الأحد , 4 ديسمبر 2016
الرئيسية » مركز البحوث » ملفات » ( الحريّة الدينية في المملكة العربية السعودية ) ورقة علمية لرئيس شؤون الحرمين توضيحاً للحقائق .

( الحريّة الدينية في المملكة العربية السعودية ) ورقة علمية لرئيس شؤون الحرمين توضيحاً للحقائق .

أصدرت وزارة الخارجية الأمريكية تقريرها المعنون “تقرير الحرية الدينية في العالم ، هذا التقرير صنف المملكة العربية السعودية جنباً إلى جنب مع بورما والصين، باعتبارها دولة تدعو ممارساتها، فيما يتعلق بالحرية الدينية، إلى القلق بوجه خاص، نظراً ـ كما جاء في التقرير ـ لوجود انتهاكات حادة فيها للحرية الدينية.

ونص التقرير على أنه: فيما يتعلق بالمملكة العربية السعودية خاصة لا وجود للحرية الدينية فيها، فالإسلام هو دين الدولة، ويتعين على جميع المواطنين أن يكونوا مسلمين، ولا تعترف قوانين البلد بالحرية الدينية أو تحميها ويحرم الجميع من الحريات الدينية الأساسية، باستثناء أتباع المذهب الإسلامي السني الذي تجيزه الدولة.

وتتلخص سياسة الحكومة الرسمية في السماح لغير المسلمين بممارسة شعائرهم الدينية في منازلهم بصورة غير علنية، لكن الحكومة لا تحترم دائماً في الواقع هذا الحق بالفعل والمواطنون محرومون من حرية اختيار دينهم أو تغييره، وتخضع الأقلية الشيعية لتمييز سياسي واقتصادي مجاز رسمياً، بما في ذلك فرص التوظيف المحدودة والتمثيل الضئيل جداً في المؤسسات الحكومية، والقيود المفروضة على ممارسة دينهم وعلى تشييد المساجد والمراكز الاجتماعية التابعة لهم، وتفرض الحكومة مذهباً سنياً متزمتاً، وتحيز ضد مذاهب الإسلام الأخرى، وتحظر الحكومة ممارسة الأديان الأخرى علناً.

ويواجه المصلون غير المسلمين خطر الاعتقال والسجن والجلد والتعذيب إن هم مارسوا نشاطات دينية تلفت الانتباه الرسمي، ويتلقى جميع التلاميذ في المدارس الحكومية دروساً دينية إلزامية متطابقة مع التعاليم السلفية، وفي حين أنه تم إحراز تقدم في حرية الصحافة، إلا أن مناقشة القضايا الدينية علناً ظل محدوداً، لتقييم أحكام تقرير الحرية الدينية الأمريكي تقييماً عادلاً ودقيقاً، لا يمكن أن يغفل التقييم الحقائق التالية:

إن سكان المملكة العربية السعودية من المواطنين والمقيمين إقامة دائمة، سواءً كانوا سنة أم إمامية، جعفرية أم إمامية إسماعيلية، كلهم دون استثناء مسلمون.

كل المسلمين في المملكة يسلِّمون بالتزامهم بالإسلام عقيدة ونظاماً خلقياً وقانوناً يحكم تصرفاتهم وأحوالهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

وكلهم يسلِّمون بأن المصدر الأساسي للإسلام والمرجع الأعلى لتفسيره، هو نصوص القرآن ونصوص السنة الثابتة عن الرسول صلى الله عليه وسلم.

وقد قال تعالى: “فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا” (النساء 65)، وقال: “وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا” (الأحزاب 36).

ولا يوجد مسلم سواءً كان سنياً أو إمامياً جعفرياً أو إمامياً إسماعيلياً يرفض أن يكون الوحي (القرآن والسنة الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم) مرجعاً له في إسلامه.

وكما يعين الإسلام القانون الذي يحكم بالتفصيل حياة المسلم، فإن الإسلام وحده يعين للمسلمين ما يعرف عند غيرهم بالنظام العام والآداب العامة.

من الأمور المبدئية في الإسلام المعروفة لكل مسلم، ما قرره القرآن من أنه “لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ” (البقرة 136)، وما ورد من النصوص في القرآن مفصلة لهذه القاعدة الأساسية من مثل قوله تعالى: “قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ” (البقرة 139)، “وَقُلْ آَمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ” (الشورى 15)، “وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آَمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ” (العنكبوت46)، “قُلْ لَا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ” (سبأ25) ( قارن أثر هذه الآيات على المسلمين مع ردود الفعل في الولايات الأمريكية التي حدثت، عندما جامل الرئيس الأمريكي مواطنيه المسلمين بقوله: “إلهنا وإلهكم واحد”).

قال تعالى: “شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا” (الشورى 13)، وقال: “قُولُوا آَمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ” (البقرة 136)، وفي هذا المعنى آيات كثيرة.

وموجب هذه الآيات، أن المسلم لا يكون مسلماً إلا إذا آمن بإبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب وموسى وعيسى وكل النبيين الذين ذكرهم القرآن الكريم، وإذا كان المسيحي يمكن أن يبقى مسيحياً واليهودي يمكن أن يبقى يهودياً، ولو شك في أن هؤلاء الأنبياء شخصيات تاريخية، فإن المسلم لا يبقى مسلماً لو لم يؤمن أن أياً منهم شخصية تاريخية، بل لو شك في نبوة أي منهم، بل لو لم يعاملهم بالتبجيل والاحترام والتكريم وفق ما يستحقونه بصفتهم أنبياء، دون أن يفرق بينهم في ذلك.

على أساس ما ورد في الفقرتين 3، 4 ونتيجة منطقية له، ترسَّخ تصور المسلم، سواءً في المجتمع السعودي أو في أي مجتمع إسلامي آخر تجاه حرية الأديان.

ولم يبق هذا التصور نظرياً، بل ظهر دائماً في الممارسات العملية للمسلمين في كل العصور وفي كل الأزمان، فمنذ وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم وحتى نهاية الخلافة العثمانية، وفي جميع أجزاء الأرض التي حكمها سلطان المسلمين في أي وقت من حدود الصين شرقاً إلى جنوب فرنسا غرباً ومن شرق اندونيسيا إلى وسط أوروبا، أعطى المسلمون الطوائف غير المسلمة الواقعة تحت حكمهم الحرية الكاملة في ممارسة دينهم وعبادتهم، بل أكثر من ذلك أعطوا الحق في أن تكون لهم قوانينهم الخاصة ومحاكمهم الخاصة، واستثنوا من تطبيق القانون الجنائي العام، بمعيار أن كل فعل لا يعتبر جريمة في دينهم ونظامهم الخلقي لا يعتبر جريمة في حقهم، وإن كان يعتبر في حق المسلم جريمة بحكم القانون الجنائي العام.

وقد استثنى من كل الأرض الواسعة التي شملها السلطان السياسي للمسلمين جزءاً محدوداً عرف بمركز الإسلام، وهو الجزء من الأرض الذي حدده الفقهاء بمكة والمدينة واليمامة ومخاليفها، أي كل الأرض الواقعة ضمن حدود المملكة العربية السعودية حالياً، ففي هذا الجزء وحده، حظر الإسلام الوجود الدائم لدين مناقض للإسلام، سواءً كان هذا الوجود ممثلاً في شخص أو مؤسسة أو منشأة.

وحظر الوجود الدائم أو المؤقت لدين آخر في الحرم الشريف، ووردت في ذلك الآية 28 من سورة التوبة، ودلت على الحظر المشار إليه مع نص القرآن والنصوص الثابتة من أقوال الرسول صلى الله عليه وسلم، ومن ذلك وصيته في آخر حياته وعندما كانت روحه الشريفة تفارق جسده الكريم.

مثل ما روعي الأصل الذي عمل به في سائر البلاد الإسلامية، حسب ما أشير سابقاً، روعي أيضاً هذا الاستثناء منذ عهد الرسول صلى الله عليه وسلم حتى العهد الحاضر.

لا يسلِّم بهذا الحكم المسلمون السعوديون وحدهم، بل يسلِّم به كل مسلم على وجه الأرض.

(أثناء حرب الخليج في مستهل العقد الأخير من القرن المنصرم، عندما عرضت إحدى الفضائيات فيلماً مفبركاً يظهر صوراً مزيفة لمجندين غير مسلمين في مكة المكرمة، قامت مظاهرات صاخبة غاضبة ضد الحكومة السعودية، لم تنته إلا بعد ما عرفت الجماهير أن الفيلم مزيف).

إن استثناء الإسلام الأرض المشمولة بحدود المملكة العربية السعودية حالياً من الأحكام المطبقة في جميع الأرض التي سادها الحكم الإسلامي، فيما يتعلق بمعاملة الأديان الأخرى، هو استثناء يقرر القاعدة ولا ينقضها، وهذا الاستثناء كاف بذاته ـ بوصفه استثناء من قاعدة عامة ـ ليدل على الأساس المنطقي الذي قام عليه.

وأن هذا الأساس شيء آخر مختلف عن كل الأسس التي يبنى عليها تقييد الحريات من قِبَل الثقافات الأخرى، تلك الأسس في غالب الأحيان، إن لم يكن كلها: التعصب والكراهية Prejudice والاستعلاء أو الخوف.

ولو كان الدافع للاستثناء أمراً من هذه الأمور لما غاب طوال تاريخ الإسلام، وعلى كل أراضي العالم الإسلامي، بل ولما منح الإسلام الأديان الأخرى من الحرية والحقوق ما لم تمنحه حضارة أو ثقافة أخرى في الماضي والحاضر.

إن تسليم الدولة الحديثة بفكرة السيادة وبمبدأ وحدة القضاء، لم يكن ليسمح لأكثر الدول الحديثة تسامحاً أن تعطي أقلية إثنية تعيش في ظلها، الحق في أن يكون لها قانونها الخاص، وقضاؤها الخاص وأن تستثنى من القانون الجنائي العام، كما فعل الإسلام.

لكي ندرك الدافع الحقيقي لهذا الاستثناء، علينا أن نتصور الفارق الأساسي بين هذا الجزء الذي طبق عليه الاستثناء، والأجزاء الأخرى من الأرض التي يعيش عليها المسلمون، وأن نتذكر أن هذا الجزء المستثنى هو قبلة المسلمين ومركز توجههم، فضلاً عن كونه مبعث الإسلام ومحل ميلاده ومأرزه الذي يرجع إليه، وأن الجماهير الغفيرة من المسلمين يشعرون نحو هذا المركز بقدر من المحبة والولاء والغيرة عليه أكثر مما يشعرون به نحو أوطانهم التي يعيشون عليها.

وهذا التصور والتذكر، يهدي العقل السليم العادل إلى عدم ملاءمة أن يوجد على هذا المركز مزاحم من الديانات الأخرى المناقضة للإسلام.

والمنطق السليم العادل بعد ذلك، يهدي إلى أن إقامة معبد لدين من الأديان في مكان لا يوجد فيه تابع لذلك الدين من المواطنين، أي في مكان لا يوجد فيه حاجة فعلية للعبادة في ذلك المعبد، لا يمكن أن يكون الدافع لإنشائه غير قصد مزاحمة الإسلام وغزوه في عقر داره، وهذا المعنى يصدق على وجود مركز للتبشير بدين آخر يناقض الإسلام.

إن استثناء مركز الإسلام من قاعدة يطبقها الإسلام أينما كان، هذه القاعدة التي تقتضي التعايش مع الثقافات الأخرى ومنحها الحرية في الوجود والممارسات، بصورة لم تبلغها درجة التسامح في أي ثقافة أخرى، يعني بمقتضى المنطق السليم أن الدافع لهذا الاستثناء يستحيل أن يقع تحت أي مضمون لدوافع الإخلال بالحرية الدينية الذي يرتكب وبدرجات مختلفة على سطح الكرة الأرضية وفي مختلف الأزمنة بما فيها العصر الحاضر.

وإذا أخذ ما سبق في الاعتبار، فإن الشغب على المملكة العربية السعودية بسبب تطبيق مبدأ إسلامي تقتضيه نصوص الدين، هو شغب لا يسنده المنطق والعدل، كما تقبله الفطرة السوية للإنسان.

وإذا أضيف إلى هذه المعاني، أن تطبيق الحكم بعدم السماح بالوجود الدائم للأشخاص والمؤسسات التي لا تعترف بالإسلام ديناً حقاً، هو أمر لا يخضع للسلطة التقديرية لحكومة المملكة العربية السعودية، ولا يملك أي سلطان سياسي على أرضها تغييره، تبين أن اتهام الحكومة السعودية بانتهاكها للحرية الدينية على أساس احترامها لهذا الاستثناء، اتهام ظالم لا يستند إلى الحق والعدل ومقتضى المنطق السليم.

بما أن حرية التدين، مثل كل الحريات، ليس لها مدلول مطلق، فإن آراء الناس قد تختلف فيما يعتبر من السلوك انتهاكاً للحرية ومالا يعتبر كذلك.

ولكن على كل حال، هناك قدر مشترك يتفق عليه الناس، وذلك مثل أن يعتبر انتهاكاً للحرية السلوك الذي يقيد حرية شخص أو طائفة في فعل أمر يوجبه دين ذلك الشخص أو تلك الطائفة، كما يعتبر انتهاكاً للحرية السلوك الذي يفرض على شخص أو طائفة، فعل أمر يحرمه دين ذلك الشخص أو تلك الطائفة.

كما يعتبر انتهاكاً للحرية الدينية، التمييز ضد طائفة بذاتها بسبب دينها بتعريضها لإجراءات مؤذية لا يتعرض لها غيرها أو حرمانها من حقوق يتمتع بها غيرها من المواطنين.

من المتفق عليه أيضاً، أن لا يعتبر انتهاكاً لحرية الشخص، منعه من أن يتعدى على حرية غيره، وإن كان الأمر يَدِقُّ حينما لا يوجد تناسب معتبر بين الحريتين.

كما لا يعتبر انتهاكاً لحرية الشخص، منعه من الإخلال بالقانون أو الإخلال بالنظام العام L’ordre Publique أو الآداب العامة، أو الإخلال بالأمن القومي. على أن الأمر يَدِقُّ عندما نلاحظ أن اعتبار فعل ما، يوافق النظام العام أو الآداب العامة أو يخالفها، أمر نسبي يختلف باختلاف الثقافات.

كما أن دعوى الإخلال بالنظام العام أو الآداب العامة أو الأمن القومي، قد تكون دعوى يقصد منها التبرير وليس الحقيقة، على أنه في هذه الحالة كثيراً ما تكشف الظروف الملابسة حقيقة مثل هذه الدعوى.

ولإيضاح المعاني السابقة بأمثلة واقعية، نذكر ما يأتي:

ظل الناس في أوروبا لأكثر من قرنين (أي من قبل إلغاء محاكم التفتيش عام 1835م إلى مستهل القرن الحالي) يعتبرون القانون الأسباني الذي صدر في القرن السادس عشر، بمنع المرأة المسلمة من ارتداء الحجاب انتهاكاً للحرية الدينية، على أساس أن المرأة المسلمة تعتقد أن ارتداءها للحجاب في حضرة الرجال الأجانب عنها واجب ديني، بل إن المحاكم في فرنسا وفي الولايات الألمانية، كانت حتى مستهل القرن الحالي تحكم بحق المرأة المسلمة في ارتداء الحجاب على أساس حقها في الحرية الدينية.

في مستهل هذا القرن، صدر القانون في فرنسا بتقييد حرية المرأة المسلمة في ارتداء الحجاب على أساس مخالفة ذلك للنظام العام (قيم العلمانية الفرنسية)، وصدرت قوانين مماثلة في بعض الولايات الألمانية على أساس أن ارتداء المسلمة الحجاب يخالف القيم الأخلاقية الألمانية.

هنا في هذا المثال واضح أن الظروف الملابسة، تظهر أن الدعوى بمخالفة ارتداء المسلمة الحجاب النظام العام أو الآداب العامة، دعوى قصد منها تبرير انتهاك الحرية الدينية للمسلمة، وليست دعوى تعبر عن الحقيقة، إذ إنه في الأزمان السابقة لصدور القوانين المشار إليها، لم يكن أحد يدعي في فرنسا أو ألمانيا أن ارتداء المسلمة الحجاب يناقض النظام العام أو الآداب العامة، وبالمثل فحين تحظر السلطة الحكومية في تونس أو العراق أو تركيا على المواطنة المسلمة ارتداء الحجاب، بحجة مخالفة هذا الفعل للنظام العام أو الآداب العامة، فإن هذه الحجة لا تكون مقبولة بسبب أن الثقافة العامة التي تعتنقها الأغلبية من شعوب هذه البلدان، لا ترى أن قيمها الثقافية تتناقض مع ارتداء المرأة الحجاب .

لا يشترط في مدلول النظام العام أو الآداب العامة، أن يتفق دائماً مع المنطق العام Common Sence، لأن المدلول أمر يتصل بالثقافة السائدة Culture وليس بالضرورة أمراً يقتضيه المنطق العام، فمثلاً إذا افترض أن دولة غربية تتسامح تجاه تعدد الزوجات في هذا النوع من الزواج (في حالة زواج اللوطيين أو السحاقيات)، ولا تعتبره مخالفاً للنظام العام أو الآداب العامة في تلك الدولة، ولكنها ظلت تعتبر تعدد الزوجات في حالة الزواج الطبيعي مخالفاً للنظام العام أو الآداب، فإن مواطنها المسلم لا يستطيع الاحتجاج عليها عندما تمنعه من تعدد الزوجات في الزواج الطبيعي، بأنها تقيد حريته أو تميز ضده، بدعوى أن المنطق العام يوجب أن يكون لتعدد الزوجات مفهوم واحد وليس مفاهيم مختلفة.

إن أثر النظام العام والآداب فيما يتعلق بتقييد الحرية قد يختلف أثره قوة وضعفاً بين مجال ومجال، فقد يكون مؤثراً، بحيث يقتضي في الولايات المتحدة الأمريكية حرمان المواطن الأمريكي الذي يمارس تعدد الزوجات من شغل منصب القضاء دون أن تقبل دعواه أن هذا الحرمان يقيد حريته الدينية أو يميز ضده، ولكنه لا يكون مؤثراً بحيث يقتضي حرمانه من الجنسية الأمريكية مثلاً.

إذا أصدرت دولة ما قانوناً يقيد حق المواطن في بعض الممارسات، وكان المواطنون سواءً أمام هذا القانون، فلا تقبل دعوى المواطن أو الجماعة من المواطنين أن القانون يميز ضدهم لأجل دينهم، إذا لم يظهر من الظروف فعلاً أنه قصد بإصدار القانون أو بتنفيذه حرية تلك الجماعة، حتى لو ترتب على هذا القانون إصابة هذه الجماعة بأذى مادي أو نفسي، أو حرمانهم من مميزات مادية أو أدبية متاحة لغيرهم من المواطنين، فمثلاً:

إذا ادعى المسلمون الأمريكيون أن الإجراءات العدلية المؤسسة على القوانين التالية: Secret Evidence أو Guilt by Association أو Patriot Act، تنتهك حرياتهم كمسلمين أو تميز ضدهم لأجل دينهمـ فلا تقبل دعواهم، إذا ظهر أن الإحصاءات تثبت أن النسبة المئوية لمن طبقت هذه القوانين في حقهم من المسلمين لا تزيد بصفة شاذة عن النسبة المئوية لغيرهم من السكان.

أما لو ثبت بالإحصاء أن كل من طبقت هذه القوانين في حقهم أو أغلبهم من المسلمين، فإن من حقهم أن يعتبروا هذه القوانين تنتهك حرياتهم أو تميز بغير حق ضدهم لأجل دينهم.

في المملكة العربية السعودية لا يمنع الشخص من تغيير دينه على وجه الإطلاق، فلا يسأل الهندي إذا تحول إلى بوذي، أو بالعكس إذا تحول الهندوسي أو البوذي إلى نصراني، كما لا يحاسب الشخص على ما يعتقده في نفسه أو يكنه ضميره.

ولكن يمنع المسلم من تصريحه بالارتداد عن دين الإسلام، إذ معنى تصريحه بذلك إعلانه بأن الإسلام دين باطل وأن القرآن زائف من أساطير الأولين، وأن النبي كذاب أو مختل عقلياً حين ادعى أنه نبي. وبما أن الإسلام في حق الشعب السعودي ليس فقط قانوناً أصدرته الأغلبية من ممثلي الشعب، بل هو قانون أجمع عليه الشعب، بل هو أكثر من ذلك دستور يعلو في وزنه القانوني ـ بالنسبة للمملكة العربية السعودية ـ الوزن القانوني لأي دستور يحكم شعباً آخر، فإن ارتداد مسلم سعودي لا سمح الله، يعني أشنع صورة للعدوان على السعوديين الآخرين.

إعلان مواطن الارتداد عن الإسلام، يعني للشعب السعودي أكثر مما يعني للشعب الأمريكي إعلان مواطن أمريكي الدعوة للثورة ضد الديمقراطية، أو تمجيد نظام طالبان، أو التشكيك في عدد ضحايا الهولوكست (أو إحراق العلم).

لقد اختار الشعب السعودي الإسلام ديناً مُعِّيناً لقيم الشعب الخلقية العليا، وقانوناً أعلى، كل قانون أو إجراء بشري يخالفه يعتبر باطلاً إذا وقع على أرض المملكة العربية السعودية، هذا يعني أن من يعتبر تطبيق المملكة العربية السعودية أحكام الإسلام على مواطنيها انتهاكاً للحرية الدينية، هو في الحقيقة والواقع ينكر على الشعب السعودي حقه في اختياره الحر أن يتدين بالإسلام.

في ضوء ما سبق، وباستقراء الواقع، ندعي:

أنه في المملكة العربية السعودية لا توجد حالة ولم توجد قط حالة، أجبر فيها شخص أو طائفة على ممارسة فعل أو قول يحرمه دينه أو دينها أو منع من ممارسة فعل أو قول يوجبه دينه أو دينها. ولا توجد حالة ولم توجد قط حالة منع فيها شخص من تغيير دينه، سوى منع المسلم من الارتداد عن الإسلام.

لا توجد حالة ولم توجد حالة ميز فيها بسبب الدين بين الأمريكي المسلم والأمريكي النصراني أو الفلبيني المسلم والفلبيني النصراني، أو التايلندي المسلم والتايلندي البوذي أو الهندي المسلم والهندي الهندوسي، وكذلك كل من كان على شاكلتهم، لم يحدث هذا التمييز قط، سواءً كان ذلك في القوانين أم في شروط عقد العمل أم في الإجراءات الحكومية، بل حتى في تعامل الشخص العادي.

يمنع غير المسلم من دخول الحرمين الشريفين، وهذا حكم من أحكام الإسلام يسلِّم به كل المسلمون. ولا يسمح على أرض المملكة العربية السعودية بالوجود الدائم لمؤسسات أو منشآت لدين مخالف للإسلام.

وهذا أيضاً حكم من أحكام يسلِّم به جميع المسلمين وكون الأمر حكماً للإسلام مبرر كاف في ذاته لتطبيق مقتضاه، ولكن يضاف إلى هذا المبرر أن إقامة معبد لغير المسلمين حيث لا يوجد مواطن أو مقيم إقامة دائمة غير مسلم، أو وجود مؤسسة للدعوة لدين مناقض للإسلام يعني ذلك الطعن في الإسلام، ويعني الإشهار أن الإسلام دين باطل، وأن الدين الذي يناقضه هو الحق، وكل هذا يمثل في نظر كل من يحكم العقل والمنطق ومبادئ العدل، إخلالاً بالأمن القومي، واعتداءً على النظام العام والآداب العامة في المملكة العربية السعودية.

في ضوء ما سبق، نستطيع تقييم اتهام المملكة العربية السعودية، بأنه لا وجود للحرية الدينية فيها، وتصنيفها دولة تنتهك الحرية الدينية، تتأهل لأن توضع في ذلك جنباً إلى جنب مع بورما في تعاملها مع البرماويين المسلمين والصين في تعاملها مع شعب الايجور.

خاتمة:

قُصد من الإيضاحات السابقة، جلاء الحقيقة في صلة المملكة العربية السعودية بالحرية الدينية لمن يريد الحقيقة، ولم يكن القصد بالذات مناقشة تقرير وزارة الخارجية الأمريكية، ولكن وجود هذا التقرير، كان فرصة لمناقشة موضوع الحرية الدينية في المملكة العربية السعودية، حيث تكون المناقشة للموضوع مناقشة واقعية وعملية، وليست مناقشة نظرية.

أما تقرير وزارة الخارجية الأمريكية، فواضح أن دوافعه سياسية، ولم يكن الدافع إليه البحث المجرد عن الحقيقة، لذا جاء كما يُتَوقَّع، على قدر كبير من التحيز وعدم الموضوعية، ولم يكن ذلك عن جهل أو نقص في المعلومات، أو عجز عن البحث العلمي.

ويمكن إيراد بعض الأمثلة التي توضح ذلك:

يتهم التقرير المملكة بأنها تتبع مذهباً خاصاً في تفسير الإسلام، ولا يسمح للمنتسبين للإسلام أو غيرهم بمخالفته.

لا أحد ينازع في أنه لم يكن لبلد غربي من الوجود في المملكة العربية السعودية، مثل ما كان للولايات المتحدة الأمريكية طوال الأعوام السبعين الماضية.

في هذه السنوات كان عشرات الألوف من الشعب الأمريكي قد وطئوا أرض المملكة: شركات وخبراء وموظفين ورجال أعمال وغيرهم، لم تحدد الفرصة لأي منهم ( باستثناء دخول الحرمين الشريفين لغير المسلمين) من التجول في الأرض والاتصال بالشعب والتعامل مع القوانين، وبفضل هذا الوجود وفضل ابتعاث عشرات الألوف من الطلاب السعوديين للدراسة في أمريكا، لم تتأثر الثقافة السائدة في السعودية بمؤثر أبلغ من الثقافة الأمريكية.

يعني ما سبق، أنه طوال العقود الماضية لم تتغير الثقافة السائدة في المملكة، إلا بما طرأ عليها من تأثير الثقافة الأمريكية.

وطوال السنوات الماضية، لم نكن نسمع مثل هذا الاتهام لا من قبل الإدارة الأمريكية، ولا من قبل أحد المواطنين الأمريكيين الذين عاشوا في المملكة، وكانوا على اطلاع واسع على ثقافتها، ولم يدع أحد منهم قط أنه منع من ممارسة عبادته أو حظر عليه أمر يعتبره واجباً دينياً، أو فرض عليه القيام بأمر يعتقده مخالفاً لضميره الخلقي أو لدينه.

ولذا، فلا مجال للقول بأن الأمريكيين كانوا في الماضي يجهلون ثقافة المملكة، وما تقتضيه هذه الثقافة من ممارسات، ولا أن هذه الثقافة تحولت في السنوات القليلة الماضية فقط إلى صورة أخرى أكثر تناقضاً مع الثقافة الأمريكية.

يتهم التقرير المملكة العربية السعودية بانتهاك الحرية الدينية لغير المسلمين، بمنعهم من ممارسة شعائرهم الدينية علناً، أو حتى في بعض الأحيان في منازلهم ومعاقبتهم بالسجن والتعذيب، إن هم مارسوا نشاطات دينية تلفت الانتباه الرسمي.

غير المسلمين في المملكة وعددهم كبير، يقدمون إلى المملكة بمحض إرادتهم وحريتهم في الاختيار، ومع أنهم يفدون إلى المملكة العربية السعودية لقضاء فترة مؤقتة، إلا أن بعضهم تطول إقامته ومن هؤلاء أمريكيون مسيحيون، وهم حين يفدون إلى المملكة العربية السعودية، من المفروض أنهم يعرفون قوانينها ويلتزمون بالعمل بموجبها.

فلا يتصور أن يدَّعي أحد منهم بعد ذلك، أنه خضع للاضطهاد بسبب دينه، أو أنه اضطر ـ بسبب السلطة الرسمية ـ لقبول ما يؤذي ضميره الخُلُقي.

إذاً، لو شعر أحد منهم بأنه مضطهد بسبب دينه، أو أنه تُفرض عليه أوضاع لا يرتاح لها ضميره الخُلُقي، لما بقي في البلد مختاراً غير مكره، راضياً بالبقاء غير مجبر عليه.

إن وجودهم الاختياري في ذاته، أوضح دليل على مدى عدم جدية اتهام المملكة باضطهاد غير المسلمين، بسبب الدين أو دعوى انتهاك الحرية الدينية لأي منهم.

أما حين يخالف أحد منهم القانون، الذي التزم باحترامه عندما اختار القدوم إلى البلاد، فلا تعتبر مجازاته على مخالفته انتهاكاً لحريته.

والواقع أن قدوم هؤلاء الوافدين غير المسلمين في المملكة العربية السعودية، بمن فيهم المسيحيون من حاملي الجنسية الأمريكية وبقاؤهم فيها مختارين غير مكرهين، دليل على التسامح الديني، سواء من قبل الشعب أو الحكومة لا العكس.

لم توجد معارضة للوجود المؤقت في البلاد لغير المسلمين طوال تاريخ المملكة العربية السعودية، الاستثناء الوحيد هو المعارضة الشعبية لوجود القاعدة العسكرية الأمريكية في الظهران في الخمسينات من القرن المنصرم، والتي نتج عنها تفكيك القاعدة.

ولكن هذه المعارضة لم يكن لها صلة بالناحية الدينية، ولم تحدث بسبب أن الجنود الأمريكيون غير مسلمين، وإنما كانت دوافعها (حصراً) المشاعر الليبرالية القومية. ووزارة الخارجية الأمريكية بالتأكيد لا يخفى عليها ذلك.

قال التقرير: (إن الحكومة السعودية تفرض مذهباً سنياً متزمتاً، وتتحيز ضد المذاهب الإسلامية الأخرى).

لقد كان من أعظم إنجازات المملكة العربية السعودية، التي منَّ الله بها عليها إنهاء التعصب المذهبي الفقهي، لقد كان يوجد في الحرم المكي أربعة محاريب، يقوم فيها أربعة أئمة، ويتفرق المسلمون في الصلاة، فيصلي كل شخص خلف الإمام الذي هو من مذهبه، وألغى هذا الشذوذ المخالف للإسلام، والذي كان طوال الزمن السابق لإلغائه موضع انتقاد كبار علماء الإسلام ومفكريه الذين يقدمون للحج والعمرة، ووحدت صلاة المسلمين في المسجد الحرام والمسجد النبوي على إمام واحد، قد يكون هذا الإمام منتمياً للمذهب الحنفي أو المالكي أو الشافعي أو الحنبلي، من دون أن يكون لهذا الانتماء أي أثر على اختيار الإمام، بل وبدون أن يهتم أحد بالسؤال عن مذهب الإمام، وبهذا انتهى إلى غير رجعة (إن شاء الله) التعصب المذهبي، بل اختفى شيئاً فشيئاً الانتماء المذهبي.

لو قابلت الآن شخصاً في أحد شوارع المملكة، وسألته هل أنت حنفي أو مالكي أو شافعي أو حنبلي، فالغالب أن لا يفهم لسؤالك معنى، وإن كان مثقفاً فالغالب أن يجيب: كل هذه المذاهب مذهبي.

يمكن أن يختار القاضي لحكمه رأيا لأي من المذاهب الأربعة، دون أن ينقض حكمه، ويمكن أن يفتي المفتي بما يوافق أيا من هذه المذاهب دون أن تنكر فتواه.

وتصدر هيئة كبار العلماء في المملكة قراراتها الفقهية، دون أن تتقيد بمذهب معين. وحين يجري الطلبة في الدراسات العليا بحوثهم الفقهية يتعاملون مع المذاهب الأربعة على قدم المساواة.

ويحظى الأئمة الأربعة بقدر واحد من الاحترام والتبجيل وتوزن آراؤهم حين تختلف بميزان واحد. يختار عادة عند تدريس مادة الفقه كتاب مدرسي واحد يتفق أن يكون مؤلفه منتمياً لأحد المذاهب الأربعة لأنه لا يكون عملياً اختيار أكثر من كتاب، ولا حاجة إلى ذلك.

على أنه عندما تدعو الحاجة إلى ذلك في مثل حالة الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة، حيث يقدم الطلاب من بيئات مختلفة في الانتماء المذهبي الفقهي، إذ يشيع في بعض بلدان العالم الإسلامي المذهب الحنفي وفي أخرى المذهب المالكي أو الشافعي أو الحنبلي، ففي هذه الحالة يكون الكتاب المدرسي الفقهي من الكتب المؤلفة في الفقه المقارن على المذاهب الأربعة، ككتاب بداية المجتهد لابن رشد. ولكن في كل الأحوال يربى الطلاب على احترام الأئمة جميعاً وينشئون على النظر إلى المذاهب الفقهية الأربعة كلها بمنظار واحد.

يتهم التقرير المملكة بأنها تميز ضد طائفة الإمامية الجعفرية بسبب مذهبها، وذلك في المجال الاقتصادي والتوظيف بخاصة التوظيف في شركات النفط .

ظلت شركة أرامكو مدة طويلة تعتبر أكبر رب عمل في المملكة، وفي الأربعينات والخمسينات من القرن المنصرم، ربما كان عدد موظفيها وعمالها يفوق عدد الموظفين والعمال في المملكة، سواء لدى الحكومة أم لدى الشركات الخاصة.

وفي المنطقة الشرقية، حيث يوجد المركز الرئيسي لأرامكو ومعظم نشاطها، يوجد أكبر تجمع للمنتسبين للمذهب الإمامي الجعفري، وكانت إدارة الشركة بيد الأمريكيين.

ولا تظن أن أحداً من المديرين الأمريكيين السابقين لأرامكو، يعترف بأنه كان يميز ضد منتسبي المذهب الشيعي ولا أحد من الشيعة اتهمهم بذلك، ولم يكن المديرون الأمريكيون يشكون من أي شيء يتعلق بالتوظيف، ولم يكن لهم مصدر إزعاج سوى معارضة النشطين من العمال، الذين كانوا في ذلك الوقت تأثروا بالأفكار الليبرالية الاشتراكية، التي كانت تتأثر بها الحركة العلمانية العربية. وفيما عدا التوظيف، كان لأرامكو نشاط اقتصادي محلي واسع، فكانت تتعاقد مع الموردين والمقاولين ومقدمي الخدمات، وينطبق على هذا النشاط ما ينطبق على التوظيف.

وبعد أن تحولت أخيراً إدارة أرامكو من الإدارة الأمريكية إلى الإدارة السعودية، لم يدع أحد أن سياسة التوظيف أو التعامل الاقتصادي في أرامكو قد تغيرت تجاه الطائفة الشيعية.

إن هذا المثل بارز، يوضح موضوعية التقرير وموثوقية المعلومات التي تضمنها.

اتهم التقرير المملكة بأنها تقيد حرية الطائفة الشيعية في ممارسة عباداتهم وفي إنشاء المساجد والمؤسسات الاجتماعية.

لقد تفوق السعوديون من الطائفة الشيعية في المنطقة الشرقية في نشاطهم في إنشاء المؤسسات الخيرية التطوعية، وكان لهم الريادة في ذلك على أجزاء المملكة الأخرى.

والمواطنون الأمريكيون المقيمون في المملكة سواء في الماضي أو الحاضر لم يوجد قيد على تجولهم في كل المنطقة والوصول إلى أي نقطة فيها وهم يشاهدون المساجد في أماكن تجمعات الشيعة والسنة، ولم يدع أحد منهم حتى الآن أنه لاحظ اختلال النسبة في عدد المساجد بالنسبة للتجمعات المختلفة ولا يوجد إحصاء يثبت ذلك.

أما فيما يتعلق بالعبادات فالمعروف أن العبادة الظاهرة لدى المسلمين هي الصلاة والحج، والمسلم يؤدي عبادته عادة في بيته أو في المسجد.

وفي المملكة العربية السعودية المساجد، وأقدسها المسجد الحرام، والمسجد النبوي يرتادها المسلمون من السعوديين وغيرهم من مختلف الطوائف والمذاهب، وكلهم يؤدون عباداتهم ـ وإن اختلفت في الشكل اختلافاً معيناً ـ على اختلاف مذاهبهم، دون أن ينكر على أحد منهم كيفية أدائه للعبادة، ومشاهدة هذا الواقع متاحة لأي شخص مهتم.

فهذا أيضاً مثال، يوضح مدى موضوعية التقرير وموثوقية المعلومات التي تضمنها.

يستند التقرير في إيراد المعلومات على مواقع الانترنت أو الصحف أو الإشاعات دون أن يهتم أو يعنى بتوثيقها. كان يكفيه دائماً أن المعلومة تحقق الغرض من التقرير.

في الفقرات السابقة، كانت الأمثلة المذكورة توضح مدى موثوقية وصحة المعلومات التي تضمنها التقرير، وفي هذه الفقرة، نكتفي بإيراد مثل واحد للإيضاح عن مدى صحة استنتاج التقرير من المعلومات التي يوردها.

فقد ذكر التقرير أن بعض أئمة المساجد في خطبهم استخدموا دعوات للعنف ضد اليهود والنصارى، وأنهم كانوا يدعون عليهم بالموت. ويدين التقرير الحكومة بانتهاك الحريات الدينية، بسبب أنها لم تتخذ إجراءات رادعة ضد أولئك الخطباء.

نلاحظ هنا أن المعلومات، إن كانت صحيحة، فإن ما صدر عن الخطباء المذكورين لا يمثل سوى نقطة من الماء، بالنسبة لبحر من حملات الهجاء والسب والتحقير للإسلام، التي تفيض بها أوعية التعبير في الولايات المتحدة الأمريكية، سواء في العروض السينمائية أو التلفزيونية أو كتابات كبار الصحفيين أو تصريحات السياسيين، ومن أمثال هذه العبارات:

تصريح الزعيم السابق للمذهب المعمداني (أكبر المذاهب البروتستانتية في الولايات المتحدة إتباعاً)، بأن النبي محمد صلى الله عليه وسلم شخصية مسكونة بالشيطان، ووصفه من قبل زعيم آخر بأنه إرهابي، أو وصف القرآن، بأنه مثل كتاب هتلر (كفاحي)، أو وصف الإسلام بأنه دين شرير بطبيعته، لم تصدر مثل هذه العبارات في القرون الوسطى وإنما في مستهل هذا القرن، ولم تصدر عن أشخاص عاديين، بل عن قادة في السياسة أو الدين أو الإعلام.

وقبل ربع قرن، أظهر استطلاع في الولايات المتحدة عن الصورة النمطية للعربي أو المسلم، أن نصف الشعب الأمريكي تقريباً يرى المسلم عدوانياً متعطشاً للدم، خدَّاعاً لا يؤمن جانبه، معادياً للمسيحية والسامية.

ولم تتكون هذه الصورة النمطية للمسلم لدى الشعب الأمريكي من فراغ، وإنما جاءت من مصادر التغذية الفكرية، ولم يطالب أحد الحكومة الأمريكية، باتخاذ إجراء ضد تلك المصادر التي تستند إلى حرية التعبير.

ولعل من المناسب في هذا المقام، الإشارة إلى أنه في إبريل عام 2005م (لا في زمن الحروب الصليبية)، صدرت السيرة الذاتية لرئيس دولة أوروبية هو في الوقت نفسه الرئيس الأعلى لمذهب ديني عالمي، يعتبر الدين القومي لتلك الدولة، وتضمنت هذه السيرة عبارات السخرية من الإسلام والمسلمين، وتضمنت نصوصاً، مثل هذه العبارات: “إننا نواجه تحدياً من الإسلام على المستوى العالمي والمستوى المحلي، ويجب أن نواجه هذا التحدي بجدية، لقد أغفلنا هذه المواجهة لمدة طويلة بسبب تسامحنا وكسلنا. ويجب أن نظهر معارضتنا للإسلام ولا نخفيها، وأن نتحمل في بعض الأحيان خطر وصمنا بعدم التسامح، لأن هناك أشياء يجب أن لا نظهر نحوها أي تسامح”.

الدولة التي صدرت عن رئيسها هذه العبارات، تعتبرها الولايات المتحدة (وهي على حق في ذلك) من أكثر الدول الأوروبية حماية لحرية الإنسان وحقوقه، ومن أكثرها تسامحاً تجاه التعددية الثقافية.

يستطيع القارئ في ضوء ما سبق، أن يقيم عدالة المعيار الذي يستخدمه التقرير في الاستنتاج من معلوماته.

ويستطيع القارئ، أن يستشف الهدف السياسي من إصرار التقرير، ويتمثل في تثبيت صورة نمطية للثقافة السائدة في المملكة العربية السعودية، على أنها ثقافة متزمتة متشددة متعصبة ضد الديانات الأخرى، معادية لها.

حينما يقارن ما تضمنه التقرير عن المملكة العربية السعودية، بالحملة المصممة التي شنتها الإدارة الأمريكية ضد المملكة العربية السعودية في أعقاب الهزيمة السهلة السريعة للجيش العراقي عام 3م، حيث حشدت الإدارة الأمريكية مجموعات من الشهود من المختصين في الإدارة ومن الخبراء خارجها في جلسات الاستماع أمام لجان الكونجرس، بغرض إقناع الكونجرس بأن الثقافة السائدة في السعودية، ثقافة أصولية متعصبة ضد الأديان والثقافات الأخرى وخطره على السلام العالمي.

كما يستطيع القارئ أن يكون أكثر اقترابا للحكم الصائب، عندما يقارن بين الثقافة السعودية السائدة والثقافة الأمريكية في مجال التعصب والعدوانية، مستحضراً في ذهنه الحقائق التالية:

يوجد الآن، وعلى مدى عقود سابقة، ملايين من اللاجئين يسمون (اللاجئين الفلسطينيين) طُردوا من أرضهم وبلادهم، لغرض أن يحل محلهم أشتات من البشر قدموا من بلدان مختلفة، كانوا في أغلبها يتمتعون بالحرية والغنى والأمن والنفوذ، وكان الدافع الوحيد لاختيارهم هذه الأرض، اعتقادهم الديني أن الرب قبل ثلاثة آلاف سنة وعدهم بأن تكون لهم أرض الميعاد وأن تقوم عليها دولتهم.

أظهر مسح للدين والسياسة أجراه مركز علمي محترم (جامعة أكرون) في الولايات المتحدة عام 1996م، أن 31% من البالغين المسيحيين في الولايات المتحدة، يؤمنون بقوة أو يؤمنون بأرمجِّدون. ويعتقد أكثر من سبعين مليونا من السكان، أن خلاصهم وعودة المسيح مشروط بإقامة دولة اليهود في فلسطين وإعادة بناء المعبد، ووقوع معركة أرمجِّدون.

لا يبني المحافظون الجمهوريون وحدهم سياسة الولايات المتحدة وتعيين مصلحتها، على دعم التمكين لتحقيق أرض الميعاد، بل إنه قبل عشر سنين، أعلن الرئيس الليبرالي الديمقراطي في خطابه أمام الكنيست في (1 أكتوبر 1995م)، أن كاهنه كشف له عن إرادة الرب التي تقضي، بأن الأرض كما هي في العهد القديم لشعب إسرائيل إلى الأبد، وأنه قطع عهداً بأن (تكون إرادة الله هي إرادتنا).

وإذا كان المعيار في الحكم على الثقافة، من حيث التعصب والعدوانية والهوس الديني، هو ثمراتها، فما تضمنته الفقرات الثلاث السابقة هو ثمرات للثقافة الأمريكية، لا يوجد لها مماثل من ثمرات الثقافة السعودية السائدة.

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبة وسلم.

-- معالي الشيخ صالح بن عبدالرحمن الحصين

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*