السبت , 3 ديسمبر 2016
الرئيسية » مركز البحوث » ملفات » أحداث تونس أزمة اجتماعية : ترجوها النهضة انتفاضة وعصيانا مدنيا

أحداث تونس أزمة اجتماعية : ترجوها النهضة انتفاضة وعصيانا مدنيا

تعليق السكينة : ( تهييج الجماهير وشحن النفوس والدعوة إلى العصيان المدني جزء من الخروج على الحكّام والولاة وجزء من فساد منهج النصيحة الشرعية ، فالنصيحة والإصلاح يتمان بالبناء لا بالهدم وبالحكمة لا بالهوج والإثارة ، فحفظ الجماعة والائتلاف أصلٌ عند أهل السنة ، واتباع الأساليب الشرعية في النصيحة والإصلاح أنجع السبل وأنفعها وأسلمها من ضياع الحقوق وتداعيات الأحداث ، والمؤمن حين الفتنة يكونُ عفيف اللسان نظيف اليد حسن الظن يألف ويؤلف .. يجمع ولا يُفرّق .. ويبذل النصيحة بطريقة حكيمة شرعية هادئة فيها .. سكينة الروح وطمأنينة العلم .. ) .

البداية:

أقدم شاب خريج جامعي يعمل لظروف البطالة وطلب الرزق، بائعا للخضار والفاكهة، يدعى محمد البوعزيزي يوم 17 ديسمبر، على إضرام النار في جسمه أمام مقر محافظة سيدي بوزيد،  احتجاجا على قيام السلطات المحلية بمنعه من مزاولة بيع الخضار والفاكهة، وتروى والدته أن إحدى الموظفات الحكوميات بعثرت بضاعته وصفعته أمام زملائه، في مقابلة لأسرته مع جريدة الأسبوعية، وهو ما عد الفتيل الذي اشتعل في المدينة ووقع عليها وقع الصاعقة.

وكان الرئيس التونسي زين العابدين بن علي قد تعهد العام الماضي توفير 415 ألف فرصة عمل حتى 2014 والتقليص من نسبة البطالة التي تبلغ حالياً 14٪. وألقى وزير الشباب سمير العبيدي في وقت سابق هذا العام باللوم على عدم إتقان العديد من خريجي التعليم العالي اللغات الأجنبية مثل الإنجليزية والألمانية.

وقال :«الشهادات الجامعية أصبحت لا تكفي وحدها، إنها الحد الأدنى المطلوب، على الشبان الباحثين عن فرص عمل حقيقية إجادة لغتين أجنبيتين على الأقل، والتمكن من وسائل التكنولوجيا الحديثة»، وأضاف أنه من ليس له هذه المؤهلات فهو يفتقر إمكانات التشغيل.

لكن وزير التشغيل محمد العقربي قال :«إن بلاده تحشد جهودها لتقليص هذه المعضلة من خلال تنظيمها دورات مستمرة في اللغات الأجنبية والتكنولوجيا الحديثة لخريجي التعليم العالي، ومن خلال حوافز ومنح مالية تقدم للمؤسسات التي تشغل هذه الفئة»، وأضاف : «أن الحكومة تشجع أيضاً الشبان على إحداث مشروعات خاصة من خلال تقديم مساعدات وقروض».

يبدو أن هناك من يحاول استثمار الحادث جماهيريا ليس في تونس وحدها بل خارجها أيضا، فبينما يتحدث البعض عن وفاة الشاب الذي لا زال حيا بحالة صعبة في إحدى المستشفيات، وقد زاره الرئيس زين العابدين بن على كما نشرت جريدة الصباح التونسية هذا اليوم 30 ديسمبر، تشيع الأخبار عن وفاته، وهو ما يزيد من تأجج الأحداث خاصة مع محاولة شابين آخرين الانتحار وإضرام النار في أجسادهم بنفس الطريقة بعد محاولته. 

وحسب جريدة الصباح التونسية قام الرئيس التونسي زين العابدين بن على بزيارة هذا الشاب في المستشفى التي يعالج فيها، مما دفع الشاب إلى إشعال النيران فى جسده احتجاجا على ذلك، وفقا لما ذكرته جريدة ” الصباح” التونسية، ولا زالت الحكومة التونسية تحاول إدارة الأزمة إعلاميا وعمليا، حيث تعتمد على الأولى باكتساب تعاطف الجماهير ورمي فتيل المظاهرات لمجموعات متطرفة، وعمليا عبر تعيين عدد من الشباب وعمل عقود مؤقتة وانتداب لهم، والتأكيد على أن مشكلة البطالة مشكلة عالمية وليست وطنية فقط، وإعلان الجارة الشقيقة ليبيا فتحها الأبواب للعمالة التونسية، ومساواتها بالعمالة الليببية .

من جانبها حاولت قوى المعارضة التونسية استثمار الأحداث واعتبار أحداث سيدي أبوزيد هبة جماهيرية وانتفاضة شعبية، فدعى كل من راشد الغنوشي زعيم حركة النهضة التونسية للتدخل الخارجي، وكذلك المناضل الحقوقي التونسي المعروف منصف المرزوقي رئيس الرابطة التونسية السابق لحقوق الإنسان، مؤكدين أنها حدث يكشف – حسب تعبير الغنوشي – وجه تونس الحقيقية، كما حاولت بعض القوى المعارضة خارج تونس استثمار نفس الحادث للدعوة للاحتجاج واستنفار الجماهير من بطن البطالة في وجه الأنظمة.

ضحايا وقبضة أمنية:

وقد سقط على إثر الاضطرابات والصدامات بين الجماهير والقوات الأمنية، قتيل  يدعى محمد العماري، 18 عاما، وعشرات الجرحى، بينهم جريحان في حالة خطيرة، ومئات المعتقلين الذين تعرضوا لتعذيب شديد.

كما استطاعت انتفاضة تونس أن تنتقل من الوسط الغربي إلى العديد من جهات البلاد، بما في ذلك العاصمة، وتجاوب معها التونسيون في عدد من العواصم الأوروبية، كباريس ولندن، حيث نظموا مسيرات احتجاج أمام العديد من السفارات التونسية والمنظمات الدولية.

وقد أثبتت انتفاضة تونس، فشل نظام بن علي في تحقيق تنمية اقتصادية حقيقية، وتوفير العمل للعاطلين ولا سيما حملة الشهادات وهم نحو 60 ألف خريج سنويا.

وكما توسعت المظاهرات والاحتجاجات ومعها المطالب التي تحولت من بعد البطالة للاقتصادي للبعد السياسي ونظام الحكم في تونس وضرورة تداول السلطة وغيرها من المطلبيات التي نشأت فيها المعارضة التونسية بالخارج بالخصوص.

يقول راشد الغنوشي في موقعه: ” إن ما يحدث للأسبوع الثاني في سيدي بوزيد وامتد إلى أرجاء البلاد، ليكشف عن هوة سحيقة بين تونس الرسمية، تونس السياحية، تونس تقارير المنظمات الدولية المنوّهة بنجاحات النموذج التنموي التونسي الذي وصفه الرئيس الفرنسي بـ”المعجزة الاقتصادية”، وبين تونس الواقع، كما كشفت عنها انتفاضة الجياع بسيدي بوزيد وما سبقها وما أججته من نيران سرعان ما امتدت في أرجاء البلاد امتداد النار في الهشيم، فكيف ذلك؟ وماذا في الأفق؟ ” .

وحسب الغنوشي في نفس المقال تعيد هذه الأحداث للذاكرة ما حدث في منطقة المناجم منذ سنتين من إضراب عام امتد لأشهر مطالبة بالشغل واحتجاجا على المحاباة ” وبعد فرض الحصار الأمني على المنطقة لأشهر عهدت السلطة إلى الجيش بفض الإضراب بالقوة الغاشمة سافكا دماء ومزهقا أرواحا لجياع، تاركا بقية المهمة القذرة للشرطة وللقضاء المدجن للاعتقال والتعذيب وعقد المحاكمات المصطنعة..

وما تزال مخلّفات القضية ودماؤها لم تجف، لتتبعها احتجاجات موضعية كان أبرزها ما حدث منذ بضعة أشهر من انتفاضة التجار الصغار بمدينة بنغردان الحدودية مع ليبيا وهم يعيشون على التجارة معها، فلما أغلق المنفذ الحدودي ضجت المنطقة بالاحتجاج فووجهت كالمعتاد بالقمع، ولم تبرد النار إلا بفتح المنفذ الذي يعتبر شريان الحياة لمئات الآلاف من أهل الجنوب والوسط ” .

استبعاد معارضة مسلحة ودعوة للعصيان المدني:

في إطار تدويره وتوجيهه القضية لمطالبه السياسية بالإشارة للسجناء من شباب النهضة والصحوة الإسلامية، وفض النظام احتكاراته السياسية والاقتصادية، يؤكد الغنوشي على الفرق بين الجزائر وتونس، بما قاله “الأستاذ عبد الحميد مهري الأمين العام السابق لجبهة التحرير في محاضرة له بلندن مجيبا عن سؤال أحدهم: كيف تصف الجماعات الإسلامية المقاتلة في الجزائر، هل هي إرهابية؟ أجاب بأنها معارضة مسلحة، مضيفا: في تراث الجزائريين أنه عندما يصل الظلم إلى حد لا يطاق تندفع منا ثلة إلى الجبال، تحتمي بها، فتصنع توازنا مع الدولة تضطرها للتراجع أو تهزمها جملة”.

ثم يقول الغنوشي: “نحن في تونس بلد صغير بجغرافية منبسطة وسكان متجانسين بما يتيح قيام دولة شديدة التمركز، تغريها بالطغيان، بينما لا تقدم الجغرافيا ما يحتمي به الثائر ويقاوم، وذلك لا يجعل الاستسلام قدرا فالله الذي حرم الظلم وتوعد الظالمين بسوء العاقبة لم يحرم شعبا من فرص للمقاومة والانتصار على الظلم، ففي مجتمع مديني يتكون من مدن يبقى السبيل الأقوم لصنع توازن مع الدولة يضطرها للتفاوض أو حتى يطيح بها إذا استكبرت هو سبيل العصيان المدني بأساليبه المعروفة كالمسيرات العارمة التي تصنع في الأرض المنبسطة جبلا لا يجد معه الحاكم المستبد إلا أن يقول مع بورقيبة صاغرا يوم 26 يناير/ كانون الثاني المجيد “رجعنا فين كنا”.

ويذهب تقدير الغنوشي إلى أن ” ما تشهده البلاد انتفاضة قد تجمعت أسبابها ولئن بدت طبيعتها اجتماعية فهي في الحقيقة مركبة بل السياسي فيها هو الأعمق، وهي لا محالة بالغة هدفها في تغيير سلطة الاستبداد سلطة المافيا على نحو من الأنحاء” حيث يتوقع ألا تنجح سلطة زين العابدين بن على في حل مشكلة البطالة، ويقول:” ما تملكه السلطة إذا احتفظت بمسكة من عقل هو الصرف من جيبها السياسي تنفيسا للاحتقان الاجتماعي، على غرار ما فعل بورقيبة جزئيا عقب أحداث 3 يناير/ كانون الثاني المجيدة تغييرا لوجوه واعترافا بأحزاب وتسريحا لمساجين ولمنابر إعلامية، بما لا يغير طبيعة النظام ولكنه يهبه وقتا إضافيا”.

 
استراتيجية النظام واحتواء الأزمة:

قامت استراتيجية النظام على عدد من المحاور يمكن أن نوجزها فيما يلي:

1- التحرك على أعلى المستويات من أجل احتواء الغضب الاجتماعي، وقد تحرك الرئيس في هذا الاتجاه وعدد من المسئولين سواء عبر تعيين عدد من شباب سيدي أبوزيد أو زيارة الشاب الذي حاول الانتحار أو اتخاذ بعض الإجراءات الأخرى.

2- تطبيع المشكلة: فقد صرح الرئيس زين العابدين بن على أن ما حدث” حالة اجتماعية نتفهم ظروفها وعواملها النفسية كما نأسف لما خلفته تلك الاحداث من أضرار فإن ما اتخذته من أبعاد مبالغ فيها بسبب الاستغلال السياسي لبعض الاطراف الذين لا يريدون الخير لبلادهم ويلجؤون إلى بعض التلفزات الأجنبية التي تبث الأكاذيب والمغالطات دون تحر بل باعتماد التهويل والتحريض والتجني الاعلامي العدائي لتونس يدعونا الى توضيح بعض المسائل وتأكيد حقائق لا ينبغي التغافل عنها”.

وهو ما أكد عليه الامين العام للحزب الاجتماعي التحرري منذر ثابت أن الكلمة جاءت تكريسا لمنطق الدولة على اعتبار أنها الحاضن للمجتمع والمستوعب لمشاغله.

واعتبر ثابت أن الحوار كان ولا يزال المنهج في تفاعل الدولة مع مطالب المواطنين مؤكدا أن الحوار يشترط الالتزام بالضوابط القانونية والمصلحة العامة.

كما أكد ثابت على التحديات الخاصة التي يواجهها الاقتصاد الوطني والمتصلة بضغط الظرف العالمي وما ترتب عن ذلك من تحديات اجتماعية اختزلت في ثنائية ملفات التشغيل والتنمية من جهة والحفاظ على الطبقة الوسطى وحماية قدرتها الشرائية.

أكد الرئيس التونسى خلال كلمة بثتها الإذاعات والقنوات التليفزيونية التونسية “أن البطالة شغل شاغل لسائر بلدان العالم المتقدمة منها والنامية” وأن الحكومة التونسية تبذل كل الجهود للحد منها ومعالجة آثارها وتبعاتها، خصوصا بالنسبة إلى العائلات التى لا دخل لها، وستبذل الدولة جهودا إضافية فى هذا المجال خلال المدة القادمة.

ومع تطبيع المشكلة يتوجه الاتهام للقوى السياسية التي تمارس ما دعته السلطة” التحريض الحزبوي والإعلامي ”  ، كما تحركت المؤسسات الحكومية للتبرؤ من هذه المظاهرات والاحداث وفي مقدمتها الاتحاد الوطني للشغل المعنى بشئون العمالة وغيرها.

3- المواجهة الأمنية الحازمة. فقد أطلقت الشرطة النار على المتظاهرين، وقتل الشاب محمد العماري (26 سنة) برصاص الشرطة، كما فرقت بالقوة مظاهرات كانت مزمعة في تونس العاصمة، ومنعت التجمعات وانضبط الأمر على ما يبدو لها.

نظن أنه رغم توسع الأحداث وانتشارها السريع فإنها تظل قضية فردية ومناطقية، لا تمس السياسي، بل تمس الاجتماعي الذي يسهل استيعابه واحتواؤه من قبل السلطات، ورغم محاولة العديدين قولبتها سياسيا من المعارضة الموجودة بالخارج بلا قواعد حقيقية في الداخل التونسي يبدو أن المسألة ستنتهي قريبا ليعود النظام اقوى مما كان، دون أن يحدث عصيان مدني- كما توقع الغنوشي- أو معارضة مسلحة كما يستبعد الجميع!

-- السكينة - مركز البحوث

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*