الثلاثاء , 6 ديسمبر 2016
الرئيسية » مركز البحوث » ملفات » حول الإرهاب

حول الإرهاب

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالها، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد بن عبد الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا، اللهم علمنا وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علمًا وعملاً يا أرحم الراحمين.

إخوتي في الله: قبل أن أتحدث إليكم عن موضوع الإرهاب في الإسلام الذي شغل الناس في هذه الأيام، حيث ألصق كثير من أعداء الإسلام الذين يجهلونه، أو يتحاملون عليه تهمة هذه الجريمة الشنيعة التي يقتل فيها الأبرياء، وتهدم فيها المرافق العامة، ويؤذى فيها الناس.. ألصقوها بدين الرحمة والعدل والإنصاف.

أن نبين بعض الأمور:

الأمر الأول: أن الإسلام هو دين العدل والإحسان، دين العدل الذي أمر المسلمين أن يعدلوا مع إخوانهم وغير إخوانهم، أمرهم أن يلتزموا العدل في جميع حياتهم، وأن يحسنوا إلى الناس، فهذه الآية التي تعتبر من أجمع ما نزل في القرآن الكريم، والتي اعتاد المسلمون أن يسمعوها في خطبة الجمعة، قال تعالى: )إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ( ([1]) .

فقد قرن الله تعالى العدل فيها بالإحسان؛ لأن العدل وحده قد يؤدي إلى الجور، فمن أراد أن يأخذ حقه كاملاً قد يقع فيما لا يحل كله، لكنه إذا أخذ العدل ومعه الإحسان ترك بعض ما يستحقه، رغبة فيما حثه الله تعالى عليه من الإحسان، قال تعالى: )وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ( ([2]) وربنا تعالى يقول في دستور المسلمين: )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ ( ([3]) .

أي شهداء بالعدل، تقولون العدل وتعملون به، تطبقونه على أنفسكم وعلى غيركم، قال تعالى: )وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ( ([4]) .

أي لا تحملكم عداوتكم لبعض الناس أن تجوروا )اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ( ([5]) .

الأمر الثاني: أن الإسلام حرم الظلم، وجعله من كبائر الذنوب، وتوعد الظالمين، قال تعالى: )وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ * مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ ( ([6]) .

ويهدد الله تعالى الظالمين فيقول سبحانه: )وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ ( ([7]) .

ويقول النبي صلى الله عليه وسلم )الظلم ظلمات يوم القيامة( ([8]) ويقول المصطفى صلى الله عليه وسلم )قال الله: يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرمًا فلا تظالموا( ([9]) .

والنبي صلى الله عليه وسلم عندما أخبر أن دعوة المظلوم ليست بينها وبين الله حجاب، وأن الله يستجيب دعاء المظلوم ([10]) .

قال العلماء: ولو كان كافرًا ([11]) … لماذا؟

لأن الله عدل حكم، عدل يحب العدل ويبغض الظلم.

الأمر الثالث: أن الإسلام كرم الإنسان مطلقًا، وفضله على غيره من المخلوقات، قال تعالى: )وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا ( ([12]) .

ولتفضيل الله لبني آدم أرسل إليهم الرسل، وأنزل إليهم الكتب، لهدايتهم إلى الصراط المستقيم، فمن قبل الرسالة وحمل الأمانة نال هذا الشرف بأسمى معانيه، ومن اتبع سبيل الشيطان، واعتنق طريق الغواية خسر هذه الكرامة، ونزل بسبب ذلك إلى درجة الحضيض في الذل والمهانة، كما قال ربنا – جل وعلا-: )إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ( ([13]) .

الأمر الرابع: أن الإسلام حفظ لغير المسلمين حقوقهم ما داموا لم يناصبوا المسلمين العداء، ولم يتسلطوا عليهم بشيء من الأذى، فهم على عهدهم وذمتهم، كما قال الله تعالى في كتابه: )إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ ( ([14]) وقال تعالى: )وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا ( ([15]) .

بل أمر ربنا – جل وعلا – بحسن الخلق مع عموم الناس، فقال جل من قائل: )وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا ( ([16]) .

وقال النبي صلى الله عليه وسلم )اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن( ([17]) أي: الناس عمومًا.

وأمر ربنا – جل وعلا – أن نحسن إلى من أحسن إلينا، وأباح لنا أن نَبُرَّ ونصل من يصلنا من غير المؤمنين، فقال جل من قائل سبحانه: )لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ( ([18]) .

تعريف الإرهاب:

في حديثنا عن الإرهاب نتحدث عن تعريفه:

فهو في لغة العرب: مشتق من رهب، والرهب هو الخوف والذعر والفزع ([19]) .

ولكن شريعة الإسلام لم تعرف الإرهاب مصطلحًا مثل ما عرف في هذا العصر، وإنما ورد في كتاب الله وسنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم بالمعنى اللغوي، وليس كما يفيده هذا المصطلح العرفي الذي عرفه الناس به في هذا العصر.

جاء في كتاب لسان العرب: ([20]) رهب خاف، ورهب الشيء خافه، والرهب الخوف، وترهب غيره إذا توعده، وأرهبه ورهبه إذا أخافه وأفزعه، واسترهبه استدعى رهبته حتى رهبه الناس.

أما في الاصطلاح المعاصر:

فقد اختلفت الهيئات العلمية والقانونية والدول في جميع القارات في تعريف الإرهاب، وكل دولة من هذه الدول أو هيئة من الهيئات القانونية تعرف الإرهاب بما يتمشى مع مصالحها، وبما لا يقف في وجه توجهاتها، ولهذا كثرت تعريفات الإرهاب.

ولعل من أحسن التعاريف مع كونه تعريفًا مطولاً مستوفيا بيانيا هو تعريف وزراء الداخلية والعدل العرب الذين قالوا فيه: ( إنه كان فعل من أفعال العنف أو التهديد به، أيا كانت بواعثه أو أغراضه، يقع تنفيذًا لمشروع إجرامي فردي أو جماعي، ويهدف إلى إلقاء الرعب بين الناس، أو ترويعهم بإيذائهم، أو تعريض حياتهم أو حريتهم أو أمنهم للخطر، أو إلحاق الضرر بالبيئة أو بأحد المرافق، أو الأملاك العامة، أو الخاصة، أو احتلالها، أو الاستيلاء عليها، أو تعريض أحد الموارد الوطنية للخطر ).

والمتأمل في الأبحاث والكتب التي تناولت الإرهاب، يجد تعاريف كثيرة جدًا، ولكنها مهما تعددت فإنها تتفق على قاسم مشترك تضمن الحد الأدنى منه في ثلاثة عناصر:

1- أن الإرهاب استخدام غير مشروع للعنف.

2- أن فيه قصدًا للترويع العام.

3- أنه يهدف إلى تحقيق أهداف سياسية.

كما أن المتأمل في نصوص الشريعة الإسلامية التي وردت في كتاب الله وفي سنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم يجد أن في الشريعة الإسلامية جريمة تنطبق على جريمة الإرهاب، ويدخل فيها الإرهاب دخولاً أوليا، هذه الجريمة هي جريمة الإفساد في الأرض، وتناولها القرآن الكريم في كثير من المواضع، وحرم إتيانها وذم فاعليها، وبين سوء عاقبتهم في الدنيا والآخرة.

ولذلك فإن أجمع تعريف للإرهاب في نظري – كما هو مصطلح الفقهاء المسلمين أن يعرفوا الشيء بتعريف موجز ينطبق على جميع أنواعه فيكون جامعًا مانعًا – هو أن يقال: الإفساد المروع.

وبهذا يتكون التعريف من عنصرين:

العنصر الأول: ( الإفساد )، وهو ضد الإصلاح، والمفسد غير المصلح، وقد حرم الله – تعالى – الفساد في الأرض، وبين سوء عاقبته في الدنيا والآخرة في نصوص كثيرة، منها قول الله تعالى: )وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ ( ([21]) ويقول الله تعالى )وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ * وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ ( ([22]) ويقول الله تعالى: )إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ( ([23]) .

العنصر الثاني: ( المُرَوِّع ) يخرج به غير المروع، وهو الجرائم العادية مثل السرقة العادية، والقتل العادي وغيره، فهذا لا يروع العامة، لأنها جريمة مقصودة خاصة بمن اتجهت إليه، وليست لها صفة العموم، ولهذا لا تكون داخلة فيما يخيف الناس ويرهبهم، ويكون له صفة العموم التي تتناول الأبرياء، وتتناول المرافق العامة، وغير ذلك مما يكون ضرره عامًا على الأمة.

ومن الأدلة على تحريم الترويع: قول النبي صلى الله عليه وسلم )من أشار إلى أخيه بحديدة فإن الملائكة تلعنه حتى يدعه، وإن كان أخاه لأبيه وأمه( ([24]) .

فقول النبي صلى الله عليه وسلم )فإن الملائكة تلعنه( دليل على أن الأمر يتعلق بكبيرة من كبائر الذنوب.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم )ومن خرج على أمتي، يضرب برها وفاجرها، ولا يتحاشى من مؤمنها، ولا يفي لذي عهد عهده فليس مني ولست منه( ([25]) .

ولا يدخل في تعريف الإرهاب المقاومة الوطنية، لاعتمادها وسيلة لممارسة الحق في رفع الظلم وتقرير المصير، حيث إن الشريعة الإسلامية تجعل للمظلومين طريقًا في الانتصار لأنفسهم، ورب العالمين – جل وعلا – يقول في القرآن الكريم: )وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ * إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ( ([26]) ويقول الله – تعالى – في مدح المؤمنين: )وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ ( ([27]) .

تاريخ الإرهاب:

يعتقد بعض الناس أن الإرهاب يرتبط بدين أو بوطن، والحقيقة: أن الإرهاب لا يرتبط بدين ولا وطن ولا أمة، بل هو بضاعة إبليس يفرقها في كل مجتمع يجلبها، فيشتريها منه من قل نصيبه من الخير، وضعف نصيبه من الخلق الحسن، ولهذا فإن الإرهاب موجود ما وجد الصراع بين الحق والباطل والخير والشر، وقد تحدث القرآن الكريم عن بعض صور الإرهاب، وذكر أنواع الإرهاب كلها.

-- د. عبدالله المطلق

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*