الخميس , 8 ديسمبر 2016
الرئيسية » مركز البحوث » ملفات » مقالةٌ في الرَّد على من كفَّر الحُكَّام بدعوى أنهم حكموا بغير ما أنزل الله

مقالةٌ في الرَّد على من كفَّر الحُكَّام بدعوى أنهم حكموا بغير ما أنزل الله

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله الأمين، وعلى آله صحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
فمن الشبه التي يتذرع بها أهل الغلو، في تكفيرهم لحكام المسلمين قاطبة، قولهم: إن الحكام قد حكموا بغير ما أنزل الله، وهذا كفرٌ؛ بدليل قوله تعالى: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون}[المائدة:44].
 والرد عليهم من وجوه:
الوجه الأول: أن تفسيركم لها بهذا المعنى؛ هو خلاف تفسير السلف؛ فنحن لا ننازعكم في وجوب الحكم بما أنزل الله، وفي وجوب الاحتكام إلى الكتاب والسنة أيضاً، لكن ننازعكم في تعميم الحكم بالكفر على كل من حكم بغير ما أنزل الله بلا تفصيل؛ ومخالفة السلف في تفسير الآية. وإليكم بيان أقوالهم في معنى الآية السابقة:
 قال حبر الأمة، وترجمان القرآن: ابن عباس رضي الله عنه، في تفسير قوله تعالى:{ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون}: “من جحد ما أنزل الله؛ فقد كفر، ومن أقرّ به، ولم يحكم به؛ فهو ظالم فاسق”(1).
وقال: “ليس بالكفر الذي يذهبون إليه”(2).
 وقال طاوس: قلتُ لابن عباس: من لم يحكم بما أنزل الله؛ فهو كافر؟ قال: ” هو به كفر، وليس كمن كفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر”(3).
وبقول ابن عباس، في تفسيره للآية المتقدمة، قال غيره من السلف، كتلميذه طاوس، ونصّ كلامه:” ليس بكفر ينقل عن الملّة”(4)، وقال عطاء: “كفرٌ دون كفر، وظلم دون ظلم، وفسق دون فسق”(5).
الوجه الثاني: أنّ أقوال العلماء من محدّثين، ومفسّرين، وفقهاء، في تفسيرهم للآية، بما مضى نقله عن ابن عباس وغيره، أكثر من أن يُحصر؛ كقول الإمام أحمد لما سُئل عن الكفر الوارد في الآية السابقة، فقال: “كفرٌ لا يُخرج من الملّة”(6).
وقال الإمام أبو عُبيد القاسم بن سلام: ” وأما الفرقان الشاهد عليه من التنـزيل: فقول الله عز وجل:{ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون}، وقال ابن عباس: (ليس بكفر ينقل من الملة)، وقال عطاء بن أبي رباح: ” كفرٌ دون كفر).
فقد تبيّن لنا- إذ كان ليس بناقل عن ملة الإسلام-: أن الدِّين باقٍ على حاله؛ وإن خالطه ذنوبٌ، فلا معنى له إلا أخلاق الكفار وسنتهم..لأن من سنن الكفار: الحكم بغير ما أنزل الله. ألا تسمع قوله:{أفحكم الجاهلية يبغون}[المائدة:50]، تأوليه عند أهل التفسير: أن من حكم بغير ما أنزل الله، وهو على ملة الإسلام؛ كان بذلك الحكم كأهل الجاهلية؛ إنما هو: أن أهل الجاهلية كذلك كانوا يحكمون”(7).
وإليك أيضاً بعض نُقولٍ على ما نقولُ، عن أئمة التفسير في معنى الكفر الوارد في حق تارك الحكم بما أنزل الله.
قال أبو حيان: ” {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون}. ظاهرُ هذا العموم؛ فيشمل هذه الأمة وغيرهم ممن كان قبلهم، وإن كان الظاهر أنه في سياق خطاب اليهود.
 وإلى أنه عامة في اليهود وغيرهم؛ ذهب ابنُ مسعود، وإبراهيم، وعطاء، وجماعة، ولكن كفر دون كفر، وظلم دون ظلم، وفسق دون فسق؛ يعني: أن كفر المسلم ليس مثل كفر الكافر، وكذلك ظلمه، وفسقه؛ لا يُخرجُه ذلك عن الملة. قال ابن عباس، وطاووس “(8).
وقال الواحدي: “قال جماعة: إن الآيات الثلاث نزلت في الكفار، ومن غيّر حكم الله من اليهود. وليس في أهل الإسلام منها شيء؛ لأن المسلم – وإن ارتكب كبيرة – لا يقال: كافر”(9).
وبمثل هذا، قال الخازن، ونسب القول به إلى ابن عباس، وقتادة، والضحّاك(10).
وقال ابن عطية: “وقالت جماعة عظيمة من أهل العلم: الآية متناولة كلَّ من لم يحكم بما أنزل الله، ولكنه في أمراء هذه الأمة كفر معصية، لا يُخرجهم من الإيمان”(11).
وقال ابن جزي: “وقال جماعة: هي عامة في كلّ من لم يحكم بما أنزل الله من اليهود والمسلمين وغيرهم، إلا أن الكفر في حق المسلمين؛ كفر معصية؛ لا يُخرجهم عن الإيمان”(12).
وقال ابن سعدي: “فالحكم بغير ما أنزل الله؛ من أعمال أهل الكفر، وقد يكون كفراً ينقل عن الملة؛ وذلك إذا اعتقد حلَّه وجوازه، وقد يكون كبيرة من كبائر الذنوب، ومن أعمال الكفر، قد استحق من فعله العذاب الشديد…
{ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون}. قال ابن عباس: كفرٌ دون كفر، وظلم دون ظلم، وفسق دون فسق؛ فهو ظلم أكبر عند استحلاله، وعظيمةٌ كبيرة عند فعْلِه غير مستحل له”(13).
وقال ابن العربي المالكي: “وهذا يختلف: إنْ حَكَمَ بما عنده على أنه من عند الله؛ فهو تبديلٌ له يوجب الكفر، وإن حكم به هوى ومعصيةً؛ فهو ذنب تُدركه المغفرة على أصل أهل السنة في الغفران للمذنبين”(14).
وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني: ” إن الآيات، وإن كان سببها أهل الكتاب، لكن عمومها يتناول غيرهم، لكن لما تقرر من قواعد الشريعة: أن مرتكب المعصية لا يُسمّى كافراً، ولا يسمّى أيضاً ظالماً؛ لأن الظلم قد فُسِّر بالشرك؛ بقيتْ الصفة الثالثة”(15).
وقال الشاطبي: “هذه الآية مع أنها نزلت في اليهود، والسياق يدل على ذلك، فإن العلماء عمّوا بها غير الكفار، وقالوا: كفر دون كفر”(16).
الوجه الثالث: أن من السلف، من قَصَرَ الآية على سبب نزولها، وجعلها خاصة في اليهود، وهذا نقله القرطبي عن البراء، وحذيفة، وعكرمة، والضحاك، وقتادة، وأبي صالح، وأبي مجلَز، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، ومعظم أهل التفسير(17).
 وهذا يعني: عدم شمول الآية لأهل الإسلام، يعني: أنها من العام المراد به الخاص، وعلى هذا: فهؤلاء لا يعدّون من حكم من المسلمين بغير ما أنزل الله كافراً خارجاً من الملّة، إلا بجحوده حكم الله، وهذا واضح لمتأمله. ومرادنا هنا الرد على الخوارج المكفرين بظاهر الآية دون الرجوع إلى أفهام أهل العلم، وأقوال السلف، وإلا لزمهم من ذلك تكفير السلف؛ لأن الكفر بترك الحكم بالشرع، على أي وجهٍ كان: لا يختلف الخوارج المتقدمون والمتأخرون، في كفر فاعله.
فانظر كيف زلت أقدامهم في هذه المسألة، حتى لزمهم تكفير السلف!! وإن كنا نرى أن قصرها على أهل الكتاب رأياً مرجوحاً(18)، لكن الغرض الإشارة إلى ما تقدّم، والله أعلم.
الوجه الرابع: أن المنقول عن أهل العلم، التفصيل في مسألة الحكم بغير ما أنزل الله، وأن الحاكم لا يكفر بمجرد تركه ذلك، بل في حال دون حال، وإليك شيئاً من أقوال أهل العلم؛ يوضّح هذا التفصيل ويجلّيه، وهو كثيرٌ، اقتصرنا فيه على خمسة عشر نقلاً، إضافة إلى ما مضى من نُقول:
الأول: ما رواه عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس، في قوله تعالى:{ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون}[المائدة:44]، أنه قال: “من جحد ما أنزل الله؛ فقد كفر، ومن أقرّ به، ولم يحكم به؛ فهو ظالمٌ، فاسقٌ”(19).
الثاني: نقل القرطبي(20)، عن ابن مسعود، والحسن: أن الآية عامة في كل من لم يحكم بما أنزل الله؛ أي: معتقداً ذلك؛ مستحلاً له.
 الثالث: نقل الطبري، معنى ما تقدم  أيضاً، عن السُّدي، والنخعي(21).
الرابع: نقل الخازن، عن مجاهد بن جبر، في تفسير الكفر، والظلم، والفسق، الوارد في الآيات، قوله: ” من ردّ الحكم بما أنزل الله؛ ردَّاً لكتاب الله؛ فهو كافر”(22) .      
 الخامس: نقل الخازن، عن عكرمة قوله: “ومن لم يحكم بما أنزل الله جاحداً به؛ فقد كفر، ومن أقر به، ولم يحكم به؛ فهو ظالم، فاسق”(23).
السادس: قال الإمام ابن جرير الطبري: ” وأولى هذه الأقوال عندي بالصواب، قول من قال: نزلتْ هذه الآيات في كفار أهل الكتاب؛ لأن ما قبلها وما بعدها من الآيات، فيهم نزلت، وهم المعنيون بها، وهذه الآيات سياق الخبر عنهم؛ فكونها خبراً عنهم أولى.
فإن قال قائلٌ: فإن الله – تعالى ذكْرُه- قد عمّ بالخبر بذلك عن جميع من لم يحكم بما أنزل الله، فكيف جعلته خاصاً؟
قيل: إن الله تعالى عمّ بالخبر بذلك، عن قوم كانوا بحكم الله الذي حكم به في كتابه جاحدين، فأخبر عنهم أنهم بتركهم الحكم على سبيل ما تركوه؛ كافرون، وكذلك القول في كل من لم يحكم بما أنزل الله؛ جاحداً به: فهو بالله كافر؛ كما قال ابن عباس”(24).
السابع: قال أبو العباس القرطبي،  – صاحب كتاب: المفهم في شرح مسلم،وهو غير القرطبي المفسِّر-: “قوله تعالى:{ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون}؛ يحتج بظاهره من يكفّر بالذنوب؛ وهم الخوارج، ولا حجة لهم فيه؛ لأن هذه الآيات نزلت في اليهود المحرفين كلام الله تعالى، كما جاء في الحديث،وهم كفّارٌ، فيشاركهم في حكمها من يشاركهم في سبب نزولها، وبيان هذا: أن المسلم إذا علم حكم الله تعالى في قضية قطعاً، ثم لم يحكم به؛ فإن كان عن جحدٍ: كان كافراً، لا يُختلف في هذا، وإن كان لا عن جحد: كان عاصياً، مرتكبَ كبيرة؛ لأنه مصدّق بأصل ذلك الحكم، وعالم بوجوب تنفيذه عليه، لكنه عصى بترك ذلك العمل به، وهكذا في كل ما يعلم من ضرورة الشرع حكمه؛ كالصلاة وغيرها من القواعد المعلومة، وهذا مذهب أهل السنة…
ومقصود هذا البحث: أن هذه الآيات المراد بها: أهل الكفر والعناد، وأنها وإن كانت ألفاظها عامة؛ فقد خرج منها المسلمون؛ لأن ترك العمل بالحكم مع الإيمان بأصله؛ هو دون الشرك، وقد قال تعالى:{إن الله لا يغفر أن يُشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء}[النساء:48]، وترك الحكم بذلك ليس بشرك بالاتفاق؛ فيجوز أن يُغفر؛ فلا يكون ترك العمل بالحكم كفراً”(25).
الثامن: قال أبو السعود، في تفسير الآية: “أي: من لم يحكم بذلك مستهيناً، مُنكِراً،{فأولئك هم الكافرون}؛لاستهانتهم به”(26).
التاسع: قال الجصّاص: “وقوله تعالى:{ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون}، لا يخلو من أن يكون مراده: كفر الشرك والجحود، أو كفر النعمة من غير جحود؛ فإن كان المرادُ جحود حكم الله، أو الحكم بغيره مع الإخبار بأنه حكم الله؛ فهذا كفرٌ يُخرج عن الملة، وفاعله مرتد إن كان قبل ذلك مسلماً.
وعلى هذا تأوّله من قال: إنها نزلت في بني إسرائيل وجرت فينا؛ يعنون: أن من جحد حكم الله، أو حَكَمَ بغير حُكم الله، ثم قال: إن هذا حكم الله؛ فهو كافر، كما كفرت بنو إسرائيل حين فعلوا ذلك.
وإن كان المراد به كفْر النعمة؛ فإن كفران النعمة قد يكون بترك الشكر عليها، من غير جحود؛ فلا يكون فاعله خارجاً من الملة.
والأظهر هو المعنى الأول؛ لإطلاقه اسم الكفر على من لم يحكم بما أنزل الله”(27).
العاشر: قال ابن الجوزي:” وفصل الخطاب: أن من لم يحكم بما أنزل الله؛ جاحداً له، وهو يعلم أن الله أنزله-كما فعلت اليهود-: فهو كافر.
ومن لم يحكم بما أنزل الله؛ ميلاً إلى الهوى من غير جحود؛ فهو ظالم، وفاسق. وقد روى علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، أنه قال: من جحد ما أنزل الله؛ فقد كفر، ومن أقرّ به، ولم يحكم به؛ فهو ظالم؛ فاسق”(28).
الحادي عشر: قال الإمام ابن كثير: “{ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون}؛ لأنهم جحدوا حكم الله قصداً منهم، وعناداً، وعمداً، وقال ههنا:{فأولئك هم الظالمون}؛ لأنهم لم يُنصفوا المظلوم من الظالم في الأمر الذي أمر الله بالعدل والتسوية بين الجميع فيه، فخالفوا، وظلموا، وتعدوا”(29).
الثاني عشر: قال القاسمي: “كُفْرُ الحاكم بغير ما أنزل لله بقيْد الاستهانة والجحود له؛ هو الذي نحاه كثيرون وأثروه عن عكرمة، وابن عباس”(30).
الثالث عشر: قال سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم: “من حكم بها(31)، أو حاكم إليها؛ معتقداً صحة ذلك وجوازه؛ فهو كافرٌ الكفر الناقل عن الملة، وإن فعل ذلك بدون اعتقاد ذلك وجوازه؛ فهو كافر الكفر العملي الذي لا ينقل عن الملة”(32) .   
الرابع عشر: قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي: ” واعلم أن تحرير المقام في هذا البحث: أن الكفر، والظلم، والفسق، كلّ واحد منها أُطلق في الشرع مُراداً به المعصية تارة، والكفر المخرج من الملة أخرى.{ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون}؛ معارضةً للرسل، وإبطالاً لأحكام الله، فظُلمُه، وفسقُه، وكفرُه: كلّها مُخرج عن الملة.
ومن لم يحكم بما أنزل الله؛ معتقداً أنه مرتكبٌ حراماً، فاعلٌ قبيحاً: فكفرُه، وظلمُه، وفسقُه: غيرُ مُخرج من الملة”(33) .
الخامس عشر: قال ابن أبي العز الحنفي: وهنا أمرٌ يجب أن يُتفطَن له؛ وهو: أن الحكم بغير ما أنزل الله قد يكون كفراً ينقل عن الملة، وقد يكون معصية كبيرة، أو صغيرة، وقد يكون كفراً إما مجازياً، وإما كفراً أصغر؛ وذلك بحسب حال الحاكم: فإنه إن اعتقد أن الحكم بما أنزل الله غير واجب، وأنه مخيّر فيه، أو استهان به، مع تيقنه أنه حكم الله: فهذا كفرٌ أكبر.
وإن اعتقد وجوب الحكم بما أنزل الله، وعَلِمَهُ في هذه الواقعة، وعَدَلَ عنه، مع اعترافه بأنه مستحق للعقوبة: فهذا عاص، ويُسمّى كفراً مجازياً، أو كفراً أصغر”(34) .وقد اكتفينا بما سبق، وإلاّ فالنقول عن أهل العلم كثيرة، وفيما ذكرناه غنية وكفاية لطالب الحق، والهداية.
الوجه الخامس: أن التكفير يكون بعد إقامة الحُجة، وإزالة الشُبهة،؛ فلا بد فيه من استيفاء الشروط وانتفاء الموانع؛ فليس كل من وقع في الكفر يُكفَّر لمجرد ذلك.
 قال شيخ الإسلام ابن تيمية: “والتكفير من الوعيد، فإنه وإن كان القول تكذيباً لما قاله الرسول صلى الله عليه وسلم، لكن قد يكون الرجل حديث عهد بإسلام، أو نشأ ببادية بعيدة، ومثل هذا لا يكفُرُ بجحد ما يجحده حتى تقوم عليه الحجة، وقد يكون الرجل لم يسمع تلك النصوص، أو سمعها ولم تثبت عنده، أو عارضها عنده معارض آخر أوجب تأوليها، وإن كان مخطئاً.
وكنتُ دائماً أذكر الحديث الذي في الصحيحيْن، في الرجل الذي قال: (إذا مت فأحرقوني، ثم اسحقوني، ثم ذروني في اليم، فو الله لئن قدر الله عليّ ليعذبني عذاباً ما عذّبه أحداً من العالمين. ففعلوا به ذلك، فقال الله له: ما حملك على ما فعلتَ، قال: خشيتك؛ فغفر له).
فهذا رجلٌ قد شك في قدرة الله، وفي إعادته إذا ذري، بل اعتقد أنه لا يُعاد، وهذا كفرٌ باتفاق المسلمين؛ لكن كان جاهلاً، لا يعلم ذلك، وكان مؤمناً يخاف الله أن يعاقبه؛ فغفر له بذلك. والمتأول من أهل الاجتهاد، الحريص على متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم، أولى بالمغفرة من ذلك”(35).
وقال: “فليس لأحد أن يُكفِّر أحداً من المسلمين، وإن أخطأ وغلط، حتى تُقام عليه الحجة، وتُبيَّن له المحجّة، ومن ثبت إسلامه بيقين؛ لم يزل عنه بالشك، بل لا يزول إلا بعد إقامة الحجة، وإزالة الشبهة”(36).
وقرر هذا أيضاً جمعٌ من العلماء، وبسط ذلك لا تحتمله هذه الأوراق، فأشير في الحاشية إلى بعضهم(37) .
الوجه السادس: أن تعميم القول بتكفير كلّ من حكم بغير ما أنزل الله؛ يلزم منه تكفير عموم الأُمّة، قال ابن حزم: “فإن الله عز وجل، قال:{ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون}، {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظلمون}،{ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون}؛ فيلزم المعتزلة أن يصرحوا بكفر كل عاص، وظالم، وفاسق؛ لأن كل عامل بالمعصية؛ فلم يحكم بما أنزل الله”(38).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: “وكل من حكم بين اثنين؛ فهو قاض؛ سواء كان صاحب حرب، أو متولى ديوان، أو منتصباً للاحتساب بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ حتى الذي يحكم بين الصبيان في الخطوط، فإن الصحابة كانوا يعدونه من الحكام…” (39).
فعلى مذهبهم، في الأخذ بعموم الآية؛ يَكْفُرُ جميعُ هذه الأصناف، بما فيهم أصحاب المعاصي الصغيرة، وهذا أشد غلواً ممن يكفّر بمجرد الكبائر؛ ولهذا كان الاحتجاج بظاهر هذه الآية، من حجج الخوارج والمعتزلة. قال الإمام ابن عبد البر: ” وقد ضلت جماعة من أهل البدع من الخوارج والمعتزلة، في هذا الباب، فاحتجوا بآيات من كتاب الله، ليست على ظاهرها، مثل قوله تعالى:{ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} “(40).
وقال الإمام الآجري: ” ومما يتبع الحرورية من المتشابه، قول الله عز وجل: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون}، ويقرءون معها:{ثم الذين كفروا بربهم يعدلون}، فإذا رأوا الإمام الحاكم يحكم بغير الحق، قالوا: قد كفر، ومن كفر عدَلَ بربه؛ فقد أشرك؛ فهؤلاء الأئمة مشركون! فيخرجون فيفعلون ما رأيتَ؛ لأنهم يتأولون هذه الآية”(41).
وقال أبو حيان: ” واحتجت الخوارج بهذه الآية، على أن كل من عصى الله تعالى، فهو كافر، وقالوا: هي نصٌّ في كل من حكم بغير ما أنزل الله؛ فهو كافر”(42).
وممن نصّ على احتجاج الخوارج بها أيضاً: أبو العباس القرطبي(43)، وغيره من أهل العلم.
فالحاصل: أن الأخذ بعموم الآية، وفهمها بمعزلٍ عن أفهام العلماء، فيه ما فيه، من إطلاق تكفير عموم أهل الإسلام، لمجرد المعصية، وهذه قاصمةٌ ليست لها عاصمة، إلا أن يوفق اللهُ العبدَ للصواب لفهم السنة والكتاب، على ما كان عليه السلف والأصحاب، رضي الله عنهم أجمعين.
الوجه السابع: أن التكفير بمجرد ترك الحكم بغير ما أنزل الله، لم يقل به أحد من السلف؛ لا الصحابة، ولا من جاء بعدهم من خيار الأمّة، وعلماء الملّة، بل قال السيد رشيد رضا: “أما ظاهر الآية؛ لم يقل به أحدٌ قط”(44)؛ ولهذا كان القول بذلك من البدع والضلالات.
 الوجه الثامن: هب أننا تنـزّلنا معكم، واعتبرنا مسألةَ تكفير من حكم بغير ما أنزل الله؛ مسألةً خلافيةً، لا وفاقيّة، وأن من العلماء من حكم بكفرهم؛ مطلقاً، وأن منهم من فصّل فيها، حسب ما سبق، فيُقال حينئذٍ: من المستقرّ الثابت: أنه لا تكفير إلا بأمرٍ مُجمَعٍ عليه، وهذا الخلاف في شأن تارك الحكم بما أنزل الله – إن اعتبرناه خلافاً-: من شأنه أن يرفع الحكم بالتكفير، فكيف إذا كان القول بعدم التكفير -إن لم يجحده، أو يستهين به- لا يُعرف فيه خلافٌ بين السلف!
نقل الحافظ ابن حجر العسقلاني، عن الإمام ابن دقيق العيد قولَه: “المسائل الإجماعية: تارةً يصحبها التواتر بالنقل عن صاحب الشرع؛ كوجوب الصلاة مثلاً، وتارةً لا يصحبه التواتر.
فالأول: يكفُر جاحدُه؛ لمخالفة التواتر، لا لمخالفة الإجماع.
والثاني: لا يكفر به.
قال شيخنا في شرح الترمذي(45): الصحيح في تكفير منكر الإجماع، تقييده بإنكار ما يُعلَم وجوباً من الدين بالضرورة؛ كالصلوات الخمس”(46).
وقال السبكي: “جاحد الحكم المجمع عليه، إنما يكفر إذا كان معلوماً من الدين بالضرورة، وأما المجمع الذي ليس معلوماً من الدين بالضرورة ؛ فلا يكفر بإنكاره، مثل كون بنت الابن لها السدس مع البنت؛ مُجمعٌ عليه، وليس معلوماً من الدين بالضرورة؛ فلا يكفر منكره.
والذي يكفر جاحده؛ إذا كان معلوماً بالضرورة: إنما هو الحكم الشرعي؛ لأنه من الدين، والصلاة، والزكاة، والحج، ولأنه يلزم من جحده تكذيب الرسول صلى الله عليه وسلم، وهذا محلٌ يجب التمهل فيه”(47).
وقال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب: “ولا نكفِّر إلا ما أجمع عليه العلماء كلهم”(48).
وقال ابن عابدين: “الذي تحرر أن لا يفتى بكفر مسلم أمكن حمل كلامه على محمل حسن، أو كان في كفره اختلاف”(49).
ونختم بحثنا هذا، بنقلٍ عن الإمام الحافظ: ابن عبد البر النمري- رحمه الله-، يقول فيه: “,أنّ كلّ من ثبت له عقد الإسلام في وقت، بإجماع من المسلمين، ثم أذنب ذنباً، أو تأوّل تأويلاً، فاختلفوا بعدُ في خروجه من الإسلام؛ لم يكن لاختلافهم بعد إجماعهم معنى يُوجب حُجةً، ولا يخرج من الإسلام المتفق عليه إلاّ باتفاق آخَر، أو سُنّة ثابتة؛ لا معارض لها.
وقد اتفق أهل السنة والجماعة- وهم أهل الفقه والأثر- على أن أحداً لا يخرجه ذنبه – وإن عظم- من الإسلام، وخالفهم أهل البدع.
فالواجب في النظر: أن لا يكفّر إلا من اتفق الجميع على تكفيره، أو قام على تكفيره دليلٌ لا مدفع له من كتابٌ أو سنة “(50).
فمقام الورع يقتضى عدم التسرع في إكفار من ثبت له عقد الإسلام بيقين، حتى يثبت زواله عنه بيقين، فضلاً عن هذه المسائل ونظيراتها؛ لو سوغنا كونها ممّا اختُلف فيها، ونحن قد نقلنا لك في هذا الباب، أقوال أئمة الشرعة المطهّرة، التي لا تلتبس إلا على من في عقولهم زغل، أو في قلبوهم أكنّةً أن يفقهوه. والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.

————————————————————
(1) أخرجه ابن جرير في التفسير (10/357)، وزاد السيوطي في الدر المنثور (3/87)، نسبته إلى ابن المنذر، وابن أبي حاتم
(2) أخرجه عبد الرزاق في التفسير (1/191)، وابن جرير في التفسير (10/356)، والمروزي في تعظيم قدر الصلاة (2/251)، وابن بطة في الإبانة (2/734-736)، ووكيع في أخبار القضاة (1/41)، بسند صحيح.
(3) أخرجه ابن جرير في التفسير (10/355-356)، والمروزي في تعظيم قدر الصلاة (2/521)، بسند صحيح.
(4) أخرجه ابن جرير في التفسير (10/355-356)، والمروزي في تعظيم قدر الصلاة (2/522)، وابن بطة في الإبانة (2/735)، بسند صحيح.
(5) أخرجه ابن جرير في التفسير (10/355)، والمروزي في تعظيم قدر الصلاة (2/522)، وابن بطة في الإبانة (2/735-737)، ووكيع في أخبار القضاة (1/43)، بسند صحيح.
(6) انظر: مسائل السجستاني (209)، ومسائل النيسابوري (2/192).
(7) الإيمان، لأبي عبيد، ص (45).
(8) البحر المحيط (3/492).
(9) الوسيط (2/190).
(10) انظر: مختصر تفسير الخازن (1/310).
(11) المحرر الوجيز (4/456).
(12) تفسير ابن جزي، ص (155).
(13) تيسير الكريم الرحمن (2/296-297).
(14) أحكام القرآن (2/624).
(15) فتح الباري (13/129). ويعني بالصفة الثالثة: الفسق، الوارد في قوله تعالى في السورة نفسها:{ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون}[المائدة:44 ].
(16) الموافقات (4/39).
(17) انظر: تفسير القرطبي (6/190)، وتجد أيضاً في تفسير الطبري (10/346-353)، والدر المنثور (3/87)، شيئاً من تلك الآثار.
(18) انظر: أحكام القرآن للجصاص (2/439)، وفتح الباري (13/129)، فقد نقله عن إسماعيل القاضي في أحكام القرآن، وتفسير الطبري (10/358)، وتفسير أبي السعود (2/64).
(19) أخرجه ابن جرير في التفسير (10/357)، وزاد السيوطي في الدر المنثور (3/87)، نسبته إلى ابن المنذر، وابن أبي حاتم.
(20) انظر: الجامع لأحكام القرآن (6/190).
(21) انظر: تفسير الطبري (10/356-357).
(22) انظر: مختصر تفسير الخازن (1/310).
(23) مختصر تفسير الخازن (1/310).
(24) تفسير الطبري (10/358).
(25) المُفهم (5/117-118).
(26) تفسير أبي السعود (2/64).
(27) أحكام القرآن (2/439).
(28) زاد المسير (2/366).
(29) تفسير القرآن العظيم (3/267).
(30) محاسن التأويل (6/1998).
(31) أي: بالقوانين الوضعية.
(32) مجموع فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم (1/80).
(33) أضواء البيان (2/104).
(34) شرح العقيدة الطحاوية، ص (323-324).
(35) مجموع الفتاوى (3/231).
(36) مجموع الفتاوى (12/465-466).
(37) انظر: المغني، لابن قدامة (10/85-86)، والموافقات، للشاطبي (2/271)، والمحلّى، لابن حزم (10/410-411)، والفصل، له أيضاً (3/293)، والدر النضيد، ص (9)، ونيل الأوطار (6/363)، والكبائر، للذهبي، ص (12)، ومجموع فتاوى ابن تيمية (3/354)، ومنهاج السنة (5/239-240)، ومؤلفات الإمام محمد بن عبد الوهاب، القسم الخامس، ص (25)، و ص (56)، و ص (58)، ومنهاج أهل الحق والاتباع، للشيخ سليمان بن سحمان، ص (56)، والكلمات النافعة في المكفرات الواقعة، للشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب، ص (17)، وصيانة الإنسان، للشيخ محمد بشير السهسواني، ص (445).
(38) الفصل (3/234).
(39) مجموع الفتاوى (18/170).
(40) التمهيد (17/16).
(41) الشريعة، ص (27).
(42) البحر المحيط (3/493).
(43) انظر: المفهم (5/117-118).
(44) تفسير المنار (6/406).
(45) يعني: شيخه الحافظ العراقي -رحمه الله-
(46) فتح الباري (12/210).
(47) فتاوى السبكي (2/588).
(48) الدرر السنية (1/709).
(49) حاشية ابن عابدين (4/224).
(50) (1/480-فتح البر في الترتيب الفقهي لتمهيد ابن عبد البر).

-- د. صادق سليم

التعليقات

  1. يقول الله تبارك وتعالى{و من لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون}[المائدة:44]

    مع أن الآية واضحة ولا غبار عليها … ولكن بعد تفسير الآية الكريمة من السادة والشيوخ الأفاضل …..وبعد أخذ ورد …أصبحت الآية مفادها (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم المؤمنون) وهذا خلاصة ما أرادوا التوصل إليه …

    هذا ما يسمى استحمار الأمة

    فبدلا من نصح الحكام وأمرهم بحكم ما أنزل الله أنتم تزينون لهم كفرهم وظلمهم وفسوقهم وتشجعونهم عليها …. لو كانوا حقا يؤمنون بالله لحكموا بما أنزل ولا يخشون أحدا غيره كما أن بعضهم لن يحكم بما أنزل الله ولو تسوت السماء مع الأرض وبعضهم كفرهم صريح وواضح … فكيف ستتحملون أوزاركم يوم القيامة وأوزار أولئك الحكام وكل من اتبعوكم ؟

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*