الأربعاء , 7 ديسمبر 2016
الرئيسية » مركز البحوث » ملفات » صفات الخوارج بين الأمس واليوم

صفات الخوارج بين الأمس واليوم

الحمد لله المحسن بإحسانه العميم، وإفضالِه العظيم، على من شاء من عباده، وهو العزيز الرحيم، وأصلى وأسلم على المبعوث رحمةً للعالمين، وعلى صحابته أجمعين، ومن تبعهم  على الحق والهُدى إلى يوم الدين، وبعد:
فمن تفحّص خوارج الأمس، وخوارج اليوم، ونظر بعين البصيرة؛ ظهر له وجه الحق من أمرهما، ولم يستوحش أن يقول بلغة العصر: (هما وجهان لعملة واحدة)، أو كما تقول العرب: (فلانٌ أشبه بفُلان من الذباب بالذباب، والغُراب بالغُراب). وهذه الجُملة التي سنجليها من صفاتهم، وأحوالهم، يستفيد منها القارئ: أن الخوارج المعاصرين، ليسوا امتداداً للناحية العقائدية للخوارج الغابرين فحسب، بل ينسحب هذا الامتداد على النواحي والتركيبة (النفسية)، والصفات الخُلُقيّة، ومستوى التفكير، وهذا  يُفسّر سرّ (القوّة الشَّبهيّة) بينهما في قبح السيرة، وسوء المذهب، وعلى كلٍّ؛ فيكاد الحال يتقارب، غير أن خوارج العصر قد أفرطوا في بسط أيديهم وألسنتهم بالسوء، وكانوا على الأمة سوط عذاب، فهؤلاء القوم لا يُرضيهم أيُّ حاكمٍ، ولو أمّن السّربَ، ونشر العدل، وأوسع العمارة، وذبّ عن الحوزة، ووفّر للناس ما يحتاجونه من مصالحهم ومعايشهم؛ فإنهم لا يقابلون كل هذا إلا بالنكران، والجحود، والجور، والظلم، فهؤلاء لا نور لعقولهم، ولا بهاء، ولا بركة، سُفهاء الأحلام، كما نعتهم سيّدُ الأنام. 
ويكفيك من هؤلاء المتسرعين بالبطش والفتك، ما أعدّه الله لأمثالهم من النكال الوجيع؛ فإن الرَّويّة في أمثال هؤلاء، بعد أن استطار شرهم؛ لا تجد له موضعاً إلا في السيف الباتر؛ فبذا تُكَفُّ بائقتهم، ويحسُن عيش الناس بعدها، وتطيب حياتهم.
وفيما يأتي: أبرز صفاتهم، وأجلى سِماتهم، ذكرناها ليحترز منها المسلم، ويحذرها، ويأخذ نفسه بأضدادها؛ فمن لا يعرف الخير من الشرّ؛ يقع فيه:
الصفة الأولى: أنهم حُدثاء الأسنان، سفهاءُ الأحلام؛ كما نعتهم بذلك الصادقُ المصدوق عليه الصلاة والسلام، ففي حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه، أنه قال: ” إذا حدثتُكم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثاً، فو الله لأن أخرّ من السماء أحبّ إليّ من أكذب عليه، وإذا حدثتكم فيما بيني وبينكم؛ فإن الحرب خدعة، وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: سيخرج قومٌ في آخر الزمان، أحداث الأسنان، سُفهاء الأحلام… “(1).
 وذكر ابن حجر أن معنى أحداث: جمعُ حدثٍ-بفتحتيْن- والحدثُ: الصغير السن، وكذلك: فالمراد من الأسنان: جمعُ سنٍّ، والمراد به: العمر؛ أي: أنهم شبابٌ(2).
وقد ضمّوا إلى حداثة السن، سفاهةَ العقل ورداءته، وهذا دليل على فساده، وضعفه، وسوء تقديره للأمور، وفي تاريخهم الأسود البهيم، ما يجلّي هذه الحقيقة؛ كما في خروجهم المتكرر على الولاة، لأتفه الأسباب، وما يستتبع الخروج من سفك الدماء، وإتلاف الأموال، وفتح الجبهات على الأمة المسلمة، وإضعافها، واستنـزاف قدراتها. والوقائعُ لمن تتبعها؛ لا تُحصر.
ولكونهم بهذه الصفة من قلة العقل، وضيق الأفق، وعدم البصيرة، تجدهم ينافرون العلماء، ويحذّرون من مجالستهم، ويضيقون بهم ذرعاً، ويطلقون نحوهم الشائعات الكاذبة، والأراجيف الفاجرة، وينقلون عنهم أخباراً محرّفةً؛ مموهةً، ويجبنون عن مواجهتهم بالحجج والبراهين؛ لخوائهم عن العلم، وفاقد الشيء لا يعطيه، لكنهم اتخذوا رؤوساً جُهّالاً، خرجوا على الأمة بآراء مُليمة، غير رشيدة، ولا موّفقة.
الصفة الثانية: جهلهم بمعاني القرآن، وقلة الفقه في الدين، فتراهم مع كثر قراءة القرآن، لا يعقلونه التعقّل المطلوب، كما جاء وصفهم في قول الرسول صلى الله عليه وسلم : ” يقرأون القرآن، لا يجاوز تراقيهم “، وفي رواية: “حلوقهم، أو حناجرهم “(3).
قال النووي: ” معناه: أن قوماً ليس حظهم من القرآن إلا مروره على اللسان، فلا يجاوز تراقيهم ليصل إلى قلوبهم، وليس ذلك هو المطلوب، بل المطلوب تعقّله، وتدبّره، بوقوعه في القلب “(4).
و سوء فهمهم للقرآن، هو سبب تكفيرهم لأصحاب الكبائر من المسلمين، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية: “…إنما هي من سوء فهمهم للقرآن، لم يقصدوا معارضته، لكن فهموا منه ما لم يدل عليه؛ فظنوا أنه يوجب تكفير أرباب الذنوب “(5).
ولذلك كان من جهلهم بالقرآن، وبطرق الاستدلال به؛ أنهم حملوا الآيات التي نزلت في الكفار؛ على المسلمين، كما قال ابن عمر رضي الله عنه،  يَصِفُهُم: ” إنهم انطلقوا إلى آيات نزلت في الكفار، فجعلوها في المؤمنين “(6).
ومن جهلهم بأصول الشريعة ومقاصدها، اعتراض أوّلهم على الرسول صلى الله عليه وسلم، لمّا قسّم الغنائم، وقوله للنبي صلى الله عليه وسلم: اعدل يا رسول الله، فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم : ” ويلك! ومن يعدل إذا لم أعدل “(7).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: “وهم قوم لهم عبادة، وورع، وزهد، لكن بغير علم؛ فاقتضى ذلك عندهم: أن العطاء لا يكون إلا لذوي الحاجات، وأن إعطاء السادة المطاعين الأغنياء، لا يصح لغير الله بزعمهم! وهذا من جهلهم؛ فإن العطاء إنما هو بحسب مصلحة دين الله، فكلما كان لله أطوع، ولدين الله أنفع؛ كان العطاء فيه أولى، وعطاء محتاجٌ إليه في إقامة الدين، وقمع أعدائه وإظهاره وإعلائه، أعظم مِن إعطاء مَن لا يكون كذلك، وإن كان الثاني أحوج “(8).
ومن هذا الباب ما ذكره الحافظ ابن حجر، أن أول كلمة خرجوا بها، قولهم:” لا حكم إلا لله “، حيث انتزعوها من القرآن، وحملوها على غير محملها(9).
وفي وقائع المناظرة التي جرتْ بينهم وبين علي رضي الله عنه، في قضية التحكيم(10)؛ ما يكشف عن جهلهم بمعاني القرآن، وبطرائق الاستدلال، وإصابة الحق فيه، فقالوا له: انسلخت من قميص ألبسكه الله تعالى، واسم سمّاك اللهُ تعالى به، ثم انطلقتَ فحكّمْتَ في دين الله؛ فلا حكم إلا لله تعالى.
فلما بلغ علياً ما عتبوا عليه، وفارقوه عليه، فأمر مؤذّناً فأذّن: أن لا يدخل على أمير المؤمنين إلا رجلٌ قد حمل القرآن، فلما امتلأت الدار من قرّاء الناس، دعا بمصحف إمام عظيم، فوضعه بين يديه، فجعل يقلّبه بيده، ويقول: أيها المصحف حدّث الناس! فناداه الناس فقالوا: يا أمير المؤمنين ما تسأله عنه، إنما هو مداد وورق، ونحن نتكلم بما روينا منه، فماذا تريد؟ قال: أصحابكم هؤلاء الذين خرجوا، بيني وبينهم كتاب الله عز وجل، يقول الله في كتابه في امرأة ورجل : {فإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكماً من أهلها إن يريدا إصلاحاً يوفق الله بينهما}[النساء:35]؛ فأُمّة محمد صلى الله عليه وسلم، أعظم دماً وحُرمة من امرأة ورجل.
ونقموا عليّ أن كاتبتُ معاوية: كتبَ عليُّ بن أبي طالب. وقد جاءنا سُهيل بن عمرو، ونحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، بالحديبية، حين صالح قومه قريشاً، فكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم: بسم الله الرحمن الرحيم، فقال سهيل: لا تكتب بسم الله الرحمن الرحيم، فقال: كيف نكتب؟ فقال: اكتبْ: باسمك اللهم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فاكتب محمد رسول الله، فقال: لو أعلم أنك رسول الله، لم أخالفك. فكتب: هذا ما صالح محمد بن عبد الله قريشاً.
يقول الله تعالى في كتابه:{لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة}[الأحزاب:21]…” (11).
وفي تعليق الحافظ ابن كثير الآتي، شهادته عليهم بالجهل، والشقاء، والضلال، وتعجبه من أفعالهم. قال: “وهذا الضرب من الناس، من أغرب أشكال بني آدم! فسبحان من نوّع خَلْقه كما أراد، وسبق في قدَره ذلك، وما أحسن ما قال بعض السلف في الخوارج: إنهم المذكورون في قوله تعالى:{قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالاً * الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا * أولئك الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه فحبطت أعمالهم فلا نقيم لهم يوم القيامة وزناً}[الكهف:103-105].
والمقصود أن هؤلاء الجهلة، الضُّلال، والأشقياء في الأقوال والأفعال؛ اجتمع رأيهم على الخروج من بين أظهر المسلمين…يعتقدون بجهلهم، وقلّة علمهم وعقلهم: أن هذا الأمر يُرضي رب الأرض والسماوات، ولم يعلموا أنه من أكبر الكبائر ، والذنوب الموبقات، والعظائم، والخطيئات، وأنه ممّا يزيّنه لهم إبليس، وأنفسهم التي هي بالسوء أمّارات “(12).
وهذه الآفات والعلل التي استحكمت في الخوارج الأوليين، هي بعينها داء الآخرين؛ انتقلت عدواها إليهم، عبر القرون، كلما قُطع منهم قرْنٌ؛ برز آخر. ومَنْ أكثر التصفح، وأنعم النظر فيما تسطّره هذه الفئة؛ أيقن بجهلهم، وانهماكهم في الضلال، وهو الذي أفضى بهم إلى ما أفضى.
الصفة الثالثة: الخصومة واللَّدد فيها: وهي من سماتهم التي اشتُهروا بها.
 فكثرة المراء، والإسراف في الجدال، كان من أسباب صرفهم عن تعقّل الحُجج، وإدراكها، وفي الحديث: “ما ضل قومٌ بعد هدى كانوا عليه، إلا أوتوا الجدل”(13).
قال ابن المبرد: ” وكان في جملة الخوارج لددٌ واحتجاجٌ- على كثرة خطبائهم وشعرائهم-…” (14).
وفي الأسلوب الذي توخّوهُ في مناقشة علي بن أبي طالب وابن عباس، تصديقٌ لرسوخ تلك الصفة فيهم، بل إن أحد أئمتهم، وهو نافع بن الأزرق، جعل يسأل ابن عباس يوماً حتى أَمَلَّهُ؛ فجعل ابن عباس يُظْهِر الضّجر(15).
ولاشك أن منشأ هذا قديماً وحديثاً، من اتّباع الهوى، وقصور النظر، وتجرّدهم عن الحكمة، واستبدالها بالسّفه والتّهور(16).
الصفة الرابعة: الاعتداد بالرأي، والإعجاب بالنفس، والغرور: وهذا سبب تعصّبهم لآرائهم الباطلة، وتمسّكهم بأهوائهم وضلالاتهم، وتتضح هذه السجيّة فيهم، لمن قرأ في سيرهم؛ حيث إنهم كانوا يقابلون نصائح أهل العلم من الصحابة وغيرهم، بالرفض والمراء، ويسفهونهم، ولا يرتضون منهم توجهياً، كما تجلّى هذا في قصة قتلهم لرسول علي بن أبي طالب رضي الله عنه، الحارث بن مُرة، وغيره من أهل الإسلام، ورفضهم تسليم القتلة، ليُقتص منهم، وقولهم: كلنا قتل إخوانكم، ونحن مستحلون دمائكم وأموالكم، مع أن قيس بن سعد بن عُبادة وعظهم، وكذلك وعظهم أبو أيوب الأنصاري، وبعده وعظهم علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ووبّخهم، وخوّفهم بالله، لكن الخوارج من صلفهم وكبرهم، تنادوا بينهم: أن لا تخاطبوهم، ولا تكلموهم(17).
وانظر فيما سنسوقه من هذه الكائنة العجيبة، وليطل عجبك من مشابهتهم في دفعهم للحجة، بقوم نوح، وصنيعهم كصنيعهم، الذي حكاه الله تعالى عنهم بقوله: {وإني كلما دعوتهم لتغفر لهم جعلوا أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم وأصروا واستكبروا استكباراً}[نوح: ].
فقد ذكر ابن المبرد في الكامل(18)، أنهم سألوا ابن عباس رضي الله عنه، فقالوا له: إن كان عليٌّ على حقّ؛ لم يشك فيه، وحكم مضطراً، فما باله حيث ظفر لم يَسْبِ؟ فقال لهم ابن عباس: قد سمعتم الجواب في التحكيم. فأما قولكم في السّباء، أفكنتم سابِين أمَّكم عائشة؟!
فوضعوا أصابعهم في آذانهم، وقالوا: أمسكْ عنّا غرْب لسانك يا ابن عباس؛ فإنه طلق، ذلق، غوّاص على وضع الحُجة.
والأمثلة في هذا كثيرة، ولعلّ الذين يتابعون مجرى التحقيقات مع المقبوض عليهم، من خوارج اليوم، وما أدلوا به من اعترافات، يلحظ فيها: حرص القادة على ضرب طوق من العزلة العلمية على أتباعهم، وحظرهم من الإصغاء للعلماء، أو قراءة مؤلفاتهم، وبخاصة ما له ارتباط بكشف عوارهم وتعرية ضلالاتهم، وتشديدهم أشد التشديد، في إحكام سياج الحظر الفكري هذا؛ وذلك اعترافٌ ضمني بالفراغ العلمي، والجهل الذي يرزحون فيه، وإنما يجرّعون المخدوعين بهم: الشُّـبَهَ، وزخرف القول غروراً.
الصفة الخامسة: الغلو في أمورهم: سواء أكان في عباداتهم، أو في أفكارهم ومعتقداتهم، كما أشرنا، فالورع الذي اكتسوا به؛ ورعٌ باردٌ؛ كاذبٌ، ومن هذا الباب قول من قال : ” أتقتلون الحسين وتسألون عن دم البعوضة ؟!”.
واجتهاد الخوارج في العبادة، مع ضلاهم، أشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم، بقوله في وصفه إياهم: ” يقرءون القرآن ليس قراءتكم إلى قراءتهم بشيء، ولا صلاتكم إلى صلاتهم بشيء، ولا صيامكم إلى صيامهم     بشيء “(19).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ” ولا ريب أن الخوارج كان فيهم من الاجتهاد في العبادة والورع، ما لم يكن في الصحابة، كما ذكره النبي صلى الله عليه وسلم، لكن لما كان على غير الوجه المشروع، أفضى بهم إلى المروق من الدين “(20).
وعلى هذه الحال رآهم ابن عباس رضي الله عنه، لما جاء لمناظرتهم، فقال: ” فأتيتهم فدخلتُ على قوم لم أر أشد اجتهاداً منهم؛ أيديهم كأنها ثفن الإبل، وجوههم معلَّمة من آثار السجود “(21).
فعلى المرء ألا يغتر باجتهادهم في العبادة، ما دموا جهّالاً؛ إذ لم تغن عنهم شيئاً، فإنهم لمّا تنطعوا، وركبوا أهواءهم، وفارقوا سبيل أهل العلم؛ ضلوا عن الطريق الحق، وسلكوا سبل الشيطان، واقترفوا ما اقترفوا من الأمور العظام، التي يندى لها جبين الإسلام.
الصفة السادسة: تكفيرهم لمخالفيهم، واستحلال دمائهم، وأموالهم، ونسائهم: وهذا من أشنع ما عُرف عنهم، واشتُهروا به، وهو ما كابده أهل الإسلام منهم قديماً، ويكابدونه اليوم؛ من كلفهم وولعهم بإراقة الدماء، وسفكها، وقصدهم المسلمين بأعمال القتل، واستهداف ديارهم؛ لكونهم مرتدين -بزعمهم-، وأرضهم أرض كفر، ودُورهم دُور حرب، وهذا مصداق ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم، لما قال في وصفهم: ” يقتلون أهل الإسلام، ويدعون أهل الأوثان “(22).
وهذا الوصف مما اشتركت فيه بعض أهل البدع، مع الخوارج. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ” الفرْق الثاني في الخوارج وأهل البدع: أنهم يكفّرون بالذنب والسيئات، ويترتب على تكفيرهم بالذنوب؛ استحلال دماء المسلمين وأموالهم، وأن دار الإسلام دار كفر، ودارهم دار إيمان.
وكذلك يقول جمهور الرافضة، وجمهور المعتزلة، والجهمية، وطائفة من غلاة المُنتسبة إلى أهل الحديث والفقه، ومتكلميهم “(23).
فهذا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه، لما أراد قتال أهل الشام، أشار عليه الناس أن يبدأ بقتال الخوارج، فإذا انتهى من قتالهم، تفرغ بعدها لقتال أهل الشام. وقد كان هذا رأياً صائباً؛ لما ظهر من أمر الخوارج من الفساد العظيم الذي أحدثوه. قال الحافظ ابن كثير: ” فاجتمع الرأي على هذا، وفيه خيرة عظيمة لهم، ولأهل الشام أيضاً؛ إذ لو قووا هؤلاء؛ لأفسدوا الأرض كلّها: عراقاً، وشاماً، ولم يتركوا طفلاً، ولا طفلة، ولا رجلاً، ولا امرأة؛ لأن الناس عندهم قد فسدوا فساداً لا يصلحهم إلاّ القتل جملةً “(24).
وكان نافع بن الأزرق قد استباح قتل أطفال المخالفين له، ونسائهم(25)، وحكى المبرد في الكامل(26)، عن الخوارج أنهم في إحدى وقائعهم، لما طال عليهم المقام، انصرفوا لا يمرون بقرية بين أصفهان والأهواز، إلا استباحوها، وقتلوا من فيها.
ويكفيهم خزياً وعاراً، إقدامهم على قتل واستباحة دم أمير المؤمنين: علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ومدحهم لقاتله، وكذلك قتلهم لعبد الله بن خباب بن الأرت، وغيرهم من الأخيار.
فهؤلاء القوم أياديهم ملوثة بدماء الأطهار من أهل الإسلام، ولو رمنا تتبع فظائعهم على مرّ التاريخ، لاحتجنا إلى مجلدات ومجلدات، وفي عصرنا هذا عرضت وسائل الإعلام المحلية والعالمية، ما يقوم به ما يُسمّى بـ(تنظيم القاعدة)، وروافده في العالم الإسلامي، من أعمال القتل، وسفك دماء من لا ناقة لهم ولا جمل، واستخفافهم بأرواح الآلاف من أهل الإسلام، وكأنهم أهون عليهم من الذباب!!
أين في الإسلام الآيات والأحاديث التي جاءت بتعظيم شأن الدماء، وهي مما يحفظها الصبيان في المكاتب؟!
لقد كان هؤلاء الخوارج بالأمس يتباكون على المسلمات في سجون (الطواغيت)، كما يقولون، وهن حُبالى من الزنا، ويستصرخون أهل الإسلام؛ ليهبوا لانتقاذهن، وإعلان الجهاد، قائلين: أين نخوة المعتصم، وامعتصماه، وامعتصماه! ويُلهبون حماسة الشباب المتهور، حتى رأينا هولاء المستصرخين، يستصرخ منهم المسلمات، وأصواتهن تتعالى وهن حبالى؛ يسألون علماء الإسلام، عن حكم (الإجهاض)، ففي أسئلة اللقاء الذي أُجري مع الشيخ محمد الصالح العثيمين –رحمه الله- في 17/12/1420هـ، يقول السائل: ” من الفساد الذي حدث في هذه الفتنة: هو أن بعض النساء، أو الفتيات تعرّضن للاغتصاب من طرف هؤلاء الذين يصعدون الجبال!
الشيخ: نسأل الله العافية!
السائل: فكثيرٌ منهنّ حوامل، وبعضهم أصدر فتوى بجواز الإجهاص في مثل هذه الحالة…أن هؤلاء الفتيات اغتُصبن، والآن وقعن في المشكلة، فكثيرٌ منهن يسال؟ …” (27).
فقف عند قول السائل : ” فكثير منهن حوامل “، فهذا غيض من فيض، وما يعرفه الناس من هذه الوقائع؛ فحدّث ولا حرج.
الصفة السابعة: أنهم أهل فرقة وافتراق: وهذه سمة لأهل البدع جميعهم: فالخوارج فارقوا جماعة المسلمين، وخرجوا على الأئمة، ولا يزالون على هذا الضلال إلى هذه الأعصار، في كافة الأمصار، ويعتقدون أن هذا قربة لله الواحد القهّار!
فمثلاً: جعل نافع بن الأزرق مكان مهاجره هو وقومه -من الخوارج-؛ بمنـزلة المهاجرين إلى المدينة، وأنه لا يسع أحداً من المسلمين، التّخلف عن الهجرة إليه(28). بل إنه بعد إيجابه الهجرة إليه، جعل من لم يهاجر إليه مشركاً؛ ولو كان على رأيه(29).
ورحم الله الإمام ابن كثير لمّا قال في وصف هذه الشرذمة: ” إن هؤلاء الجهلة الضُّلال،والأشقياء في الأقوال والأفعال، اجتمع رأيهم على الخروج من بين أظهر المسلمين…
فخرجوا من بين الآباء والأمهات، والأعمام والعمات، وفارقوا سائر القرابات، يعتقدون بجهلهم وقلة علمهم وعقلهم، أن هذا الأمر يُرضي رب الأرض والسماوات، ولم يعلموا أنه من أكبر الكبائر والذنوب والموبقات…” (30).
وهم جمعوا إلى مفارقة جماعة المسلمين؛ التّفرق فيما بينهم؛ فتراهم أشتاتاً لأدني خلاف يدبّ فيهم، حتى ذكرت الكتب المصنفة في المقالات والنِّحل من فرقهم، ما يزيد على العشرين(31).
 وفي واقعنا المعاصر نجد تكريساً من الجماعات المسلحة، لنظريات أسلافهم الخوارج، ومواقفهم من أهل الإسلام، ومفارقتهم، وهجرتهم إلى حيث الأودية، والشِّعاب، والجبال، والكهوف، والتفافهم حول عصابات القتل، وزعامات التيه، والضغينة، والحقد، وتفرّقهم إلى رايات شعارها (السّحل، السّحل، الذبح، الذبح) (32)، ويهرّون على بعضهم هرير الكلاب، وتسعى كل منها لعمليات تصفية واغتيال لقيادات وأفراد الأخرى، مع اجتماعهم على قتال أهل الإسلام، وهتك أعراضهم، وسلب أموالهم. وهذا وصفٌ مطّرد لهؤلاء القتلة الأشرار، فينبغي للعاقل إن لم تُجْد معه مناصحتهم، أن يحذرهم ويحذّر منهم، ولا يبخل بذلك، ويتعاون مع ولاة الأمور بالتبليغ عنهم، وعن أوكارهم، وأماكن أنشطتهم؛ ليتخذوا الإجراءات الكفيلة بردعهم، وكف شرهم  وبأسهم عن الناس؛ فإن من العلاج ما لا يكون إلا بالكيّ، والشقّ، والقطع.
 قطع الله دابرهم، وأراح المسلمين منهم، إنه على كل شيء قدير، وبالإجابة جدير، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.

————————————————————
(1) أخرجه البخاري، برقم (6930).
(2) انظر: فتح الباري (12/355-356).
(3) أخرجه البخاري، برقم (3344) ، وفي مواضع أخرى، ومسلم، برقم (1063)، و (1064)، و (1065)، من طرق .
(4) شرح النووي على مسلم (6/105).
(5) مجموع الفتاوى (12/30).
(6) علّقه البخاري في الصحيح، في كتاب استتابة المرتدين والمعاندين، وأشار ابن حجر في الفتح (12/286)، إلى أن الطبري وصله في كتاب تهذيب الآثار، بسند صحيح.
(7) أخرجه البخاري، برقم (6933)، ومسلم، برقم (1064)، و(1065).
(8) مجموع الفتاوى (28/580-581).
(9) انظر: فتح الباري (6/619).
(10) ووقعت لابن عباس رضي الله عنه، معهم مناظرة لما انحازوا إلى حروراء، رجع بسببها منهم قسم كبير، وأصر من بقي على ضلاله، فقاتلهم علي رضي الله عنه .
(11) أخرجه الإمام أحمد في المسند (1/86)، وصححه الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (10/568).
(12) البداية والنهاية (10/580-581).
(13) أخرجه الترمذي (5/55-56)، وقال حسن صحيح، وابن ماجه، برقم (48)، وأحمد (5/252)، والحاكم (2/448)، وقال صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وصححه الألباني في صحيح الجامع (2/984).
(14) الكامل، لابن المبرد (3/954)
(15) انظر المصدر السابق (3/965).
(16) لم أذكر الشجاعة من ضمن صفاتهم؛ لأن ما عندهم هو تهوّرٌ وجنون، وليس بشجاعة ولا إقدام؛ بل أشبه ما يكون بمن يساور ثوراً هائجاَ، أو يقفز من شاهق! والجنون فنون.
(17) انظر: البداية والنهاية (10/586-587).
(18) (3/976).
(19) أخرجه مسلم، برقم (1066). وفي البخاري، برقم (6933): ” يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم “.
(20) الاستقامة (1/258-259).
(21) أخرجه الطبراني في الكبير، رقم (10598).
(22) أخرجه البخاري، برقم (3344).
(23) مجموع الفتاوى (19/73).
(24)البداية والنهاية (10/584-585).
(25) انظر: الفرق بين الفِرق، ص (84)، للبغدادي، والملل والنحل (1/121)، للشهرستاني.
(26) (3/1092).
(27) منقول بواسطة كتاب: فتاوى العلماء الأكابر فيما أُهدر من دماء في الجزائر،  ص (172).
(28) انظر: مقالات الإسلاميين، لأبي الحسن الأشعري (1/173).
(29) انظر: المصدر السابق (1/169).
(30) البداية والنهاية (10/580-581)، وسبق أن نقلناه، لكن أعدناه هنا لمحل المناسبة.
(31) انظر: الفرق بين الفرق، ص (74-110)، ومقالات الإسلاميين (1/167-202)، والملل والنِّحل (1/115-137).
(32) رأينا هذا الشعار في بعض مواقعهم.

-- د. صادق سليم

التعليقات

  1. لم يعد للخوارج وجود و إنما يشبه بعضهم المتطرفين من القاعدة بهم و يريد بعد العلمانيين إلصاق هذه الصفة بكل الحركات الإسلامية و هذا افتراء

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*