الجمعة , 22 أغسطس 2014
جديد الموقع
الرئيسية » مركز البحوث » ملفات » الاستراتيجية السعودية في مكافحة الإرهاب

الاستراتيجية السعودية في مكافحة الإرهاب

المؤلف :
يعمل كريستوفر بوشيك زميلاً في برنامج كارنيغي للشرق الأوسط. قبيل انضمامه إلى مؤسسة كارنيغي عمل بوشيك باحثاً في جامعة برنستون ومحاضراً في علوم السياسة في مدرسة وودرو ولسون. عمل في السابق محللاً إعلامياً في السفارة السعودية في واشنطن، كما عمل لسنوات في معهد الخدمات الملكية الموحدة لدراسات الأمن والدفاع في لندن، حيث لايزال زميلاً في المعهد المذكور. وفي الفترة بين عامي 2003و 2005 عمل محرراً أمنياً في مجموعة جينز للمعلومات. كتب العديد من الدراسات عن الشرق الأوسط وآسيا الوسطى والإرهاب لمجموعة من المطبوعات بما فيها صحيفة واشنطن بوست، وسي تي سي سنتينل،وجينز إنتلجنس ريفيو، ومجلة الدراسات الليبية، وستراتيجيك إنسايتس، وتيروريزم مونيتور.
 

خلاصة
عقب موجة من الهجمات الإرهابية المميتة التي بدأت في العام 2003 ، أطلقت المملكة العربية السعودية حملة واسعة لمكافحة الإرهاب. ومثّل استخدام الإجراءات غير التقليدية ” الليّنة ” الهادفة إلى محاربة التبريرات الفكرية والأيديولوجية للتطرف جانباً أساسياً في الجهود السعودية. الهدف الرئيس لهذه الاستراتيجية هو منازلة ومحاربة أيديولوجيا تؤكد الحكومة السعودية أنها تستند إلى تفسيرات فاسدة ومنحرفة للإسلام. ونجم جزء كبير من زخم هذه المقاربة الليّنة عن الإقرار بأنه لا يمكن محاربة التطرف العنيف من خلال الإجراءات الأمنية التقليدية وحدها.
تتكّون الاستراتيجية السعودية من ثلاثة برامج مترابطة تهدف إلى الوقاية وإعادة التأهيل وتوفير النقاهة بعد الإفراج عن المعتقلين. ومع أنه لم يمض على تطبيقها سوى أربعة أعوام، فقد أسفرت الاستراتيجية السعودية  لاسيما برنامجا إعادة التأهيل ومكافحة التطرف  عن نتائج إيجابية ومثيرة جداً. إذ لا تزال معدلات العودة إلى الإجرام وإعادة الاعتقال خفيضة إلى حد كبير إلى اليوم ولا تتجاوز نسبة 1- 2 في المئة تقريباً. كما تزداد شعبية برامج مشابهة تهدف إلى فك ارتباط المتشددين وأنصارهم بالتطرف، حيث يتبنى عدد من البلدان برامج مكافحة إرهاب مشابهة. فقد وضعت كل من الجزائر ومصر والأردن واليمن وسنغافورة وإندونيسيا وماليزيا برامج إعادة تأهيل وتفاعل، وقام الجيش الأميركي بالأمر نفسه في العراق من خلال برنامج ” TASKFORCE134″ . وبناء على ذلك، تزداد أهمية فهم الاستراتيجية السعودية، وعمليات مكافحة التطرف عموماً، في الحرب ضد التطرف الراديكالي الإسلامي العنيف.
تسعى الاستراتيجية السعودية « الليّنة» وغير المباشرة لمحاربة الإرهاب إلى معالجة العناصر الكامنة التي سهّلت ظهور التطرف، على أمل الحيلولة دون ظهور المزيد من الحركات الإسلامية المتطرفة والعنيفة. وكان الهدف الرئيس لجهود المملكة هو تعزيز شرعية النظام القائم والقضاء على المعارضة العنيفة للدولة، عبر ترسيخ التفسير السعودي التقليدي للإسلام الذي يشدد على الطاعة والولاء للدولة وقادتها.
تبحث هذه الدراسة في بنية الحملة السعودية «الّلينة » لمحاربة الإرهاب ومدى تقدمها في تبديد الدعم الفكري للتطرف الإسلامي. ومع أنه لم تمض سوى بضع سنوات على تطبيق البرنامج، فقد كان فعالاً تماماً، ولاسيما في مجال إعادة التأهيل ومكافحة النزوع إلى التطرف.
إذ لم يتم إلى الآن إعادة اعتقال أغلبية الأفراد الذين أُفرج عنهم بموجب برنامج الإرشاد بسبب جرائم أمنية. ومع ذلك، تقييم برامج الوقاية أكثر صعوبة، حيث ستكون ثمة حاجة إلى مزيد من الوقت لقياس مدى فعاليتها بدقة. وإضافة إلى برامج محاربة الإرهاب الليّنة التي تم بحثها في هذه الدراسة، فقد أطلقت المملكة مبادرات لمحاربة التطرف من خلال شبكة الإنترنت، وشكّلت محكمة خاصة لمحاكمة المشتبه في تورطهم في الأعمال الإرهابية. كما سبق للملكة أن نفّذت برامج لإعادة تدريب المدرسين والأئمة وإقصاء المشبوهين منهم.
تزداد برامج إعادة التأهيل ومحاربة التطرف عددا وشعبية في أنحاء العالم كافة. وتعد الجزائر ومصر والأردن واليمن وسنغافورة وماليزيا من بين البلدان التي نفذت برامج مشابهة لفك ارتباط الإسلاميين المتشددين والمتعاطفين معهم بالإرهاب. كما تتبنى بعض الحكومات الغربية أيضاً برامج إعادة التأهيل، بما في ذلك الجيش الأميركي من خلال برنامج «Taskforce 134» في العراق. وقد تأثرت البرامج الأخرى، بشكل مباشر أو غير مباشر، بالتجربة السعودية التي تتوفر على أفضل برنامج إعادة تأهيل من حيث التمويل والاستمرارية. ويعتبر فهم البرنامج السعودي مهماً لجهة التبصّر الذي يوفره في مجال مكافحة التطرف عموماً، إضافة إلى البرامج العديدة الأخرى التي تنفذها بلدان أخرى.
إطار البرنامج
تُطل حكومة المملكة العربية السعودية على الصراع ضد التطرف العنيف بوصفه جزءً من «حرب أفكار » تتمحور حول مسائل الشرعية والسلطة وما هو مباح في الإسلام. ولتحقيق النصر، تكافح الحكومة لدمغ المتطرفين بالافتقار إلى الشرعية لأنهم شوّهوا الإسلام الصحيح. كما تؤطر الحكومة المسألة في سياق يتمحور حول مفهومي السلطة وفهم العقيدة الدينية، وتجادل في أن المتطرفين يفتقرون إلى المفهومين معاً. وتشدد الحكومة على أن الأيديولوجيا الشريرة هي التي ضللت المتطرفين الذين تعتبر الكثيرين منهم أشخاصاً من ذوي النوايا الحسنة كانوا يبغون القيام بأعمال الخير. ومن خلال هذا التركيز على السلطة وعلى فهم العقيدة الدينية، تطمح الدولة إلى مساعدة المؤمنين المضللين على العودة إلى الفهم الصحيح للإسلام. وتتماهى هذه الاستراتيجية جيداً مع المفهوم السعودي للدعوة الدينية بوصفه واجباً حكومياً.
تشكّل الرسالة التي تقول إنه من غير المسموح استخدام العنف في داخل المملكة لإحداث 2 الاستراتيجية السعودية الليّنة في مكافحة الإرهاب: الوقاية وإعادة التأهيل والنقاهة تغيير محور الاستراتيجية السعودية. وتجادل الحكومة في أن العلماء الحقيقيين والسلطات المطلعة فقط، هم القادرون على المشاركة في أنشطة محددة كإجازة ممارسة الجهاد المباح.
وتتسق هذه الأهداف مع كثير من سمات الإسلام الوهابي الذي يمارس في السعودية، والذي يشّدد على خصائص كالولاء والاعتراف بالسلطة والطاعة للقيادة.
« حرب الأفكار » في السعودية تنبثق كذلك من الإقرار بأنه لا يمكن إلحاق الهزيمة بالتطرف الراديكالي الإسلامي العنيف بالوسائل الأمنية التقليدية وحدها. وقد أسفر ذلك الإقرار عن تطبيق السياسات الليّنة لمكافحة الإرهاب التي ستبحثها هذه الدراسة. فمن ضروريات تحقيق النصر، إلحاق الهزيمة بالبنية الأيديولوجية التي تدعم العنف السياسي وتغذيه. وعلى هذا فإن الاستراتيجية السعودية تكافح لمنع بروز معتقدات التكفير، ودحض تلك الأفكار، وتشجيع إعادة تأهيل المذنبين، وترويج السياسات التي تحول دون حدوث انتكاسات. وتواجه الاستراتيجية هذه التحديات بسياسات سعودية مجربة، كالاستيعاب والرعاية والقسر.

سياسة المملكة في مكافحة الإرهاب :
استراتيجية الوقاية وإعادة التأهيل والنقاهة
تتلخص السياسة السعودية لمكافحة التطرف والراديكالية في خطة أُطلق عليها «استراتيجية الوقاية وإعادة التأهيل والنقاهة ». وتوجز الاستراتيجية الأهداف والتحديات التي تواجهها السلطات السعودية، كما تحدد وسائل مكافحة انتشار وجاذبية الأيديولوجيات المتطرفة.
وتتكّون الاستراتيجية من ثلاثة برامج منفصلة لكنها مترابطة، تهدف إلى ردع الأفراد عن التورط في التطرف، وتشجيع إعادة تأهيل المتطرفين والأفراد الذين يتورطون معهم، وتوفير برامج النقاهة لهم لتسهيل إعادة دمجهم في المجتمع بعد الإفراج عنهم.
بنية الاستراتيجية وتنظيمها قبل تحليل العناصر الثلاثة المكونة للاستراتيجية، من المفيد التوقف أمام التنظيم الأساسي للسياسات في داخل الحكومة. فوزارة الداخلية هي الهيئة الحكومية الأساسية المنوطة برعاية الأمن العام في المملكة العربية السعودية، وهي تتولى الإشراف على معظم البرامج التي سيتم بحثها في هذه الدراسة. كما تتولى الوزارة مسؤولية عدد كبير من المهمات ذات الصلة بالأمن والسلامة، بما فيها الأمن الداخلي ومكافحة الإرهاب والدفاع المدني، والتحقيقات الجنائية ومكافحة التجسس، وإدارة السجون والجوازات وأمن الحدود، وحماية البنية التحتية. ويشرف على الوزارة الأمير نايف بن عبدالعزيز الذي تسلم هذا المنصب من شقيقه الملك الراحل فهد بن عبدالعزيز في العام 1975 .
يشرف الأمير محمد بن نايف، مساعد وزير الداخلية للشؤون الأمنية، على إدارة حملة مكافحة الإرهاب. ويُعد الأمير محمد، وهو الرجل الثالث في الوزارة منذ العام 1999 ، مسؤولاً عن أجهزة الأمن الداخلي، بما فيها الوحدات الخاصة لمكافحة الإرهاب. وقد حظي بتقدير متزايد من جانب نظرائه في العالم منذ العام 2003 بسبب تفانيه في محاربة الإرهاب الداخلي والتطرف. وإضافة إلى قيامه بجهود تقليدية في تطبيق القانون وفرض الأمن، يشرف مكتب الأمير محمد على برامج الوقاية وإعادة التأهيل والدمج.
يشرف مكتب الأمير محمد على تنظيم العديد من العناصر المكونة لاستراتيجية الوقاية وإعادة التأهيل والنقاهة. إذ تطبق اللجنة الاستشارية، على سبيل المثال، برنامج الإرشاد في السجون ومحاورة المتطرفين. ويقوم مكتب آخر بتقييم الحاجات الاجتماعية والأوضاع الخاصة بالمشاركين في برنامج إعادة التأهيل وعائلاتهم للمساعدة في توفير تلك الحاجات عندما يكون الشخص مسجونا. ومن بين أهداف المكتب تحديد المعونة المطلوبة وتوفيرها قبل أن تبرز الحاجة إليها. ويعتبر الأمير محمد تلك المعونة مهمة للمساعدة في ردع أفراد العائلة عن الميل إلى التطرف بسبب الصعوبات التي يعانونها نتيجة توقيف قريبهم. وعلاوة على ذلك، ينسق مكتب الأمير محمد نشاطات قسم خاص بمكافحة الميل إلى التطرف، مكوّن من علماء اجتماع وأطباء، وعلماء نفس وأطباء نفسانيين، وخبراء إحصاء بارزين، ممن تعلموا في الغرب ويعكفون على تحليل الإرهاب عموماً. وينظر إلى عدد ونوعية الأشخاص الذين تم حشدهم للعمل على الاستراتيجية، بوصفه مؤشراً على التزام الدولة بتنفيذ التغيير في المجتمع. إضافة إلى ذلك، يتولى مكتب الأمير محمد إدارة وحدة أمن أيديولوجي ترسخ المعلومات الدينية الدقيقة والاستراتيجيات الخاصة بإضعاف التطرف. ويعمل المكتب بشكل وثيق مع كلية الملك فهد للعلوم الأمنية وأكاديمية الأمير نايف العربية للدراسات الأمنية، في إعداد بعض مناهجهما الدراسية وتدريب ضباط الأمن العام.
تُعتبر الاستراتيجية في جوهرها حملة لامركزية لمحاربة الإرهاب والتطرف والبنى التحتية الأيديولوجية التي تدعم التطرف العنيف وتغذيه. وقد شارك عدد من الوزارات والهيئات الحكومية في هذه الاستراتيجية، بما في ذلك وزارات الشؤون الإسلامية، والأوقاف، والدعوة 4 الاستراتيجية السعودية الليّنة في مكافحة الإرهاب: الوقاية وإعادة التأهيل والنقاهة والإرشاد، والتربية والتعليم، والتعليم العالي، والثقافة والإعلام، والعمل والشؤون الاجتماعية.
وفيما لا تعتبر هذه القائمة شاملة، فإنها توضح مدى عمق واتساع نطاق هذه الاستراتيجية، حيث لم تكن الدولة لتنفق مثل هذا القدر من الموارد لو لم يكن المسعى جاداً.
مثّل تشجيع مختلف الوزارات والهيئات الحكومية للمشاركة في جهود تثقيف الجمهور ومكافحة الأيديولوجيا التي تغذي التطرف، جانباً أساسياً في الاستراتيجية السعودية، إلى الحد الذي يشجع المنافسة غير الرسمية بين هذه الهيئات. ويوفّر مكتب الأمير محمد للهيئات الحكومية الأخرى الموارد والمعلومات من خلال خطباء ومواد مكتوبة ونصائح بشأن تصميم البرنامج وتنفيذه؛ ودورات تدريب وتثقيف في شأن التطرف والفكر والسلوك المتطرفين؛ كما يشجعها على تطوير وتنفيذ برامجها الخاصة. وفي جوهر الأمر فإن الوزارة أكدت للهيئات الأخرى أنه: «إذا ما كنتم تعتقدون أن بمقدوركم الإسهام في شيء ما في الحرب على الإرهاب فنرجو أن تقوموا بذلك ». وتحاجج الحكومة دوماً الوزارات والقادة البارزين بأن المعركة ضد التطرف، ولاسيما «حرب الأفكار »، ليست مسؤولية وزارة الداخلية وحدها، بل مسؤولية كل فرد في المجتمع برمته. وعلاوة على ذلك، هذا المنظور يعكس الإيمان بأن النضال لاجتثاث الدعم للتطرف، ليس صراعا يتم خوضه بوصفه معركة أمنية فقط، بل بوصفه صراعاً يتطلب جهداً منسقاً من جهاز الدولة كله، من المدارس والمساجد إلى الإدارات المحلية والبلدية ووسائل الإعلام والجهات والمنظمات التي توفر الخدمات الاجتماعية.
وعلى سبيل المثال، بعد أن تستكمل وزارة التعليم سلسلة من الإجراءات في المدارس الابتدائية، تتجه وزارة الداخلية إلى هيئات أخرى وتقول : «هذا ما يتم القيام به في المدارس. فما الذي يمكن القيام به في وزارتكم؟ » ولأنه من المفهوم أن الحكومة جعلت من استراتيجية الوقاية وإعادة التأهيل والنقاهة أولوية قصوى بالنسبة إليها، فإن الوزارات الأخرى تجد نفسها أمام تحدي القيام بواجبها عبر المبادرة بجهودها، في إطار سعيها لنيل الحظوة، وتطوير سبل الوصول إلى المسؤولين البارزين. وهذا النوع من المنافسة غير الرسمية لترقية الأهداف الحكومية، موجود في كل النظام السعودي وليس فقط في مجال مكافحة الإرهاب.

جذر عناصر الاستراتيجية :
يستند برنامج الإرشاد إلى العديد من التقاليد السعودية، بما في ذلك مفاهيم الاستيعاب والإقناع، وإلى سجّل من برامج إعادة تأهيل المذنبين ودمجهم، واستخدام الشخصيات الدينية في نظام السجون. ولبرنامج الإرشاد جذوره في حملة مشاركة شعبية مركّزة أطلقتها قبل بضع سنوات وزارة الداخلية، لمعالجة اوضاع السجناء في السجون السعودية. وقد  اختارت الوزارة عشرة من رجال الدين من كل محافظة لزيارة السجون والتفاعل مع السجناء. وطبقاً لما يقوله الأمير محمد، فإن الشيوخ الذين تم اختيارهم للمشاركة في البرنامج انتقدوا نظام السجون في المملكة ولم يكونوا على صلة، نسبياً، بالنظام الحاكم. وقد زادت حقيقة استقلالية «رجال الدين » ووضعيتهم بوصفهم غير موظفين لدى الحكومة، من مصداقيتهم عندما التقوا بأفراد عائلات السجناء، بعد زيارة السجون، وشاطروهم انطباعاتهم عن ظروف السجن والتفاصيل ذات الصلة بأحبائهم المسجونين. وتمكّن الشيوخ من طمأنة عائلات السجناء وتبديد الكثير من المزاعم عن الانتهاكات والتعذيب في السجون. كما تمكنت وزارة الداخلية، من خلال هذه العملية والألفة التي ساعدت في ترسيخها لاحقاً، من إقناع عائلات السجناء بأن أقاربهم يعاملون بشكل لائق من جانب الدولة.
يعتمد برنامج الإرشاد على هذه التجربة، وعلى سوابق أخرى، من قبيل قيام شيخ أو عالم دين بزيارة سجين أو معتقل. إذ يُعتبر الطلب إلى شخصية دينية بأن يشفع لشخص عزيز بعد اعتقاله والاستفسار عن حاله، أمراً شائعاً في السعودية. فلو تم اعتقال ابن أو ابن أخ في المناطق الريفية في السعودية، فإن الطلب إلى إمام القرية بأن يزوره ويسأل عن كيفية وصوله إلى هذا الوضع يعد أمراً مقبولاً. وعموماً فإن الطلب إلى رجل دين التحدث إلى شاب مضلل يسمو فوق الأديان والثقافة.
غالباً ما ينخرط رجال الدين مع السجناء بوسائل أخرى أيضاً لتعزيز الإصلاح والتوبة والتقوى. وينظّم مدراء السجون، بالتعاون مع وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد، محاضرات إسلامية ودروس حفظ القرآن؛ وقد تم الإفراج مبكراً عن عدد من السجناء بعد حفظ القرآن. وإضافة إلى نشاطات الرعاية والتوجيه في السجن، أوكل مسؤولو الأمن السعوديون إلى رجال الدين مهمة «الاستجواب الفكري » للمتشددين المشتبه فيهم خلال عمليات التحقيق، من خلال الانخراط معهم في الخلافات الدينية. وتم استخدام رجال الدين بنجاح في تشجيع المتشددين الإسلاميين المشتبه فيهم على الاعتراف، أو حث الأشخاص المدعى عليهم على التعاون مع السلطات. وقد استخدمت هذه العملية قبيل عملية تفجير المجمعات السكنية في الرياض في أيار/مايو 2003 ، واتسع نطاق استخدامها منذ ذلك الحين.
على غرار جهود إعادة التأهيل، تعتمد برامج النقاهة السعودية على ثقافة برامج إعادة دمج السجناء الراسخة في البلاد. إذ يوجد عدد من البرامج والمنظمات الاجتماعية التي تستند إلى تقاليد التشريع الإسلامي، لمساعدة المدانين على الاندماج في المجتمع بعد الخروج من السجن.
ويقوم بهذا العمل عدد من اللجان المشكلة من إدارات حكومية مختلفة، بما فيها الإدارة العامة 6 الاستراتيجية السعودية الليّنة في مكافحة الإرهاب: الوقاية وإعادة التأهيل والنقاهة للسجون، ووزارات العمل والشؤون الاجتماعية والشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد والصحة. كما يعمل عدد من المنظمات المتخصصة، مثل لجنة دعم السجناء وعائلاتهم واللجنة الوطنية لحماية السجناء ومن أخلي سبيلهم وعائلاتهم، ولجنة المصالحة العائلية مع السجناء والمدانين السابقين وعائلاتهم. وتقدم هذه المنظمات كلها بعضها شعبية وبعضها الآخر شبه شعبية وبعضها مجموعات تطوعية خاصة  خدمات إعادة التأهيل والدمج الأساسية للسجناء في المملكة العربية السعودية. وهي تشرف على برامج لتسهيل الزواج )بما في ذلك تقديم دعم مؤسساتي للمساعدة في العثور على أزواج لنساء مدانات بجرائم أخلاقية(، وزيادة الخدمات الاجتماعية، ودعم عائلات السجناء الذين يعتمد عليهم عيالهم في كسب الرزق.
وتمنح بعض المبادرات الأخرى مثل «صندوق المئوية » قروضاً تتيح للسجناء المفرج عنهم بدء أعمالهم الخاصة. وغالباً ما تتعاون المنظمات الخيرية مع الحكومة في تأسيس مدارس وبرامج تدريب، لمساعدة السجناء في الحصول على وظيفة، بينما تساعد منظمات غير حكومية أخرى السجناء وعائلاتهم، عبر توفير المواد الغذائية والملابس والألعاب في شهر رمضان. وهناك برنامج آخر جدير بالإشارة هو «جائزة الأم المثالية » الذي يقدم الدعم للنساء ممن لديهن أطفال فيما
يقضي أزواجهن عقوبة السجن.

الوقاية :
طبقاً لما يقوله عبدالرحمن الهدلق، أحد مستشاري الأمير محمد، ثمة مئات البرامج التي تشرف عليها الحكومة، وتهدف إلى توفير الوقاية. وتشمل هذه البرامج نشاطات لتثقيف الجمهور في شأن الإسلام الراديكالي ومخاطر التطرف، إضافة إلى تحييد الميل إلى التطرف عن طريق توفير البدائل. ويهدف كثير من هذه البرامج، التي تطبق من خلال «إدارة الإرشاد » في وزارة الداخلية، إلى مواجهة التطرف من خلال تشجيع ونشر تفسير أكثر حصافة ويخلو من التكفير للعقيدة الدينية، وهي تركز على الفقه الصارم لعلماء وهيئات معترف بها. والمتطرفون أنفسهم ليسوا الجمهور الأساسي لهذه البرامج، بل الجمهور الأوسع الذي قد يتعاطف مع المتطرفين، وأولئك الذين لا يشجبون المعتقدات التي تقود إلى التطرف.
ولكي يتم كبح الميل إلى التطرف وتجنيد الشباب فيه، تم استحداث نشاطات لإشغالهم وإبعادهم عن المتطرفين. وقد بيّنت الدراسات أن الكثير من الفتية انجذبوا إلى المتطرفين خلال أوقات الفراغ التي لا تخضع للرقابة، كما في وقت ما بعد المدرسة وخلال العطلات الدراسية.
وكانت عمليات تجنيد الشباب أكثر سهولة، بسبب ندرة أماكن الترفيه الاجتماعية الخاصة بالشباب السعوديين. وتدعم الحكومة الآن سلسلة من النشاطات مثل المناسبات الرياضية، وسباقات السيارات والجمال، والنزهات في الصحراء بواسطة سيارات الدفع الرباعي، لمنافسة المعسكرات الصيفية والخلوات الدينية المشكوك في أمرها التي كانت تنظّمها مراراً في السابق الجماعات المتطرفة كي يحتك الشباب بأيديولوجياتها. وقد حددت وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد النوادي الرياضية، على وجه الخصوص، بوصفها تلعب دوراً مهماً في عرقلة تجنيد الشباب لصالح التطرف. وعلاوة على ذلك، أمرت وزارة التربية في تموز/يوليو من العام 2007 ، بمنع مسؤولي الحلقات الدراسية المتطوعين من ذوي الخلفيات المشكوك فيها، من المشاركة في المعسكرات الصيفية للحيلولة دون نشر تفسيرات «منحرفة » للإسلام.
وفي برامج وقائية أخرى، بدأت وزارة الإعلام سلسلة من المشروعات، بعضها للشباب وبعضها الآخر للكبار، مستخدمة التلفزيون والصحف ووسائل الاتصال الأخرى. وتتم إعارة الخبراء للمدارس والمساجد للحديث عن مخاطر التطرف. وعلى نحو مشابه، ترعى وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد محاضرات ودروساً في المساجد في كل أنحاء البلاد، مستخدمة الخطباء والمواد التي يوصي بها خبراء مكافحة التطرف. كما تم تنظيم سلسلة من النقاشات والمحاضرات المسائية طيلة أيام الأسبوع في موضوعات مختلفة يتحدث فيها شيوخ مختلفون كل مساء.
برامج الوقاية في المدارس :
تنظّم وزارة التربية محاضرات وبرامج في مدارس المملكة لتعليم وتحذير التلاميذ في سن مبكرة من مخاطر التطرف وآثار الإرهاب والعنف. ومن خلال الكتب والنشرات والمواد التي توزع في المناسبات، تهدف البرامج إلى تنوير آباء التلاميذ والعائلات. ووفقاً لما تقوله وزارة الداخلية، فإن خمسة أشخاص في المتوسط يقرأون المطبوعات التي توزع في المدارس، ويأخذها التلاميذ معهم إلى منازلهم. وتنظّم المدارس مسابقات في الكتابة ومنافسات فنية، يتم تشجيع كل التلاميذ على المشاركة فيها. ويصوّر التلاميذ في هذه التمارين موضوعات مختلفة، مثل تأثير الإرهاب على السكان ودور الجمهور في حماية البلاد من الإرهاب. وعادة ما يتم الإعلان في بداية الأسبوع عن موضوع يكون محور النشاطات المختلفة، فيما يتم في نهاية الأسبوع منح جوائز لأفضل المقالات واللوحات. وتطبق هذه البرامج، التي توصف من جانب المسؤولين السعوديين على أنها تشبه برامج التوعية الأميركية الخاصة بالمخدرات، أو حملات التشجيع 8 الاستراتيجية السعودية الليّنة في مكافحة الإرهاب: الوقاية وإعادة التأهيل والنقاهة على «شرب الحليب »، إلى جانب المناهج الدراسية العامة، وتنفذ بدورها في كل أنحاء البلاد محافظة إثر محافظة. وتسعى هذه البرامج إلى تثقيف التلاميذ بمخاطر الإرهاب وتعزيز الروح الوطنية. وشملت النشاطات الأخرى نقاشات وعروضاً، مدعومة من وزارة الداخلية، في المدارس والجامعات، وجلسات خاصة تقدم فيها معلومات عن فرص التوظيف لتشجيع الشباب على الانخراط في الأجهزة الأمنية لخدمة بلدهم والمساعدة في حماية الجمهور من التطرف. وكمثال على هذا أشارت صحيفة الرياض في تشرين الثاني/نوفمبر 2006 ، إلى الكيفية التي تم بها استغلال مسرحية عرضت في إحدى الكليات لترويج رسائل الاعتدال.
وفي سياق هذه الحملة الواسعة، تستمر البرامج والنشاطات في المدارس السعودية كل أسبوع. وطبقاً لبعض التقديرات الحكومية، تجري كل يوم حوالي سبعة نشاطات مختلفة تهدف إلى تقليص الدعم العلني والسري للتطرف في آلاف المدارس في كل أنحاء المملكة.
وقامت الحكومة كذلك بخطوات لمكافحة عمليات التجنيد الإرهابي في المدارس. وغالباً ما يؤكد المسؤولون السعوديون على أن أكبر مصدر للميل إلى التطرف في النظام التعليمي هم «المدرسون المنحرفون » الذين يسيئون استغلال وقتهم مع التلاميذ بمناقشة قضايا خارج المنهاج الدراسي، مثل السياسة والدين والدفاع عن المواقف المتطرفة. وقد تم تطبيق عملية مراقبة للمدرسين، يتم في نهايتها إرسال المعلمين المثيرين للمشاكل إلى كلية الملك فهد للعلوم الأمنية كي يتم إعادة تدريبهم. وبعد حضور سلسلة من خمس جلسات عن التطرف والإرهاب، يتم تعيين المدرسين الذين يواصلون الخروج على المنهاج الدراسي بطرق خطيرة في مناصب إدارية بعيداً عن التلاميذ فيما يتم، على ما يبدو، طرد أولئك الذين لايمكن إعادة تدريبهم. وكما تمت الإشارة في مواضع أخرى، يخضع المنهاج الدراسي لعملية مراجعة شملت حذف أو توضيح فقرات تجد الحكومة أنها موضع اعتراض. وقد تعرّضت عملية التنقيح للعرقلة، بسبب مزاعم بأن بعض المواد التي حذفت خلال عملية المراجعة أعيدت من قبل آخرين يعارضون عملية تحرير المناهج. ففي آب/أغسطس من العام 2006 ، ذكرت صحيفة «الوطن » أن وزارة التربية فرضت قيوداً جديدة على الرحلات المدرسية للحيلولة دون تعرض التلاميذ إلى آراء غير مصرح بها.
شاركت المحافظات وحكومات الإمارات السعودية في هذه الحملة الواسعة. ففي إمارة عسير، تعاونت حكومة الإمارة التي كان يتولى إدارتها آنذاك الأمير خالد الفيصل، مع وزارات التربية والثقافة والإعلام ووسائل الإعلام المحلية في إصدار كتاب عما قامت به الإمارة في مجال التوعية بالمخاطر التي يمثلها الإرهاب والتطرف. وفي كانون الأول/ديسمبر 2006 ، أوردت صحيفة «المدينة » أن الأمير عبدالمجيد بن عبدالعزيز، الذي كان أمير مكة آنذاك، أيد إطلاق حملة مناهضة الإرهاب في مدارس الإمارة. ونظمت وزارة التربية محاضرات ولقاءات مع ضباط أمن لمناقشة عملهم، بينما ركزت البرامج الإذاعية على البرنامج الذي استمر عاماً كاملاً. ونفذت برامج مشابهة في جيزان في أيلول/سبتمبر 2006 وفي مدن الراس وحائل في ربيع العام 2007 .
إضافة إلى هذه الإجراءات، قامت الدولة بعدد آخر من المحاولات اللينة لمكافحة التطرف تهدف إلى محاربة إغراء الإسلام المتطرف. وقد شملت هذه المحاولات خطوات عامة كإصلاح التعليم والحد من الفقر، وتعزيز مؤسسات الدولة. وأسهمت في تلك المحاولات إصلاحات النظام القضائي، وخطوة إعادة هيكلة نظام السجون. وتم بناء خمسة سجون تهدف جميعها إلى تسهيل عملية إعادة تأهيل ودمج المتطرفين والمتشددين.
حملة المعلومات العامة والاتصال :
مثّلت الحملة الشاملة للمعلومات العامة والتوعية جانباً أساسيا من البرنامج الوقائي
السعودي. وتهدف هذه الجهود إلى تعزيز التعاون بين الدولة والجمهور، وتسليط الضوء على الضرر الذي تسبب فيه الإرهاب والتطرف، ووضع حد لدعم الجمهور وتسامحه مع المعتقدات المتطرفة.
في أعقاب تفجيرات الرياض في العام 2003 ، والحملة التالية التي بدأها تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية، وضعت الحكومة السعودية لافتات ولوحات في أنحاء الرياض تركّز على شرور الإرهاب. ولفتت اللوحات، التي علقت على المفارق والتحويلات في الطرق الرئيسة، الأنظار إلى المذابح التي سببتها الهجمات وحملت شعارات مثل: «ديننا يرفض الإرهاب ،» و »كلنا يقول لا للإرهاب ». كانت صور الفظائع تجاور صور المؤمنين وهم يصلون داخل الحرم المكي، إضافة إلى صور التقطت من مواقع بعض الهجمات وصور أخرى لحطام سيارات مفخخة كُتب فوقها: »هل هذه هي أفعال أبناء أمتنا؟ » كانت بعض اللوحات تهدف إلى تعزيز التعاون بين الشرطة وضباط الأمن العام وبين الجمهور. وظهرت في إحداها صورة يدين متصافحتين، إحداهما لشخص يرتدي الدشداشة التقليدية والأخرى لآخر بالملابس الرسمية. كان الهدف من هذه الصورة وصور أخرى، حث الجمهور على التعاون مع رجال الأمن وإظهار أن الحكومة والشعب يعملان سوية للحفاظ على السلامة العامة. وهكذا تم دمغ المتطرفين والمتعاطفين معهم بوصفهم أغراباً لا يعملون 10 الاستراتيجية السعودية الليّنة في مكافحة الإرهاب: الوقاية وإعادة التأهيل والنقاهة لمصلحة الناس بل لخدمة أجنداتهم الخاصة. وركّزت بعض الصور الأخرى على نشاطات رجال الأمن وهم يشاركون في الهجمات المفاجئة، ويتبادلون إطلاق النار مع الإرهابيين، ويحملون الضباط الذين يصابون أثناء أداء الواجب. وصوّر البعض الآخر عمال الأمن والطوارئ في موسم الحج، وهم يقدمون العون إلى الأطفال وكبار السن والمرضى من الحجاج. وسعت كل الصور إلى نقل فكرة أن الدولة تحمي المدنيين المسلمين وتعمل من أجل صالحهم.
وسعت الحملة كذلك إلى تسليط الضوء على التضحيات التي قدمها ضباط الأمن. فقد ظهرت في أحد الملصقات صور كل رجال وضباط الأمن الذين قتلوا وهم يحاربون الإرهاب، وعليها عبارة تقول: «هؤلاء الرجال قتلوا وهم يحمونكم من الإرهابيين ». وتم توزيعها على نطاق واسع في كل أنحاء المملكة، شأنها في ذلك شأن ملصقات أخرى، وعلقت جميعها بشكل بارز في أماكن عامة.
إعادة التأهيل :
يشكّل برنامج الإرشاد لب الاستراتيجية السعودية لإعادة التأهيل، وهو محاولة شاملة لإعادة تأهيل وتثقيف المتطرفين والمتعاطفين معهم، من خلال نقاشات دينية مكثفة ونصائح نفسية لفك ارتباطهم بالتطرف، ولتشجيع المتطرفين على إدانة «المعتقدات الإرهابية »، وخصوصاً عقيدة التكفير. وتتم دعوة المذنبين في المجال الأمني  بصرف النظر عن جرائمهم الفردية إلى المشاركة في عملية إعادة التأهيل. وعندما تستكمل العملية، فإن الأشخاص المستعدين لإدانة معتقداتهم السابقة يصبحون مؤهلين للإفراج عنهم. ويؤكد مسؤولو وزارة الداخلية على أن «الأفراد الملطخة أيديهم بالدماء » والذين يُكملون برنامج إعادة التأهيل لن يتم الإفراج عنهم بصورة مبكرة.
لايعتمد برنامج الإرشاد على مبدأ الثواب والعقاب، بل على فرضية الميل إلى فعل الخير، بمعنى أن الدولة لاتسعى إلى الانتقام من خلال البرنامج. وهو ينطلق من فرضية أن المشتبه فيهم تعرضوا للكذب والتضليل، من جانب المتطرفين كي ينحرفوا عن الإسلام الحقيقي. ويؤكد مسؤولو الأمن السعوديون أن المتطرفين يؤثرون سلباً على الأشخاص الذين يرغبون في معرفة المزيد عن دينهم، ومن ثم يفسدونهم من خلال احتكاكهم بأيديولوجياتهم المتطرفة. ويُعد التلاعب بالسذج  بمن فيهم أولئك الذين يتوقون لأن يصبحوا أكثر ورعاً  موضوعاً متكرراً في برامج مكافحة الإرهاب السعودية. وتؤكد الحكومة للمحتجزين وعائلاتهم، بشكل متكرر، أنها ترغب في مساعدة سجناء القضايا الأمنية في العودة إلى الطريق القويم. لذا يقدم الإرشاد بوصفه مساعدة لضحايا الميل إلى التطرف لاعقوبة للمخالفين.
تنظيم برنامج الإرشاد :
يقدم برنامج الإرشاد من قبل مجموعة تسمى «اللجنة الاستشارية » في وزارة الداخلية برئاسة الأمير محمد بن نايف. الرياض هي المقر الرئيس للجنة، ولها ممثلون دائمون في سبع مدن كبرى.
ويقوم أعضاؤها بزيارة السجون في أنحاء البلاد ويلتقون مع المحتجزين فيها. وتتكّون اللجنة من أربع لجان فرعية هي: اللجنة الدينية الفرعية، واللجنة النفسية والاجتماعية الفرعية، واللجنة الأمنية الفرعية، واللجنة الإعلامية الفرعية.
اللجنة الدينية الفرعية هي أكبر اللجان، وتتألف من 150 من رجال الدين والعلماء والأساتذة الجامعيين، وهي تشارك بشكل مباشر في الحوارات مع السجناء، إضافة إلى النقاشات الدينية والتعليمات التي تشكّل العملية الإرشادية. وتتم مفاتحة رجال الدين بشكل شخصي ويسألون عما إذا كانوا يرغبون في المشاركة في نشاطات اللجنة ولقاء المحتجزين. ويعد أسلوب الاتصال واحداً من أهم العوامل في اختيار أعضاء اللجنة الفرعية. وعندما يلتقي رجل الدين مع المحتجز، فلا ينبغي له أن يلقي عليه محاضرة، بل أن يدخل في حوار معه. وأحد المعايير المستخدمة في تقييم أسلوب الاتصال، هو ما إذا كان العالم يتحدث إلى المحتجز بوصفه «أخاه »، وما إذا كان دافعه الحب والعطف والرغبة في تقديم العون إليه. ولم تتم دعوة عدد من أعضاء اللجنة الفرعية إلى العمل مع المحتجزين من جديد، بعد أن اتضح أن أسلوبهم لم يكن مشجعاً للحوار. وعلاوة على ذلك، يتم اختيار رجل دين للتحدث مع المحتجز إذا لم ينجح أحد أعضاء اللجنة في جذبه.
ولأن هناك عدداً كبيراً من علماء الدين في المملكة العربية السعودية، تستطيع اللجنة اجتذاب مجموعة كبيرة من المشاركين. واستناداً إلى مقابلات مع مسؤولين سعوديين، تمكن العلماء المشاركون من التعرف إلى الخطر الذي يمثله «الفهم الفاسد » و »التفسير الخاطئ للعقيدة الصحيحة » على الدين والدولة، ولذا فهم يندفعون إلى المساعدة في توجيه الشباب على العودة إلى جادة الصواب.
12 الاستراتيجية السعودية الليّنة في مكافحة الإرهاب: الوقاية وإعادة التأهيل والنقاهة لا تعلن اللجنة الفرعية عن أسماء الشيوخ والعلماء المشاركين. وهناك بعض الأعضاء ممن يتحدثون علانية ويوافقون على إجراء مقابلات، غير أن معظمهم يفضلون العمل بصمت.
أما البعض الذين ينأون بأنفسهم عن الدعاية، فإنهم يفعلون ذلك لأنهم يعتقدون بأنهم منخرطون في هذا العمل لوجه الله فقط، وأن الله سيجازيهم خير الجزاء إن هم لم يسعوا إلى الحصول على الثناء. ويعمل البعض الآخر بصمت لأنهم يخشون من الانتقام العنيف، إذا ما تم الكشف عن ارتباطهم ببرنامج الإرشاد، أو لأنهم لا يرغبون في أن ينظر إليهم على أنهم يشاركون في المبادرات الحكومية. وفي غضون ذلك، يتوق بعض العلماء والأكاديميين إلى المشاركة بهدف الترويج لأنفسهم، حيث لم تطلب اللجنة الاستشارية ذلك منهم.
تتكون اللجنة النفسية والاجتماعية الفرعية من حوالي 50 من علماء النفس والأطباء النفسانيين وعلماء الاجتماع والباحثين. والأعضاء مسؤولون عن تقييم الوضع الاجتماعي للسجين، وتحليل أي مشكلات نفسية يعانيها، وتقييم سلوك السجين وطواعيته خلال البرنامج.
ويشارك أعضاء هذه اللجنة في بعض اللقاءات الإرشادية والحوارية، ولاسيما في جلسات البحث الطويلة. ويتفاعل علماء الاجتماع وعلماء النفس مع المحتجزين باستمرار، ولذلك فإنهم قادرون على تقييم تقدمهم. وتقيّم هذه اللجنة كذلك، مشاركة المحتجز، في محاولة لتقرير ما إذا كانت عملية إعادة التأهيل حقيقية. ولأن كثيراً من المرشدين يعيشون أو يمضون وقتاً طويلاً مع المحتجزين، فإنهم يتعرفون عليهم بشكل جيد. ويقال إن هذا الاتصال الوثيق، إضافة إلى عمليات الاختبار النفسية والسوسيولوجية وطرق التقييم الأخرى، تساعد في تقليص عدد عمليات المراجعة الذاتية الانتهازية أو الخادعة.
كما أن اللجنة النفسية والاجتماعية الفرعية مسؤولة عن تقرير نوع الدعم الذي قد
يحتاجه المحتجز وعائلته بعد الإفراج عنه، لتعويض المصاعب التي تسبب فيها سجنه وتقليص فرص تحوّل أفراد آخرين من عائلته إلى التطرف. وترغب الحكومة كذلك في التأكيد على أنها لا تسعى إلى معاقبة المحتجزين أوعائلاتهم. ويعزز هذا الموقف وجهة النظر الخيّرة تجاه البرنامج، ويعتبر جانباً حاسماً في نجاحه. وللحفاظ على إطار الرحمة وإعادة التأهيل، تحرص الحكومة على الطريقة التي تنخرط من خلالها مع أفراد عائلة المحتجز. وطبقاً لما يقوله الأمير محمد، فإن العائلة ترغب في الشعور بأن كل ما يتم القيام به هو لصالحها وصالح ابنها العزيز، وكلما ازداد انخراط العائلة في عملية إعادة التأهيل، كلما ازدادت احتمالات مشاركتها فيها.
تعمل الحكومة السعودية جاهدة، من خلال هذا البرنامج وبرامج أخرى، على إيضاح حقيقة أن المتطرفين لا يهمهم الإنسان، وأنهم يسعون إلى استغلال الشباب لمجرد تحقيق أجنداتهم، التي غالباً ما تكون عنيفة. ومن جانب آخر تعمل الحكومة جاهدة لإظهار أنها تهتم تماماً بكل فرد، وأنها لذلك ستفعل كل ما يتطلبه الأمر لدعم ورعاية شخص ما. ويمثل هذا جانباً أساسياً من البرنامج وحجة رئيسة تستخدمها في «حرب الأفكار .»
تؤدي اللجنة الأمنية الفرعية عدداً من الوظائف، لكنها ليست كلها معروفة علناً. وتقيّم اللجنة السجناء لجهة المخاطر الأمنية التي قد يشكلونها، وتقدم توصيات بشأن الإفراج عنهم، عبر الاستعانة بمعلومات من اللجنة الدينية الفرعية واللجنة النفسية والاجتماعية الفرعية.
وتقدم اللجنة أيضاً المشورة إلى السجناء في شأن كيفية التصرف عند الإفراج عنهم، وكيفية تجنب الوقوع في مواجهات مع السلطات مستقبلاً. وتعتبر مراقبة المحتجزين بعد مغادرة السجن أساسية في عمل هذه اللجنة. ويتم إبلاغ خريجي البرنامج، ممن سيفرج عنهم قريباً، بأنه ستتم مراقبتهم سراً وعلانية، وأن استمرار تمتعهم بالحرية يعتمد على بقائهم بعيدين عن أصدقائهم السابقين وعاداتهم السابقة. ويتم إخطارهم بمن يمكنهم مخالطته ومن لايمكنهم، كما يُطلب إليهم مراجعة اللجنة الفرعية. ومن المتفق عليه أن يراجع المشاركون في البرنامج اللجنة بانتظام.
يبقى أعضاء اللجنة الدينية الفرعية واللجنة النفسية والاجتماعية الفرعية على اتصال مع خريجي البرنامج. ويقوم رجال الدين بالتشاور مع شركائهم السابقين في الحوار، فيما يواصل المحتجزون السابقون الدراسة مع الشيوخ الذين كانوا يقدمون لهم النصح والمشورة في السجن. وعند الإفراج عنهم، يتم تشجيعهم على متابعة هذا التواصل واللجوء إلى الشيوخ أوالأطباء كلما احتاجوا لذلك- وهو أمرٌ يحدث بشكل شبه منتظم، حسب قول أعضاء اللجنة النفسية والاجتماعية الفرعية. في غضون ذلك، تستمر الزيارات الدورية من قبل أعضاء اللجنة الاستشارية للمشاركين السابقين في البرنامج لضمان أن تسير الأمور كما هو مخطط لها وللتأكد من عدم وجود أية مشاكل. وفيما يتطوّع الكثيرون من أعضاء اللجنة الاستشارية للقيام بهذا الأمر بكل اندفاع، وخاصةً رجال الدين الذين يعتبرون أن الله هو الذي يأمرهم بالقيام بذلك، إلا أن مراقبة السجناء السابقين في قضايا أمنية تبقى جزءً من مسؤوليتهم.
أما اللجنة الإعلامية الفرعية، التي تركِّز على تقديم الخدمات والتعليم، فتأخذ على عاتقها توفير المواد الخاصة بالبرنامج، إلى جانب المواد التعليمية الأخرى لاستخدامها في المدارس والمساجد. وقد قامت اللجنة بإجراء بحث موسَّع عبر الإنترنت والإذاعة والتلفزيون ووسائل الإعلام المكتوبة، وتوصلت إلى أن أفضل طريقة تمكّنها من الوصول إلى جمهورها المستهدف- من الشباب السعوديين الذين يُعتبرون أكثر شريحة معرضة لخطر التجنيد على يد المتطرفين- 14 الاستراتيجية السعودية الليّنة في مكافحة الإرهاب: الوقاية وإعادة التأهيل والنقاهة هي صلاة الجمعة. وهكذا فإن قسماً كبيراً من عمل اللجنة يتم توصيله إلى عامة الناس عبر المساجد وبعض الفعاليات، كالمحاضرات والحلقات الدراسية التي تُعقد في المساجد.
تسعى هذه اللجنة الفرعية، عبر المواد التي تستخدمها، للتأكيد على رسائل عدة، من بينها المفهوم القائل إن المتطرفين يستغلون المتطوعين لترقية قضيتهم، وإن من وافقوا المتشددين في الرأي أساءوا فهم المبادئ الأساسية التي يقوم عليها الإسلام. ومن الأمثلة على المواد التي تقدمها اللجنة الإعلامية الفرعية البرنامج التلفزيوني الذي يتناول موضوع أحد الأشخاص الذي تم تجنيدهم للقيام بهجوم إرهابي. وعندما علم هذا الشخص، وهو شاب سعودي، بأن الهجوم سيكون عملية انتحارية، رفض تنفيذه، لكن الإرهابيين خدعوه وقاموا بتفجير المتفجرات التي كان يحملها بالتحكم عن بعد. نجا الشخص الذي ظهر في البرنامج، إلا أنه أُصيب بتشوهات بالغة. كانت رسالة البرنامج واضحة تماما: التورط مع الإرهابيين يؤدي إلى عواقب وخيمة لك ولأفراد أسرتك كافة. وهذه القصة تشبه إلى حدٍّ كبير قصة واقعية لأحد المشاركين المشهورين في برنامج إعادة التأهيل، ويُدعى أحمد الشايع، وهو شاب سعودي تورط في الهجوم على السفارة الأردنية في بغداد عبر تفجير قاطرة وقود ما أودى بحياة 12 شخصاً. وتم الإبلاغ عن عدد من القصص المماثلة في أوائل العام 2008 ، شملت استغلال اثنتين من النساء المتخلفات عقلياً للقيام بعمليات انتحارية في بغداد.
تقوم اللجنة الإعلامية الفرعية بتوفير الكتب والنشرات والمواد الأخرى المستخدمة في البرنامج. وبالتنسيق مع وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد ووزارة التربية، تساهم اللجنة أيضاً في تنظيم المحاضرات في المساجد والمدارس. ومن خلال هذه الجهود تمكنت اللجنة الاستشارية من إيصال رسالتها إلى شريحة واسعة من الناس في المساجد والمدارس وأيضاً في المخيمات والنوادي الصيفية.
المشاركون في البرنامج :
وفقاً لدراسة مهمة أجرتها اللجنة الاستشارية، فإن الأغلبية الساحقة من المعتقلين الذين شاركوا في برنامج إعادة التأهيل لم يتلقوا تعليماً دينياً ملائماً في طفولتهم. وقد شملت هذه الدراسة 639 مشاركاً في البرنامج، ممن كانوا ناشطين في المملكة العربية السعودية حتى العام 2004 ، حيث أجرت مسحاً لخلفياتهم الاجتماعية وأساليب تنشئتهم، علماً أن أياً منهم لم يقم بأي عمل إرهابي في الداخل. وأشارت الدراسة إلى أن المعتقلين كانوا بشكلٍ عام من فئة الشباب )في العشرينات من العمر(، وأن عائلاتهم تنتمي إما للطبقة الوسطى أو الفقيرة )أي أن عدد الأبناء فيها يتراوح بين سبعة وخمس عشرة(، وأن آباءهم وأمهاتهم لم يتلقوا إلا تعليما محدوداً، أما عدد الذين ينتمون إلى عائلات ثرية فقد تبين أنه كان محدوداً جداً. وتب أن قرابة ثلث المشاركين فيها سافروا إلى الخارج، وتحديداً إلى أفغانستان أوالصومال أوالشيشان، بهدف شن الجهاد. كما تب أن معظمهم كان يمتلك فهماً قاصراً للإسلام. وهذه نقطة مهمة وحساسة يستشهد بها المسؤولون السعوديون للتدليل على النجاحات النسبية التي حققها برنامج إعادة التأهيل حتى الآن. فضلاً عن ذلك بيَّنت الدراسة أن معظم المعتقلين لم يكملوا التحصيل العلمي الأساسي والعلوم الدينية الصحيحة. كما تب أن معظم الذين قاموا بانتهاكات أمنية داخل المملكة تم تحويلهم إلى راديكاليين عبر الوسائل التي أضحت معروفة للجميع وهي: الكتب والأشرطة المسموعة والمرئية ومؤخراً الإنترنت.
انبثق عن هذه الدراسة عدد من الحقائق المثيرة للاهتمام. أولاً، تب أن ربع المشاركين ال639 في البرنامج كانوا من أصحاب السوابق الجنائية؛ حيث اعتقل نصف هؤلاء بتهم تتعلق بالمخدرات. والحقيقة الثانية تتعلق بمعرفتهم بأمور الدين. ووفقاً لما يقوله مسؤولو البرنامج، فإن معرفة الكثير من المعتقلين المشاركين في البرنامج بالإسلام كانت كانت ضئيلةً نسبياً، وأن رغبتهم بأن يكونوا أكثر تديناً هي التي قادتهم إلى الاتصال بالمتطرفين الذين نشروا بينهم فهماً فاسداً للإسلام. لكن الذي كان مخالفاً للتوقعات هو أن نسبة قليلة جداً من هؤلاء )لا تتجاوز الخمسة بالمائة( سبق لهم ممارسة العمل في وظائف دينية، كأئمة مساجد أو أعضاء في هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
ويرى أعضاء اللجنة الاستشارية أنه بالنظر إلى أن هؤلاء الأشخاص لم يتلقوا تعاليم دينهم بالشكل الصحيح منذ البداية، فإنهم كانوا عرضةً للتأثر بالدعاية التي يبثها المتطرفون.
ولذلك فإن البرنامج الإرشادي يسعى إلى تغيير الفهم المغلوط للإسلام لدى المعتقلين وإعادة تعريفهم بالصيغة الرسمية من الدين. ويتم هذا الأمر عبر عملية معقدة تنطوي على إرشادات وحوار في أمور الدين وتوجيه نفسي ودعمٍ اجتماعي مكثَّف.
كانت قدرة المملكة العربية السعودية على حشد سلطتها الدينية الهائلة لإضفاء الشرعية على عملية الحوار من أهم عوامل نجاح العملية. كما أن وجود بعض الأشخاص في اللجنة الاستشارية ممن كانوا سابقاً في صفوف المتشددين ومنتقدي النظام، يضفي على هذه العملية مصداقية كبيرة لدى المشاركين في البرنامج، لاسيما وأن الدعوة التي نادى بها 16 الاستراتيجية السعودية الليّنة في مكافحة الإرهاب: الوقاية وإعادة التأهيل والنقاهة أولئك الأشخاص هي التي قادتهم إلى الميل إلى التطرف. ليس بالمستطاع التقليل من أهمية هذا العامل، فالمعتقلون لا يمكن أن يتحاوروا مع شخصيات دينية تفتقر إلى المصداقية في أعين الأصوليين ومؤيديهم.
على صعيد آخر، يُعتبر الاهتمام بالاحتياجات الاجتماعية للمعتقلين عنصراً أساسياً، ليس في البرنامج الاستشاري وحسب، بل أيضاً في البرامج الليّنة كافة لمكافحة الإرهاب في المملكة.
وتقوم اللجنة النفسية والاجتماعية الفرعية بتقييم كل مشترك على حدة لتحديد الطريقة الأمثل التي تستطيع اللجنة الاستشارية من خلالها تقديم المساعدة له ولعائلته. على سبيل المثال، عندما يتم اعتقال رب الأسرة تقوم اللجنة بتقديم راتب بديل إلى أسرته. ويتفاوت مقدار هذا الراتب البديل وفقاً لطبيعة كل قضية على حدة. كما يتم الاهتمام بالاحتياجات الأخرى لأسرة المعتقل وتسهيل توفرها، مثل تعليم أبنائه وتوفير الرعاية الصحية لأسرته. والهدف من هذه المساعدات هو تعويض الأسرة عن أية مصاعب ومنع الميل إلى مزيد من التطرف بسبب اعتقال وسجن أحد أوبعض أفرادها. وتدرك الحكومة جيداً أنها في حال لم تقم بتقديم هذا الدعم، فإن العناصر المتطرفة على الأرجح ستدخل على الخط لتقوم بالمهمة. فضلاً عن ذلك، لايكون الاهتمام بالاحتياجات الاجتماعية للمعتقل حكراً على المشاركين بالبرنامج الاستشاري بل يتم الالتفات إلى احتياجات الآخرين أيضاً، بمن فيهم العائدون من معتقل خليج غوانتانامو في كوبا، والانتحاريون الذين تم اعتراضهم قبل قيامهم بتنفيذ عملياتهم، وأولئك الذين ذهبوا أو حاولوا الذهاب إلى العراق بهدف القتال. وكما سبق وأسلفنا، فإن مسؤولية تقييم الظروف الاجتماعية للعائلات واحتياجاتها كمحاولة لمنعها من الميل إلى التطرف مستقبلاً تقع على عاتق وحدة مستقلة ضمن وزارة الداخلية بإشراف الأمير محمد.
ألمح بعض المراقبين والتقارير الصحافية في الغرب، وأيضاً بعض المقالات الدورية في الصحافة السعودية، إلى أن الحكومة السعودية إنما تقوم من خلال توفيرها لهذه الخدمات بشراء صمت هذه العناصر المزعجة أوضمها إلى معسكرها. لكن مثل هذا المزاعم لاتركّز في الحقيقة إلاعلى الجوانب المالية والمادية للجهود التي تبذلها المملكة لإعادة تأهيل هؤلاء الشباب.
ولاريب أنه لاينبغي صرف النظر عن هذه الجهود، بل يجب النظر إليها وفقاً لأهميتها، لكن إلى جانب ذلك، هناك ذلك الكم الهائل من الدعم الروحي والنفسي والعاطفي والفكري غير الملموس الذي يتم توفيره للمشاركين في هذا البرنامج ولأسرهم أيضاً، والذي نادراً ما يشير إليه النقاد إن هم أشاروا إليه أصلاً. فالكثير من الاحتياجات التي تلبيها اللجنة الاستشارية غير ظاهرة، ومن هنا يتم التركيز بشكلٍ غير متكافئ على الدعم الاجتماعي.
العملية الإرشادية :
تجري العملية الإرشادية داخل السجن وخارجه. فإعادة التأهيل تبدأ في السجن، وفي نهاية المطاف يُنقل المشاركون إلى مؤسسة خارج السجن لاستكمال عملية إعادة التأهيل. وعندما يلتقي أعضاء اللجنة الاستشارية بأحد السجناء لأول مرة، فإنهم يؤكدون على أنهم غير موظفين لدى وزارة الداخلية أومرتبطين بالأجهزة الأمنية، بل مجموعة من العلماء الذين يتمتعون بالاستقلالية والصلاح. عندما تم البدء بهذا البرنامج الإرشادي، لم تسر اللقاءات بين المرشدين والمعتقلين على ما يُرام. وقال العديد من أعضاء اللجنة إن المعتقلين رفضوا الاجتماع برجال الدين، واتهموهم بالتآمر مع «الكفار ». إلى جانب ذلك اتُّهمت الحكومة بالتحايل لخداع أولئك الرجال الضعفاء والأتقياء في السجن، كما اتّهم المتشددون كل من شارك في البرنامج الإرشادي بأنه يعمل جاسوساً لدى الحكومة. وغالباً ما كان المعتقلون يعتقدون أن عملية الحوار ليست سوى شكل آخر من أشكال الاستجواب. بيد أن العديد من المسؤولين في وزارة الداخلية يرفضون الربط بين عملية الاستجواب وعملية الحوار والإرشاد. ويقولون إن الشخص المعتقل لايحق له دخول البرنامج الإرشادي إلا بعد الانتهاء من مرحلة الاستجواب.
مع مرور الوقت، وبعد أن أصبح هذا البرنامج معروفاً بشكلٍ أفضل، تراجعت حدة العداء وأصبح التواصل مع المعتقلين أكثر سهولةً. والآن لايقوم أعضاء اللجنة الاستشارية، خلال اللقاء الأول، إلا بالاستماع للمعتقلين. يسألونهم عن الأفعال التي ارتكبوها والأسباب التي دفعتهم إلى ذلك والظروف التي أدت بهم إلى دخول السجن. وهكذا يدخل رجال الدين في نقاش حول المعتقدات الدينية للمعتقلين، ثم يحاولون إقناعهم بأن المبرر الديني لما قاموا به خاطئ وينم عن فهم فاسد للإسلام. فهم أولاً يبيّنون لهم كيف تم استدراجهم إلى تبني هذا التصور الخاطئ عن الإسلام، ثم يعلِّمونهم التفسير الذي تتبناه الدولة للإسلام. في أيلول/ سبتمبر 2005 نشرت صحيفة «الشرق الأوسط » مقابلة كانت قد أجرتها مع الشيخ عبدالمحسن العبيكان الذي وصف خلالها بإيجاز العملية الإرشادية، حيث قال: «تُقدَّم النصيحة عبر جلسات النقاش التي تتم في مكان ملائم. ويُطلب إلى المعتقل أن يعبِّر عن الشكوك كافة التي تساوره والأدلة التي يستند إليها، بعد ذلك تتم مناقشة هذه الأمور معه حتى يتم إيصاله إلى حقيقة ومعنى تلك الأدلة .»
تتم في البداية جلسات الحوار بشكلٍ انفرادي، وخاصةً تلك التي تُعقد داخل السجن؛
)في بداية البرنامج كان مجموعة من الشيوخ يلتقون معاً مع كل معتقل على حدة. لكن 18 الاستراتيجية السعودية الليّنة في مكافحة الإرهاب: الوقاية وإعادة التأهيل والنقاهة تم التخلي فيما بعد عن هذا الأسلوب باعتباره عقيماً(. كانت هذه النقاشات تتم إما بشكلٍ رسمي أوغير رسمي، حيث كان جزء كبير من العملية الإرشادية يعتمد على شخصيات وميول المشاركين فيها. بعد ذلك، وخاصةً بعد انتقال المعتقلين إلى «مركز الرعاية لإعادة التأهيل ،» لاتعود الجلسات تقتصر فقط على المحاضرات الدينية، بل يتم تشجيع المعتقلين على النقاش والحوار، كما يقول الشيخ أحمد الجيلاني. وفي حين أن بعض الجلسات الإرشادية تتم داخل قاعات دراسية، فإن بعضها الآخر يقام في أماكن غير رسمية، وهي تشتمل في أغلب الأحيان على محادثات وحوارات تتعلق بالأمور اليومية. وفي الوقت ذاته يعمل أعضاء اللجنة على تقييم المشاركين في البرنامج.
تشرف اللجنة الاستشارية على برنامجين؛ الأول يتكون من جلسات قصيرة تستمر الواحدة منها قرابة الساعتين. وبالرغم من أن بعض السجناء يعلنون تراجعهم عن معتقداتهم بعد جلسة واحدة، إلا أنهم يحضرون عادة جلسات عدة. أما الجلسة الثانية، والتي يُطلق عليها جلسات الدراسة المطوَّلة، فتتكون من دورات مدة الواحدة منها ستة أسابيع، حيث يُخصَّص رجلا دين وعالم اجتماع لكل 20 طالباً. وخلال هذه الدورة تتم دراسة 10 مواد يتم التطرق فيها إلى مواضيع مثل التكفير والولاء والبيعة والإرهاب والأسس الشرعية للجهاد ودورات نفسية عن احترام الذات. كما يتم تلقينهم دروساً حول مفاهيم الزعامة الدينية ومركزية الإفتاء والتشريع الذي يقوم به العلماء وأهمية السلطة وضرورة الاعتراف بالمصادر الشرعية للمعرفة، إضافة إلى تعليمهم كيفية تجنب الكتب والمؤثرات المضلِّلة والمفسدة. ويتم أيضاً تسليط الضوء على مواضيع مثل الخيانة والفتنة وإباحة العنف، إلى جانب المواضيع التي تسميها السلطات السعودية ب «الأمن الأيديولوجي ». في نهاية الدورة يخضع المشاركون إلى امتحان؛ وينتقل الذين ينجحون في هذا الامتحان إلى المرحلة التالية، التي تُسمى مرحلة التوصية بالإفراج عنهم )شريطة أن يكونوا قد استوفوا شروط الإفراج عنهم(؛ أما الذين لا ينجحون فإنهم يعيدون الدورة من جديد. لكن هذه العملية ليست واضحة المعالم على الدوام.
برامج النقاهة :
تتكوّن برامج النقاهة التي تشرف عليها وزارة الداخلية من مبادرات عدة، من بينها برنامج انتقالي للمعتقلين من أجل تسهيل عودة انخراطهم في المجتمع، وبرامج لإعادة دمج العائدين من معتقل غوانتانامو، وسياسات تساعد في الحيلولة دون قيام المعتقلين الذين يُطلق سراحهم بارتكاب جرائم جديدة. وجميع هذه البرامج تلجأ إلى الشبكة الاجتماعية المحيطة بالفرد، مثل ضمان تعاون الأسرة في المساعدة على حماية المعتقل الذي يتم الإفراج عنه من الانحراف مجدداً. ويتم نقل السجناء الذين اجتازوا عملية إعادة التأهيل بنجاح وحازوا رضا الشيوخ والأطباء وعلماء النفس المسؤولين عن البرنامج، إلى مركز خارجي متخصص يُسمى «مركز الرعاية لإعادة التأهيل » لتسهيل عودتهم إلى المجتمع. ويوفّر هذا المركز الذي تأسس منذ بضع سنوات ويضم قسما مخصصا للسكن، بيئة مختلفة تماماً عن بيئة السجن. يعيش المعتقلون مع بعضهم بعضاً ضمن مهاجع، ويقومون بتحضير وجبات جماعية، كما تُتاح لهم إمكانية التمتع بساحات عشبية والخروج إلى الهواء الطلق- وهذا الإجراء الأخير مختلف بالتأكيد عن نمط الحياة التي أمضوها في السجن. فضلاً عن ذلك، لا يرتدي الحراس الموجودون في المركز اللباس الرسمي الموحّد، كما أنهم غالباً ما يختلطون مع المشاركين في البرنامج ويشاركونهم بعض الألعاب مثل كرة القدم والكرة الطائرة. ويتوّفر للمعتقلين العديد من الأنشطة الترفيهية وأنشطة وقت الفراغ، والتي تُعتبر مهمة جداً في محاربة الميل إلى التطرف، ليس لأنها تبني روح التعاون وحسب، بل لأنها أيضاً تشجع على قبول الآخر والتفكير بالاندماج. ويُعتبر العلاج من خلال فن الرسم من أبرز الأنشطة الثورية المستخدمة في إعادة التأهيل؛ فاستدراج الشباب ممن لديهم ميل إلى التطرف للمشاركة في أنشطة علاجية عبر فن الرسم، بعد أن كانوا سابقاً يرفضون أي شكلٍ من أشكال الفن البصري باعتباره محرماً في الإسلام، يُعتبر إنجازاً كبيراً في حد ذاته. كما يُعتبر انخراط الحكومة في أنشطة العلاج عبر فن الرسم، في ظل غياب الانتقاد من المتدينين المحافظين والمتشددين في التمسك بالتقاليد الاجتماعية، مؤشراً على الطبيعة التقدمية لبرنامج إعادة التأهيل برمته.
وتوجد لدى وزارة الداخلية خططٌ لافتتاح العديد من مراكز الرعاية الجديدة الدائمة والهادفة، في كلِّ من الرياض وجدة والمنطقة الشرقية، إلا أن المركز الوحيد المتوفر حالياً هو مجمع مُستأجر خارج مدينة الرياض، كان يُستخدم في السابق كمنتجعات صحراوية. وقد اعتُبر هذا المركز مرحلة انتقالية بين السجن وإطلاق السراح؛ إذ يتم إجبار المعتقلين على الإقامة فيه، علماً أنه من الممكن الإفراج عنهم بشكلٍ مؤقت ليوضعوا تحت رعاية عائلاتهم. وتستطيع العائلات زيارة أبنائها في المركز، كما توجد هواتف تتيح للمعتقلين التحدث إلى عائلاتهم على مدار الساعة. الهدف من هذه الجهود هو تسهيل عودة المعتقل إلى ممارسة حياته في المجتمع السعودي. كما أنها تتيح للأعضاء المسؤولين عن هذا البرنامج المجال لمراقبة الشخص المرشح 20 الاستراتيجية السعودية الليّنة في مكافحة الإرهاب: الوقاية وإعادة التأهيل والنقاهة للإفراج عنه من خلال عدة مواقف، واختبار مدى صدق إعادة تأهيله.
كما يوفّر المركز فرصا قصيرة ومتكررة للاحتكاك بمظاهر الحياة خارج رعاية الدولة، عبر تنظيم إجازات خارجية ورحلات نهارية برفقة موظفي المركز. لكن يأتي هذا الأمر في المرحلة الأخيرة من البرنامج، حيث يتم إخبار المعتقلين قبل وصولهم إلى المكان المقصود، عن المدة التي سيمضونها فيه والتي تكون عادةً بين 8 و 12 أسبوعاً. فإذا تقرر بأن المعتقل لم يصبح جاهزاً بعد للإفراج عنه في الوقت المحدد- على سبيل المثال، إذا كانت السلطات تعتقد بأنه سيجني فائدة أكبر إذا ما خضع لمزيد من الجلسات الإرشادية، أو إذا تم التوصل إلى أنه يخطط للانخراط في أعمال عنف- فإنه يحق له المطالبة بتعويض من الوزارة يصل إلى 1000 ريال سعودي في اليوم )ما يعادل 267 دولاراً(. ومنذ حزيران/يونيو 2005 ، أصبح بإمكان المشاركين في البرنامج، بعد الإفراج عنهم، مقاضاة الوزارة في حال شعروا أنهم احتُجزوا لمدة أطول من تلك التي حُدِّدت لهم في بداية الأمر. ومنذ شهر تشرين الثاني/نوفمبر 2007 ، كما يقول الأمير نواف بن محمد، تمت مقاضاة الوزارة 32 مرة، وفي كل مرة كانت الوزارة تجعل دفاعاتها ضعيفة عن قصد، ما أدى إلى خسارتها لجميع القضايا المرفوعة ضدها. كان الهدف من هذه الاستراتيجية- التي تُعتبر جزءاً من الاستراتيجية الليّنة الكبرى التي تسعى المملكة من خلالها لمحاربة الإرهاب- إثبات أن هناك قانوناً جاهزاً للنظر في شكاوى المعتقلين، وأنه من الممكن جداً كسب قضية ما ضد هذه الوزارة التي تُعتبر الأقوى في البلاد. وهذا يوصل رسالة مهمة جداً إلى الراديكاليين مفادها أن القانون الذي يحتقرونه إنما يعمل في مصلحتهم.
يتم تقسيم المقيمين في مركز إعادة التأهيل إلى ثلاث مجموعات: منتهكو الأمن المحلي؛ والأشخاص الذين اعتُقلوا وهم يحاولون الذهاب إلى العراق أوالذين عادوا من العراق؛ والعائدون من معتقل غوانتانامو. ويتم الفصل بين هذه المجموعات الثلاث، من خلال إسكان كل مجموعة منها في مكان منفصل، كما أن البرنامج الذي تخضع له كل مجموعة يكون مختلفاً قليلاً عن برامج المجموعتين الأخريين. على سبيل المثال، يركِّز البرنامج الخاص بالعائدين من معتقل غوانتانامو على إعادة دمجهم داخل المجتمع السعودي، بينما يُخصص للمجموعتين الأخريين وقتاً أطول للحوار والإرشاد والتعليمات. كما يتلقى العائدون من غوانتانامو نصيباً أكبر من الاستشارات النفسية، ويشاركون في أنشطة مخصَّصة لمساعدتهم على التكيف مع الحرية والتعامل مع التغيرات التي طرأت على المجتمع السعودي منذ اعتقالهم.
وُلدت خطوة إقامة مركز الرعاية لإعادة التأهيل وإنشاء المجمع السكني لإعادة التأهيل، بحكم الضرورة. فبعد أن سلّم أحد الأشخاص نفسه لكي يستفيد من العفو، وتعاون مع السلطات في العام 2005 ، تم التنبّه إلى حقيقة أنه يمكن تحقيق قدر أكبر من المكاسب من خلال معاملته بشكل لائق. واعتُبر حينذاك أن الحجز الوقائي هو المكان الأنسب له، لأن إيداعه السجن سيعرِّضه للاحتكاك مع المتطرفين والتكفيريين الموجودين بداخله، ما قد يدفعه نحو مزيد من الميل إلى التطرف. وكحل وسط، طُلب من الشيخ أحمد الجيلاني أن يعيش معه أشهراً عدة يناقشه خلالها بأمور الدين والعقيدة الإسلامية. ومع مرور الوقت أصبح هذا المعتقل أكثر انفتاحاً واستعداداً للتعاون. هذا التحول أثبت أن هناك فوائد جمة يمكن الحصول عليها من خلال معاملة المشتبه بهم بشكلٍ لائق. وقد وقع الاختيار على الجيلاني بسبب مرونته وقدرته على التعليم وإدارة النقاش في الوقت ذاته. فضلاً عن ذلك، بالرغم من أن الجيلاني ملتزم بتعاليم الدين وواسع الاطلاع، إلا أنه غير متزمِّت؛ فهو لايعارض استخدام الراديو أوالتلفزيون، كما يشارك في المسابقات الرياضية والأنشطة الترفيهية الأخرى. وبالتدريج بدأ الجيلاني بالخروج برفقة هذا الشخص المعتقل من السجن لفترات متزايدة. خلال ذلك الوقت كان الجيلاني يركِّز على تقييم سلوكه وقياس ردود أفعاله تجاه المواقف المختلفة. وبعد مضي أشهر عدة أخبر الجيلاني وزارة الداخلية أنه بفعل الدروس التي أعطاها لهذا المعتقل والمناقشات التي دارت بينها، تراجع هذا الشخص عن معتقداته السابقة، ولم يتعرض إلى الاعتقال مجدداً إلى الآن.
أما الشيخ الجيلاني فيرأس حالياً مركز الرعاية لإعادة التأهيل.
الدعم الاجتماعي :
الدعم الاجتماعي الذي نُميح عادةً خلال فترة الاعتقال، لايتوقف بعد الإفراج عن الشخص المعتقل من مركز الرعاية لإعادة التأهيل. والهدف من الاستمرار في توفير هذه الخدمات هو الحؤول دون حصول انتكاسة لدى هذا الشخص، وذلك عبر الإسراع بتلبية حاجاته الاجتماعية قبل أن تتحول إلى مشاكل تؤرقه. وعندما يتم التأكد بأن هذا المعتقل قد تراجع عن المعتقدات التي كان يتمسك بها في السابق، يتم تقديم المساعدة له للحصول على عمل، وعلى بعض المنافع الأخرى، من بينها علاوات حكومية إضافية وسيارة وشقة. وتشمل مساعدة المعتقلين الحصول على عمل في القطاعين الحكومي والخاص. وهنا لابد من التركيز على أهمية القطاع الحكومي، لأن العديد من المتطرفين الذين تخلوا عن ممارسة العنف، كانوا في السابق يرفضون العمل في وظائف حكومية لأنهم كانوا ينظرون إليها على أنها غير شرعية وخارجة على 22 الاستراتيجية السعودية الليّنة في مكافحة الإرهاب: الوقاية وإعادة التأهيل والنقاهة الإسلام. كما تساعد وزارة الداخلية أولئك الذين كانت لديهم وظائف حكومية في السابق على العودة إلى تلك الوظائف.
في نيسان/ أبريل 2007 ذكرت صحيفة الجزيرة أن الأمير محمد أمر باعتماد التدريب التربوي خارج السجن للموقوفين الذين أخلي سبيلهم والسجناء التائبين والعائدين من غوانتانامو.
ومؤخرا، بدأت اللجنة الاستشارية العمل مع غرف التجارة والمؤسسات الأخرى لافتتاح دورات تدريبية للمشاركين في البرنامج. وبموجب هذه الخطة، يصبح الموقوفون قادرين على تعلم المهارات والحصول على المؤهلات وهم لايزالون خاضعين لبرنامج إعادة التأهيل )الاستتابة( الذي يؤهلهم لأعمال أفضل وأكثر مردودا، عند الإفراج عنهم، من تلك التي كانوا يقومون بها سابقا.
وتأمل الحكومة أن يؤدي هذا التدريب، عندما يقترن بتمويل من الحكومة في البداية، إلى تمكين المعتقلين الذين أُخلي سبيلهم من البدء في مشاريعهم التجارية الخاصة، مثل وكالات السفر وورش إصلاح السيارات ومكاتب الدعم المهني.
بعد الإفراج عنهم، يُطلب إلى الموقوفين السابقين مراجعة السلطات بشكل دوري. كما يتم تشجيعهم على الاستمرار في الاجتماع بالعلماء الذين كانوا يحاورونهم داخل السجن.
وحسب العاملين في البرنامج، يستمر الكثيرون في حضور الحلقات الدراسية في المسجد بعد الإفراج عنهم. ويتم تشجيع السجناء الذين تم تأهيلهم على الاستقرار والزواج وإنجاب الأطفال، لأن الشباب عادة يكونون أقل استعدادا للانخراط في المشاكل بعد أن تصبح لديهم مسؤوليات عائلية. وقد سهلت الحكومة هذه العملية عبر المساهمة في تمويل حفلات الزفاف والتبرع بالمهور، وتغطية النفقات الضرورية السابقة على الزواج مثل تأمين الأثاث وتجهيز المسكن.
كما يظل العاملون في البرنامج على اهتمام بحياة الموقوفين السابقين، كأصدقاء وناصحين، ويواظب كبار المسؤولين في وزارة الداخلية واللجنة الاستشارية على حضور حفلات زفاف الموقوفين السابقين. وهكذا يعمل البرنامج بطرق مختلفة على مساعدة الموقوفين على تجاوز فترة من حياتهم تكون فيها النشاطات المسلحة لاتزال هي الأكثر إغراء.
ويتم ضمان نجاح البرنامج أكثر عبر مشاركة اللجنة الاستشارية في الشبكة العائلية الأوسع للسجين. وتعزز وزارة الداخلية برامج الدعم الاجتماعي لتشمل العائلة والقبيلة.
وبذلك تتابع دعمها في إبقاء الموقوف على جادة الصواب بعد الإفراج عنه. والعلاقة هنا ليست دقيقة، حيث تعلن الوزارة أنها سوف تعتبر العائلة الممتدة مسؤولة إذا ما ارتكب المعتقل الذي تم الإفراج عنه أية مخالفات جديدة. وحسب المقابلات التي أُجريت، فإن الحكومة تلجأ إلى التهديد بالحرمان من المكاسب الجماعية، كالوظائف والمساعدات الاجتماعية، كي تحصل على التزام من الشبكة الاجتماعية الأوسع للمعتقل بأنه سيبتعد عن إثارة المشكلات.
وتستفيد العملية من عدد من الأعراف السعودية المهمة، بما فيها المسؤولية الاجتماعية وفكرة الشرف والاعتراف بالعائلة التقليدية وتراتبية العلاقة في العائلة الممتدة. فمثلاً حين يسمح لأحد الموقوفين بالمغادرة لحضور المناسبات العائلية كالزفاف أوالوفاة، يجب أن يتقدم ثلاثة من أفراد العائلة لضمان عودته؛ وفي حال عدم عودة الموقوف، يحل أفراد العائلة الثلاثة محله. وإلى الآن لم يستغل أي من السجناء هذا الإفراج العائلي المؤقت لمحاولة الهرب. ويعزز استخدام شبكات العلاقات الاجتماعية السعودية، والالتزامات العائلية والمسؤوليات الممتدة أهداف البرنامج، وتضفي عليه المزيد من الشرعية عندما لايعود الموقوف خاضعاً لإشراف اللجنة المباشر.
ما مدى نجاح البرنامج؟ :
منذ بدء حملة إعادة التأهيل وفك ارتباط المتشددين بالتطرف بعد الهجمات الإرهابية في الداخل السعودي العام 2003 ، شارك حوالي 3000 سجين في جوانب من البرنامج الإرشادي، وقد تخلى نحو 1400 منهم عن قناعاتهم السابقة وأُخلي سبيلهم، كما يقول الأمير محمد بن نايف. من الصعب للغاية الحصول على أرقام دقيقة، لكن هناك تقريباً حوالي 1000 سجين لا يزالون قيد الاعتقال؛ ويشمل هذا الرقم الأشخاص الذين لا يزالون يخضعون لعملية إعادة التأهيل وأولئك الذين أتموا البرنامج لكنهم يستكملون تنفيذ الأحكام التي صدرت بحقهم، إضافة إلى أولئك الذين حاولوا وفشلوا أو رفضوا المشاركة كليا) 3(. وقد اعترفت السلطات السعودية أن بعض السجناء سعوا بجدية للعمل ضد البرنامج داخل السجون. وهؤلاء السجناء يدركون أنهم لن يتمكنوا من الخروج ويشعرون أن بمقدورهم خدمة قضيتهم على أفضل وجه عبر محاولة إفشال محاولات السلطات لاستيعاب السجناء الآخرين. لكن يمكن القول إن رغبتهم في العمل ضد البرنامج الإرشادي من الداخل، تعني أنهم يدركون أن البرنامج يحقق نجاحا.
جميع الموقوفين الذين أُخلي سبيلهم ممن شاركوا في البرنامج  داخل السجن كانوا من الرجال؛ وقد كُشف النقاب في تموز / يوليو من العام 2008 عن وجود عدد قليل من النساء المتهمات أمنيا واللواتي خضعن لبرنامج إرشادي مماثل. ووفقاً لتقارير وسائل الإعلام السعودية، نفذ البرنامج الخاص بالنساء في بيوتهن، وبحضور أفراد عائلاتهن، بدلاً من تنفيذه في السجن.
وعلى الرغم من المزاعم الرسمية بعدم وجود متطرفات داخل السجون السعودية، يُعتقد أن 24 الاستراتيجية السعودية الليّنة في مكافحة الإرهاب: الوقاية وإعادة التأهيل والنقاهة بعض النساء معتقلات بتهم ذات صلة بالإرهاب. وغالبيتهن قُبض عليهن مع أزواجهن أو أقارب ذكور وهن متهمات بالتواطؤ فيما ينسب للرجال.
حتى الآن حقق البرنامج نتائج مبشرة إذ تقدر السلطات السعودية نسبة النجاح بين 80 و% 90 . وتشمل نسبة الفشل الباقية والبالغة 10 – 20 % ، التي يعترف بها المسؤولون السعوديون، أولئك الموقوفين الذين رفضوا المشاركة في البرنامج، إضافة إلى الذين لم ينجحوا في برنامج إعادة التأهيل. من الصعب قياس النجاح النسبي الذي حققه البرنامج الإرشادي اعتماداً على مصادر مستقلة، وخصوصا في الفترة القصيرة التي تلت بدء البرنامج. ففي الأحوال العادية هناك حاجة لفترة خمس سنوات لقياس معدلات العودة إلى الجريمة بشكل صحيح.
على كل حال، وكما يقول الأمير محمد، اعتبارا من الأول من تشرين الثاني/نوفمبر 2007 ، لم يتم إعادة اعتقال سوى 35 شخصا لأسباب أمنية بعد إطلاق سراحهم عبر البرنامج الإرشادي، وهذا ما يعادل نسبة انتكاس لا تزيد عن 1 إلى % 2. ويعترف المسؤولون باحتمال وجود تجاوزات لا يعلمون بها.
من المهم أن نلاحظ أنه حتى الآن لم يشارك أي ممن أطلق سراحهم عبر برنامج الإرشاد في أية هجمات إرهابية داخل المملكة. وحسب السلطات السعودية، بينما يمكن لأولئك «الذين تلطخت أيديهم بالدماء «أن يشاركوا في عملية إعادة التأهيل (وبعضهم شارك فعلاً، فإنهم يحرمون من إخلاء السبيل المبكر. ويؤكد المسؤولون السعوديون أيضا أنه لايتم إطلاق سراح جميع الذين يشاركون في البرنامج. فإخلاء السبيل يتوقف على إتمام البرنامج بنجاح وإقناع الأطباء وعلماء النفس في اللجنة الاستشارية أن عملية إعادة التأهيل حقيقية. كما أن إتمام البرنامج ليس ضمانة لإخلاء السبيل. فإذا بقي بعض الوقت على انتهاء حكم شخص ما ) بالنسبة لمن خضعوا لمحاكمة رسمية(، فإن هذا يعني أن عليه إكماله قبل إخلاء سبيله، وفق ما تقول السلطات السعودية. وأكثر من ذلك، إذا حصلت وزارة الداخلية على معلومات تفيد بأن شخصا ما أكمل البرنامج )أو نفذ الحكم الصادر بحقه( ولكنه يخطط للقيام بأعمال عنف، لايُخلى سبيله.
وبذلك يكون الذين تم إطلاق سراحهم من خلال البرنامج الإرشادي ممن ارتكبوا جرائم صغيرة نسبيا. وفي ميزان مرتكبي جرائم الأمن الداخلي، لايعد هؤلاء من الجهاديين العنيفين المتشددين. لقد كانوا إلى حد بعيد أشخاصاً مشجعين أومتعاطفين، مثل أولئك الذين ضبطوا وبحوزتهم مواد دعائية متطرفة أوضبطوا وهم يروجون للتطرف عن طريق الإنترنت. وعموماً فإن هؤلاء يشكلون الفئة الأسهل على صعيد التعاون بالنسبة إلى السلطات. ويشارك في البرنامج أيضا بعض الأشخاص الذين كانوا يبحثون عن وسيلة للخلاص. فكثير من هؤلاء وجدوا أنفسهم عن غير قصد متورطين مع الإرهابيين، وحين عرفوا مع من يتعاملون، سعوا إلى التعاون مع السلطات. هذه الفئة من المخالفين كانوا غالبا يخضعون إلى جلسات دراسية مدتها ساعتان، بالمقارنة مع الجلسات الطويلة التي ورد ذكرها سابقا.
على الرغم من وجود ما يبرر الاعتقاد بأن بعض كبار المتشددين شاركوا في برنامج إعادة التأهيل، فإن نجاح البرنامج النسبي حتى الآن يستمد قوته من مشاركة المخالفين الصغار الذين يتوقع أن يشاركوا أكثر من المتطرفين الملتزمين من المستويات العليا. وبذلك يبقى أن نرى كم سيكون هذا البرنامج مجديا على المدى الطويل للأمن في المملكة العربية السعودية. وفي حين يبدو هذا البرنامج واعدا، يظل أمامه مواجهة الاختبار الصعب عند تطبيقه على المتشددين الأكثر التزاما، بمن فيهم الذين مارسوا العنف داخل المملكة.
بعض هؤلاء المتطرفين لا يمكن إعادة تأهيلهم ولا يرغبون في ذلك. ومن المهم أن نلاحظ أنه وإن كان البعض لن يتخلى عن معتقداته، فإن مجرد أن يعمل البرنامج على تشجيعمشاركتهم يعد أمراً إيجابيا.
إن البرنامج الإرشادي والاستراتيجيات المضادة للتطرف في المملكة تبرز عدداً من العوامل التي ستكون جوهرية في أي جهود لفكك ارتباط الإسلاميين المتشددين بالتطرف. وانخراط عائلة الفرد المعني هنا وشبكة العلاقات الاجتماعية المحيطة به أمر أساسي في أية عملية فكك ارتباط ناجحة. لقد بينت الدراسات التي أُجريت على البرنامج السعودي أن المشاركين يبنون علاقات عميقة مع الشيوخ والباحثين الذين يتفاعلون معهم خلال الحوارات. وسيغادر أغلبهم السجن كمسلمين شديدي التدين وملتزمين. وهذا أمر متوقع، لأن كثيرا منهم بدأوا علاقتهم بالمتطرفين كي يصبحوا أكثر تدينا.
يعتمد نجاح البرنامج، في جزء منه أيضا، على إدراك أن كون الشخص متطرفاً لايعني أنه سيء بالفطرة. إن ممارسة المعتقدات المتطرفة، عبر العنف، هو السلوك الذي ينبغي تعديله.
ويمكن تفسير حقيقة أن الغالبية العظمى من السجناء الذين أكملوا البرنامج، لايتصرفون بناء على ما كانوا يؤمنون به في السابق، كأحد مؤشرات النجاح، بغض النظر عما إذا كانت توبتهم صادقة في نهاية الأمر.
من المؤكد أن الاهتمام ببرامج التأهيل سوف يتزايد، وسط الأحوال الخطرة السائدة هذه الأيام، وكثير من الدول سوف تنفذ برامج على النمط المعمول به في المملكة العربية السعودية.
ومع أنها بدأت في العام 2004 ، تُعتبر العملية السعودية أفضل برنامج مضاد للتطرف في 26 الاستراتيجية السعودية الليّنة في مكافحة الإرهاب: الوقاية وإعادة التأهيل والنقاهة العالم من حيث الشمولية والتمويل والاستمرارية. فحين بدأت سنغافورة برنامجاً لمكافحة التطرف، اعتمدت جزئياً في عملها على النموذج السعودي. والاستراتيجية التي استخدمتها قوات المارينز في مشروع »Task Force 134» House of wisdom والتي تتعامل مع الموقوفين من المقاتلين العراقيين، وضعت اعتماداً على خبرات المسؤولين السنغافوريين. وخلال سنوات قليلة، استطاعت الاستراتيجية اللينة التي تبنتها العربية السعودية لمكافحة التطرف والإرهاب أن تقدم بعض النتائج المبشرة جدا. لكنها بحاجة إلى مزيد من التقييم، خصوصا وأن دولاً أخرى تخوض صراعا مع الإرهاب تتطلع إلى ما يجري تحقيقه في المملكة لاستخلاص العبر التي يمكن الاستفادة منها في بلدانهم. وعبر بلدان الشرق الأوسط وأوروبا وآسيا، ثمة برامج مماثلة بدأت بالظهور. كما أن وجود دول أخرى تقلد البرنامج السعودي يعني الاعتراف بعدم إمكانية هزيمة الإرهاب اعتماداً على الإجراءات الأمنية الصارمة فقط. وهذا بحد ذاته إنجاز كبير.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>