السبت , 10 ديسمبر 2016
الرئيسية » مركز البحوث » ملفات » فكر القاعدة نتيجة تلاقح شذرات فكرية من عدة مدارس

فكر القاعدة نتيجة تلاقح شذرات فكرية من عدة مدارس

 

تعليق السكينة : ( عندما نقرأ المعركة الفكرية الدائرة الآن بين فكر القاعدة ومعارضيه نجد التيار السلفي هو أعتى المواجهين لفكر القاعدة والتنظيمات الجهادية ، وهذا يوحي بمدى التضاد الفكري بين التيارين والفكرين ، ولا ينفي استفادة تيار القاعدة والجهاديين من بعض أدبيات الفكر السلفي لكنه استفادة اختزال وانتقاء لا انتماء وإن تسموا بالسلفية ، فالعبرة بالحقائق والمضامين لا بالمسميات والشعارات ، فلدى تنظيم القاعدة والجماعات الجهادية أصولٌ في الدعوة والجهاد والحسبة والسياسة الشرعية تخالف أصولا شرعية وقواعد علمية في المنهاج السلفي ، فكونهم استفادوا من نصوص ونقولات وفتاوى متناثرة في أدبيات وإنتاج العلماء السلفيين لا يعني ذلك أن نقبل انتماء تيارات الجهاد والقاعدة للفكر السلفي ، كذلك نعتبر أنه من الخطأ الانشغال بتلبيس تهمة الانتماء بالنسبة لهذه الجماعات إلى أي تيار ، نعم دراسة أصول الأفكار مهم للباحثين والمهتمين ولأصحاب القرار لكن الإغراق فيه وتحويل المعركة إلى هذا الاتجاه لا يخدم قضية العلاج أو نبذ الفكر المتطرف ، والخلاصة أننا أمام مجموعة أفكار متناثرة وأفعال إجرامية لابد من مناقشتها وتصحيحها وتطعيم المجتمعات ضدها ، وبعد هذه المقدمة نترككم مع هذا البحث للكاتب المتميز هاني نسيرة الذي يعالج الموضوع بذكاء ورويّة – مع تحفظنا على بعض العبارات لكن من باب المصداقية والأمانة العلمية ننشر هذا المبحث كما جاء –  )
……………………..

ثمة تشوهات أصابت بعض من تلقوا شذرات من الدراسة السلفية، والتعرف على المنهج السلفي، كما أبرزه علماء الدعوة السلفية، منذ شيخ الإسلام ابن تيمية وتلامذته، مرورا بدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب وتلامذته،  واستمر وتوزع في آفاق الأرض.

كانت هناك خروجات وطفرات غير طبيعية في جسد السلفية، ساعدت في تشويهها ولا زالت، وإن لم تخرج مباشرة منها، ولكن خرجت عبر وسيط اختراق القطبية والحاكمية للفكر السلفي عبر عدد من ممثليه، فالسلفية الجهادية مثلا لم تخرج مباشرة من مخاض المدرسة السلفية النقية ولكن خرجت عبر رافدين رئيسين، يمكننا أن نوجزهما فيما يلي:

1- اعتناق شذرات متفرقة من كتابات شيوخ السلف، وبخاصة شيخ الإسلام ابن تيمية، دون ضمها لشمول خطاب شيخ الإسلام ولا سياقاته ودلالاته المختلفة، وطارت بها.

2- تشوه فكري حادث في صفوف بعضها، نتيجة عدم تقدير الواقع، وطموحات الكاريزما والخلاص، وهو ما يمكن أن تجسده حركة جهيمان وجماعته السلفية المحتسبة، ثم ما كان من خروج تنظيم القاعدة وهجرة كثير من الشباب العربي والسعودي لأفغانستان- طالبان منذ منتصف التسعينيات في القرن الماضي، رغم ما وجه من نقد سلفي لهذه الحركة، ومرجعيتها المتجمدة عند الديوبندية والحنفية، ولكن القوم أعذروا لها، وليتهم أعذروا لها شرعا ولكن بغية المصلحة والاستيعاب والاحتواء كحاضن أولى لها، بل يمكننا القول أن القاعدة استغلت طالبان واستغلت كذلك هؤلاء الذين تصوروها الإمارة الإسلامية ودولة المدينة في هذا العصر.

الانطلاق من فتوى- دون تحقيقها- لقتال العالم:

 كان النموذج الأبرز على مثل هذا التشوه في فهم شيوخ السلف والسلفية،  هو ما قام به الشاب المصري نبيل البرعي سنة 1958 الذي وجد على سور الأزبكية( سوق للكتب القديمة في مصر) كتيبا يحتوى على فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية في الجهاد، وبخاصة فتوى ماردين، فذهب وطار بها وأسس أول مجموعة جهادية مصرية سنة 1958، وقد تفرخت عنها فيما بعد مجموعات كمجموعة الإسكندرية ومجموعة المعادي سنة 1966 التي كانت تضم أيمن الظواهري والدكتور فضل، صاحب المراجعات الأخيرة المهمة، وقد كانت للدكتور فضل الإمارة حسب شهادته في هذه المجموعة، ومجموعة الأردني الذي كان يدرس في الأزهر حينئذ محمد سالم الرحال، ولم ينجح في توحيد هذه الجماعات غير محمد عبد السلام فرج أمير ومنظر تنظيم الجهاد سنة 1979 والذي قام بتنفيذ عملية اغتيال الرئيس السادات الشهيرة سنة 1981، ثم انقسمت بعد فترة قليلة ثانية أثناء وجودها في السجن، خلافا حول إمارة الأسير والضرير الشهيرة.

هالة كبيرة ومضمون ضئيل:

رغم الهالة الكبيرة التي يعطيها الجهاديون المصريون والقاعدة ل محمد عبد السلام فرج صاحب كتاب” الفريضة الغائبة” إلا أنها تبدو للباحث الموضوعي هالة بلا مضمون يستحقها، فمن يطالع هذا الكتاب يجده ضعيفا في مبناه ومعناه، لم يزد صاحبه عن كتابة هوامش على فتوى شيخ الإسلام في أهل ماردين الشهيرة بـ” فتوى التتار” وقد توالت النقود العلمية لهذا الفهم لها، بدءا من كتاب الجماعة الإسلامية المصرية حولها في سلسلة تصحيح المفاهيم، حتى مؤتمر ماردين الذي عقده مركز الفجر للوسطية الذي يرأسه الشيخ عبد الله بن بيه وجامعة ماردين بتركيا وخمسة عشر من الباحثين والعلماء الشرعيين، وقد ثبت خلال هذا المؤتمر تصحيف نص الفتوى وخطأ مطبوعها عن مخطوطتها الوحيدة الموجودة بالمكتبة الظاهرية بدمشق.

كما أن الكتاب وصياغته وأحاديثه بحاجة لكثير من المراجعة، فضلا عن منطقه الذي اعتمد فتوى شيخ الإسلام دون أن يضمها لكامل خطابه الذي يرفض التكفير ويرفض التعصب ولم ينتقم ممن خالفوه وممن آذوه من علماء المذاهب الأخرى، ولم يحرض عليهم السلاطين كما فعلوا هم بهم، فقد عفا عنهم عندما قدر عليهم، كما يشهد مخالفه الأشهر القاضي المالكي ابن مخلوف.
وفضلا عما سبق لم تقرأ فتوى ابن تيمية في سياقاتها وممارساتها، فلم يعرف عن الرجل خروج على حاكم مسلم شهد بالشهادتين، ورغم إقراره بوجوب الإمامة في قريش لم يرفض إمامة الأتراك والمماليك الذي حكموا بلاد الشام ومصر وسائر بلدان الجزيرة والعراق في عهده.

إن صاحب كتاب” الفريضة الغائبة” التقط الشوارد وطار بها، كما التقطها سلفه نبيل البرعي، ولم يستطع فهم ولا فقه اختلاف الأحكام، ولا المسافة بين الفتوى والحكم في فكر ابن تيمية أو سائر علماء السلف.

ولكن الالتقاط الأكبر للشوارد كان مع سلفنة سيد قطب من قبل بعض محبيه والمعجبين به، فتم قبولهم بالحاكمية بل يجعلها الأردني عاصم البرقاوي المعروف بـ” أبي محمد المقدسي” أساس ما يعرف بالسلفية الجهادية، وهي تكريس للتفسير السياسي للإسلام، الذي كرسه المودودي واستلهمه قطب حين قرأ كتبه مترجمة للعربية من الأردية، وقد بالغ المودودي- وتابعه في مبالغته قطب وتلامذته من العرب- مبالغات كبيرة في الإلحاح على هذه المفاهيم السياسية بل والشيوعية، التي لم تعرف مطلقا في تراث السلف والصحابة، فتحدث عن إبهام المصطلحات الأربعة عند المسلمين منذ نهاية القرن الأول، وهي مصطلحات رئيسية في فهم الدين، ألا وهي مفهوم الرب والإله والدين والعبادة، وهو ما جعل منتقديه الذين تأخروا يرفضون ذلك كثيرا، فليس من المعقول أن المسلمين أئمة وعلماء وقضاة وعامة لم تفهم هذه المصطلحات على مدار أربعة عشر قرنا حتى ظهور المودودي!
ووحد قطب في كتابه الشهير” هذا الدين” وماهي بين مفهومي الدين والحكم، فكأن الإسلام صار هو الحاكمية فقط، وما سواها يجوز إهماله، أو لن تقوم له قائمة بدونها، وهو ما يضع التراث الإسلامي كله، اعتقادا وفقها واجتهادا وتاريخا وآدابا وأخلاقا وعلوما.. في مصفاة السياسة وتحت حكمها، تصفي ما يناسبها وتلقي ما لا يروق لها.

حديث لسيد قطب لم يكمله:

توقع كثير ممن عرفوا سيد قطب عن قرب أنه لو طال عمره، لتراجع عن كثير مما طرحه، ولعل المودودي في قبوله من الندوى انتقاداته الشديدة لتصوره السياسي المصمت للإسلام، وطلبه المتابعة منه تطبيقا على سائر مؤلفاته، كما يذكر أبو الحسن الندوي في مقدمة كتابه” التفسير السياسي للإسلام في مرآة كتابات الأستاذ أبي الأعلى المودودي والشهيد سيد قطب” دليل على إمكانية قيام سيد قطب بمراجعات مهمة لو أطال الله عمره.

ولعل في فكرة لجنة إعادة كتاب التاريخ، التي شارك فيها سيد قطب مع الأستاذ أحمد أمين والدكتور عبد الحميد العبادي وطه حسين، ولم يلتزم بمشروعها سوى أحمد أمين الذي أصدر سلسلة” فجر الإسلام” ثم” ضحى الإسلام” ثم” ظهر الإسلام” وكتب سيد قطب عن المنهج خلالها في كتيب صغير صدر فيما بعد تحت عنوان” التاريخ فكرة ومنهاج” ذكر فيها مما ذكر أن مؤرخي المسلمين ركزوا فقط على تاريخ القادة والحكام دون تاريخ الشعوب، ويصف الأول بالتاريخ الصغير بينما الثاني وحراكه الاجتماعي هو التاريخ الكبير، وهو ما حاوله الدكتور أحمد أمين في سلسلته المشار إليها، حيث حاول رصد الحركات العلمية والاجتماعية المتطورة والصاعدة في التاريخ الإسلامي، دون التركيز على أحداث الحكم والسياسة والإمامة والحاكمية- بتعبيرات سيد قطب-. فهل لو أنفذ الراحل سيد قطب مشروعه في هذا التاريخ كان سيظل أسيرا لفكرة الحاكمية والحكم وسيطرتها على كل شئ، أم أنه يمكن أن نستدعي في هذا السياق  تفسير شطحاته في هذا الاتجاه بحمأة الصراع الملتهب بينه وبين النظام الناصري حينذاك.

أمر مهم آخر من المهم ان نشير إليه، في محاولة مزج البعض بين السلفية والقطبية، التي يشار بها إلى سيد قطب، هو أن الأستاذ سيد- رحمه الله- لم يعرف ولم يتعرف على مدونات السلف وكتاباتهم، فلم يقرأ ولم يستلهم شيخ الإسلام ابن تيمية، في اي من كتبه وكتاباته ، ولا اعتنائه بالعقيدة قيل أنه بعد أن سمع بها وحدث عنها طلبها من شقيقته لتحضرها له، ولكن لم يعرف عنه تماه أو اتكاء على تراث السلف في أي من تأويلاته واجتهاداته الخاصة، التي كتبها بقلم الشاعر الثوري أكثر مما احتكم فيها لمبادئ المنهج السلفي ومدوناته، ولعل ذلك يفسر بعض هناته وزلاته التي انتقد عليها من كثير من منتقديه ممن هم على المنهج السلفي ومنتسبيه.

كان لا بد من هذا الاستطراد في توضيح علاقة الأستاذ سيد قطب رحمه الله وبين السلفية، أثناء بحثنا لبعض الخروجات التي نتأت في جسد المنهاج السلفي وخرجت عليه، بل وكفرت فيما بعد العديد من علمائه وشيوخه وتجرأت عليهم كل تجرؤ، لتوضيح أن إصرار السلفية التي تميز نفسها بالجهادية، أو القطبية التي تميز نفسها بالحركية، على طبعها بالطابع السلفي، إنما هو مزيج غير متآلف، ونتاج تشوهات حدثت لم تكن ذات أصل سلفي من أساسها، وبنات لفكر أزمة فردية أو جماعية لم يقو على فهمها فضلا عن التعاطي المتزن والعلمي معها من انجرفوا فيها.

ويمكننا القول أن رغم هذه الدلائل التاريخية المتعددة وغيرها على إمكانية التحول من السلفية إلى الجهادية، أو إنتاج الأولى للثانية، إلا أن إدراك الفارق بين التاريخي والراهن في شأن الحالة السلفية في مصر وغيرها، حيث تطورت الدعوات والاتجاهات السلفية في اتجاه إنتاج مصدات يصد عنها إمكانية اقتحام الأفكار الجهادية لها، بل والتحول لدور الهجوم والنقد الجذري لأفكار الجماعات الجهادية وهشاشة سندها السلفي (1) ، ويلح كثير من علماء وشيوخ السلفية المعتبرين في هذه الأيام على التبرؤ من هذا التشوه الفكري والفقهي للجماعات الجهادية، ومن التسييس والعنف الذي تم بفعل كثير من منتسبيها.

وختاما نؤكد أن اختزال السلفية الجهادية- كما تتسمى- للجهاد في معنى القتال، الذي انصرف في تراثنا ونصوصنا لقتال الكفار، دون سواه من أنواع الجهاد إنما هو تشويش على فقه الجهاد نفسه، وعلى فقه الدعوة وعلى جهاد الجدل والحوار والنصيحة وكلمة الحق.. فهي أقل انتسابا للجهاد من السلفية التي تأخذ الجهاد بمجمله وفقهه دون اتجاه أو باب واحد فيه!
والقتال ليس غاية في ذاته لكن الغاية هي الدعوة ورحمة البشر وإيصال الحق .

===============
(1)   نشط بعض دعاة وشيوخ التيارات السلفية بالخصوص في نقد هذه الأفكار، فأصدر صالح الغربي المغربي كتابا بعنوان” طواغيت الخوارج بالمغرب بين الفتاوى التكفيرية والأعمال الانتحارية الإجرامية” ط1 بالمغرب سنة 2006، كما نشط عبد العزيز الحميدي السعودي في تناول كتابات منظري السلفية الجهادية، وتنشط بشكل جيد حملات  وجهود حملة السكينة والمناصحة في المملكة العربية السعودية، وكتب الأردني عمر البطوش: كشف الأستار عما في تنظيم القاعدة من أفكار وأخطار” كما توالت كتابات التيار السروري في نقد الجماعات القتالية.

-- هاني نسيرة

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*