الجمعة , 9 ديسمبر 2016
الرئيسية » مركز البحوث » ملفات » قراءة في الوضع الجزائري مع الإرهاب

قراءة في الوضع الجزائري مع الإرهاب

إذا كانت أصوات المعركة التنموية الشاملة في الجزائر قد عادت لتعلو في السنوات الأخيرة بشكل لافت، فذلك لأن معركة طويلة ومرة كانت قد سبقتها ومهدت لها الطريق، وهي معركة استعادة الاستقرار الذي عصفت به أحداث عقد التسعينات ما جعل الجزائر تضع مسألة الحرب على الارهاب وتحييد الجماعات المسلحة بشتى الطرق والوسائل على رأس أولوياتها، وتنزل إلى هذه المعركة معززة بقدر هائل من الوسائل المادية والتقنية والبشرية أتاحت اليوم لمسؤوليها السياسيين وقادتها الأمنيين أن يتحدثوا على نصر ساحق على الارهاب وقدرة كبيرة على محاصرة الجريمة المنظمة المرتبطة عضويا به والتي حاولت استغلال شساعة الخارطة الجزائرية وتشعب تضاريسها واتساع صحاريها لتمد جسورا بين أوروبا والقارة الافريقية.

كذلك أوجدت الجزائر لحربها على الارهاب وجها مدنيا تمثل في برنامج السلم والمصالحة الذي يقوم على مبدإ العفو على كل من لم يتورط من المسلحين في أعمال قتل، والعمل على ادماجه صلب المجتمع. وتقول مصادر رسمية جزائرية إن البرنامج نجح في استمالة الكثير من المسلحين الذين اختاروا القاء السلاح، ما حرم جماعاتهم من قسم من قاعدتهم الشرية.

وبغض النظر عن نبرة الثقة في التغلب على الإرهاب التي تطبع كلام الرسميين الجزائريين فإن أطرافا دولية تعترف بما تأتى للجزائر من خبرة متراكمة في مقارعته ومعرفة دقيقة بجماعاته وزعاماتهم ومواضع نشاطهم، الأمر الذي يغري تلك الأطراف بعرض الشراكة على الجزائر في محاربة الارهاب والسعي إلى تقاسم معلوماتها الثرية عنه.

ويقول خبراء إن الضغط الشديد والضربات القاصمة التي وجهتها الجزائر للجماعات المسلحة التي كانت تتخذ من أحراش الشمال والوسط الجزائريين مسرحا لنشاطها، جعل هؤلاء يحولون أنشطتهم جنوبا حيث الامتداد الصحراوي الكبير وضعف رقابة دولتي مالي والنيجر على حدودهما مع الجزائر.

ولمعالجة هذا الأمر وضعت الجزائر استراتيجية مفصلة ينصب الاهتمام الأمني فيها على منطقة الجنوب الجزائري والساحل الصحراوي التي أضحت طريق الإمداد الوحيد للجماعات المسلحة ومصدر الحصول على الأموال عن طريق خطف رعايا غربيين ومحاولة الحصول على فدى من دولهم.

وقطعت الجزائر خطوات عملية في الاتجاه حيث رصدت مساعدات عسكرية عينية لمالي، ثم دعت في ظرف لا يتجاوزالشهرين “مارس وإبريل2010″، إلى اجتماعين هامين، للنظر في كيفية مواجهة التهديدات الإرهابية في منطقة الساحل من خلال التنسيق توجا باتفاقات حول أهمية التعاون على المستويين الثنائي والإقليمي من أجل مكافحة فعالة وشاملة للإرهاب بالإضافة على رفض دفع الفدية في حالات الاختطاف، وعلى إعداد استراتيجية مشتركة لمكافحة الإرهاب والجريمة في المنطقة.

إن قدرة الجزائر على إدارة معركتها مع ما يسميه مسؤولوها “فلول الارهاب” ينعكس في خطاب قادة جيشها الذي يعد رأس حربة في محاربة الجماعات المسلحة. وحديثا أكد رئيس أركان الجيش الجزائري الفريق أحمد قايد صالح تصميم “الجيش الوطني الشعبي على تطهير الجزائر من الظاهرة الإرهابية الغريبة عن أحكام وسماحة الدين الإسلامي. وقال الفريق قايد صالح في كلمة ألقاها بالأكاديمية العسكرية لمختلف الأسلحة بشرسال بمناسبة مراسم حفل تخرج الدفعات الذي أشرف عليه الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة إن الجيش استطاع رفقة كافة الأسلاك الأمنية الأخرى أن يواصل تطبيق الإستراتيجية الشاملة لمكافحة الإرهاب التي أعطت نتائجها ميدانيا بفعل التكيف المتواصل لهذه الإستراتيجية مع الواقع الميداني.

إلى ذلك تنعسك النجاعة الجزائرية في مقاومة الجماعات المسلحة في العديد من التقارير الدولية التي يذهب بعضها إلى تصنيف الجزائر كأقوى دول إفريقيا في مكافحة الإرهاب وتهريب الأسلحة والمخدرات ومكافحة الجريمة العابرة للحدود في مقدمتها الجرائم الاقتصادية.

وخلصت تقارير أوروبية وأمريكية إلى تصنيف الجزائر كأنجح الدول في مكافحة آفات العصر وهي تقارير قال معدوها إنهم استندوا إلى الوضع الأمني المستقر الذي أصبح سائدا في الجزائر وإلى أساليب أجهزتها الأمنية مكافحة الإرهاب وتهريب الأسلحة والمخدرات والجريمة العابرة للحدود.

وأرجعت التقارير التي لم تختلف كثيرا في الاستنتاجات إلى أن نجاح الجزائر خلال 2009 وإحراز قفزة نوعية فيما تعلق بالوضع الأمني ومكافحة تهريب الأسلحة والمخدرات والجريمة العابرة للحدود إلى التنسيق الأمني القوي داخليا بين الأجهزة العسكرية والشبه عسكرية في المجالات المذكورة، وكذا مقاربة الكفاءات فيما يتعلق بالقدرات القتالية من جهة وتحيين الخبرات إلى جانب رفع الكفاءة وتشكيل نخب متخصصة في الأجهزة الأمنية ويضاف من بين العوامل التي ساهمت في هذا التصنيف النوعي للجزائر التعاون العسكري بين الجزائر وباقي دول الجوار وكلها تدخل في إطار تبادل المعلومات ورفع القدرات وتحديث الإمكانيات في ما تعلق محاربة الإرهاب وتهريب الأسلحة والمخدرات الإجرام العابر للقارات.

ومن بين ثمار السياسة الأمنية الحازمة التي اعتمدتها الجزائر بشكل تدرجي على مدار السنوات الأخيرة، حسب القراءة التي خلصت إليها التقارير تراجع نشاط الجماعات الإرهابية بشكل كبير بعد التضييق عليها من خلال توجيه ضربات قوية متتالية في معاقلها أضعفتها وفككتها بشكل شلّ نشاطها في الشمال وبدرجة متقاربة في الجنوب الجزائري الذي نجحت مصالح الأمن وحسب اختصاصها الإقليمي مشتركة أو متفرقة في شلّ تحركات الجماعات الإرهابية عبر مسالكها الصحراوية سواء في عمق الصحراء أو على الحدود المطلة على النيجر ومالي وموريتانيا ونجحت قوات الأمن في منع تسلل الجماعات الإرهابية الناشطة في الصحراء والتي تتخذ من بعض الدول معاقل لها في مقدمتها مالي والنيجر.

ومن بين ما اعتمدت عليه التقارير المذكورة عمليات اختطاف السياح الأجانب من طرف ما كان يسمى”كتائب الصحراء” والتي بعد الضربات الموجعة لها أو عدم توّفر مناخ يضمن نشاطها داخل الحدود الجزائرية وجدت في بعض دول الجوار معقلا لها وحتى محاور تحركاتها بعد أن كانت خارطتها تضم مسالك داخل التراب الجزائري أصبحت تتحاشى حتى اختراق الحدود وفضلت استعمال مسالكها القديمة بالحدود الفاصلة بينها وبين الجزائر مثل جنوب شرق موريتانيا وشمال غرب مالي وشمال شرق النيجر بأماكن لا تبعد كثيرا عن الأسواق السوداء للأسلحة المتواجدة بمناطق التوتر هناك.

وجاء في التقارير فيما يخص تهريب الأسلحة التي كانت تتدفق من الأسواق السوداء بدول الساحل التي تعيش حروبا داخلية وتنشط بها حركات معارضة مسلحة مثلما هو الحال لمالي والنيجر والتشاد مرورا بالأراضي النيجرية وبعد أن كان تجار الأسلحة يتخذون مسالك لهم بعض المناطق الحدودية في أقصى الجنوب الجزائري قدوما من الدول المذكورة أصبحت الأسلحة التي تتداولها قوافل المهربين خلال السنوات الأخيرة تمرر عبر مسالك متاخمة للحدود الجزائرية متفادية التسلل إلى التراب الجزائري.

وفي عشرات المحاولات –تقول التقاير- وجهت مجموعات حرس الحدود ضربات قوية انتهت بحجز ما يقارب الأطنان من المخدرات ورشاشات كلاشينكوف وأسلحة نصف ثقيلة.

وتأتي مثل هذه النجاحات نتيجة خطط واستراتيجيات تضعها القوات المسلحة خصيصا لمناطق الجنوب. وسبق للقوات الجوية الجزائرية أن حددت بدقة مسالك صحراوية، في أقصى الجنوب، يسمح فيها بتنقل الأفراد في المناطق الحدودية مع موريتانيا ومالي والنيجر، ومنعت كل تنقل يتم خارجها، في سبيل ضبط حركة المهربين والجماعات الإرهابية.

وقال خبراء عسكريون إن الخطوة تسهل التأكد من هوية عابري الصحراء في المسالك الممنوعة، تصل أحيانا حد القصف الجوي في حال عدم الالتزام بأوامر التوقف والتفتيش. وتبعا لهذه الاستراتيجيا أعلنت القوات الجوية الجزائرية إجراءات تنقل صارمة عبر المسالك الصحراوية على الحدود مع ثلاث دول جنوبية “مالي، النيجر وموريتانيا”، من أجل التحكم التام في حركة التنقل التي تتم في المنطقة. وتهدف العملية للفصل بين تنقل الأفراد والتجار العاديين، وبين مهربي السلاح وتجار المخدرات والجماعات الإرهابية.

وقالت قوات الجيش الجزائري بتحديد المسالك الآمنة التي يسمح فيها بالتنقل دون شبهات. وهي الممرات التي يحكم الجيش قبضته الرقابية عليها، وأخرى مشبوهة ينصح بعدم التنقل عبرها. وتجري مراقبة الأخيرة بواسطة طائرات مروحية، وطائرات استطلاع دون طيار دخلت الخدمة حديثا بعدما استقدمت من جنوب إفريقيا والصين وألمانيا “رقابة جوية دائمة” لمنع تسلل الإرهابيين والمهربين، والتدخل العسكري المباشر في حال الاشتباه وعدم الالتزام بأوامر التفتيش والرقابة.

وتعاونت المؤسسة العسكرية، العاملة في الصحراء، مع أعيان المناطق الجنوبية في تبليغ الإجراءات، وأيضا في رسم المسالك التي عرف أنها تستعمل في العادة من قبل شبكات التهريب وعناصر “قاعدة المغرب الإسلامي”. ومكنت العملية من حصر المناطق التي تتطلب المراقبة الجوية للتمكن من التدقيق في المراقبة وخفض تكاليف المراقبة الجوية، وتحصيل نتائج أكبر في إحباط شبكات المهربين وتجار السلاح والمخدرات.

وقالت مصادر أمنية إن تلك الإجراءات لعبت دورا في القضاء على مهربين واسترجاع مئات قطع السلاح في ولاية أدرار الجنوبية باستعمال القصف الجوي بمجرد عدم التوقف لإشارات المروحيات المتابعة لعمليات المراقبة.

إن الخطاب الانتصاري الذي يردده الرسميون الجزائريون لا يمنع ملاحظين من ضمنهم جزائريون من التنبيه إلى أن معركة الأرهاب في الجزائر أبعد عن أن تكون قد انتهت وإن كانوا يقرون بالتحسن الكبير في الوضع الأمني الجزائري وبقدرة القوات المسلحة الجزائرية على تسيير المعركة بفضل ما تأتى لها من خبرات وما رصد لها من مقدرات.

ويشير خبراء إلى أن القوات الجزائرية نجحت في تحويل المعركة من مناطق الشمال المأهولة والتي تضم أغلب مرافق الدولة ومصالحها إلى مناطق الجنوب مستشهدين ببعض العمليات الخطيرة التي مازال المسلحون هناك قادرين على تنفيذها وآخرها تلك التي أودت هذا الأسبوع بـأحد عشر عنصرا من حرس الحدود الجزائريين قرب مالي حيث قامت جماعة مسلحة مجهولة الهوية بالهجوم المباغت على المراكز المتقدمة لحرس الحدود الجزائري بمنطقة “تينزواتين” التي تبعد عن ولاية تمنراست بـ600 كلم والقريبة من الحدود المالية، وأسفرت العملية عن وفاة 11 دركيا وإصابة 4 آخرين بجروح متفاوتة الخطورة مع حرق 5 سيارات.

وكان المسلحون الذين نفذوا الاعتداء على متن 5 سيارات من نوع “ستايشن” مدججين بأسلحة ثقيلة، حيث باغتوا حراس الحدود الذين كانوا داخل المراكز وحاولوا اقتحامه والتوغل نحو مقر المراكز في محاولة منهم لإسقاط أكبر عدد ممكن من الدركيين والاستيلاء على أسلحتهم وذخيرتهم، لكن تفطن بعضهم جعلهم يدخلون في اشتباكات عنيفة تبادل خلالها الدركيون والعصابة المهاجمة طلقات الرصاص دامت قرابة ساعة كاملة.

وعقب هذا الحادث عرفت الحدود الجزائرية المالية حالة استنفار قصوى، حيث تم تكثيف المراقبة البرية والجوية عبر بعض المحاور والمسالك الوعرة في الصحراء خاصة في الشمال الشرقي لمدينة عين صالح على الحدود بين ولايتي تمنراست وأدرار وكذا منطقة “وادي ميا” جنوبي مدينة المنيعة وواد الشعابنة والزعاطين في الحدود بين ولايات غرداية، تمنراست أدرار وورقلة وكذا منطقة برج باجي مختار، وغيرها من المحاور الصحراوية التي تضمها 10 ولايات بالجنوب لمطاردة منفذي الاعتداء.

وتعتبر هذه العملية التي عرفتها منطقة “تينزاوتن”، الثانية في أقل من شهر، حيث سبق وانفجرت مركبة تابعة للجيش المالي على الحدود مع الجزائر، إثر عبورها على قنبلة تسببت في إصابات خطيرة للعديد من أفراد الجيش المالي.

وتعطي مثل هذه العمليات فكرة واضحة عن حجم المعركة التي تنتظر الجزائر في ذلك المحور الصحراوي الصعب حيث دولتان مثل مالي والنيجر لا تحكمان السيطرة على كل مجالهما، وحيث يخشى العديد من الملاحظين أن تكون أجهزة مخابرات دول أجنبية معادية للجزائر قد ركزت مراكز عمليات لإسناد العصابات المسلحة ودعمها بالمعلومات المستمدة من أحدث التقنيات بما فيها الأقمارالصناعية لمساعدتها على العبث بأمن الجزائر وهو ما يحيل على وجه آخر لمعركة الارهاب: معركة التدخل الخارجي حيث تبدي دول مثل أمريكا وفرنسا توجها واضحا نحو استغلال الظاهرة الارهابية للتدخل في الشأن الداخلي للجزائر والمنطقة ككل.
وتتلخص المعركة مع الولايات المتحدة فيما يعرف بأفريكوم وهو عبارة عن قيادة عسكرية أمريكية موجودة حاليا بشتوتغارت الألمانية وتريد واشنطن تحويل مقرها إلى الشمال الافريقي بذريعة تعاظم نشاط تنظيم القاعدة في منطقة الساحل الصحراوي وهو ما ترفضه الجزائر قطعيا.

ويقول ملاحظون إن “سوء” النوايا الامريكية في استخدام ملف الارهاب يتجلى في رفضها تزويد الجزائر بمعدات متطورة رغبت في شرائها لتستخدمها في محاربة الارهاب مثل مناظير الرؤية الليلية والطائرات بلا طيار ذات الكفاءة العالية في مراقبة الاحراش الوعرة والسهوب والصحاري.

أما المعركة مع فرنسا فمدارها الأساسي مسألة دفع الفديات للمسلحين الذين يخطفون رعايا غربيين الامر الذي تعتبره الجزائر خيانة كبرى لجهودها في محاربة الارهاب كون ذلك يعطل جهودها لقطع مصادر التمويل عن عن جماعاته.

-- عرب أونلاين

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*