الأحد , 11 ديسمبر 2016
الرئيسية » مركز البحوث » ملفات » هل يمكن نزع التطرف ؟

هل يمكن نزع التطرف ؟

هل يمكن نزع التطرّف من الإرهابيين ومن مجنديهم المحتملين؟ تزعم المملكة العربية السعودية، وهي رائدة في جهود إعادة التأهيل، بأن ذلك ممكن. فمنذ العام 2004، مرّ أكثر من 4.000 متشدّد عبر برامج العربية السعودية، وتمّت إعادة دمج الخريجين منها في المجتمع السائد على نحو أكثر نجاحاً بكثير من المجرمين العاديين. وكانت حكومات في أماكن أخرى من الشرق الأوسط وعبر أوروبا وجنوب شرق آسيا قد أطلقت برامج مشابهة من أجل إعادة تأهيل النازيين الجدد، ومتشددي أقصى اليمين، وتجار المخدرات، والإرهابيين الإسلامويين، مشجعة إياهم على نبذ أيديولوجياتهم المتطرفة أو التخلي عن وسائلهم العنيفة، أو كلا الأمرين معاً.

سوف تفعل حكومة الولايات المتحدة حسناً إن هي فهمت أهم مواطن نجاح مثل هذه الجهود وإخفاقاتها، خاصة تلك التي تستهدف الإرهابيين الإسلامويين. ويبقى ذلك مهماً،

أولاً، وكما لاحظ الجنرال ديفيد بترايوس، القائد الأعلى للقيادة الأميركية الوسطى؛ أن الولايات المتحدة “لا تستطيع أن تشق طريقها إلى النصر بالقتل” في سياق الصراع ضد القاعدة والجماعات المرتبطة بها. وعلى الرغم من أن العمل العسكري، خاصة العمل العسكري السري، يظل جزءاً مهماً من الاستراتيجية ضد حركة الإرهاب الإسلاموية، فإن هدف الولايات المتحدة الرئيسي ينبغي أن يكون وقف الحركة عن النمو. إن الإرهابيين لا يقاتلون في ميادين معارك تقليدية؛ إنهم يحاربون من وسط المدنيين، ممّا يزيد من مخاطر الأضرار العرَضية والمصاحبة. وفي حقيقة الأمر، يعمل الإرهابيون الإسلامويون على استفزاز الحكومات التي يعارضونها حتى تستجيب بطريقة تبدو وأنها تثبت رغبة تلك الحكومات في إهانة المسلمين وإيذائهم. وقد أصبحت كلّ من سجون غوانتانامو، وأبو غريب، و”الاعتقال غير العادي” في أعين الشباب المسلم رموزاً لعدائية الولايات المتحدة ونفاقها.

ثانياً: إن لفعالية برامج نزع التطرف الموجهة للإرهابين المعتقلين تأثيرات مباشرة وفورية على أمن الولايات المتحدة القومي. ويصح هذا بشكل خاص فيما يخص المحتجزين في مركز اعتقال خليج غوانتانامو في كوبا. ولأن من الصعب تجميع الأدلة التي يمكن استخدامها ضدّهم في المحكمة، فإن هناك بعض اللاعبين السيئين فعلاً، إلى جانب البعض ممّن لا يتصفون بكل هذا السوء ممّن تم احتجازهم ظلماً، سوف يطلق سراحهم بشكل حتمي. ويمكن لبرامج نزع التطرّف أن تساعد في جعل مثل هؤلاء الأشخاص أقلّ خطورة. هناك حالة عبد الله العجمي، الذي كان قد أعيد ترحيله إلى الكويت في العام 2005 بأمر من قاض أميركي، وبرّأته محكمة كويتية من تهم بالإرهاب، والذي قام فيما بعد بتنفيذ عملية تفجير انتحارية ضد قوات الأمن العراقية في الموصل، وقتلت 13 عراقياً. ولو أنه كان تلقى بعد إطلاق سراحه مساعدة على إعادة الاندماج والمتابعة (بما في ذلك المراقبة والإشراف)، والموجودة حالياً في السعودية فإنه ربما لم يكن ليسافر إلى العراق.

ثالثاً: إن نجاح، أو فشل، برامج منع الإرهاب خارج الولايات المتحدة تظل مهمة جداً لأميركا نفسها. فمن ناحية، يمكن للأشخاص الذين يحملون جوازات سفر أوروبية دخول الولايات المتحدة بشكل سهل نسبياً. وهكذا، يمكن لتواجد الإرهابيين في أوروبا أن يهدّد الأمن القومي الأميركي. ومن ناحية أخرى، يمكن لبرامج منع الإرهاب الحالية المطبقة، على سبيل المثال في هولندا والمملكة المتحدة، أن تكون أنموذجاً للتعامل مع الجماعات المعرضة لخطر الانجرار إلى الإرهاب في الولايات المتحدة، مثل الجالية الصومالية في مينيسوتا، التي تطوّع بعض شبابها للقتال إلى جانب حركة “الشباب”، المنظمة الإسلاموية الراديكالية التي يمكن أن تتحالف مع القاعدة. ومع أن هؤلاء الرجال لا يبدون وأنهم يخططون لشنّ هجمات في الغرب حالياً، إلا أن من المهم التفكير الآن بكيفية دمج الصوماليين في المجتمع الأميركي بشكل أكثر اكتمالاً؛ من أجل تقليل فرص تنفيذهم هجمات في الولايات المتحدة نفسها.

إن القتال ضد القاعدة والجماعات ذات الصلة لم ينته بعد: وكاد نائب وزير الداخلية السعودية يقتل على يد إرهابي متنكر كمتشدّد تائب في شهر آب (أغسطس) 2009؛ وفي شهر أيلول (سبتمبر)، أحبط مسؤولو الحكومة الأميركية مؤامرة في نيويورك ودينفر، والتي اعتقدوا بأنها كانت الأكثر خطورة منذ هجمات 11/9؛ وفي شهر تشرين الأول (أكتوبر)، اعتقلت الشرطة الفرنسية عالماً نووياً يعمل في مفاعل “سيرن”، بالقرب من جنيف، والذي قيل إنه اقترح أهدافاً فرنسية على أعضاء من الجماعة الإرهابية الجزائرية المدعوة “منظمة القاعدة في المغرب الإسلامي”. لكن العنصر الأكثر أهمية على الإطلاق في الحد من الإرهاب على المدى البعيد، سوف يكون النجاح في منع التطوع في الحركات الإسلامية أو البقاء فيها.

الآن هو الوقت المناسب للمحاولة. وقد عملت جهود مكافحة الإرهاب، وبشكل يعتد به، على إضعاف قوة القاعدة في كلّ من أفغانستان والعراق والعربية السعودية، منذ بدأت “الحرب على الإرهاب” في العام 2001. وقتلت الطائرات الأميركية من دون طيار في الباكستان قادة من كبار مسؤولي القاعدة، قاطعة الاتصالات الضرورية بين نواة الجماعات وبين المنظمات التابعة لها والمجندين الجدد. وبينما يدلي بشهادته أمام لجنة مجلس الشيوخ الأميركي الخاصة بالأمن القومية والشؤون الحكومية في شهر أيلول (ديسمبر) الماضي، قال مايكل ليتر، مدير مركز مكافحة الإرهاب القومي، إن مثل هذه الأنشطة كانت “تحبط من حيث الإمكان تلك المؤامرات التي تكون قيد الإعداد”، وإنها “تترك فراغات في قيادات (الحركات المتشددة)، والتي يصبح ملؤها أكثر صعوبة باطّراد”.

ومع أن العواطف المضادة لأميركا تظل قوية، خاصة في الباكستان، فإن شعبية القاعدة تخفت هناك. وتستمر الاستطلاعات بالكشف عن أن العديد من الناس في الدول ذات الأغلبيات المسلمة تشك في أن يكون الهدف من جهود الولايات المتحدة في مكافحة الإرهاب هو حماية نفسها. وفي دراسة أجراها برنامج توجهات السياسة الدولية للرأي العام في العام 2007، في كلّ من مصر وإندونيسيا، والمغرب والباكستان، على سبيل المثال، وجد الاستطلاع أن الأغلبيات في كلّ من الدول الأربع تعتقد بأن هدف واشنطن الأساسي كان الهيمنة على الشرق الأوسط وإضعاف العالم الإسلامي وتقسيمه. ووفقاً لاستطلاع آخر أجراه البرنامج ذاته، والذي أجري في الربيع الماضي، بقيت العواطف المضادة للولايات المتحدة عالية في الباكستان، حيث رأى 80% من المستطلعة آراؤهم أن الضربات الأميركية بالطائرات من دون طيار تظل غير مبررة. كما لاحظ التقرير، في شأن بالغ الأهمية، حدوث “تغير هائل” في التوجهات الشعبية تجاه القاعدة والمتشددين الدينيين الآخرين: حيث قال أكثر من 80% من الباكستانيين المستطلعة آراؤهم إن هذه الجماعات تشكل تهديداً للأمن الوطني -ما شكّل ارتفاعاً قدره 40% نقطة منذ العام 2007. وقد تلطخت سمعة “القاعدة” بوصفها الحارس الأمين ضد الاضطهاد الغربي؛ بسبب مئات الآلاف من المدنيين المسلمين الذين قتلوا بسببها في كلّ من أفغانستان، والجزائر، والعراق، وفي أماكن أخرى منذ بدء “الحرب على الإرهاب”. كما أن الكثيرين من القادة الإسلامويين الذين كانوا قد دعموا القاعدة ذات مرة، بمَن فيهم سيد إمام الشريف، العراب الأيديولوجي للمنظمة، انقلبوا ضدها علناً، كما فعل ذلك الكثير من المسلمين العاديين. وإذا ما كان لنزع التطرّف من المتطرفين الإسلامويين أن ينجح أبداً، فإن هذا الوقت بالذات ربما يكون الوقت المناسب للمحاولة.

لا أعرف الكثير عن الأيديولوجيا

انخرطت للمرة الأولى في جهود نزع التطرف في العام 2005، مباشرة بعد مقتل صانع الأفلام الهولندي “ثيو فان غوخ” على يد متشدد إسلامي. وقد انتدبتني مدينة روتردام للمساعدة في تطوير مفهوم جديد للمواطنية، والذي يمكن أن يشمل الهولنديين الأصليين، وكذلك المهاجرين وأبناءهم؛ وأعرب عمدة المدينة عن قلقه من أن فكرة الجهاد قد أصبحت بدعة شائعة، ليس بين المسلمين الشباب فحسب، وإنما في أوساط المتحوّلين حديثاً إلى الإسلام أيضاً. وفي العام 2007، طلبت إلى شركة متعاقدة مع “قوة المهمات 134″، وهي قوة المهمات المسؤولة عن مراكز الاحتجاز التي تديرها الولايات المتحدة في العراق، طلبت إليّ المساعدة في تطوير برنامج لنزع التطرف لمعالجة 26.000 عراقي محتجزين في معسكر بوكا، ومعسكر كروبر (أغلق معسكر بوكا منذ ذلك الحين). وفي الشتاء الماضي، قمت إلى جانب مجموعة من المحللين والمسؤولين الحاليين والسابقين في الحكومة الأميركية، بزيارة “مركز الرياض للرعاية والإصلاح”، وهو مؤسسة تعمل على إعادة دمج الإرهابيين المدانين في المجتمع السعودي من خلال إعادة تعليمهم دينياً، والتطبيب النفسي، والمساعدة في العثور على عمل. وفي ربيع العام 2009، قمت بزيارة مركز للشباب تدعمه “وحدة التعاقد الإسلامية”، وهي جزء من “الفرع الخاص للشرطة الحضرية في لندن”، والتي تعمل مع قادة المجتمع المسلم هناك، بمَن فيهم الإسلامويون؛ من أجل عزل ومكافحة المؤيدين للإرهاب العنيف.

هذه التجارب جعلت من شيء واحد واضحاً كلّ الوضوح: إن أيّ جهد لإعادة التأهيل يجب أن يكون قائماً على فهم واضح لما يدفع الناس نحو الإرهاب في المقام الأول. ذلك أن حركات الإرهاب عادة ما تظهر في ردة فعل على مظلمة، حقيقية كانت أو متخيلة، والتي يشعر أعضاء الحركة بأنه ينبغي تصحيحها. ومع ذلك، تشكل الأيديولوجيا بالكاد السبب الوحيد، بل حتى العنصر الأكثر أهمية، في اتخاذ المرء قرار الانضمام إلى قضية ما. إن الأسباب التي تجعل الناس يصبحون إرهابيين تظل متنوعة بقدر تنوع تلك الأسباب التي تجعل الآخرين يختارون مهنهم: ظروف السوق، الشبكات الاجتماعية، التعليم، التفضيلات الفردية. وتماماً مثل العاطفة تجاه العدالة والقانون، والتي ربما تدفع بمحام إلى أن لا يعمل في البداية يعمل مع مؤسسة قانونية، فإن حوافز الإرهابيين للبحث عن المعنى في البقاء في “عملهم” أو في تركه تتغير مع الوقت. وتحتاج برامج نزع التطرف إلى أن تأخذ في حسبانها -وأن تستفيد- من هذه التنوعات والتحولات في الحوافز.

لعلّ ممّا يثير الانتباه أن الإرهابيين الذين يزعمون بأنهم مقودون بأيديولوجية دينية غالباً ما يكونون جاهلين بالإسلام. وقد أخبرنا مضيفونا في الرياض بأن الغالبية العظمى من “المستفيدين” من برنامج إعادة التأهيل، كما يصف مديرو البرنامج هؤلاء المشاركين، كانوا قد تلقوا القليل من التعليم الرسمي، وأن لديهم فهماً محدوداً للإسلام فقط. وفي هولندا والأماكن الأخرى في أوروبا، يثور الشباب المسلمون من الجيلين الثاني والثالث ضد نوع الإسلام “اللين” الذي يمارسه آباؤهم، والرائج في المساجد المحلية. وهم يفضلون ما يعتقدون بأنه الإسلام “الأنقى”، الذي لم تفسده الثقافة الغربية، والذي يتم تعليمه عبر مواقع على الشبكة الإلكترونية، ومن أئمّة نصّبوا أنفسهم كذلك من الشرق الأوسط، والمتعلمين بالكاد هم أنفسهم. وعلى سبيل المثال، تتشكل الخلية الإرهابية الهولندية المعروفة باسم “جماعة هوفتساد” وفق ما وصفه ضابط شرطة بأنه نسخة من نوع “قم بالعمل بنفسك” من الإسلام القائم على تفسيرات الأيديولوجية “التكفيرية”، والمأخوذة عن الإنترنت وتعاليم تاجر مخدرات تحول إلى رجل دين.

يشكّل مثل هؤلاء المؤمنين الحقيقيين مرشحين مناسبين لنوع إعادة التعليم الديني الذي تقوم به “قوة المهمات 134” في العراق، وبرنامج السجون لنزع التطرّف في العربية السعودية. وكان مسؤول سعودي قد قال لجماعتنا التي زارت مركز الإصلاح في الرياض في الشتاء الماضي إن السبب الرئيسي للتورط في الإرهاب كان الجهل بالطبيعة الحقيقية للإسلام. ويقوم رجال الدين في المركز بتعليم فكرة أن الحكام الشرعيين في الدول الإسلامية فقط، وليس الأشخاص مثل أسامة بن لادن، هم المخوّلون فقط بأن يعلنوا حرباً مقدسة. وهم يبشرون ضد التفكير النخبوي والقراءة الانتقائية للنصوص الدينية من أجل تبرير العنف. وقال لنا أحد المشاركين في البرنامج: “الآن أصبحت أفهم أنني لا أستطيع اتخاذ القرارات عن طريق قراءة آية واحدة، وإنما يجب عليّ أولاً أن أقرأ السورة كلّها”.

التحيّز والكبرياء

في أوروبا، يصف الشباب المسلمون أنفسهم، وبشكل دقيق غالباً، على أنهم ضحايا للتحيز في مكان العمل وفي المجتمع بشكل أعم. وقد كشفت المسوحات التي أجراها “مركز المراقبة الأوروبية” في العام 2006 حول “العنصرية ورهاب الأجانب (والتي أيّدتها مؤخراً مكتشفات وكالة الحقوق الأساسية)، وهي أحد أجهزة الاتحاد الأوروبي، كشفت تلك المسوحات عن أن الأقليات والمهاجرين في دول الاتحاد الأوروبي تعاني مستويات أعلى من البطالة، ويوجد أعضاؤها أكثر ما يكون في الأعمال المرغوبة أقل ما يمكن، ويتلقون أدنى الأجور. وبعد مقتل فان غوخ، أصبح حتى الهولنديون الأصليون، الذين يفتخرون أصلاً بتسامحهم كما هو معروف، أصبحوا أقلّ تسامحاً بشكل ملحوظ: وبدأوا يجهرون بالشكوى من المعدلات المتنامية من الجريمة في أوساط الشباب من الهولنديين المغاربة، ومن خطاب الأئمة الراديكاليين الدين يبشرون بأن الشذوذ الجنسي هو مرض أو خطيئة. وعندما أدركت، ليس من دون حقّ، أن هذا الانحياز المتنامي تجاه المسلمين ربما يصبح مصدراً للأزمات الاجتماعية، وضعت الحكومات المحلية والمنظمات غير الحكومية برامج مختلفة بهدف دمج المهاجرين الشباب في المجتمع الهولندي الأوسع.

تظل ديناميكيات المجموعات العرقية بأهمية مواطن الألم الاجتماعية ذاتها. وفي بعض الأحيان، ينجذب الشباب إلى الحركات الإرهابية من خلال العلاقات الاجتماعية، والموسيقى، والأزياء، أو نمط الحياة، ولا يعرفون أيديولوجيات الجماعة العنفية وأهدافها بشكل كامل سوى في وقت لاحق. وكانت حركة الشباب، التي أنشأها عضو يدعو نفسه “أبو منصور الأميركي”، والجماعات الأخرى التابعة للقاعدة، قد بدأت باستخدام أغاني “الهيب هوب” المعادية لأميركا أو ما يدعى “الراب الجهادي” في فيديوهات التجنيد؛ وتقوم جماعة “الراب” البريطانية “بلاكستون” وفرقة “جنود الله” الأميركية التي انحلّت، لكنها ما تزال تحظى بالشعبية، تقوم بالترويج لاستخدام العنف ضد “الكفار”. وقد بدا أبناء المسلمين من الجيلين الأول والثاني الذين قابلتهم من خلال إجرائي دراسة حول مصادر التطرف في هولندا، بدوا وأنهم يعتقدون بأن التحدث عن الجهاد هو أمر لا بأس به، بالطريقة نفسها التي يكون عليها حال الاستماع إلى راب العصابات في بعض دوائر الشباب. ولن يتحول معظم هؤلاء الأولاد إلى العنف، بطبيعة الحال، لكن الشاب ما إن ينضم إلى جماعة متطرفة، فإن الجماعة نفسها يمكن أن تصبح جزءاً مهماً من هويته، بل وحتى مجتمعه الوحيد. ولهذا، يتطلب نزع التطرف العثور على مصادر جديدة للدعم الاجتماعي لهؤلاء الشباب. ويتحمل البرنامج السعودي مشاقّ جمة في محاولة إعادة دمج المشاركين في عائلاتهم والمجتمعات التي كانوا ينتمون إليها قبل تحولهم إلى التطرف، عن طريق تشجيع الزيارات العائلية وإشراك المجتمع في عملية متابعتهم بعد إطلاق سراحهم. ويفترض البرنامج، عن حق، أن ديناميكيات الجماعة هي المفتاح للذهاب إلى التطرف، ولنزع التطرف على حد سواء.

ثم هناك الاقتصاد. بالنسبة للبعض، يكون الجهاد مجرد وظيفة أو عمل. ووفقاً لدراسات قام بها الاقتصادي ألان كروغر، الذي يعمل الآن مساعداً لوزير الخزانة الأميركي للسياسة الاقتصادية، وألبرتو عبادي، أستاذ السياسة العامة في جامعة هارفارد، فإنه ليس هناك تعالق مباشر بين انخفاض معدل الناتج القومي الإجمالي والإرهاب. ومع ذلك، يظل الفقراء في البلدان ذات معدلات البطالة المرتفعة أكثر هشاشة أمام التجنيد في الجماعات المتطرفة. ومن بين 25.000 متمرد مشتبه بتورطهم في الإرهاب، والمتحجزين في العراق حتى العام 2007، كان هؤلاء كلهم تقريباً يعملون سابقاً في مهن وضيعة، كما كان 78% منهم عاطلين عن العمل، وفقاً لما أفاد به الميجور جنرال دوغلاس ستون، قائد “قوة المهمات 134” في ذلك الوقت. ولأن هؤلاء المتمردين اتخذوا “وظيفة” مقاتلة احتلال عسكري، ويستهدفون، بشكل نمطي، الجنود أكثر من المدنيين، فإنه يمكن إعادة تأهيل البعض منهم على الأقل؛ لأسباب مفهومة، بمجرد أن تغادر القوات الأجنبية أرض العراق.

 

برنامج تأهيل المعتقلين السابقين لا تضمن عدم عودتهم إلى التطرف

ووفقاً لكريستوفر باوسيك، الخبير في الشؤون السعودية واليمنية في منحة كارنيغي للسلام الدولي، والعامل في اللجنة الاستشارية التي تساعد في إدارة برنامج نزع التطرف في العربية السعودية، فإن معظم المحتجزين هم رجال في العشرينيات من العمر، جاؤوا من عائلات كبيرة من الطبقة الدنيا أو المتوسطة. ويقول باوسيك إنه وفقاً للمسؤولين السعوديين، فإن 25% من الإرهابيين المحتجزين الذين شاركوا في الجهاد كانت لهم سجلات إجرامية سابقة، واتهم نصفهم تقريباً في جنح متعلقة بالمخدرات؛ ولم يكن سوى 5% منهم فقط ممّن يؤمون الصلوات أو ممّن كانت لهم أدوار دينية رسمية. وبالنسبة لمثل هؤلاء الأشخاص، فإن التدريب المهني والمشورة الخاصة بالمهنة ربما يكونان أفضل استراتيجيتين لنزع التطرف -أو أنها استراتيجية لا تقل أهمية عن إعادة التعليم الديني على الأقل.

الأمر كلّه يتعلق بما يدور في الرأس

تظل المسائل النفسية مهمة أيضاً. ولعلّ من أبرز المسائل التي تستحق الفحص بشكل خاص مسألة التأثير الممكن للاستغلال الجنسي على الذهاب إلى التطرف. وكان الكثير قد كتب عن دور المدارس الراديكالية في خلق الإرهابيين في الباكستان والأماكن الأخرى، بعضه في هذه المجلة. ومع ذلك، وخارج الصحافة الباكستانية، فإن هناك القليل من الانتباه يتوجه لحوادث الاغتصاب الروتينية التي يتعرض لها الأولاد في مثل تلك المدارس. كما أنه من المقلق أيضاً تعرّض الأولاد للاغتصاب على أيدي أمراء الحرب، وأفراد الجيش الوطني الأفغاني، أو الشرطة في أفغانستان. وتكون مثل هذه الممارسات المسيئة شائعة أيام الخميس، المعروفة أيضاً باسم “يوم حب الرجال”؛ لأنه ينظر إلى صلوات يوم الجمعة التالي على أنها تطهر الخاطئين من السيئات والخطايا. وكان ديفيد ويتمان، وهو مختص في الأخلاقيات العسكرية في كلية كينغز في لندن، قد كتب تقريراً قال فيه إن بعض الأفراد كانوا يستغلون نقاط التفتيش الأمنية التي يقيمها الجيش والشرطة الأفغانيان لاصطياد الشبان والفتيان الجذابين في ليالي الخميس والاستمتاع بهم. وقد أجبِر السكان المحليون على القبول بهذه الفصول من الحكاية بوصفها أموراً عادية ومتوقعة ضمن مسار الأمور: إنهم لا يستطيعون مجرد تخيل فكرة عدم إطاعة القادة الأفغان مطلقي النفوذ. فهل يمكن أن تكون مثل هذه الأمراض الجنسية النفسية شكلاً من الإهانة التي تسهم في تغذية الإرهاب الإسلاموي المعاصر؟

على نحو مشابه، لا يحتاج المرء إلى قضاء أيام كثيرة في غزة حتى يدرك أن الخوف والإهانة، وهي ثوابت الحياة اليومية هناك، تلعب دوراً ما على الأقل في اتخاذ بعض الفلسطينيين قرارا بأن يصبحوا قتلة-شهداء. وإذا كان يمكن للإرهاب أن يكون مصدراً لتأكيد الذات، فإن مساعدة أتباع المنظمات المتطرفة في تجاوز الإهانة التي مرّوا بها يمكن أن تسهم بالتأكيد في إعادتهم ثانية إلى القطيع. ولتحقيق تلك الغاية، يتضمن برنامج إعادة التأهيل السعودي دروساً في كيفية الإعلاء من شأن الذات وتقديرها.

بعيداً عن مسألة وجود الأمراض الشخصية والنفسية السابقة، لكم أن تفكروا في تأثير نمط حياة الإرهابي على نفسيته. إن التعرض للعنف، خاصة بالنسبة لأولئك الذين يصبحون مقاتلين، يمكن أن يسبّب تغييرات دائمة ومسيطرة في الجسم والعقل. إن الإرهابيين هم “في حالة حرب” دائمة، من منظورهم. وربما يكونون واقعيين هم أيضاً تحت خطر اضطرابات الضغط ما بعد المرضي. وبالإضافة إلى ذلك، ربما يكون أولئك الذين اعتقلوا قد تعرّضوا للتعذيب، وتُركوا حتى مع جروح نفسية أكثر جدية وخطورة. وقد شكل محتجزوا غوانتانامو الذين تمّت إعادتهم إلى العربية السعودية مشكلة حقيقية للحكومة السعودية، على سبيل المثال. وأخبرني أحد خريجي مرفق الرياض، على انفراد وبالسر، أنه على الرغم من تناوله أدوية للعلاج النفسي، والتي ساعدته، إلا أنه ما يزال يعاني من كوابيس مروّعة ويشعر بأنه دائم الاستيقاظ والخوف (وقد زعم بأنه قد تعرض للتعذيب باستخدام كوابل الكهرباء في أفغانستان، قبل نقله إلى غوانتانامو). وسيكون من المهم جداً ضمّ بعض ما يعرفه المجتمع الطبي عن اضطرابات الضغط ما بعد العصابي، ليس لأن الإرهابيين يستحقون التعاطف -إنهم لا يستحقونه- وإنما لأن فهم حالتهم العقلية يظل ضرورياً للحدّ من خطر احتمال عودتهم إلى العنف.

ينضم بعض الأفراد إلى الحركات الإرهابية بسبب العقيدة، لكنهم يتحولون مع الوقت إلى قتلة محترفين. وبمجرد أن يحدث ذلك، فإن المنافع العاطفية، أو الأبوية، التي يوفرها الانتماء إلى المجموعة يمكن أن تتجاوز المنافع الروحية للإيمان. ويعني ذلك أن بعض الإرهابيين ربما يطوّرون أسباباً مقيمة -بل وربما حتى اعتقاداً ملزماً- بمواصلة العنف. ويجب احتجاز مثل هؤلاء الأفراد وقائياً ورمي المفتاح بعيداً، كما تفعل بعض الدول مع المفترسين الجنسيين. أما في الحالات التي يحظر فيها القانون الاحتجاز غير المحدود، فإن الحكومات قد تجد نفسها مجبرة على إطلاق سراح المشتبه بهم. وفي هذه الحالات، سيكون على المسؤولين اختيار، إما تجاهل التهديد الذي يشكله هؤلاء الناس، أو العمل مع حكومات أخرى لتطوير الأدوات اللازمة من أجل خفض فرص استئناف كونهم إرهابيين. وفيما يتعلق بالناشطين من المستويات الدنيا، فإن على الحكومات التفكير بإجراء مقايضات تنطوي على مخاطرة. فمن ناحية، ما هو حجم احتمال عودة المتخرجين من برامج إعادة التأهيل إلى الإرهاب أو ممارسة أشكال أخرى من الجريمة العنيفة؟ ومن ناحية أخرى، هل يكون الإرهابيون المتجسدون الذين يجندون في السجن بين المجرمين العاديين والحرس، أو هل يمكن للاحتجاز الوقائي، أو حتى السجن نفسه، أن يصبح رمزاً لانعدام العدالة والظلم للمجندين المحتملين؟

إعادة التأهيل واحتمال النكوص

بعد المشاركة في مسح أجري في العام 1974 على 231 حالة دراسة في برامج إعادة التأهيل للمجرمين في السجون، كتب عالم الاجتماع روبرت مارتنسون أنه “مع استثناءات قليلة ومعزولة، فإن جهود إعادة التأهيل التي تم الإبلاغ عنها حتى الآن لم يكن لها تأثير يعتد به على احتمال النكوص والعودة إلى الجريمة”. وقد أطلقت هذه الملاحظة حركة “لا شيء ينفع” عبر الولايات المتحدة كلها. لكن الأكاديميين استمروا في دراسة إعادة تأهيل المجرمين، مع ذلك. وهناك الآن إجماع واسع بقدر كاف على أن بعض الإجراءات تنفع فعلاً. وتركز معظم نماذج إعادة التأهيل الناجحة على الحوافز التي تدفع الجناة الأفراد. ويشمل هذا النهج المثالي ثلاثة مكونات: برامج إعادة التأهيل في السجون نفسها، وخدمات لمساعدة المطلق سراحهم على إعادة الاندماج في المجتمع، وخدمات ما بعد إطلاق السراح. وتظل مشاركة المجتمع في خدمات ما بعد إطلاق السراح، بشكل خاص، ضرورية وأساسية من أجل خفض معدلات النكوص والعودة إلى الجريمة.

يختلف الإرهابيون عن المجرمين العاديين بطرق عديدة، بطبيعة الحال، لكن من الجدير بالملاحظة، وفقاً للحكومة السعودية، أن برنامجها لنزع التطرف -الذي يعتمد على برامج إعادة التأهيل داخل السجن، والخدمات الانتقالية، وخدمات ما بعد إطلاق السراح- كان ناجحاً بشكل فوق عادي. ومع أن الحكومة السعودية لم تكشف عن العدد الكلي للأشخاص الذين أكملوا البرنامج، إلا أن المطاف انتهى بحوالي 11 منهم وقد أصبحوا على رأس قائمة أخطر المطلوبين للحكومة بحلول العام 2009. ومع ذلك، ووفقاً للإحصائيات الرسمية، فإن معدل الارتداد والنكوص بقي بين 10-20%، وهو أقل بكثير من المعدل المماثل بين المجرمين العاديين. ومن أجل تكوين فهم أكثر اكتمالاً لما ينفع وما لا ينفع في جهود نزع التطرف، سيكون من المهم أن تتيح الحكومة السعودية للأطراف الخارجية مدخلاً أكبر إلى تفصيلات البرنامج والإحصائيات المتعلقة به.

أما وقد قيل ذلك، فإن بعض سمات البرنامج السعودي الرئيسية، وبالتالي نتائجه، ربما تكون صعبة التكرار في الأماكن الأخرى. إن البرنامج مكلف للغاية؛ ويتم تحديثه باستمرار، بمعايير المدخلات من الكادر والمشاركين. وهو يشتمل على استشارات نفسية، وتدريب مهني، وعلاج فني، ورياضة، وإعادة تعليم ديني. ويعطى لمعتقل غوانتانامو السابق المتخرج من البرنامج منزلاً، وسيارة، ونقوداً من أجل الزواج -بل وحتى المساعدة في العثور على زوجة، إذا لزم الأمر. ويتلقى هؤلاء الخريجون مساعدة في العثور على عمل لهم ولعائلاتهم. وهناك برنامج كثيف لما بعد إطلاق السراح أيضاً، والذي يشتمل على المراقبة الكثيفة. أما الفلسفة التي تكمن وراء هذه الجهود، كما أوضح قادة البرنامج، فهي أن الجهاديين ضحايا، وليسوا أشراراً، وهم بحاجة إلى مساعدة محسوبة -وهي وجهة نظر ربما لا تكون مقبولة في الكثير من البلدان.

هل يمكن لعناصر من هذا البرنامج أن تكرر، مع ذلك، في أماكن أخرى. كانت حكومة الولايات المتحدة تحاول إقناع الحكومة السعودية بالمساعدة في إعادة دمج 97 مشتبهاً به من اليمنيين في المجتمع السعودي، ممّن ظلوا في غوانتانامو في شهر تشرين الأول (أكتوبر) 2009. ووفقاً لبنيامين وايتيس من معهد بروكنغز، فإن هؤلاء اليمنيين “يضمون الكثيرين من أسوأ الأسوأ”. ويضيف وايتيس أن إعادة ترحيلهم إلى اليمن ليست خياراً جذاباً؛ بسبب هشاشة الدولة اليمنية وسجونها المشهورة بقابليتها للتسريب: كان 10 من المشتبه بتورطهم في الإرهاب قد فرّوا من السجون اليمنية في العام 2003. وفي العام 2006، فرّ 32 آخرون من السجن. ولأن برنامج العربية السعودية يعتمد على الأقارب لمراقبة سلوك المحتجزين بمجرد إطلاق سراحهم، فإن باوسيك، من منحة كارنيجي للسلام الدولي، يصف عرض الولايات المتحدة إرسال اليمنيين إلى برنامج السعودية، بأنه “فكرة سيئة إلى حد كارثي”، إلا إذا كان للمحتجزين أقارب في السعودية. ويفضل باوسيك منح مساعدة أميركية لإنشاء برنامج جديد في اليمن، والذي يتم تصميم أنموذجه، جزئياً، وفق البرنامج المطبق في العربية السعودية.

لوح العبور

يتضمن جعل الفرد متطرفاً أو نزع التطرف منه، نمطياً، خطوات متعددة، بما فيها حدوث تغييرات في القيم وتغييرات في السلوك. ولا تسبق التغييرات في القيم بالضرورة تلك التغييرات في السلوك، كما وجد جون هورغان، مدير المركز الدولي لدراسة الإرهاب في جامعة ولاية بنسلفانيا. إن الأفراد ينضمون غالباً إلى الجماعات المتطرفة بالطريقة ذاتها التي ربما ينضمون بها إلى العصابات -من خلال الصلات الاجتماعية، أو لكسب حسّ بالانتماء- وهم لا يكتسبون وجهات النظر المتطرفة سوى في وقت لاحق. وتقترح الأدبيات المكتوبة عن العصابات، من جهتها، أن الوقت الأكثر إنتاجاً ومناسبة للتدخل في هذه العملية هو قبل انضمام الفرد إلى المجموعة.

اتكاء على هذا الفهم، وإلى جانب مشاريعها لنزع التطرف، تقوم العديد من الحكومات بابتكار برامج لاجتثاث شأفة التطرف جملة وتفصيلاً. وتساعد برامج الشباب التي طوّرها معهد التطور متعدد الثقافات (المعروف أيضاً باسم: المنتدى)، تساعد الكبار والبالغين الشباب في البلاد على مقاومة التطرف والتجنيد في الجماعات الإرهابية عن طريق تشجيعهم على “التعبير عن خيبات أملهم الممكنة وشعورهم (المبرر) بالاستثناء والإقصاء بطرق سلمية وديمقراطية، وتحثهم على تحويل مكامن خوفهم الأصيلة إلى نشاط اجتماعي إيجابي”. ويركز “المنتدى” على “مشكلة الأحياء”، خاصة تلك الأحياء الإثنية ذات مستويات البطالة المرتفعة.

تدير الحكومة السعودية أيضاً برنامجاً للوقاية من الإرهاب، والذي يراقب القادة الدينيين، وأساتذة المدارس، والمواقع الإلكترونية. وقد اعتقلت مؤخراً 5 أفراد بسبب ترويجهم أنشطة متشددة على الإنترنت، وتجنيدهم أشخاصاً للسفر إلى الخارج من أجل ما وصفته الحكومية بأنه “غايات غير مناسبة”. وفي الأثناء، تقوم الحكومة أيضاً بدعم منظمة غير حكومية تدعى “حملة السكينة”، التي تساعد مستخدمي الإنترنت الذين زاروا مواقع متطرفة على التفاعل مع مفكرين إسلاميين يتمتعون بالشرعية عبر الشبكة الإلكترونية، بأمل تحويل وجهتهم بعيداً عن التطرف.

بعض هذه المشاريع ربما تخدم كأنموذج، أو على الأقل كمصدر إلهام؛ للقيام بجهود مشابهة في أماكن أخرى. ويجب على واشنطن دراستها، حتى ولو أن الولايات المتحدة ظلت حتى الآن محصنة نسبياً من نوع الإرهاب الإسلاموي النامي في الوطن الذي ضرب ألمانيا، وإسبانيا، والمملكة المتحدة، ودولا أوروبية أخرى. وربما يكون ذلك ناجماً عن كون المسلمين الأميركيين يميلون إلى أن يكونوا أكثر اندماجاً في المجتمع الأميركي، ويميلون إلى أن يكونوا أكثر تعليماً ويشغلون وظائف أعلى مستوى من تلك التي يشغلها الأميركي المتوسط. وفي السنوات القليلة الأخيرة، مع ذلك، عمد عدد قليل من المهاجرين الصوماليين الذين كانوا قد استقروا كلاجئين في الولايات المتحدة، خاصة في مينيسوتا، إلى الانضمام إلى حركة الشباب في الصومال. (كان أحدهم أول أميركي معروف يتحول إلى مفجّر انتحاري). لكن لدى هؤلاء المهاجرين الأقل من المشترك مع المسلمين الأميركيين الآخرين، والأكثر من الشبه مع الباكستانيين في المملكة المتحدة والمغاربة في هولندا، ممن يواجهون التمييز ضدهم في المدارس وفي سوق العمل. وعلى عكس الموجات السابقة من المهاجرين المسلمين إلى الولايات المتحدة، وصل هؤلاء الصوماليون مع معرفة قليلة بالإنجليزية أو بالولايات المتحدة. ونتيجة لذلك، واجه هؤلاء صعوبة في الاندماج بالمجتمع الأميركي. ووفقاً لآخر الإحصائيات السكانية، يعاني الصوماليون الأميركيون من أعلى معدلات البطالة بين مجتمعات شتات شرق إفريقيا في الولايات المتحدة، ولديهم أقل معدل من خريجي الجامعات.

يمكن لمسؤولي الولايات المتحدة الذين يصمّمون البرامج الاجتماعية للشبان الأميركيين- الصوماليين أن يتعلموا، ليس فقط من الجهود السابقة المضادة للعصابات في الولايات المتحدة، وإنما أيضاً من تجارب بعض الحكومات الأوروبية، ومن جهود تلك الحكومات لتحويل وجهة المهاجرين ذوي المنجزات الأدنى بعيداً عن العصابات والجماعات الإرهابية. وكجزء من هذه الجهود، يبقى من المنطقي جداً دعم جهود الناشطين المسلمين المناهضين للفكر الجهادي. لكن هذه الخطوة تظل منطوية على المجازفة أيضاً. إن الجماعات المناهضة للأصولية، والتي تحصل على دعم رسمي تخاطر بأن يُنظر إليها، لا على أنها تعارض العنف فقط، وإنما على أنها تعارض الإسلام نفسه أيضاً. وكانت “مؤسسة كويليام”، وهي مؤسسة فكرية أنشأها عضوان سابقان في منظمة حزب التحرير الإسلامية، قد تلقت حوالي مليون جنيه إسترليني من الحكومة البريطانية -وفقدت الصدقية بين المسلمين العاديين.

لكن هناك مؤشرات على الأمل: لقد استطاع حنيف قادر، إلى جانب أخيه وعضو سابق في عصابة محلية، إنشاء “موسسة التغيير النشط” في العام 2003، وهي منظمة تدير مركزاً للشباب وقاعة للرياضة في والثام فوريست، وهي منطقة متعددة الأعراق وموبوءة بالعصابات في جنوب لندن، وتحظى بدعم البوليس الحضري. وقد أخبرني قادر أن القاعدة كانت قد جندته في العام 2002، وأنه كان في طريقه إلى أفغانستان متوقعاً أن يقاتل، حين غيّر رأيه بعد سماعه بأن المتطوّعين كانوا يستخدمون كدروع، وفي أكثر المواضع خطراً.

والآن، كما شرح لي، أصبح يشجع الشباب على التعبير عن غضبهم من إساءة معاملة المسلمين في العراق وفلسطين والأماكن الأخرى، من خلال توجيه هذا الغضب باتجاه النشاط السياسي السلمي. وبما أنه كان متورطاً في العصابات أو في الجماعات المتطرفة نفسها، فإن قادر يعرف، مع قادة البرنامج الآخرين، طبيعة تكوين المجتمع المحلي جيداً. أما طموح المؤسسة، كما يلخصه قادر، فهو أن “تعمل من خلف ‘جدار الصمت’” مع الناس الذين همّشهم المجتمع البريطاني السائد.

يستمر الإرهاب بأن يشكل تهديداً خطيراً للمدنيين في كل أنحاء العالم. وإذا كان بالوسع قتل كلّ إرهابي أو أسره وإبقاؤه مسجوناً إلى ما لا نهاية، فإن العالم سيكون مكاناً أكثر أمناً. لكن هناك محدّدات لهذا الأسلوب. وفي أغلب الأحيان، يكون الدليل الوحيد الذي يشير إلى الإرهابيين المقبوض عليهم غير قابل للاستخدام في المحكمة، وسوف يتم إطلاق سراح بعض الإرهابيين بشكل حتمي إذا تمت إعادتهم إلى بلدانهم الأصلية. كما أن الأيديولوجية المدمرة التي تغذي حركة القاعدة تنتشر حول الكوكب، بما في ذلك البلدات الصغيرة في أميركا في بعض الحالات. وربما لا يكون المتحمّسون الذين يسترشدون بتأويل القاعدة المشوّه للإسلام، قادرين على تنفيذ ضربات من نوع هجمات 11/9، لكن بوسعهم مع ذلك ترويع الأمة.

إن الإرهاب ينتشر، في جزء منه، من خلال الأفكار السيئة. ولعل أكثر الأفكار السيئة خطورة وأكثرها تدميراً، والتي تنتشر حول العالم اليوم، هي نوع من التأويل المشوّه والمدمّر للإسلام، والتي تؤكد أن قتل الأبرياء هو وسيلة لعبادة الله. ولهذا، يجب أن يأتي جزء من الحل من داخل الإسلام نفسه، ومن جهة المفكرين الإسلاميين الذين يستطيعون تفنيد هذه الأيديولوجية باستخدام الأسانيد القائمة على علوم الدين والأخلاق. لكن الأفكار السيئة لا تمثل سوى جزء من المشكلة فحسب. إن الإرهابيين يتغذون ويتطفلون على المواطنين المتسمين بالهشاشة -على الناس الذين يشعرون بأنهم مهانون وضحايا، أو الذين يجدون لأنفسهم الهوية عن طريق الانضمام إلى الحركات المتطرفة. ويجب أن تضم ترسانات الحكومات ضد الإرهاب أدوات لتقوية مقاومة السكان الضعفاء. ويجب أن تكون هذه الأدوات أكثر قرباً إلى البرامج المصمّمة ضد العصابات وبالدبلوماسية العامة من قربها إلى الحروب.

———————————————————————–
نشرت هذه الدراسة باللغة الإنجليزية في مجلة “فورين أفيرز”، المجلد 89، العدد 1، إصدار شهري كانون الثاني (يناير) وشباط (فبراير) 2010، تحت عنوان:Mind Over Martyr: How to Deradicalize Islamist Extremists، (ص:95-108).

-- جيسيكا ستيرن

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*