الأحد , 4 ديسمبر 2016
الرئيسية » مركز البحوث » ملفات » التدخل العسكري الأجنبي والمنطقة

التدخل العسكري الأجنبي والمنطقة

يرى ميكاه زينكو -مؤلف كتاب ما بين الأخطار والحرب، وعضو مركز العمل الوقائي في مجلس العلاقات الخارجية في الكونغرس الأميركي- أنه أثناء الجدل بشأن ما إن كان علينا التدخل في ليبيا وكيفيته، اعتمد الكثير من المعلقين وصناع السياسة على عدد من الدروس المستخلصة من التاريخ, وتصديق مثل تلك الأساطير والخرافات التي كثيرا ما أدت إلى سياسة خارجية تدفع نحو مزيد من التدخل.

ومضى يقول في مقال له في مجلة فورين أفيرز إنه لدى التفكير في كيفية تعامل الولايات المتحدة مع مشاكل السياسة الخارجية الدائمة, يمكن للتاريخ أن يكون مرشدا، وأول تلك الخرافات هو الربط بين القوة الجوية للناتو والهجوم البري لجيش تحرير كوسوفو، والاعتقاد بأنه أدى إلى طرد الرئيس الصربي السابق سلوبودان ميلوسوفيتش من كوسوفو في عام 1999.

واليوم فإن أنصار التدخل مثل ماكس بوت من مجلس العلاقات الخارجية وبيتر جول في مركز التقدم الأميركي، عززوا وجهة نظرهم بالقول إن قوات الثوار الليبيين التي تقاتل بدعم جوي غربي, يمكنها شن هجوم بري ناجح وإسقاط الزعيم الليبي معمر القذافي.


لم يكن القصف الجوي هو من أخرج الصرب من كوسوفو

لكن مراجعة متمعنة لحملة سلاح الجو الأميركي في كوسوفو، كشفت عن صورة أكثر قتامة عن التقدير الأولي الذي أجراه الناتو لتلك العملية، حيث تم تدمير 14 دبابة فقط وليس 120 كما ذكر سابقا، وكذلك فقد تبين أنه تم تدمير 18 ناقلة جند مدرعة وليس 220 وكذلك تدمير عشرين قطعة مدفعية متحركة وليس 450 خلال تلك الحملة, وكانت القوات الصربية مموهة بسبب عمليات الناتو عن طريق صنع قطع مدفعية مزيفة مصنوعة من الأخشاب ومحاور شاحنات قديمة وصواريخ أرض جو مصنوعة من الورق.

علاوة على ذلك، فإن جيش تحرير كوسوفو، أخفق في تشكيل مقاومة للقوات البرية الصربية المنظمة والأفضل تسليحا، وللأسف, فإن ما أدى إلى هزيمة أو استسلام ميلوسوفيتش، هو التصعيد الجوي من جانب الناتو ضد الجيش الصربي والبنية التحتية المدنية في الأراضي الصربية مقترنة بسحب روسيا دعمها لصربيا. حتى حينما تكون المقارنة أو المشابهة الدقيقة التاريخية سيفا ذا حدين.

ثانيا: هناك العديد من داخل الحكومة وخارجها بمن فيهم السيناتور جون ماكين والأكاديمي والدبلوماسي فيليب زيلكو اللذان طالبا بفرض منطقة حظر الطيران على القطاعات الليبية المدرعة كي لا تتحرك في مختلف أنحاء البلاد، أو ضد التجمعات السكانية المدنية على الأقل، وهؤلاء يستشهدون بالاستخدام الناجح لتك السياسة في العراق خلال حرب الخليج الأولى, أما في ليبيا فإن مثل هذا التفكير يعتمد على أن منطقة حظر الطيران يمكن أن تسهل من تحييد قوات القذافي البرية وتغيير ميزان القوى بين النظام والثوار.

لكن لم تكن هنا في الواقع منطقة حظر طيران في العراق، فقد تمكن صدام حسين في أكتوبر/تشرين الأول عام 1994 من تحريك فرقتين من الحرس الجمهوري قوامهما سبعون ألف جندي نحو الحدود الكويتية وانضمتا إلى ست فرق من الجيش العراقي المنتشرة وراء خط العرض32 وهو الخط الذي يفصل جغرافياً جنوب منطقة حظر الطيران، وردّت إدارة كلينتون ومن أجل تأمين النفط الكويتي والسعودي بعملية “المقاتل المحترس” حيث تم وبسرعة نشر قوات برية أميركية ومعدات مدرعة في منطقة الخليج، وهو ما ردع صدام حسين ودفعه إلى سحب قوات الحرس الجمهوري إلى وسط العراق.

وعلاوة على ذلك فقد طالب قرار مجلس الأمن الدولي رقم 949 بسحب كافة الوحدات العسكرية التي نشرت مؤخرا في جنوبي العراق، وقد استخدمت كل من واشنطن ولندن هذا القرار من أجل إصدار تحذيرات دبلوماسية رسمية إلى بغداد بأنه لا يمكنها نشر قوات برية بموازاة جنوب الخط 32، لكن تلك السياسة انطبقت على القوات العسكرية فقط التي وصلت إلى المنطقة بعد أكتوبر/تشرين الأول 1994.


منطقة حظر الطيران لم تكف لردع صدام حسين في العراق

وبكلمات أخرى، فإنه وبالرغم من سحب صدام حسين فرقتين من الحرس الجمهوري، فإن هناك ست فرق من الجيش العراقي بقيت مطلقة اليدين في مهاجمة أعداء نظام بغداد.

ثالثا: هناك العديد من المحللين العسكريين إضافة إلى السيناتور جون كيري، يبدو أنهم اعتقدوا أن منطقة حظر الطيران بإمكانها حماية المدنيين على الأرض، ولكن الحال ليس كذلك في الغالب، فبالرغم من الصورة الوردية لذكريات التدخلات، فإن منطقة حظر الطيران على البوسنة والهرسك في الفترة من 1992 إلى 1995، ومنطقة حظر الطيران في شمالي وجنوبي العراق في الفترة من 1991 إلى 2003، فشلت في حماية السكان المدنيين.

إذ لم يتم تعزيز وتفعيل منطقة حظر الطيران فوق البوسنة والهرسك بشكل كبير (باستثناء إسقاط الناتو أربع طائرات صربية في فبراير/شباط 1994) وكما كتبت مادلين أولبرايت في مذكراتها حيث كانت سفيرة أميركا لدى الأمم المتحدة: “صوتنا من أجل تعزيز منطقة حظر الطيران، لكن الصرب انتهكوا ذلك مئات المرات من دون أن يدفعوا ثمنا كبيرا لذلك” وبدرجة أقل، أقدمت طائرات الكروات والمسلمين البوسنيين على انتهاك منطقة حظر الطيران، وحتى لو تم تعزيز منطقة حظر الطيران، فإنها لم يكن بمقدورها أن تكون فاعلة ضد الهجمات الوحشية على المتمردين التي نفذتها القوات الصربية البرية التي قتلت تسعة آلاف من مسلمي سربرنيتشا.

وبالرغم من فرض منطقتي حظر طيران شمالي وجنوبي العراق فإن قوات صدام حسين البرية هاجمت المجموعات المعارضة للنظام، ففي الجنوب وبعد فشل الانتفاضة الشيعية عام 1991، شن صدام حسين حملة ضد المتمردين ودمرت قواته الأهوار التي كانت جزءا من النظام البيئي لجنوبي العراق، وشيدت الطرق عبر بعض منها بحيث يمكنها جلب مدفعية تصيب المتمردين الشيعة، كما جففت بعضها بحيث تحرم المتمردين من مخابئهم، وبينما طوقت القوات الأمنية العراقية المناطق التي يشتبه في وجود المتمردين فيها، أحكمت السيطرة على تحركات السكان.

أما في الشمال وخلال أغسطس/آب 1996 –بالرغم من كون منطقة حظر الطيران في عنفوانها- فقد قضى صدام حسين على الانتفاضة الكردية التي لم تعمر طويلا بنشره أربعين ألف جندي وثلاثمائة دبابة وثلاثمائة قطعة مدفعية.

أما القوى الخارجية، فقد انتهكت باستمرار منطقة حظر الطيران في العراق، فأقدمت المقاتلات الإيرانية على اختراق المجال الجوي العراقي وقصفت معسكرات مجاهدي خلق المعارضة لطهران، في حين أقدمت المقاتلات التركية في الشمال على قصف قرى يشتبه في إيوائها لأفراد حزب العمال الكردستاني.

الأسطورة الرابعة بخصوص التدخل الأميركي هي أن منطقة حظر الطيران التي أقيمت في التسعينيات فوق كوسوفو التي لم تحل بين الجنود الصرب والقوات شبه العسكرية من تهجير مئات الآلاف قسرا من ألبان كوسوفو وقتل عشرة آلاف آخرين، وخلال النقاش بشأن التدخل الأميركي في ليبيا أثار المعلقون في كل من صحيفتي (واشنطن بوست) و(وول ستريت جورنال) من بين آخرين هذه الحقيقة المفترضة من أن أيا من مناطق حظر الطيران لم تكن غير فاعلة، فلماذا يمكن أن تفشل في ليبيا؟


الغطاء الجوي الغربي لم يمنع الصرب من قتل وتشريد الآلاف من سكان كوسوفو

حقيقة أنه وبعد مناوشات صغيرة بين القوات الصربية وجيش تحرير كوسوفو في وقت مبكر من عام 1998، أقدم الناتو في شهري يوليو/تموز وأغسطس/آب من ذلك العام على نشر عدد من الوسائل الوقائية مثل نشر مراقبين عسكريين في ألبانيا ومقدونيا وانتهاج معايير تطفلية من ضمنها حملة جوية على مراحل ونشر نحو مائتي ألف من قوات الناتو في كوسوفو، وقبل بدء عملية قوات التحالف يوم 24 مارس/آذار من عام 1999، لم يبحث الناتو تنفيذ منطقة حظر طيران فوق كوسوفو ولم ينفذ واحدة منها.

مؤخرا يعتقد العديد بأن قتل الزعماء السياسيين يمكن أن يقضي على الخطر الذي تشكله أنظمتهم، مستشهدين بنجاح الطائرات بدون طيار بقتل عدد من نشطاء القاعدة وطالبان في باكستان، وهنا تساءل العديد ومن بينهم وزير الخارجية البريطاني وليام هيغ: “لماذا لا نقدم على اغتيال القذافي؟” وبالرغم من أن ذلك يبدو حلا سهلا فإن سياسة القتل المستهدف للزعماء السياسيين لا تنجح.

كما أن هناك مساعي مشابهة أنجزتها الولايات المتحدة من أجل التخلص من أعدائها ومن بينهم محاولة اغتيال القذافي في العام 1986 وكذلك المحاولة البريطانية يوم الاثنين الماضي، وأسامة بن لادن في عام 1998، وميلوسوفيتش عام 1999، وصدام حسين عامي 1991 و2003، وفشلت كل تلك المحاولات.

وبالرغم من القدرات الاستخبارية الأميركية فإن الزعماء السياسيين الذين يعتقدون أنهم مستهدفون يتمتعون بقدرة على التكيف والمرونة ومن الصعب إصابتهم عن بعد، وسجل الفشل الأميركي في هذا السياق أسوأ حتى من المتوسط أو المعدل التاريخي، فمن بين 298 محاولة اغتيال تم الإعلان عنها في الفترة من 1875 إلى 2004، نجح أقل من 20% منها، زد على ذلك أنه في حالة قتل القيادة، من المؤكد حدوث اضطرابات وفوضى، والنتائج عقب ذلك نادرا ما تكون إيجابية مثلما حدث حين تم قتل الرئيس الفيتنامي الجنوبي نغيو دينه ديم عام 1963 حينما تورطت الولايات المتحدة بشكل أعمق في الحرب الأهلية نيابة عن الجنرالات الذين يفتقرون إلى الكفاءة في سايغون، لكن الحقيقة المؤسفة هي أنه لا شيء غير الغزو البري الشامل يمكنه تغيير النظام مثلما تبين في كل من غرينادا، وبنما، والعراق وأفغانستان.


التاريخ يثبت أن اغتيال الزعماء لا يؤدي لحسم الصراع

وحتى حينما تكون المشابهات التاريخية سيفا ذا حدين كما يقول كل من إيرنست مي وريتشارد نيوستانت في كتابهما: “التفكير في الوقت المناسب.. استخدام التاريخ من قبل صناع القرار”، فإن المرجعيات التاريخية التي تم عرضها وفحصها جيدا يمكنها تعزيز قوة صناع القرار (اعتمدت إدارة كينيدي على العبر المستخلصة من الحرب العالمية الثانية من أجل تحاشي الدخول في حرب نووية مع الاتحاد السوفياتي خلال أزمة الصواريخ الكوبية) أو التقليل من شأنها (أخفقت إدارة ترومان في فهم التوسع النازي والفاشي والتي أدت إلى سوء التقدير والحساب في كوريا).

وأثناء الجدل بشأن ما إن كان يجب التدخل في ليبيا والكيفية التي يتم بموجبها، استشهد المعارضون والمؤيدون للتدخل في ليبيا بأمثلة تاريخية لتعزيز وجهة نظرهم، وكثيرا ما كانت تلك الأمثلة غير دقيقة وأسيء تطبيقها على الحرب في ليبيا، وإن كانت هناك من تركة أو عبرة للاستخدام الأخير للقوة الأميركية، فهي أنه بغض النظر إن كان الهدف هو حماية المدنيين على الأرض أو التعجيل بإطاحة القذافي، أو توفير الاستقرار في ليبيا في حقبة ما بعد النزاع، فإن الحاجة تدعو إلى مزيد القوة والوقت والاهتمام علاوة على الحاجة للأموال أكثر مما أثبت المجتمع الدولي التزامه به حتى حينه.

-- الجزيرة نت - فورين أفيرز

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*