السبت , 10 ديسمبر 2016
الرئيسية » مركز البحوث » ملفات » التربية على التسامح.. ليست هي التساهل

التربية على التسامح.. ليست هي التساهل

التسامح مفردة إسلامية مبجلة ، وهي تعني حسب قاموس العربية السماحة وتحمل المختلف، ومن هنا أتى الحديث” رحم الله رجلا سمحا إذا باع وإذا اشترى وإذا اقتضى” وقد رادفها القاموس الإسلامي باللين والرحمة، وتواترت آثار تحمد اللين وتبغض الشدة، وتحمد قبول الاجتهاد.

ولكن رغم هذا العمق الثقافي الإسلامي في التمكين لمفهوم التسامح ثقافيا ونظريا، لم يتم التمكين له تاريخيا ومجتمعيا بالدرجة الكافية، فكانت الشدة على المختلف مذهبيا وطائفيا بل وقبليا كان الآخر- المختلف في نفس الدائرة مذموما منبوذا وتم التمييز داخل الوسط الإسلامي نفسه، حتى سمعنا أنه كانت تقام في الأزهر الشريف أربعة جماعات للصلاة جماعة لكل مذهب فقهي وكذلك في الحرم المكي ولكل مذهب محرابه ، وأن بعض المتعصبين من المذهبيين كان يحرم نكاح مذاهب أخرى، وكان أحد المذهبيين( أبو الحسن الكرخي) يقول بصحة كل ماعليه مذهبه فكل حديث لم يأخذوا به فهو ضعيف أو موضوع، وكل آية لم يعتمدوا عليها فهي منسوخة!

ونشأت الحروب بين المسلمين، للخلافات الطائفية والسياسية وأحيانا الفقهية، حتى يمكننا القول بأن ضحاياها كانوا أكثر ممن ذهب ضحية للحروب بين المسلمين وغيرهم، ومن شاء فليراجع ما سرد في كتب تاريخنا تحت أسماء” البساسيري- تيمور لنك- حروب خراسان وخلاط.. وغيرهم).. وما شاهدناه في عصورنا الحديثة من ضحايا الجماعات والعمليات الإرهابية في مصر وباكستان ودول الخليج، فقد ذهب في تفجيرات الحادي عشر من سبتمبر وحدها ما لا يقل عن ستمائة مسلم كان أغلبهم من عمال المطاعم والنظافة البنغال البسطاء..! ودع عنك ما يحدث في الصومال وما حدث ويحدث في الجزائر وباكستان وأفغانستان.. وغيرها مما يجعلنا نحسم أن ضحايا العنف والإرهاب من المسلمين كانوا دائما أكثر وأفدح من سواهم ، مع سوءة وتحريم قتل المستأمنين والمعاهدين من غير المسلمين والأطفال والنساء والشيوخ .

حوادث وأمثلة لا تحصى تؤكد لنا على استبدال العنف والتعصب بالتسامح عمليا في كثير من ممارساتنا وسلوكياتنا وسلوكيات بعضا ممن يدعون الإصلاح، أو الانتصار الإسلامي، من بين جلدتنا، وهم في ذلك إنما يستحلون المسلمين .. دما ومالا وعرضا .

ولأن شعور القوة- الكبر- والاستعلاء والتشفي شهوات يتعالى عنها الشخص الصحيح العفي دينا ودنيا، حتى ولو كان أهلا لها، متحليا بخلق النبي-صلي الله عليه وسلم- في السماحة والكرم، أخ كريم وابن أخ كريم، كما وصفه أعداؤه ومن آذوه عند فتح مكة، أو دعائه لأهل الطائف بعد أن طردوه ونبذوه وآذوه..

وهو ما التزمه سلفنا الصالح رضوان الله عنهم، فها هو شيخ الإسلام ابن تيمية يرفض الانتقام ممن آذوه وأودعوه بإلحاحهم سجن القلعة، كابن مخلوف قاضي المالكية وغيره، بعد أن عرف ولاة الأمر قدره رافضا التشفي منهم ومتحفظا على الشكاية والنكاية فيهم، فعفا عنهم بعد أن قدر عليهم ، وهو ما شهد به ابن مخلوف وغيره، فتيقنوا أخلاق الشيخ التي تتناسب مع علمه وزهده ومكانته.

وصنعه الإمام أحمد في عهد المتوكل فرفض أن يتشفى من المعتزلة ومن امتحنوه وفتنوه في خلق القرآن كابن أبي دؤاد وابن عبد الملك الزيات وغيرهم..

وهذه النماذج وغيرها علامة الأمة الوسط، التي تخطئ ولا تغلو في التكفير ، والتي لا تفرط إفراط النواصب ولا تفرط تفريط القواسم، بل يكون المنهج الوسطي والاعتدال في الشدة والرخاء عاصمهم من الحيف والجيف .

وما أسهل أن يعرف القوم التسامح مبادئ وتنظيرات وأقوالا ولكن ما أصعب أن نعيشها سلوكا وممارسة وأفعالا ، ومن هنا تأتي أهمية التربية على التسامح الذي اهتم بها بعض الغربيين في مسار نهضتهم وحداثتهم ، وعبروا عنها بمعاني القبول بالآخر وتحمل اختلافه والأدب معه، بينما بدا بعض المسلمين بعيدين عنه.. مما يوجب استحياء منطق وثقافة التسامح من تاريخنا وثقافتنا، استحياءها في بيوتاتنا ومحلاتنا ومدارسنا .. أن تتسع صدورنا وعقولنا ومنظوماتنا الاجتماعية والثقافية لما اتسع له واقعنا وتاريخنا ومجتمعاتنا وفقهنا .

شوه البعض من مفكرينا وكتابنا مفهوم التسامح في العصر الحديث، فربطه الأفغاني بمفهوم التساهل والتسامح ليس تساهلا ولكنه موقف عقلاني وحواري وروحي في رفض ماعليه الآخر وليس في اتباعه، وفي محاولة تقويمه بالأدب والرحمة والحوار وليس في اقتلاعه .

إن التربية على التسامح تعني أننا لانعيش في العالم وحدنا وتجاوز هذا الوهم، هناك آخرون.. هناك مختلفون.. نعم لدينا رسالة ولدينا دور ولدينا شرعية ولكن الرسالة والدور والشرعية- داخليا وخارجيا- لا يمكن أن تكون محمولة على الدماء وعلى الفظاظة التي تفض الناس من حول الأنبياء بل محمولة على التي هي أحسن كما  أخبر القرآن الكريم ، إن التي هي أحسن وإن رحمة العالمين لا يمكن ان تكون إرهابهم .

 

-- هاني نسيرة - السكينة

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*