الجمعة , 2 ديسمبر 2016
الرئيسية » مركز البحوث » ملفات » ملفات السكينة : القاعدة وتجنيد الأطفال.. اغتيال براءة وأخطاء شرعية

ملفات السكينة : القاعدة وتجنيد الأطفال.. اغتيال براءة وأخطاء شرعية

قاعدة العزلة والبراجماتية الفجة
 ربما يصح القول بأن راديكالية التنظيمات والأفكار، وانعزالية ممثليها واستعلاءهم، تتناسب طرديا مع براجماتية ولفوفية تهيمن على خطابها وممارساتها، هكذا كان غلاة اليهود تاريخيا، وفكرة الجيتو عندهم ، وما تربوا عليه من أنهم شعب الله المختار ، لا يرون في الأممين أو الجوييم- غير اليهود- إلا ولا ذمة، ويستحلون فيما بينهم وبين الآخر المختلف ما لا يستحلونه فيما بينهم! وهكذا كل جماعة تتطرف وتنعزل فلا ترى في أغيارها إلا المباح أو ليس عليهم في الأميين سبيل، هكذا كان البيوريتانيون عند فتح أمريكا ، الذين أصروا على إبادة الهنود الحمر ما لم يتحولوا للمسيحية ، ولم يروا في غير الأرض التي يملكها أصحابا سوى” أورشليم جديدة” أنقذهم الله بها من نير الحرب الدينية التي طالت سبعين عاما في أوربا!

ومثل هذا نجده في تاريخنا الإسلامي مع الخوارج والحشاشين ، الذين كان يرسل زعيمهم الحسن بن صباح انتحارييه وهم مخدرون بلا إرادة لضرب أهدافه، وبعض الرؤى المقيتة للآخر الديني والطائفي، فهناك آثار لغلاة الشيعة مثلا توصي بعدم الزواج من الأكراد، لأنهم أبناء شياطين تأنسوا، وفي عالمنا المعاصر ما أكثر التوحش وإدارة التوحش الذي التزمه بعض المتطرفين المنتسبين  للإسلام اسما، ثم يقتلون البراءة والاجتهاد المختلف بلا رحمة، نذكر في هذه المسألة قتل الجماعة الإسلامية المسلحة في الجزائر، للشيخ محمد سعيد زعيم تيار الجزأرة وخمسمائة من أنصاره، لخلاف في رأي حول جدوى المصالحة مع الدولة، رغم أنهم كانوا شركاء في فريق واحد منذ أوائل التسعينيات، قتلوه وهو يتوضأ للصلاة كما يقول أنصاره، وكذلك فعلوا بخمسة عشر  مقاتلا من المجموعات الليبية المقاتلة، جاءوا نصرة للجماعة الجزائرية، بأمر من القاعدة وأيمن الظواهري، ولكن اعترضوا على بعض ممارسات قائد المسلحة عنتر زبراوي، ومخالفتها للشريعة، فقتلوهم جميعا ولم يرجع منهم أحد، وثمة نماذج في نفس الاتجاه أنه كلما زاد التطرف والإغراق في الذاتية كلما حضرت الذرائعية تبريرا وتأسيسا لأفعال يصعب بل ويستحيل تبريرها وفق المنطق الشرعي والأخلاقي.

كان لا بد من هذه المقدمة ونحن نستعرض استغلال الإرهاب والقاعدة للأطفال، في العراق وباكستان وغيرهم، انتهاكا لبراءتهم  وسذاجة بعضهم، حيث تم استخدام بعض المتخلفين عقليا للقيام بعمليات للقاعدة في العراق، وكذلك تم تخدير البعض الآخر، ليقوم بعمل انتحاري دون أن يفهم أو يشعر بما يقوم به.. مما قد يعجز عنه الرجال أو تتراجع عنه النساء.
ففي هذا السياق كشفت الشرطة الباكستانية أواسط 2009 عن معاهد سرية للأطفال تعدهم مباشرة ليكونوا انتحاريين متجاوزة المراحل الترغيبية الأولى من تقريب الجهاد والشهادة إليهم، وعندما أنقذت 20 ولداً من «مدرسة» في وادي سوات يديرها زعيم طالبان باكستان الراحل بيت الله محسود، كشف الأولاد عن وجود أكثر من ألفا آخرين موزعين على عدد من هذه «المدارس». وأقر محسود عندما اعتقل لفترة قبل مقتله أنهم في الغالب أيتام، يتم شراؤهم وتهريبهم عبر المناطق الحدودية كما يتم تهريب السلاح.

وفي الوقت نفسه، كشفت قوات الأمن العراقية أيضاً عن عدد من «المياتم» ومحاجر المرضى العقليين التي يجند نزلاؤها لأغراض مشابهة، إضافة إلى عائلات مؤيدة للعمليات الانتحارية تستقبل أيتاماً لديها وترعاهم ريثما يحين وقتهم، تلك أجواء تشبه إلى حد بعيد أجواء مافيات الجريمة المنظمة التي لا توفر مخدرات أو سلاحاً، ولا نساء أو أطفالاً، ويؤشر إلى طور جديد من أطوار «القاعدة». لذا عندما يبدأ التعامل معها كما مع مافيات نيويورك وصقلية، يصبح التغلب عليها أكثر قابلية.

وقد أجرت شبكة أريج للإعلام الاستقصائي تحقيقا ميدانيا حول الأطفال الذين تم استغلالهم من قبل الجماعات الإرهابية والمسلحة في العراق  العام 2010 (1) انتهت فيه لنتائج مثيرة ومروعة، فمما كشفه هذا التحقيق استغلال أطفال مختلين عقليا، كالطفل غازي الذي اختطف من أمام  منزل العائلة في منطقة الخالدية بالأنبار، وظل مصيره مجهولاً إلى أن عثر عليه بالقرب من نقطة تفتيش وهو مزنّر بحزام ناسف. ويعاني أبو غازي الآن من قلق مضاعف لأن ولده الأصغر اختطف أيضاً مطلع تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، إذ يخشى أن يتم استخدامه بالطريقة نفسها إذا لم يتمكن من دفع الفدية التي يطلبها الخاطفون.

كما فخخ عناصر القاعدة طفلا مصابا بحالة” داون” البله المغولي يسمى” ضرغام” بعد أن أغروه بشراء حلوى من محل مجاور لمركز أمني، يتجمع فيه عناصر من الشرطة أثناء استراحتهم، قتل الطفل ضرغام في الانفجار ومعه عدد من عناصر الشرطة والمتبضّعين. مع ذلك يرفض والده انتقاد التنظيم لأنه يخشى عودته مجدداً يوماً ما.

وفي الأسبوع الثاني من شهر أبريل الماضي العام 2010 أوقفت القوات العراقية طفلا في العاشرة كان يحاول تفجير نفسه أمام نقطة أمنية في عامرية الفلوجة، ولكنه حين صرخ في وجهه أحد الجنود ارتبك وحاول الهروب ولكن تم القبض عليه سريعا، ليدلى باعترافات مهمة حول تجنيده من قبل تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين، كما قامت طفلة في الثالثة عشر من عمرها بتفجير نفسها في نوفمبر من العام 2008.

وحسب تحقيق شبكة أريج  الذي اعتمد على تسجيلات ومقابلات أمنية في العراق، وكذلك مع أهالي الأطفال، كانت أول عملية نفذّها طفل في العاشرة من عمره في خريف عام 2005، كانت تستهدف قائد شرطة كركوك (250 كيلومتراً شمال شرق بغداد).
بعد قرابة الشهرين، نفذ طفلان عمليتين انتحاريتين ضد القوات الأميركية في مدينتي الفلوجة التابعة لمحافظة الأنبار (110 كيلومتر شمال غرب العاصمة)، والحويجة التابعة لمحافظة كركوك. وفي صيف عام 2008، لاحق طفل في العاشرة أيضاً، متخفياً بهيئة بائع متجول، أحد ابرز قادة قوات الصحوة في منطقة الطارمية هو الشيخ عماد جاسم، ولمدة ثلاثة ايام متواصلة، تمكن بعدها من تفجير نفسه بالقرب من قائد الصحوة الذي بترت ساقه نتيجة العملية. في العام نفسه، نفذّت طفلة في الـ13 من عمرها عملية انتحارية في منطقة بعقوبة مركز محافظة ديالى (57 كم شرق بغداد) أسفرت عن مقتل عدد من أفراد الصحوة. (2)

وبينما يفسر البعض هذه العمليات بأنها قد تكون بدافع انتقامي من قبل الأطفال الذي فقدوا آباءهم أو عائليهم، تبدو هناك حالات تختلف عن هذا التفسير، حيث غدت استغلالا وسرقة، حيث يتم تخدير بعض الأطفال ثم توجيههم لتنفيذ هذه العمليات، وهو ما يؤكد عليه مسؤول الإعلام في قيادة شرطة الأنبار من أن «بعض العمليات الانتحارية لم يكن دافعها الانتقام. فآخرها نفذها طفلان أحدهما تم تخديره، والثاني كان يعاني من اختلال عقلي»، حيث حزم أو زُنّر الطفلان بأحزمة ناسفة، وأرغما على التوجه نحو نقاط التفتيش، لكن خللاً في توقيت الأحزمة الناسفة مكّن القوات الأمنية من إبطال مفعولهما قبل الانفجار، كما يضيف المسؤول الإعلامي ويشرح بأن «ربط الأحزمة الناسفة حول أجسام الأطفال تكتيك استخدمه تنظيم القاعدة طوال السنوات الماضية» إلى جانب «إرسال طرود مغلفّة تحوي عبوات ناسفة بأيدي أطفال، سرعان ما يتم تفجيرها عن بعد، عند وصولهم إلى الأسواق أو إلى منطقة قريبة من القوات الأمنية أو صعودهم في سيارات مدنية».

وكونها تجارة حيث يقوم بعض الأطفال بالتجسس لصالح القاعدة، أو العكس، من قبل مناوئيها، مقابل مكافآت معتبرة، وهو ما يجعل البعض يفسر الدافع بأنه أحيانا يكون الفقر، كما يحضر الانتقام سببا تاليا.

ولكن حسب تحقيق شبكة أريج وبعض المقابلات مع مسئولين في جهاز الشرطة العراقي، قد تكون مسؤولاً في شعبة البحث بسجن الأحداث، يرى أن «البطالة والتفكك الأسري» هما أبرز الأسباب، فضلاً عن نوع «الفكر العقائدي » الذي يسود في المنزل باعتباره الحاضنة الأولى التي تسحب معها الأبناء إلى دائرة العنف. والعراق «مؤهل لانسياق الأجيال وراء العنف، لأنه عاش لعقود في حالة من الصراع والحروب المتواصلة».

تفسيرات متعددة:

استغلال القاعدة لأطفال غير واعين ومتخلفين ذهنيا يشكك في دور البيئة أو التربوية العقدية لهذه الحوامل الانتحارية كما عرف مع العديد من التنظيمات الحزبية الراديكالية، كالأحزاب الشيوعية والبعث في عهد صدام حسين، وما عرف بمنظمة الطلائع في عهد صدام حسين، أو التنظيم الطليعي في مصر الناصرية، حيث يتم توجيه وتعبئة الشباب فكريا وإعدادهم ذهنيا للطاعة الأيديولوجية والقيام بما يكلفون به، ففي حالة القاعدة يبدو أنه استغلال ولم يكن هناك أدنى إعداد معنوي أو فكري للضحية، بل بعضهم فاقد الأهلية لأي تكليف أصلا.

ولكن يرى  الباحث على المسعودي رأيا مخالفا لما سبق، فهو يفترض أن التجنيد يعتمد في شكل أساسي على «بيئة الطفل المجند»، وأنه فغالباً ما ينجرف الطفل وراء المعتقدات التي تسود في منزله وشارعه والحي الذي يسكن فيه. ويقسم المسعودي هذه الظاهرة إلى أربعة مستويات، هي كما يلي:

1- جمع المعلومات أو المراقبة (أقل من عشر سنوات).
2- حمل السلاح، المشاركة في الحراسات ونقاط التفتيش (بين 13 و18 سنة) والانخراط في عمليات عنف مثل الاختطاف والقتل والدخول في معارك شوارع (15 إلى 18 سنة).
3- أما المستوى الرابع والأخطر فهو تنفيذ عمليات انتحارية.

المستوى الأول ينتشر «في المناطق المغلقة مذهبياً، خصوصاً خلال مرحلة العنف الطائفي التي كانت فيها الجماعات المسلحة تحظى بتعاطف سكان تلك المناطق». ونشط الأطفال المتجمهرون عند مفارق الطرق في إبلاغ المسلحين باقتراب آليات أميركية استعداداً لتفجير العبوات قربها.

ويقدم ويحقق تجنيد الأطفال للقاعدة أهدافا متعددة يمكن أن نحددها في خمسة أهداف رئيسية:

أولا: ضمان وجود أجيال جديدة مقاتلة توسع من مدى انتشار التنظيم وتزيد من قوته وبطشه، وتعويض العجز في المقاتلين، خاصة وأننا نرى القاعدة تعاني من أزمة سؤال النهاية والاستمرار والخلافة دائما في صفوفها، فهي تعلم أن المعركة طويلة وأعمار قياداتها والفاعلين بها قصيرة ومهددة دائما، ومن هنا يأتي إبراز  أطفال صغار بل واحتمال صعودهم القيادي كما كان في حالة حمزة بن لادن.

ثانيا: عملياتيا تتحقق من تجنيد الأطفال الاستفادة من سهولة حركة الأطفال وعدم اهتمام السلطات الأمنية بمراقبتهم أو الشك بهم حين يعبرون حواجز التفتيش.

ثالثا: إدامة زخم العمليات الانتحارية التي تقتل أكبر عدد من الناس وتكسب التنظيم ضجة إعلامية تزيد من هالة الرعب التي ينشرها.

رابعا: جلب المزيد من المقاتلين من خلال الترويج لفكرة أن الأطفال أشجع من الرجال الذين تخاذلوا عن الالتحاق بتنظيم القاعدة للجهاد في سبيل الله، وهو المنطق الذي سبق أن استخدمه الزرقاوي بعد قيام النساء بعمليات انتحارية في العراق والأردن بناء على توجيهاته، حيث قد وجّه رسالة صوتية يؤنب فيها الرجال على عدم الالتحاق بالتنظيم، بعد أن نفذّت إحدى النساء عملية انتحارية في ديالى.

خامسا:تهديد الصحوات وانتشار الخطر: فكون الأطفال أهدافا غير أمنية في الغالب، وسهولة تجنيدهم وتحركاتهم، توزع الخطر وتؤكد احتمال الاختراق لأسر وعوائل غير محصنة ضد هذا الاختراق لتكون أهدافا انتحارية لمن لا تظن بهم غيلة ولا غدرة، وقد كانت غالبية هجمات الأطفال الانتحارية في العراق موجهة ضد رجال الصحوات، وهو ما يعني أن القاعدة كانت تريد أن ترهب رجال الصحوات وتبلغهم بأنهم «سيقتلون بيد أبنائهم».

طيور الجنة وأشبال الجنة تنظيمات أطفال القاعدة:

لا يقتصر تجنيد الأطفال على جماعة مسلحة دون أخرى «على رغم تفاوتها في مقدار تركيزها». فحسب تحقيق شبكة أريج نقلا عن خبير أمني عراقي، فإن هناك أعداداً كبيرة من الأطفال يحملون السلاح في معسكر «جند السماء» بمنطقة الزركة الواقعة على بعد 13 كيلومتراً شمال شرق مدينة النجف (160 كم جنوب بغداد)، أثناء المواجهات التي دارت بينهم وبين القوات العراقية مطلع عام 2007. لكنه يعتقد أن التنظيم الأخطر على الأطفال هو القاعدة الذي أنشأ تنظيمات مختصة لإغراء الأطفال تحت أسماء رقيقة مثل «طيور الجنّة، وفتيان الجنّة وأشبال الجنة». 

وقد نشط تنظيم طيور الجنة في الأنبار وديالى إبان سيطرة القاعدة عليهما، وكان خاصاً بـ «أبناء قيادات وعناصر القاعدة في العراق». أما أشبال الجنة والفتيان، فاستخدما «لاستدراج أطفال ذوي مواصفات خاصة تؤهلهم لخوض المعارك أو تنفيذ عمليات انتحارية».

محاولات تعبئة فكرية:

بعد غارة في تشرين الثاني ( نوفمبر) 2008 على «وكر» لتنظيم القاعدة شمال بغداد، عثرت القوات الأميركية على شريحة خزن الكترونية تضم معلومات عن خلايا نائمة من الأطفال، فضلاً عن تفاصيل تتعلق بطرق تجنيدهم وتدريبهم على العمليات المسلحة.
أبرز المناطق التي درب فيها تنظيم القاعدة الأطفال على العمليات المسلحة، هي منطقة «المخيسة» النائية التي تقع ضمن شريط تلال حمرين في محافظة ديالى، بحسب اللواء خلف. حيث تعرض مئات الأطفال لغسيل دماغ وتدريب متواصل بإشراف خــبراء في تنـــظيم القاعدة قدم بعضهم من خارج العراق لهذا الغرض.

ويحضر دافع الانتقام في فئة محددة فقط، وهم أخطر الأطفال الذين يتم تجنيدهم، وهم أبناء وإخوة نشطاء في تنظيم القاعدة، وكان يتم تدريبهم في معسكرات خاصة بهم،  في ديالى والأنبار والمدائن (جنوب بغداد) فضلاً عن بعض المناطق الحدودية المحاذية لسورية غرباً، وإيران شرقاً.

ومحاولة من الإعداد الفكري للأجيال الجديدة من الانتحاريين تكون أولى الخطوات بـ «حضّ الأطفال على دخول دورات تحفيظ القرآن» وبالتحديد من يتمتعون بمواصفات بدنية معينة مثل البنية القوية والطاعة الشديدة. كما يؤخذ في الاعتبار والحسبان العائلة التي ينتمون إليها فيما إذا كانت معروفة بالتشدد أم لا… ثم نلحقهم بمجموعات أكبر منهم سناً يغذونهم فكرياً تمهيداً لتكليفهم مهمات مثل نقل مبالغ نقدية ومنشورات لعناصر التنظيم، وتكون المرحلة التالية هي استخدامهم في نقلَ العبوات الناسفة، وأحياناً زرعها في مناطق محددة، ثم تكون المرحلة الأخيرة ندخلهم في عمليات مسلحة تتطلب أحياناً الدخول في مواجهات مباشرة» . (3)

وحسب أحد عناصر القاعدة السابقين، يكنى ابو الوليد، فإن الدورات الفكرية لأطفال القاعدة انطلقت في عهد أبي مصعب الزرقاوي المقتول سنة 2006، وكانت أولى الخلايا عام 2004، تضم قرابة 100 طفل تم اختيارهم بعناية لضمان تنفيذهم واجبات خطيرة أبرزها التفجيرات الانتحارية، وكانوا يتلقون موادا دينية وأيديولوجية ويتم استثارتهم عبر شرائط الفيديو للعمليات الانتحارية المسجلة سابقا، وإغراء البطولة وحسن الذكر وما شابه من أدوات يصعب أن يقاوم إغراءها العقل الصغير.

ولا تكتفي القاعدة في هذا الاتجاه بأبناء عناصرها وقياداتها، بل وتتجه لكل شاب متدين أو متشدد تظن إمكانية تجنيده، وإذا ما اشتم إمكان تراجعة تلجأ لتهديدهم بإبلاغ عائلاتهم أو السلطات عن مشاركتهم في التدريب أو تهديدهم بالقتل أو تصفية ذويهم، حالما تراجعوا، وهو ما يشهد عضو القاعدة في العراق سابقا الذي انضم للصحوات، ثم تركها، في تصريحاته لتقرير شبكة أريج المشار إليه سابقا، وهو يؤكد كذلك أن أخطر هذه العناصر هم من فقدوا ذويهم وعائلاتهم حيث يملأهم الغضب الذي يسهل إشعاله بدفعهم للثأر  لقتلاهم إذا نفّذوا العمليات الانتحارية».

وقد بررت القاعدة تجنيدها الأطفال بالخلاف الفقهي بين الطفولة والرجولة، وهو ما ساعدها على النفاذ إلى عقول المستهدفين واعتبار مسألة تجنيدهم مسألة شرعية.

هذا رغم أن ثمة نصوصا كثيرة تحرم هذا الاستغلال غير الأخلاقي لبراءة الأطفال، وقد رفض النبي- صلى الله عليه وسلم- وأعرض عن تجنيد صبيين في بدر، كما قال لآخر كان يعول أسرته” ففيهما فجاهد” واشتراط استئذان ولي الأمر والوالدين في الجهاد، أمور معروفة فكيف يتجاوز تنظيم ينتسب لهذا الدين كل أحكامه وثوابته.

هم يرددون كلمة «الجهاد» برنينها الساحر على آذان غير متعقلة لصبية فتسحرهم ، وهو ما تعبر عنه قصة الصبي ياسر ذنون الذي انضم للقاعدة بعد مقتل شقيقه الأكبر  بالعمل في معارك الفلوجة عام 2004، وقد قبض عليه بعد اشتباكات شارك فيها ضد عناصر من الشرطة العراقية في مدينة الفلوجة عام 2008 يؤمن ياسر تماماً بأن مقاومة المحتل واجب على كل مسلم، ويقول: «لم أنخرط في القاعدة سعياً وراء المال كما فعل بعض أصدقائي»، إذ اكتفى بعائد يتراوح بين 70 إلى 100 ألف دينار (حوالى 80 دولاراً) لتغطية مصاريفه بعد كل تفجير عبوة ناسفة أو عملية قتالية ضد القوات الحكومية. بعد مقتل أخيه المقاتل، اضطر ياسر للتفرغ بالتنظيم وترك مهنة الحدادة التي كانت تؤمن مصاريف عائلته. «المال لم يكن هدفي بل الجهاد ضد المحتلين».

هكذا تشتري القاعدة أرواحا بريئة بـ 80 دولار، وقد تشتريها مجانا سرقة لإخلاص أطفال لا يدركون أبعاد ما يقومون به، أو يكونون مختلين عقليا كما كان في حالة الطفل ضرغام، أو سائرين بقوة الغضب كما هو حال ياسر ذنون.

وهو ما يعد تأكيدا على إفلاس هذا التنظيم- كما ترى بيسان الشيخ- كأيديولوجيا وبروز دورها أكثر كمافيا للجريمة المنظمة التي لا تبالى بسرقة براءة الأطفال في غير القتل غالبا.

كما تعتبره دلالة أخرى على تقهقر التنظيم الذي ففي الوقت يجد صعوبات في تجنيد شبان راشدين وفي تمويل التدريب أيضاً. فالأولاد قد يسهل استدراجهم بالترغيب أو الترهيب، لا فرق، فهم لا يملكون ما يخسرونه أصلاً، لكنهم حتى بعد التجنيد لا يبدو أنهم اكتسبوا مهارات تكفل للتنظيم نجاح عملياتهم، فابن العاشرة ذاك، غادر حيه قبل يومين فقط من تكليفه بالمهمة الانتحارية.”
وهو ما نعتبره إصرارا من القاعدة مستمرا منذ فترة على تقديم الهدف الإعلامي على نجاح العمليات.. فنحن باقون نستهدف الجميع وفي كل أوقات وبأشكال مختلفة وبريئة أحيانا بغض النظر عن شرعيتها.

-- موقع السكينة

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*