الأحد , 4 ديسمبر 2016
الرئيسية » مركز البحوث » ملفات » الاستراتيجية الأمنية للدول العربية

الاستراتيجية الأمنية للدول العربية

 مفهوم الأمن الشامل :

لتحقيق الأهداف المرجوة من الأمن، لابد أن نتعامل مع الأمن ككل وليس كأجزاء متفرقة، وكل دولة تسعى إلى تحقيق الأمن في مساراته، (وعمل الإسلام على استتباب الأمن الشامل بكافة صوره وأنواعه وبطرق عديدة وأساليب متنوعة، جعلت كل فرد يحس في قرارة نفسه أنه المسؤول المباشر عن أمن أسرته وجيرانه ومجتمعه ووطنه)، كما أنه في الدول العربية أصبح مفهوم الأمن الشامل يمثل مساراً حيوياً ملزماً للقيادات الأمنية في تلك الدول لأهميته (إن مفهوم الأمن الشامل أصبح هاجساً يفوق في بعض جوانبه الهاجس السياسي والإقتصادي في عالم اليوم، لأن غياب الأمن يقوض أسس الاستقرار، ولا يمكّن من إحراز أي تقدم على الصعيدين السياسي والاقتصادي)..

ونتيجة لتعدد الأدوات وتطور التقنيات والحوافز العلمية والمعرفية الأمنية، فقد تجاوز الأمن مفهومه التقليدي إلى مفهوم الأمن الشامل، لكون البعد الأمني تخطى الحدود الجغرافية للدولة، وامتد للإقليمية والعالمية، لتحقيق الأمن عن طريق مواجهة التحديات الداخلية والخارجية بمهنية عالية، وفي ظل ظهور أشكال جديدة من الجريمة المنظمة أفرزتها تداعيات العولمة والانفتاح الاقتصادي والاجتماعي والإعلامي، وانتشار الجريمة الإلكترونية والعابرة للحدود، كل هذا فرض توظيف الأمن الشامل كمفهوم وتطبيق.

كما فرض مفهوم الأمن الشامل نفسه نتيجة لتشعب فروعه، واختلاف وتعدد وكبر التحديات التي يواجها، وأصبح الأمن الشامل يشمل الآتي : الأمن الوطني، الأمن السياسي، الأمن الاقتصادي، الأمن المعلوماتي، الأمن العسكري، الأمن الثقافي، الأمن الفكري، الأمن المعرفي، الأمن الإلكتروني، الأمن الصناعي،الأمن الزراعي، الأمن التجاري، الأمن المالي، الأمن المائي، الأمن الغذائي، أمن المنشآت، أمن الأفراد، أمن الحدود، أمن السجون، أمن الحج والعمرة، أمن كبار الشخصيات، الأمن الطبي، الأمن الصحي، الأمن الأسري، الأمن الإجتماعي، الأمن المدرسي، الأمن الوظيفي، الأمن التربوي، الأمن التعليمي، الأمن الإعلامي، أمن المعلومات، الأمن الديني، الأمن الدوائي، أمن الاتصالات، أمن المواصلات، أمن الفضاء، الأمن النووي، الأمن السياحي، الأمن البيئي، الأمن الإداري، أمن العمليات، الأمن الإقليمي، والأمن الدولي وغيره.

ويقصد بالأمن الشامل ( مجموعة من الأسس والمرتكزات التي تحفظ للدولة تماسكها واستقرارها، وتكفل لها القدرة على تحقيق قدر من الثبات والمنعة والاستقرار في مواجهة المشكلات، ليس فقط في مجال الأمن والسلامة، ولكن في مختلف مناحي الحياة).. البنية التحتية الأمنية:

كثير من الدول العربية تعاني من توفر بنية تحتية أساسية أمنية وطنية تساعدها على إنجاز مهامها وطموحاتها التنموية والأمنية، مثل توفر شبكات الاتصالات، وشبكات الطرق الجيدة، ووسائط النقل البرية والبحرية والجوية، للوصول إلى مواقع الجريمة ومسارحها بأسرع وقت وإلى أصعب مكان وتقصير فترة الاستجابة لنداءات طلب مباشرة المواقف الأمنية المتعددة والمتكررة، إضافة إلى أن أغلب المؤسسات الأمنية في الدول العربية تقيم وتمارس مهامها الأمنية والفنية في دور ومنازل مستأجرة لا تلائم وضع وأداء وخصوصية تلك المؤسسات.

ومن حيث البنية التحتية الأمنية فالتنظيمات الأمنية لم تتوسع وتواكب النمو السكاني والتمدد الحضري والبلدي في الدولة، ولم تُحَدث الوظائف الموائمة والملائمة لمعطيات الأتمتة والتقنية الرقمية ومخرجات الثورة المعلوماتية التي تتطلب كوادر فنية مختصة، القطاعات الأمنية في أمس الحاجة إليها. وكثير من تلك الدول لا زال التعليم والتدريب للعلوم الأمنية والعلوم المساندة لها يحتاجان إلى تعزيز ودعم البنية التحتية للمؤسسات التعليمية والتدريبية الأمنية، كذلك غياب معايير الجودة والنوعية عن كثير من هذه المناشط ومنها المختبرات الجنائية..

القيادات الأمنية:

لا شك أن تطوير القيادات الأمنية، والرفع من مهنيتها واحترافيتها يُحسِنُ من الأداء الوظيفي والمعرفي للمؤسسات الأمنية، ويؤثر في معطيات وطبيعة ومستوى البيئة الإستراتيجية الأمنية. ويتضح أن بعض الدول العربية اهتمت بإنشاء المؤسسات التعليمية والتدريبية لتخريج كوادر قيادية أمنية مميزة، والبعض الآخر لا زال يعاني ضعفاً في هذا المسار، وانعكس ذلك على طبيعة إنجاز المهام الأمنية، وبالتالي على الموقف الأمني في المستوى الوطني للدولة، وقد عززت جامعة نايف العربية للعلوم الأمنية من الموقف الأمني العربي، وذلك بتأهيل كوادر أمنية وإدارية وفنية متعددة، ومن مستويات قيادية وعلمية وتعليمية ورتبية مختلفة، سواء في العلوم الأمنية ، أو في العلوم المساندة لها، واتضح الدور الذي تلعبه جامعة نايف العربية للعلوم الأمنية في تأهيل القيادات الأمنية، وبالتالي مساعدتهم على التخطيط الإستراتيجي، عن طريق تقدير الموقف الأمني الإستراتيجي، والتعامل مع الخطط الأمنية النابعة من تلك الإستراتيجيات، وفي المديات القريبة والمتوسطة والبعيدة، والاستمرار في تطوير المنظومات الأمنية العربية وكوادرها القيادية وتفعيلها بالتأهيل، والتفاعل مع نشاطاتها، وتطبيق ما عُلِم فيها.

تقدير الموقف الأمني للدول العربية:

ويتضمن الحقائق والأحداث والاستنتاجات المبنية على المواقف والظروف الحالية، للتوصية لصانع القرار باتخاذ القرار المناسب، لمواجهة تلك الأحداث أو النشاطات، وتوظيف الموارد المتاحة بطريقة أكثر ملاءمة ومواءمة بمعنى مساعدة صانع القرار على اتخاذ قراره المناسب في الوقت المناسب..

وتقدير الموقف الأمني لكل دولة عربية، يُعد وينتج في مركز رئيس للعمليات الأمنية بكافة أفرعها وقطاعاتها، وفي المستوى الوطني، وعلى جميع مناطق المسؤولية. بمعنى أن يكون مركز قيادة وسيطرة واتصالات رئيساً، وتمثل فيه جميع القطاعات الأمنية، وكذلك القطاعات الوطنية الأخرى المساندة للجهات الأمنية. وتوضع الخرائط الرقمية وتتابع، وتوضع عليها كافة المعلومات المتعلقة بالأحداث الأمنية الرئيسة، وتُحدّث على مدار الساعة، ويُعزز المركز بكافة وسائل الاتصالات والصور الفضائية، والتقنية الرقمية. وهذه الإمكانات متاحة في بعض الدول العربية، والبعض الآخر لا يملك أبسط المقومات من البنية التحتية الأمنية الأساسية.

وفي الجزء الثاني من هذا الطرح سوف نستكمل هذه المسيرة الإستراتيجية بإيضاح التحديات الراهنة التي تواجه الأمن العربي، وما هو دور الإستراتيجيات الوطنية العربية، والرؤية المستقبلية المرُتجَاة، ونختم بالتوصيات.

الإستراتيجية الأمنية في الدول العربية هذا الطرح المهم في حياة كل عربي، ففي الجزء الأول والثاني ناقشنا أهمية هذه الإستراتيجية لكل دولة عربية، ومن ثم انعكاساتها على منظومة الأمن العربي الشامل، وتحليل مبسط للموقف الأمني الإستراتيجي للدول العربية، وأبرزنا مفهوم الأمن الشامل، والبنية التحتية الأمنية، والقيادات الأمنية. واليوم نستكمل هذا المساق وبرؤية إستراتيجية مستقبلية استشرافية متفائلة ومشرقة.

الإستراتيجيات الأمنية العربية

– التحديات الراهنة للأمن العربي: كثرت التحديات التي تواجه الأمن العربي، ولمواجهتها نحتاج لتكاتف الجهود في كل المسارات، وعلى الأخص في المسار الأمني، والخروج من الإطار التقليدي للأمن العربي، إلى فضاء مفهوم الأمن الشامل، عن طريق تحليل الأبعاد النظرية والتطبيقية لهذا المفهوم، الذي يعالج تلك التحديات ويتصدى لها بطريقة علمية ومهنية. وضمان تطوير الأمن العربي، وتفعيله ومجالات علاقته بالتوجهات الأمنية العربية.

ويرى البعض أن مهددات الأمن العربي هي المخاطر التي تحيط بالوطن العربي، وتحول دون تحقيق الأهداف الأمنية العربية، وهي مهددات أمنية خارجية وداخلية ومحلية. وفي هذا المساق نلخص بعض التحديات ونُجملها في الآتي:

أ- التنمية (البشرية، الاقتصادية، الاجتماعية، وغيرها)، وما تبعها من ظروف اقتصادية غير مواتية في بعض الدول العربية، وأهمها زيادة معدلات البطالة والتضخم وزيادة معدلات الفقر، وانعكاساتها على المسار الأمني.

ب- تفاقم الطائفية، والمذهبية، والأثنية، والجهوية، والعصبية، والقبلية، والعرقية، والمناطقية، والإقليمية في أغلب المجتمعات العربية، وأثر ذلك على بناء وانتماء وتنمية واستقرار الإنسان العربي وتهديد أمنه وأمانه في المديات القريبة والمتوسطة والبعيدة.

ج- الاحتقان الاجتماعي لكثير من الشعوب العربية، نتيجة لتبني بعض الدول العربية لسياسات غير مواتية لترقى بمستويات المواطن المعيشية، أو أن الدولة تعيش في ظروف اقتصادية غير فاعلة، ولفترات طويلة.

د- ظهور ونشاط المنظمات الإرهابية، أثر في كثير من الدول العربية، وعلى مساراتها وخططها التنموية والأمنية، وأخذت هذه الظاهرة بُعداً إقليمياً ودولياً، وامتدت هذه الآثار ومسّت الأمن الوطني والمصالح الوطنية وأخرت من تحقيق بعض الأهداف الوطنية لتلك الدول.

هـ- التهديدات الأمنية الخارجية، سواء الإقليمية أو الدولية، التقليدية وغير التقليدية، وسعي بعض الأطراف إلى إدامة عدم الاستقرار في المنطقة العربية، عن طريق: اغتصاب الأراضي العربية، الاعتداء على الأنهار والبحار والخلجان والجزر العربية، التهديد بالسيطرة على مصادر المياه العربية، الإضرار بالبيئة العربية والاقتصاد العربي، الإضرار بالمصالح الوطنية العربية خارج المنطقة العربية، محاولة استغلال الثروات الطبيعية العربية، تصدير الفكر المنحرف، اختراق الأجهزة الأمنية العربية، تهريب المخدرات، نقل الجريمة، تهريب الأسلحة، ومحاولات طمس الهوية العربية..

و- التهديدات الأمنية العربية الداخلية ومنها: اعتداء دولة عربية على أخرى، المشكلات الحدودية، الجريمة العابرة للحدود العربية، مشكلة الأقليات العرقية والدينية، الكوارث الطبيعية والصناعية، أزمة المياه والغذاء.

ز- التهديدات الأمنية العربية المحلية ومنها: انتشار الفقر والجهل، الحروب الأهلية، النزاعات القبلية، عدم الاستقرار السياسي، النزوح والهجرة.

ح- تعرض الكثير من الدول العربية لأزمات وحروب وكوارث، ولم تُدر وتعالج تلك الأزمات والحروب والكوارث بطريقة مهنية، ولازالت تلك الدول تعاني من نتائج تلك الأزمات والحروب والكوارث.

ط- من أكبر التحديات الراهنة للأمن العربي غياب الإستراتيجيات الوطنية المكتوبة لكثير من الدول العربية، وبالتالي غابت الإستراتيجيات السياسية والاقتصادية والعسكرية والمعلوماتية والأمنية وغيرها. وفي ظل هذا الغياب غابت الإستراتيجيات المتفرعة منها، مثل الإستراتيجيات المتفرعة من الإستراتيجية الأمنية.

وأصبحت هذه الدول تقوم بالأعمال الأمنية الروتينية. بمعنى أنها تقوم بردود أفعال لأفعال بطريقة إجرائية آنية، وتمارس في كافة أنشطتها وتفاعيلها أطرَ وأساليب مفهوم الأمن التقليدي غير المخطط.

ي-الإستراتيجيات الوطنية العربية: لكل دولة غايات وطنية ومصالح وطنية وأهداف وطنية، وتسعى كل دولة إلى إيضاح تلك الغايات والمصالح والأهداف. ثم تُعد إستراتيجية وطنية للمحافظة على تلك الغايات الوطنية وتحقيق المصالح والأهداف الوطنية.

ثم تُعد الإستراتيجيات الفرعية الرئيسة منها، وكل إستراتيجية فرعية لها إستراتيجيات فرعية الفرعية. ومن أهم تلك الإستراتيجيات الإستراتيجية الأمنية وفروعها. ولتفعيل دور الإستراتيجيات الأمنية العربية، والتي تغطي بعض المجالات والقطاعات الأمنية، لابد لتلك الدول أن يكون لديها إستراتيجيات وطنية وإستراتيجيات فرعية رئيسة، وإستراتيجيات فرعية الفرعية، وفي ذات المجال والقطاع، لتضع من خلالها الأدوار والمنهجيات والإجراءات والخطط والأساليب والطرق المزمع تنفيذ الأدوار المطلوبة منها من خلال المنظومة الأمنية العربية.

ومثالها : إستراتيجية وطنية، تنبع منها إستراتيجية أمنية، تنبع منها مجموعة من الإستراتيجيات مثل: إستراتيجية الأمن العام، إستراتيجية المرور، إستراتيجية أمن الطرق، إستراتيجية أمن المنشآت، إستراتيجية أمن الحج والعمرة (تختص بالمملكة العربية السعودية)، إستراتيجية أمن السفارات، إستراتيجية الأمن الخاصة، إستراتيجية الأمن الداخلي «المباحث»، إستراتيجية حرس الحدود، إستراتيجية الحماية المدنية، إستراتيجية الجوازات، إستراتيجية الأحوال المدنية، إستراتيجية الأمن الفكري، إستراتيجية الأمن الإلكتروني، إستراتيجية الاتصالات الأمنية، إستراتيجية حماية كبار الشخصيات، إستراتيجية الإصلاحيات والسجون، إستراتيجية تطوير وتأهيل وتدريب الكوادر الأمنية، إستراتيجية النقل الأمني، إستراتيجية ألإمداد والتموين للقطاعات الأمنية، إستراتيجية إدارة المواد للقطاعات الأمنية، إستراتيجية تنظيم التشكيلات الأمنية، الإستراتيجية المالية للقطاعات الأمنية، وغيرها من الإستراتيجيات الأخرى التي ترى وزارة الداخلية في الدولة أنها تخدم أو تؤدي أو تساعد في تحقيق الأهداف المرسومة للوزارة في إستراتيجيتها الأمنية،شريطة أن تكون تلك الإستراتيجيات لمديات متوسطة أو بعيدة، إما إذا كانت تخدم في المديات القريبة والمتوسط القريب فتُعد خططاً وبرامج للقطاع وليست إستراتيجيات شريطة أن تحقق الأهداف الجزئية المعينة لها ضمن الإستراتيجية العامة للوزارة..

ونتيجة لصدور إستراتيجيات أمنية عربية معتمدة من مجلس وزراء الداخلية العرب منها: الإستراتيجية العربية للأمن الفكري، والإستراتيجية العربية للحماية المدنية، والإستراتيجية العربية لمكافحة الإرهاب، والإستراتيجية العربية للسلامة المرورية، والإستراتيجية الإعلامية العربية للتوعية الأمنية والوقاية من الجريمة، والإستراتيجية العربية لمكافحة الاستعمال غير المشروع للمخدرات والمؤثرات العقلية، والإستراتيجية العربية النموذجية في مجال الأمن السياسي، والإستراتيجية العربية النموذجية لوقاية الأحداث وإصلاحهم..

ومن هذا المنطلق لابد لكل دولة عربية عند إعداد إستراتيجيتها الأمنية، أن تأخذ بعين الاعتبار الأدوار التي من الممكن أن تُنجز من الإستراتيجيات أعلاه، وتعكس هذا الدور من خلال واجبات ومهام وإجراءات وطرق وأساليب وسياسات، وتستكمل هذا الدور في إستراتيجياتها الفرعية من إستراتيجيتها الأمنية.

وفي هذا السياق رأيت أن أذكر، بأن علم الإستراتيجية حتم على الإطار الإستراتيجي ثلاثة مرتكزات، من الضرورة الأخذ بها، وهي:

الأول: الإستراتيجية ليست قاصرة على مجال بعينه دون غيره من مجالات الحياة.

الثاني: جميع الإستراتيجيات وفي كافة المستويات تقوم على الافتراضات النظرية والفكرية المرتبطة بالأهداف التي نسعى لتحقيقها، وعلى الواقع الذي يتم الانطلاق منه، وعلى الوسيلة المقترح استخدامها.

الثالث: عملية وضع إستراتيجية، وهي البحث عن أفضل الطرق والوسائل لتحقيق النهايات (الأهداف)، مع الأخذ بالمسلّمات.
وفي الجزء الرابع والأخير من هذا الطرح سوف نبحث في الرؤية المستقبلية والتوصيات..

تعدّدت الأحلام والهواجس الأمنية وبدأت تترجم إلى واقع أمني يجب أن يُعاش، وأصبح المنظور الكلي للأمن في الدول العربية يمثل واقعاً لابد وأن يُعالج، وأن يُهتم بمساقاته ومساراته.

ودراسة واقع الأمن العربي تقودنا إلى المأمول الذي يجب أن يتفق مع إمكاناتنا المادية والمهنية، ويتوافق مع ديننا وثوابتنا وقيمنا وعاداتنا وتقاليدنا وثقافتنا وتاريخنا. ونتيجة لكون الأمن وبمنظوره الشمولي يمثل أحد الأسس والمرتكزات والمعطيات الحياتية، لإدامة الإنسان بكل مقوماته.

ومن هذا المنطلق الفكري سوف نوضح الواقع الأمني العربي وفي مدياته المختلفة، ونشرح تقدير الموقف الأمني الإستراتيجي، ومدى توظيفه أو افتقاره للرؤية المستقبلية والبعد الإستراتيجي، ومدى بعده أو قربه من منظومة وشبكة وإطار ومفهوم الأمن الشامل الُمعزز للبعد الإستراتيجي للأمن الوطني وأنواع الأمن المختلفة.

ثم نؤطر الرؤية المستقبلية لكيفية بناء إستراتيجيات أمنية ذات مديات متوسطة وبعيدة، تراعي توافق وتناسب وتواؤم وتزامن الإستراتيجيات الأمنية الفرعية مع الإستراتيجية الأمنية الرئيسة للدولة، كما نوضح أدوار وواجبات الدولة في تنفيذ ما أسند إليها في الإستراتيجية العربية الأمنية الشاملة، وإبراز دور التراتبية الإستراتيجية في ظل المنظور الأكبر، وهو الحفاظ على غاياتنا ومصالحنا وأهدافنا الوطنية العربية، سياجه إستراتيجية عربية شاملة، تُصاغ وتعد من واقع أمني نعيشه، مرتكز على تحليل علمي وتطبيقي للبيئة الإستراتيجية الأمنية العربية، وإبراز التحديات والتهديدات والمحددات والمقومات والمكونات والسياسات لتلك الإستراتيجيات، منتهياً بالتوصيات.

ولزاماً علينا أن نقوم بتحليل وتقدير الموقف الأمني الإستراتيجي للدول العربية، ودراسة المتاح من الإستراتيجيات الأمنية للدول العربية، ومدى توافقها مع تحقيق أهداف الإستراتيجية الأمنية العربية (إن وجدت)، ومدى انسجام كل إستراتيجية أمنية مع الطموحات الإستراتيجية، في إيجاد منظور ورؤية مستقبلية شمولية، ينتج عنها بلورة إستراتيجية للأمن العربي الشامل، كما نسعى في تقدير الموقف الإستراتيجي الأمني للدول العربية إلى معرفة ما تم إنجازه من إستراتيجيات وطنية وإستراتيجيات أمن وطني، وكذلك الإستراتيجيات الفرعية، والتركيز على الإستراتيجية الأمنية في تلك الدول، والسعي نحو إيجاد نسيج إستراتيجي أمني عربي شامل، في ظل رؤية مستقبلية واضحة، حول تحقيق إستراتيجية أمنية عربية شاملة.

وفي هذا المقام لابد أن أنوه بالدور المميز والكبير والفاعل الذي قام ويقوم به صاحب السمو الملكي الأمير نايف بن عبدالعزيز النائب الثاني لرئيس مجلس الوزراء وزير الداخلية ورئيس مجلس وزراء الداخلية العرب، ويرتكز منظور هذا الدور في إيجاد وتبني وتوظيف إستراتيجية الأمن العربي الشامل في كافة الدول العربية والإستراتيجيات الأمنية الفرعية، ومتابعة مستجداتها ومراجعتها وتطويرها وتطويعها لخدمة الأمن العربي الشامل.

وهناك تساؤلات تفرض نفسها قبل البدء في معطيات تحليل الموقف الأمني والبيئة الأمنية الإستراتيجية العربية:

ما هو واقع الموقف الإستراتيجي الأمني للعالم العربي؟
هل توجد إستراتيجيات وطنية عربية مكتوبة ومُفعلة؟ (وإن وجدت)، هل تفرعت منها إستراتيجيات أمنية؟ (وإن وجدت)، هل تفرع منها إستراتيجيات فرعية الفرعية؟
ما أثر وجود إستراتيجية أمنية عربية شاملة في الموقف الإستراتيجي الأمني للعالم العربي، والمبني على رؤية مستقبلية من واقع الموقف الأمني العربي؟

الموقف الإستراتيجي الأمني للعالم العربي

الإطار التقليدي لمنظور الأمن العربي:

يظل الأمن هاجس كل دولة ومؤسسة بكافة أبعاده وأنماطه ومستوياته، وتُبذل الجهود الفردية والجماعية لتحقيق الأمن، ولكون الأمن جزءا لا يتجزأ، فلابد من تحليل الموقف الأمني في الدول العربية بصورة مختصرة، ولكون بعضها منفذا للأمن بطريقة الأمن الجزئي، بمعنى التعامل مع أمن الأفراد وأمن المنشآت والأمن السياسي والأمن الاقتصادي وغيره من أنواع الأمن، من خلال مؤسسات تكاد لا تحاكي إحداهما الأخرى، وتعتمد على الخطة البسيطة وفي المديات القريبة وجزء من المدى المتوسط لإنجاز مهامها الموكلة إليها، وبعضها لا توجد لديه إستراتيجيات تعالج المدى البعيد، وتكون ضمن شبكة من الإستراتيجيات الفرعية من الإستراتيجية الأمنية، وتكون تلك الإستراتيجيات غير متوافقة ومتوائمة وملائمة للمواقف الأمنية المُراد التعامل معها.

ولكنها كانت تؤدى بطريقة تقليدية، بعيدة أحياناً عن المهنية والاحترافية والحِرِفية، وتميل إلى الحرَفية المنقولة من بعض المؤسسات الأمنية الخارجة عن إطارها المحلي أو الإقليمي..

وعلى الرغم من زيادة معدلات الإنفاق لبعض الدول العربية على قطاعاتها الأمنية ؛ حيث أستطاع البعض أن يحسّن من البنية التحتية الأساسية الأمنية، ويساند القطاعات الأمنية بالأجهزة والمعدات، ليعزز من أدائها لأدوارها وواجباتها المنوطة بها، والبعض الآخر يطالب بتخصيصات أكبر، لكون هذه الفئة تعتقد (بأن الإنفاق الأمني لا يخضع للضوابط الاقتصادية، وهذا خطأ فادح، ويعتبر الأمن من الإنفاق الواجب، ويخضع للمعايير الاقتصادية)، بمعنى أن هذا الإنفاق الغرض الرئيس منه تحقيق الأمن الشامل، وحسب ما تمليه أسبقيات وأولويات الواقع الأمني، كما نجد أن مستوى الأداء والإنجاز يختلف بين القطاعات الأمنية نفسها في الدولة الواحدة، لكونه يبنى على رؤية المُنجز المعتمد على شخوص، وليس على المنظومة المؤسساتية، فنرى التذبذب في الإنجاز في القطاع الواحد، وفي أحايين أُخر نجد نشوء مواقف أمنية مثل العمليات الإرهابية وزيادة معدلات الجريمة وغيرها تفرض نوعا من الحراك الأمني والوظيفي والتأهيلي والتدريبي لقطاع أو مجموعة من القطاعات الأمنية، وتنخفض وتيرة هذا الحراك بانخفاض معدلات تلك العمليات، بمعنى افتقار كثير من القطاعات الأمنية العربية للمهنية والاحترافية نتيجة لغياب الإستراتيجيات الأمنية اللازمة، والمُحددة بأهداف معينة، وفي مديات بعيدة، لتحقق الإدامة والاستمرارية، والتطور في تلك القطاعات، ويبُع -دها عن الوظيفة المروتنة للقطاع الأمني..

في الجزء الثالث من هذا الطرح ناقشنا التحديات الراهنة للأمن العربي والإستراتيجيات الوطنية العربية وإيضاح مرتكزات الإطار الإستراتيجي، واليوم في الجزء الرابع والأخير سوف نقدم الرؤية المستقبلية للإستراتيجية الأمنية في الدول العربية والتوصيات اللازمة.

الرؤية المستقبلية :

نتيجة لطبيعة التحديات وأنماطها المختلفة، وحاجة الدول العربية إلى البحث والدراسة والتحليل في بعض المعطيات والمقومات والمؤثرات والمكونات والمهددات والتحديات والمحددات في البيئة الإستراتيجية الأمنية العربية، وبعد الوقوف على مستوى التخطيط في بعض الأجهزة الأمنية العربية، والنظر في البعد الأمني الشمولي للمتطلبات الحيوية للدول العربية، ومدى أهمية هذا البعد وتفعيله، ونتيجة لارتباطه المصيري بمعطيات إستراتيجية أكبر، لابد لنا من الخروج برؤية مستقبلية مبسطة، تكون أنموذجاً صالحاً للتطبيق، في ظل نوايا وإرادات وطنية حازمة من المعنيين، لذا خرجت بالرؤية المستقبلية الآتية:

01 ضرورة الاعتراف بالمشكلة الأمنية القائمة من المنظور العربي، وتحديد الإطار العام والمفصل للتحديات والتهديدات، ولإيجاد منظور إستراتيجي يضبط ردود الأفعال المناسبة تجاه تلك التحديات والتهديدات.

02 الأهمية الإستراتيجية لوجود إستراتيجية أمنية عربية شاملة مرهونة بتوفر إرادة وطنية عربية فاعلة، يتحتم عليها إعادة النظر في المساق الحالي. وبناء إستراتيجية وطنية في كل دولة عربية، تنبع منها إستراتيجيات أمنية شمولية، وإستراتيجيات فرعية الفرعية، تأخذ في الاعتبار العلاقات الأمنية البينية العربية.

03 الأخذ بالنموذج الإستراتيجي الأمني الصادر من مقام مجلس وزراء الداخلية العرب، وتعميمه في كافة المناشط الأمنية العربية الأخرى.

04 أرى أن طبيعة وحجم وسرعة التهديدات الداخلية والخارجية المحلية والإقليمية والدولية، تحتم سرعة القيام بمراجعة إستراتيجية، وسرعة عودة الدول العربية إلى تبني المساق الإستراتيجي، بوجود خطط إستراتيجية وطنية مكتوبة ومعممة، لكون أغلب الشعوب العربية أمنها الوطني مهدداً نتيجة تداعيات مصالح الدول الفاعلة والمؤثرة فيها. والبعد عن التنظير والرؤى الفردية، وإيجاد إستراتيجيات تنبع من مناظير مؤسسية مهنية فاعلة.

05 لا تنمية من دون أمن ولا أمن من دون تنمية، ونظراً لتوجه الكثير من الدول العربية إلى التنمية، ونتيجة لما تواجهه من تحديات، لم تستطع مواقفها المالية والاقتصادية والصناعية والتجارية مجاراة وتلبية متطلباتها التنموية، ولكون أكثر هذه الدول لازالت تطبق مفهوم الأمن المجزأ و المروتن والحرَفي. وأعتقد أن البيئة والموقف الإستراتيجي الأمني الحالي يفرض عليها بناء إستراتيجيات أمنية فاعلة مرتكزة على منظور ومفهوم الأمن الشامل، شريطة أن يرتبط بالواقع الأمني العربي.

06 من الضرورة إيقاف موجات جلد الذات، وخاصة أننا لا نملك كوادر عربية كافية من المؤهلين في علم الإستراتيجية، ولكن الآن وضعنا أفضل مما سبق، فبدأنا في إنشاء المؤسسات المتخصصة في هذا العلم، وإن كانت في بداياتها، والمطلوب أن نبدأ مسافة الألف ميل بخطوة.

التوصيات :

01 أرى أن تقوم كل دولة عربية بمراجعة إستراتيجيتها الوطنية، وتحديد إطار عام لهذا الغياب الإستراتيجي ومسبباته، وبالتالي البدء في وضع إستراتيجية وطنية وإستراتيجياتها الفرعية، ضمن إطار زمني محدد وعاجل نتيجة لسرعة المتغيرات والمهددات والمحددات على أمننا الوطني العربي، وتذويب الإمبراطوريات الأمنية المستقلة، ووضعها في نسيج أمني متجانس.

02 لضمان تنفيذ الأدوار والواجبات الواردة في الإستراتيجيات الأمنية العربية، الصادرة من مقام مجلس وزراء الداخلية العرب، لابد من وجود إستراتيجيات أمنية لكل دولة عربية، تتضمن السياسات والإجراءات والأساليب والطرق والخطط التي من خلالها تنفذ الأدوار والواجبات المخصصة لها في تلك الإستراتيجيات الأمنية العربية.

03 سرعة تبني حملات إستراتيجية توعوية أمنية، وإبراز دور تلك الإستراتيجيات في الأمن والتنمية، وإحياء المشاركة الوطنية لكافة الشعوب العربية، لكون تلك الإستراتيجيات تُعد لخدمة هذه الشعوب، ومشاركتها مصيرية لإنجاح جميع الإستراتيجيات المزمع تبنيها وتفعيلها.

04 الأخذ بنموذج الإستراتيجية الأمنية العربية، كنواة تأسيس في البناء الإستراتيجي، وتفعيله في المجالات الأمنية المختلفة، بعد تطويعه وتكييفه في القطاع الأمني المُراد.

05 الإكثار من المنتديات والملتقيات العلمية الإستراتيجية والأمنية العربية، يخلق نوعاً من التوافق والانسجام بين القيادات الإستراتيجية والقيادات الأمنية العربية، ويساعد على تفعيل النسيج الأمني العربي، وتقريب التوجهات الأمنية المساعدة في حالة وجود وتقبل للإستراتيجيات الأمنية العربية.

06 أقترح على مقام وزراء الداخلية العربية إيجاد آلية لفرض مفهوم الأمن الشامل كنظرية وتطبيق لجميع القطاعات الأمنية.

07 على الجامعات العربية أن تؤدي دورها الوطني الُمنوط بها في إنشاء كليات للعلوم الإستراتيجية وكذلك إنشاء مراكز للدراسات والبحوث الإستراتيجية لتساعد جميع المؤسسات في الدول العربية سواء في القطاع العام أو الخاص على كيفية بناء وإعداد وتخطيط الإستراتيجيات وتنفيذها وتطويرها ومتابعتها ومراجعتها سواء الإستراتيجية الوطنية أو السياسية أو الاقتصادية أو الأمنية أو العسكرية أو المعلوماتية أو إستراتيجية الشركات والمؤسسات الخاصة، بل تمتد إلى كل مناحي الحياة، فهو مطلب حضاري إنساني أمني علمي ضروري.

*خبير إستراتيجي وجيوستراتيجي

-- د سعود عابد - الجزيرة السعودية

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*