السبت , 10 ديسمبر 2016
الرئيسية » مركز البحوث » ملفات » كلمة توجيهية للدعاة وطلبة العلم بشأن الأحداث

كلمة توجيهية للدعاة وطلبة العلم بشأن الأحداث

في كلمة توجيهية لطلبة العلم والدعاة قال معالي وزير الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد الشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ – حفظه الله-: ([1]) .

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمد بن عبد الله رسوله وصفيه وخليله، أرسله الله بين يدي الساعة بشيرًا ونذيرًا، مبشرًا بالجنة لمن اتقى الله جل وعلا، وأطاع الرسول صلى الله عليه وسلم ومنذرًا ومخوفًا من عذاب الله والنار لمن خالف أمر الله جل وعلا وعصى الرسول عليه الصلاة والسلام سائلاً الله أن يجعل الجميع ممن من عليه بالبصر النافذ عند حلول الشبهات، وبالعلم النافع الذي هو للقلوب حياة ومدد، ولهذا جعل الله – جل وعلا – الوحي في القرآن ممثلاً بالماء؛ لأن به حياة القلوب؛ ولأن به صحة النظر والإدراك عند حلول وظهور المشتبهات.

إن مقتضى هذا اللقاء هو التواصل الذي هو قائم على العناية والتشاور ما بين طلبة العلم والدعاة، والوعاظ، والمرشدين، والمسؤولين عن ذلك كله، وأيضًا اقتضاه ما جد في زمن أراد الله به وقدر أمورًا ضخمة كبيرة مبتدؤها ومنتهاها أثره عظيم على الناس، وعلى هذه الأمة بخصوصها.

إن الواجب على أهل الإيمان بعامة، وعلى طلبة العلم، والدعاة والمرشدين والوعاظ والمسؤولين عن الأمور الدينية بخاصة أن يكونوا قدوة للناس حين تحدث الحوادث، وتختلط الأمور، ولنا في سلفنا الصالح الأسوة الحسنة، فإنهم رحمهم الله من تابعين، ومن بعدهم، والصحابة قبلهم أيضًا كلما أتت الفتن، أو تقلبت الأمور أوصوا فيها بما هو الحق، البعيد عن طرفي الغلو والجفاء، وهذا أصل من أصول أهل السنة والجماعة كما هو معلوم، أنهم أهل وسطية في الأمور، ليسوا مع أهل الغلو في غلوهم، وليسوا مع أهل الجفاء في جفائهم، وليسوا مع أهل الخوف حين يخاف الناس إلا من الله جل وعلا، وليسوا مع أهل الأمن من مكر الله – جل وعلا – حين يأمن الناس ويكونون في دعة.

وهذا كما وصف عمر بن عبد العزيز – رحمه الله – الصحابة وسادات التابعين بقوله: ( إنهم على علم وقفوا وببصر نافذ كفوا ) ([2]) .

حين نقول: إنه يجب على طلاب العلم أن يتعرفوا على منهج السلف عند تقلب الأحوال والدهر، والله – جل وعلا – يبتلي عباده، لا بد أن نرجع إلى منهج السلف متعرفين على هذا المنهج، متفقهين في الكتاب والسنة؛ لأن هذا فيه النجاة، وهذا أصل أصيل لا شك فيه.

إن هذه التقلبات التي حصلت، تسمعون الكلام الذي تكلم الناس فيه، وقد تكلم فيه من ينتسب إلى الإسلام، وتكلم فيه المسلمون بجميع طبقاتهم من علماء، ومن دعاة، ومن متحمس، ومن متعجل على أصناف الأقوال التي قيلت.

وتكلم فيه أصحاب الإرجاف من أصحاب القنوات الفضائية المختلفة التي يخشى على من أدمن النظر إليها، والمتابعة فيها أن ينحرف عن المنهج إلا إذا كان قوي الصلة بالقرآن والسنة، وبمنهج السلف الصالح، وهذا يتطلب مني أن أذكر لكم، وأن أتشاور معكم، وأبحث معكم في ذلك، مبتدئًا بأصول مهمة من نصوص الكتاب والسنة ومنهج السلف، وهدي العلماء في هذا الأمر العظيم:

أما الأصل الأول: فإن المسلم يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، والقضاء والقدر ماضيان، ولكن قضاء الله – جل وعلا – وقدره مرتبط بالعلل، العلل الكونية، والعلل الشرعية، فيصيب الله – جل وعلا – أمة الإسلام بسبب ذنوبها تارة، وابتلاءً واختبارًا تارة، ويصيب الله – جل وعلا – أيضًا الأمم غير المسلمة، أو أمة منها، أو طائفة منها يصيبها بما يصيبها عقوبة تارة لما هي عليه من مخالفة لأمر الله – جل وعلا-، أو لتكون عبرة لمن اعتبر، أو يكون فيها ابتلاء للناس هل ينجون أو لا ينجون؟ قال تعالى: )فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ ( ([3]) وهذا في العقوبات التي أصيبت بها الأمم، العقوبات الاستئصالية العامة، وكذلك العقوبات التي يكون فيها نكاية، أو يكون فيها إصابة لهم.

إن هذا الأمر مما يحصل مرتبط بالتعلل بعلل، ومن معتقد أهل السنة والجماعة، أن القضاء من الله – جل وعلا-، معلل بعلل كونية وعلل شرعية نعلمها، وهذا ظاهر في الحال.

وهناك أمر آخر متعلق بهذا الأصل وهو: أن الأمة الإسلامية أيضًا والمسلمين يبتلون بهذه الأمور، وهذا الابتلاء لينظر في الأمر من يرجع فيه إلى أمر الله – جل وعلا – معتصمًا بالله، متجردًا، متابعًا لهدي السلف، ممن تصيبه الفتنة قلت أو كثرت، فهو ابتلاء عظيم من أنواع الابتلاء للأمة، والأمة يبتليها الله – جل وعلا – بالتفرق فرقًا، وأن تكون أحزابًا وشيعًا إذا تركت أمر الله – جل وعلا -.

يدل على ذلك ما قصه الله – جل وعلا – علينا من خبر الأمم التي قبلنا، فمن ذلك قوله تعالى: )وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ ( . ([4])

كان عندهم العلم النافع، ولكن تفرقوا لا بسبب عدم وجود العلم النافع، ولكن بسبب بغي بعضهم على بعض، وعدم رجوعهم إلى هذا العلم العظيم الذي أنزله الله – جل وعلا – تفرقوا في العمل، وتركوا بعضه.

ومنهم الذين اتبعوا المتشابهات، قال الله – جل وعلا – في شأنهم: )فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ( ([5]) فأثبت وجود الزيغ في قلوبهم أولاً، ثم باتباع المتشابه ثانيًا، ولذلك جاء مرتبًا (بالفاء).

ففي النصوص ما يشتبه، لكن من في قلبه زيغ يذهب إلى النص فيستدل به على زيغه، وليس فيه مستمسك له في الحقيقة، لكن وجد الزيغ فذهب يتلمس له، وهذا هو الذي ابتلي به الناس في زمن الصحابة، وفي زمن التابعين حصلت فتن كثيرة في هذا الأمر وصلت حد القتال والملاحم، مما هو معلوم في التاريخ والسير.

إن ما جرى لهذه الأمة أيضًا ابتلاء عظيم، فهل ترجع إلى الأصل الأصيل، وهو كتاب الله – جل وعلا – وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وهدي السلف الصالح، وكلام أهل العلم الراسخين فيه؟ أم أنها لسبب عدم رجوعها إلى العلم يحصل في قلبها زيغ فتتبع المتشابه، فالمسألة ابتلاء كبير في هذا الأمر العظيم.

الأصل الثاني: أن كل مسلم، وأهل العلم والدعاة بخاصة، في قلوبهم العقيدة التي هي أغلى عليهم من كل شيء؛ لأنها سبب النجاة، ومن معتقدنا تحقيق الشهادتين شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، بل هذا أساس المعتقد، وفيها موالاة الله – جل وعلا – ورسوله صلى الله عليه وسلم والدين، والبراءة من الكفر والشرك، وهذا يستلزم عقد الموالاة بين أهل الإيمان.

وهذا الأصل وهو عقيدة الولاء والبراء يجب على كل مسلم أن يستمسك بها؛ لأنها أساس دينه وأساس الملة، لكون النبي صلى الله عليه وسلم كان محققًا لها وهو في مكة، وكان محققًا لها وهو في المدينة، فكان محققًا لها عليه الصلاة والسلام، وهو الأسوة والقدوة في كل أحواله.

وفي قصة الحديبية لما أتى النبي صلى الله عليه وسلم مريدًا مكة وجاءه المشركون، وهم في ذلك الوقت أضعف، فأرادوا من النبي صلى الله عليه وسلم أن يرجع، وحصل بينه وبينهم عهد غليظ أقره عليه الصلاة والسلام، حتى إنه كان فيه “إنه من يأتينا (أي: من يأتي أهل الإسلام) من المسلمين يرجع إليهم، ومن يأتهم منا فلا يرجع إلى المسلمين”، وهذا استنكره عمر رضي الله عنه وقال: يا رسول الله! ألسنا على الحق وهم على باطل؟ قال: “بلى” قال: فعلام نقبل الدنية في ديننا ([6]) فكان الحق ما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم وعمل به الصحابة ([7]) .

قال – جل وعلا – في شأن بعض المسلمين: )وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ ( ([8])

قال ابن كثير – رحمه الله – في التفسير: وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ هؤلاء الأعراب، الذين لم يهاجروا في قتال ديني، على عدو لهم فانصروهم، فإنه واجب عليكم نصرهم؛ لأنهم إخوانكم في الدين، إلا أن يستنصروكم على قوم من الكفار: )بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ ( ، أي: مهادنة إلى مدة، فلا تخفروا ذمتكم، ولا تنقضوا أيمانكم مع الذين عاهدتم، وهذا مروي عن ابن عباس رضي الله عنهما. ([9]) .

ولذلك يجب الاستمساك بهذا الأصل، ومعرفة أن كماله هو الرجوع إلى هدي النبي صلى الله عليه وسلم في أحواله كلها، فالنبي صلى الله عليه وسلم وصحابته كانوا هم القدوة، والأساس في الولاء والبراء، وهم في مكة، وكانوا هم القدوة وهم في المدينة، وفي جميع الأحوال، وهذه مسألة يجب على الدعاة أن ينظروا فيها، وليس دائمًا الأشد والأغلظ في كل زمان ومكان هو المحقق لمعتقد الولاء والبراء.

وتفاصيل الكلام في هذه المسائل لا يطرح على العامة، سواء في الخطب أو في الوسائل المختلفة، وإنما يبحثه العلماء.

قال الشيخ العلامة عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب: (وخضتم في مسائل من هذا الباب – كالكلام في الموالاة والمعاداة والمصالحة والمكاتبات، وبذل الأموال والهدايا والحكم بغير ما أنزل الله عند البوادي ونحوهم من الجفاة – لا يتكلم فيها إلا العلماء من ذوي الألباب، ومن رزق الفهم عن الله وأوتي الحكمة وفصل الخطاب). اهـ ([10]) .

إن العلماء من جميع الأمصار من أهل العلم والفقه والنظر الصحيح أجمعوا على أن إزهاق الأنفس بغير حق مخالف لهذه الشريعة، وأن الاعتداء على الأنفس المعصومة سواء كانت عصمتها بالإسلام، أو كانت عصمتها بالعهد والأمان، مخالف لشريعة الإسلام، بل مخالف لكل الشرائع التي جاءت من عند الله – جل وعلا -.

والعقلاء أيضًا يتفقون على هذا، لهذا حصل ما تعلمون من نفي أن يكون ما حصل في أمريكا من الاعتداء موافقًا للشريعة أو أنها تقره، أو أنه يرضاه الإسلام، أو أهل الإسلام: )إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ( ([11]) .

ويجب على الجميع النظر في هذا الأصل نظرًا بالغًا، وقد قال – جل وعلا-: )وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى ( ([12]) .

وإن أمريكا قادرة على أن تعطي أهل الحق حقهم، ثم هي لم تعط للمسلمين في فلسطين الحق الثابت لهم، وهذا أيضًا مخالف لشرائع الله – جل وعلا – جميعًا، لأن الله تعالى يأمر بالعدل، وينهى عن البغي.

إن العدل مطلوب من المسلم ومن غير المسلم، والعدل مأمور به في كل حال، ولا بد من التعامل على أساس إحقاق الحق وإبطال الباطل.

إن الظلم والعدوان على المسلمين في فلسطين، والإرهاب الذي يمارسه العدو اليهودي عليهم، وكثرة القتلى والجرحى فيهم لمدة سنة كاملة نمط من التساهل الأمريكي مع قضايا المسلمين.

إننا في ذلك ننطلق من شريعتنا، وهذا أمر بين ظاهر، فلا نجعل هذا الأمر يزيد عن الحد، ونذهب إلى أمور غير مقبولة من التكفير، ومن إساءة الظن بعلماء المسلمين وولاة أمورهم، وتحميل الأمور فوق ما تحتمل.

ولا بد من الحذر من اللوبي العالمي الإعلامي الذي يعتبر مصدر المعلومات التي تنشرها القنوات الفضائية، وعلى المسلمين أن يقفوا وقفة تأمل ما الذي يراد شحنه في نفوس أهل الإسلام حتى يوصل إليه؟ والحذر الحذر أن يقع بأس الأمة بينهم فتنشب الأمة في نفسها، وكل بلد تكون فرقًا وأحزابًا ليبغي بعضها على بعض، ويقتل بعضها بعضًا، ولذلك فإنه بالتوسط الذي هو معتقد أهل السنة والجماعة، والتأني والرفق تدرك الأمور.

الأصل الثالث: أننا واثقون بوعد الله – جل وعلا -، لأن وعد الله تعالى لا يرد ولا يتخلف، وقد قال – جل وعلا -: )هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا ( ([13]) .

فدين الإسلام انتشر في السنوات الأخيرة انتشارًا بينًا، وصارت الأعمال الإسلامية من إنشاء المساجد، والدعوة وتبيين معالم الدين في العالم كله لها صوت كبير وقوي، وهذه البلاد بخاصة كان لها بتوجيهات ولاة أمورنا وفقهم الله – جل وعلا – لكل خير، النصيب الأكبر من حمل الدعوة الإسلامية إلى الغرب وأوروبا، وأمريكا، وإلى مشارف الأرض ومغاربها، وهذا يعني أن المحافظة على نشر هذا الدين أصل من الأصول العظيمة، لأنه جهاد دائم ماض، وهو جهاد الحجة والبيان.

إن هذا الحدث قلب الأمور، وقد يكون من آثاره في الصد عن الدعوة وعن الدخول في دين الله تعالى، ما الله به عليم، لكن يجب علينا الثقة بوعد الله – جل وعلا – وحسن الظن به سبحانه، وأن نمضي في دعوتنا بعيدين عن أهل الغلو في غلوهم، وعن أهل الجفاء في جفائهم، نحن أمة وسط، نرشد، ونعلم ما ينفع الأمة ولا يضرها.

الأصل الرابع: أن يحذر دعاة الإسلام من أن يكون أحدهم ممن يقذف حجرًا بسبب فرقة هذه الأمة، لأن هذا أعظم، فإيغار الصدور في داخل بلاد الإسلام بكثرة الطرق عليها عبر وسائل الإعلام المسموعة والمقروءة والمرئية، ثم يأتي دعاة الإسلام فلا يوجهون الناس إلى ما ينفعهم، بل يزيدون على نفس الوتيرة التي تقولها القنوات لجعل النفوس تغلي، تارة باسم الولاء والبراء غير المنضبط شرعًا، وتارة دعوة للجهاد في سبيل الله، وأخرى بغير ذلك، فهذا كله يشحن النفوس دون توجيه صحيح فيما ينفعها، والنتيجة هي أنها ستتشاحن وتتفرق.

إن جر المعركة إلى داخل البلاد الإسلامية، أمر جلل عظيم، سوف يكون كل بلد فيه مصيبة، وسوف يترك الناس يتطاحنون، مثل ما حصل في أفغانستان في نفسها، عندما انتهت الحرب مع الاتحاد السوفيتي، وطحن بعضهم بعضًا، وبقيت الخلافات، ولم يجتمع الأفغان على ولاية واحدة حتى الآن، هذا لا يقر لهذا، وهذا لا يقر لهذا، وإن كان هناك ولاية أغلبية حصلت، لكن ليس هناك اتفاق من الجميع بل فيه تنازعات وقتل، وحتى حصل قتل الكثير من زعماء الفرق والفصائل الموجودة.

فلهذا واجب على كل داعية من دعاة الإسلام وكل مرشد وواعظ، وعلى كل طالب علم أن يحافظ على حماية بيضة المسلمين، وعدم تفرقهم بعد اجتماعهم على ولاة أمرهم؛ لأن في هذا من تحقيق المصالح ودرء المفاسد الشيء الكثير، ويفوت الفرصة أو الغرض على أعداء الإسلام ممن يتربصون الدوائر بهذه الأمة.

وعلى الدعاة الانتباه والحرص في كلماتهم على ما ينفع الناس، والحذر من شحن النفوس، وهم لا يعرفون ما ستكون الأبعاد لهذا الشحن الذي قد لا يكون منضبطًا بالضابط الشرعي، فإرشاد الناس، أو بيان الواقع يحصل إذا كانت النفوس خالية من الشوائب والآثار السلبية، لكن إذا كانت النفوس مليئة، وذلك بسبب جلوس الناس أمام هذه القنوات، يسمعون منها ليلاً ونهارًا، فيأتي الداعية الخطيب، ويشعلها زيادة، أين سيتجه الناس؟ ليس ثمة اتجاه إلا إلى زيادة ما في النفوس من اختلافات، وسوء ظن وترك الجماعة، لأن الناس اليوم يختلفون عن ذي قبل.

فالحذر من أن يدعو الداعية إلى ما يضر الناس ولا ينفعهم، وفي عهد صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم في زمن علي ومعاوية – رضي الله عنهما- حدثت وقعة “صفين” ووقعة “الجمل”، ومما سطره أئمة الإسلام في معتقد أهل السنة والجماعة، أن هذه الحروب التي دارت بين الصحابة ليس الصحابة طرفًا فيها، فالصحابة وجدوا أنفسهم يتقاتلون وهم لم يشعروا ([14]) ؛ لأن الخوارج أشعلوها كما ذكره العلماء في كتب المعتقد ([15]) وقد ذكره شيخ الإسلام في مواضع، وبين من خلالها كل ما يتعلق بهذه الفئة من المعتقدات، وما أحدثوه من الفتن والشرور بين أبناء الأمة الإسلامية ([16]) وذكره شارح الطحاوية ([17]) .

فالخوارج سعوا بين الطرفين، ليقع هذا، فسعوا هنا بشيء، وسعوا هناك بشيء آخر، ليحدث القتال فيتقاتل الصحابة ويعلو ما يزعمونه حقًا من رفع راية ظاهرها حق وباطنها باطل، وهي: لا حكم إلا لله ([18]) .

فتقاتل الصحابة في أعظم مصيبة في التاريخ الإسلامي، وصار من عقائدنا: سلامة ألسنتنا وقلوبنا من الغل، والنيل ممن حصل بينهم القتال، وما أشبه الليل بالبارحة، فالنفوس إذا زادت وزادت فإنه يحصل من فئة إما بإدراك أو بغير إدراك، إما بقصد أو بغير قصد أن توقع الناس في صراعات ومقاتل ومعارك وهم لا يشعرون، ولن ينتبهوا إلا إذا وقعت، وإذا وقع السيف فمتى يرفع؟ الحذر…. الحذر… من هذا الأمر والتنبه واليقظة إلى هدي السلف، وإلى الفتن والمقاتل التي حصلت في ذلك.

الأصل الخامس: أن الجهاد في سبيل الله – جل وعلا – من صفة هذه الأمة، كما ذكره سبحانه في كتابه، وبينه النبي صلى الله عليه وسلم في سنته قولاً وفعلاً، وله أحكام مدونة في كتب العلماء والتفاسير وشروح الأحاديث، فالله – جل وعلا – يقول: )وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا * فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ ( ([19]) .

وجاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم كما في الحديث الصحيح المعروف، يستأذنه في الجهاد فقال له صلى الله عليه وسلم )أحي والداك؟ قال: نعم، فقال: ففيهما فجاهد( ([20]) .

وأجمع أهل السنة والجماعة على أن الجهاد ماض مع كل إمام إلى قيام الساعة ([21]) هذه أدلة من ثلاثة أصول الكتاب والسنة، وإجماع أهل السنة في معتقداتهم نأخذ منها أمورًا:

أولاً: أنه ليس للأفراد مهما كانوا أن يدعوا إلى الجهاد، فالذي يدعو إلى الجهاد هو ولي الأمر، لقول الله – جل وعلا – لنبيه صلى الله عليه وسلم )وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ ( ([22]) ولفهم الصحابة حيث أتاه رجل يستأذنه ولم يذهب بدون إذن.

وكذلك فيما أجمع أهل السنة عليه: أن الجهاد ليس مع فئات أو جماعات، الجهاد مع ولي الأمر، مع الإمام، إذا دعا إليه، ولذلك فإنه ليس لأحد من الناس أن يفتئت على ولي الأمر فيما أعطاه الله.

والجهاد من أعظم وأكبر ما يختص به ولي الأمر، فإذا كان آحاد الناس سيدعون إليه، فإنه بذلك تحل الفوضى.

ومتى يدعو الناس إليه أو العلماء أو طلبة العلم؟

إذا دعا إليه ولي الأمر، لهذا قال تعالى )وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ ( ([23]) فالمؤمنون تبع لولي أمرهم في ذلك.

وهنا مسألة أصولية مهمة وهي: أن تصرفات النبي صلى الله عليه وسلم وأعماله تحمل على أمور، تارة يقول ويعمل ويتصرف لكونه رسولاً نبيًا، وهذا فيما يخص الوحي وتبليغه والتشريع والنهي والحلال والحرام، وما يتعلق بذلك.

وتارة يتصرف ويفعل ويقول عليه الصلاة والسلام باعتباره وليًا للأمر وإمامًا للمسلمين، فيحمل القول والتصرف على هذا الاعتبار.

وتارة لكونه قاضيًا، وتارة لكونه مفتيًا، وتارة لكونه مرشدًا، وناصحًا، وهكذا، لهذا قال الله – جل وعلا – لعموم الأمة: )لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ( ([24])

-- معالي الشيخ صالح بن عبدالعزيز آل الشيخ

التعليقات

  1. جزا الله فضيلة الشيخ صالح خير الجزاء،

    والمجتمعات اليوم بحاجة ماسة، إلى مثل هذه التوجيهات، والتوصيات، منه، ومن سائر علماء الأمة أمثاله، سددهم الله،

    والله أعلم.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*