peace ما يأتي:

“أصولية الإسلام عقيدة قوية …إنها تستجيب لحاجات الروح وليس لحاجات الجسد (فقط) والقيم العلمانية في الغرب لا تستطيع أن تغالبها، وكذلك لا تستطيع ذلك العلمانية في العالم الإسلامي”[20].

وفي بعض الأحيان يورد بعض المحاورين: أن الثقافة السعودية “أصولية” لأنها تذم اللوطيين والسحاقيات الذين يجملونهم باسم “المثليين” وقد ورد هذا الاتهام صراحة في تقرير الحرية الدينية في العالم.

فنجيب بأن هذا ليس خاصا بالثقافة السعودية إنما هو عقيدة المسلمين جميعا على إختلاف ثقافاتهم المحلية، ونلفت نظرهم إلى أن ذم اللوطيين وأمثالهم من الشواذ جنسيا وردت به نصوص القرآن كما ورد في كتابهم المقدس، فبأي حق يطالبون المسلمين والنصارى واليهود بحذف هذه النصوص من كتبهم المقدسة لديهم.

ونواجه الخصم بالتناقض في مسألة تحصين اللوطيين والسحاقيات وأفعالهم من الذم، في حين لا يعطون هذه الحصانة للبغايا والبغاء الذين يصفونه بأنه أقدم مهنة في التاريخ، وقد شرعن الغرب البغاء في بلاده أو في البلاد التي بليت باستعماره قبل شرعنته الشذوذ الجنسي، فلماذا يكون اللوطيين والسحاقيات أحق بالحصانة من الذم من البغايا.

وأي انسجام وعدم تناقض في قبول تعدد الزوجات في زواج اللوطيين والسحاقيات وفي الوقت نفسه تجريمه فيما يسمونه بالزواج التقليدي.

ويضطر الخصم في نهاية المطاف أن يسلم بما ننهي به حوارنا معه من قولنا: إذا أفترضنا أن الثقافة السعودية السائدة “أصولية” فهي “أصولية درداء” أي بدون أسنان، فلا تقارن بأصولية أسنانها “الرؤوس النووية” و”صواريخ توما هوك”.

لا يمكن أن يغيب عن ذهن أنسان واع أن أعظم المصائب التي منيت بها البشرية في القرون الأخيرة، وما يهددها بالفناء في مستقبلها، نشأ عن المبدأ الهمجي؛ مبدأ الثقافة الغربية في العلاقات الدولية:”المصلحة القومية والقوة”، يقارن هذا بمبدأ الإسلام في العلاقات الدولية وهو “العدل، والقوة الالزامية للمعاهدات والعقود”[21] وهذا المبدأ هو المبدأ الذي بنيت عليه الثقافة السعودية السائدة[22]

وأخيرا وبعد هذا كله فهل بقي عذر لإخواننا الطييبين في تصديقهم الآخر في وصمه الثقافة السعودية بالأصولية، ورؤيتهم له على أن محق في مطالبة المملكة بتحجيم نشاطها ونشاط مواطنيها الدعوي في الخارج

3. لا أعلم أن وفدا أو شخصا من أوربا وأمريكا زار المركز وأجرى الحوار معه دون أن يثير قضية “منع المرأة السعودية في المدن من قيادة السيارة”، وكأنما هي مشكلة العالم الكبرى، وفي مثل هذه الأحوال نبدأ بإيراد بعض الحقائق، ومنها على وجه الإختصار:

1. أن المجتمع السعودي طوال العقود الأربعة السابقة، لم يرفض قبول قيادة المرأة للسيارة خارج المدن، بل إن المرأة التي كانت تشترط عدداً من الجمال كمهر لها أصبحت تطلب سيارة “بك أب” كمهر أو جزء من المهر لها.

ولكن المجتمع في المملكه في أغلبيته لم يتقبل سياقة المرأة للسيارة في المدن لمبررات عقلانية وعملية، قد تختلف وجهات النظر فيها، ولكن قطعا ليس من بين الدوافع والمبررات – كما يظهر للعقلاء – “التمييز ضد المرأة” أو “النظرة الدونية لها”.

2. ونقارن هذا بحالة تشيع في الغرب، ربما كانت تمثل أكثر صور الظلم للمرأة التي حدثت في مجتمع ما، ونعني بذلك الحالة الواقعية التي تظهر من دلالة الاحصاءات[23] بأنه في أمريكا وأوربا تصل نسبة حالات العائل الوحيد Single-Parent، وأغلبها من النساء، إلى نسب مروعة وبوتيرة نمو مطردة تصل أحيانا إلى الضعف في مدة محدودة[24].

وتعني هذه الحالة أن النساء في المجتمع الأوربي والأمريكي يُكلَّفن لا بإعالة أنفسهن فحسب بل بإعالة عدد من أفراد الشعب يزيد عن عددهن، في حين أن دخول النساء المالية في العادة أقل من دخول الرجال، وفرصهن في نمو الدخل من الناحية العملية أقل من الرجال، ففي هذه الحالة لا يكتفى بأن تُحّمل المرأة أعباء فوق الأعباء التي تتحمّلها بحكم طبيعة المرأة، كما يحدث عند إضطرار المرأة للعمل في المجتمعات الاخرى، بل تُحمّل أعباء اضافية على النحو الذي ذكرنا، وتُنسي جزرة “الحرية والمساواة” التي تُظهر أمام عيني المرأة في الغرب سياط الظلم التي تلهب ظهرها في مثل قضية “العائل الوحيد”.

وفي فضح تناقض الأوربيين والأمريكيين في اتهامهم للمملكة فيما يتعلق بقضية الحرية، نذكرهم بالمعيار المزدوج الذي يستعملونه عند تعاملهم مع هذه القضية، حيث يتندر المجتمع السعودي بقصة السيدة السعودية التي قيل لها: إن الرئيس الأمريكي (بوش) يريد أن يعطيك الحرية في المشاركة في القرار السياسي، فقالت: أوه..أوه.. يكفيني أن يمنحني بوش الحرية عندما أعرف أن أختا لي ذات صبية في أفريقيا توشك أن تموت وأطفالها من الجوع، أن أنقذها، ويكفّ عن سلب حريتي في إيصال مساعدتي لها.

السيدة السعودية كما هو واضح تشير إلى جهود أمريكا بخاصة في تحجيم النشاط الخيري السعودي خارج المملكة وإلى حجب حرية الفرد في ممارسة حقه المشروع في البذل التطوعي الإنساني.

في مركز الملك عبدالعزيز للحوار الوطني نرانا، ولله الحمد والمنة، في موقف القوي لا الضعيف، قوي الحجة لا ضعيفها، وإن كنا مع الأسف في بعض الإحيان نضطر إلى أن نمتنع عن استعمال أقوى حججنا في بيان تناقض الجهات الأمريكية في اتهاماتها للمملكة العربية السعودية بانتهاك الحرية الشخصية، لا بسبب من الخصم ولكن لأننا كما قال القائل: “في فمي ماء، وهل ينطق من في فيه ماء”

***

إن الأمر سهل والهجوم المضاد أيسر، وإنما نحتاج إلى إدراك الحقائق على أرض الواقع وإلى قليل من الشجاعة وكثير من الحكمة.

****

و أخيرا، ننبه أننا على خلاف ما توهمه احد مراجعي هذا المقال حيث وصف بعض عباراته بأنها صادرة من موقف غاضب، ودفاعي، وتغلفة العاطفة.

ونقول لقد قُصد اختيار العبارات الواردة في هذا المقال لأنها أدق في التعبير عن المعنى المقصود، ولاختلاف المعنيّ بالخطاب هنا، وبالطبع فإننا لانستعمل هذه العبارات – المنتقدة- في حوارنا المباشر مع الآخر، بل نستعمل في التعبير هناك اللغة المناسبة من الأدب العالي للحوار ونستخدم العبارات الأكثر لياقة ولباقة [لعله يتذكر أو يخشى]، ولا ننحرف عن هذه اللغة الأخلاقية حتى لو استثارنا الآخر بجهله أوطيشه وتعاليه، مستهدين بهدي الله [وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ]، [وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً] ، [وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ]، [وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ]

وأما المُعَبّر عنه من الحقائق فإنها لا تتغير ولا تتبدل باختلاف المخاطب، وتبقى مُلتزَما بها نفسها.

———————–

المراجع 

[1] “الاطار الشامل” يمكن تلخيصة في: الحقيقة الواقعة المتمثلة في “الحرب على الاسلام” والتي تواترت تصريحات السياسيين والعسكريين ورجال الفكر الغربين على التصريح بها منذ ما يزيد على عقدين، ويدعم ذلك الواقع التطبيقي والضغوطات السياسية والعسكرية والاقتصادية والتشريعية، راجع مقالة الكاتب “الحرب الايديولوجية” على سبيل الإشارة المختصرة

[2] كتاب “Beyond Peace” للرئيس الأمريكي الأسبق R. Nixon ص 154

[3] أنظر كتاب “Our Endangered Values: America’s Moral Crisis” للرئيس الامريكي الأسبق Jimmy Carter ص 118

[4] كما ذكرت الدكتوره كاثرن بولوك Katherine Bullock في كتابها Rethinking Muslim Women and Veil

[5] كما نص على ذلك الرئيس الأمريكي Richard Nixon في كتابه Seize the Moment: America’s Challenge in a One-Superpower World ص 194

[6] أنظر التفاصيل في American School Textbooks – How They Portrayed the Middle East from 1898 to 1994 American Educational History Journal, Volume 35, Number 1 and 2, 2008, edited by J. Wesley Null

وأنظر Interpreting Islam in American Schools The ANNALS of the American Academy of Political and Social Science July 2003 588: 52-72,

[7] 2010U.S.A Commission Annual Report

[8] انظر كتاب Grace Halsell المعنون Forcing God’s Hand: Why Millions Pray for a Quick Rapture And Destruction of Planet Earth ص 9

[9] نفس المرجع السابق ص 21

[10] نفس المرجع السابق ص 19

[11] أنظر ملخصا لهذا الاستطلاع في صحيفة نيويوك تايمز الأمريكية على الرابط: http://query.nytimes.com/gst/fullpage.html?res=9C05EFD8163FF935A25757C0A9609C8B63&pagewanted=all

[12] أنظر كتاب “Our Endangered Values: America’s Moral Crisis” للرئيس الامريكي الأسبق Jimmy Carter ص 113 -114

[13] انظر كتاب Grace Halsell المعنون Forcing God’s Hand: Why Millions Pray for a Quick Rapture And Destruction of Planet Earth ص 17

[14] http://www.knesset.gov.il/description/eng/doc/speech_clinton_1994_eng.htm

[15] كاهنه اللوثري الذي رعى تربيته الروحية

[16] http://www.knesset.gov.il/description/eng/doc/speech_bush_2008_eng.htm

[17] النص العربي هنا هو عين ترجمة قسم الإعلام بمكتب رئيس الحكومة الاسرائيلية للكلمة. bushspeecjAR150508.docعلى الشبكة العنكبوتية

[18] لتفصيل أكثر فضلا ارجع لكتابنا “الحرية الدينية في المملكة العربية السعودية”

[19] راجع تعبير محمد اسد باللغة الانجليزية في كتابه Islam At The Crossroads ص 99- 100

[20] كتاب “Beyond Peace” للرئيس الأمريكي الأسبق R. Nixon ص 151

[21] لمزيد من التفصيل والايضاح أقرأ الكتيب المعنون ” العلاقات الدولية بين منهج الإسـلام ومنــهج الحضـــارة المعـاصرة”، لكاتب هذه المقالة

[22] في الحقيقة فإن المملكة من حين وجدت كدولة (عام 1351هـ /1932م) لا أعرف أنها انحرفت عن هذا المبدأ في الحرب والسلم

[23] كما أشارت صحيفة The Observer البريطانية ” “The stereotypical family image … is fast becoming a myth. Today’s census is expected to confirm that a greater proportion of the UK’s households now comprise single parents” http://www.guardian.co.uk/uk/2011/mar/27/census-family-housing-ageing-population

وأنظر على سبيل المثال: إحصاءات مكتب الإحصاءات الأمريكي-وزارة التجارة الأمريكية

http://www.census.gov/compendia/statab/cats/international_statistics.html

[24] نفس المصدر السابق

-- معالي الشيخ الدكتور/صالح بن عبدالرحمن الحصين

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*