الثلاثاء , 29 يوليو 2014
جديد الموقع
الرئيسية » مركز البحوث » ملفات » الجماعة الإسلامية الليبية المقاتلة (المراجعات التصحيحية للجماعة) جزء2

الجماعة الإسلامية الليبية المقاتلة (المراجعات التصحيحية للجماعة) جزء2

المراجعات التصحيحية للجماعة المقاتلة..
 
انتصار المراجعة وهزيمة المكابرة!

في مسار الجماعة الإسلامية المقاتلة.

يبدو أن الجماعة الإسلامية المقاتلة كانت أكثر استعدادا لفكرة المصالحة منذ وقت مبكر من تأسيسها، وإدراكا لتغيرات المناخ الليبي بعد يأسها ويقينها بمرارة تجربتها الصدامية مع النظام الليبي، خاصة بعد تغيرات هيكلية حدثت في بنية النظام الليبي، أتت بعد سقوط النظام البعثي في العراق سنة 2003 وإعدام صدام حسين، وسعى النظام الليبي للانفتاح الجزئي والتصالح وتحسين العلاقات مع الولايات المتحدة والغرب حتى المحتلة السابقة إيطاليا.

كما أعلن القذافي استعداده لفتح مفاعلاته للتفتيش الدولي، واستعداده للتعاون مع ما يسمى الحرب الدولية على الإرهاب، التي ضبطتها إدارة أوباما بعد رحيل بوش وحددتها بالحرب على القاعدة، وتخلي القذافي جزئيا- وليس كليا- عن خطابه القومي والراديكالي المعادي للغرب ولمخالفيه.

في هذا السياق كانت إرهاصات مراجعات المقاتلة، حيث أذاعت وكالات الأنباء في بداية عام 2007، أن النظام الليبي قد عقد جلسات للحوار والمصالحة مع قادة الجماعة الإسلامية المقاتلة في السجون، بعد الإفراج عن 60 عضوا من أعضائها، وأنه سيتم الإفراج عن باقي الأعضاء بدفعات، حيث جرت أكثر من جلسة حوار في السجون الليبية بين ممثلين لأجهزة أمنية وآخرين من “مؤسسة القذافي للتنمية” التي يرأسها سيف الإسلام القذافي، الذي مثل الوسيط الراعي لعملية تدشين المراجعات والمصالحة بين الطرفين.

وقد استمرت الوساطات والحوارات بين النظام وقادة الجماعة في السجون لمدة عامين، يبدو أن قادة الجماعة قد بدأوا خلالها في تحرير مراجعاتهم ودراستهم التصحيحية لفكرهم السابق والتي صدرت خلال العام 2009،  وهو ما تأكد بعد ذلك في تقديمها اعتذارا للرئيس الليبي في ذكرى ثورة الفاتح في سبتمبر سنة 2009، وكان للدكتور الشيخ على الصلابي دور فاعل في تفعيل هذه المصالحة  بين الحكومة من جهة وبين قادة الجماعة المقاتلة من جهة أخرى.
 
جاء استعداد قادة المقاتلة في السجون للمصالحة بعد شهرين فقط من إعلان الظواهري انضمام كوكبة منها للقاعدة انتهت بنتيجة إيجابية ومراجعة تأسيسية للعمل الجهادي المسلح والإقلاع عنه.

وهو ما يمكن تفسيره بأنه لعبة المفاوضة، وأن تنظيم الجماعة الإسلامية المقاتلة تنظيم فضفاض يضم عددا من المجموعات، فبينما انضم رموزه في أفغانستان مثل أبو الليث الليبي وأبي يحيي الليبي إلى القاعدة، وصاروا من أبرز وجوهها، توسط بعض أعضائها في نفس الوقت تقريبا بين النظام وبين الجماعة من أجل المصالحة مثل نعمان بن عثمان، كان قادة السجون في الداخل مستعدين للمصالحة بشكل كبير، وإن أنكر بعضهم وجود هذه المصالحة في البداية، كجزء من عملية توزيع الأدوار ومزيد من الضغط على النظام ومحاوريهم.

ففي حوار لمنظر الجماعة أبي المنذر سامي الساعدي، وأحد الموقعين فيما بعد على مراجعاتها، ل منبر التوحيد والجهاد الذي يديره الأردني أبو محمد المقدسي، ذكر الساعدي” أن الجماعة لا تقبل المساومة مع النظام الليبي المرتد”- حسب وجهة نظرها، وهو ما يعني أن التشدد الكلامي لا يعني دائما ثبات الموقف، وأن الواقع واهتزاز قدرة الأفكار على أرضه أقوى من الرهاب اللفظي، وهي نقطة مهمة لكل معتنقي هذه الجماعات في ألا يرهبهم ولا يخدعهم ثبات قياداتهم من كلامهم، فالهدوء والمراجعة لكل صاحب ضمير، يعلم ان ما يعتقده كلام رجال وليس كلاما مقدسا يمكن أن يرجع إليه متى تبين له الحق وكان ممن يدين بدين الحق يرجع إليه متى تبين له كما يقول الشافعي رحمه الله.

وقد أصدرت الجماعة المقاتلة الليبية عددا من البيانات في سياق هذه الاستراتيجية الإعلامية التكتيكية لرفض المراجعات، منها البيان الصادر في يناير سنة 2007 تؤكد الجماعة عدم استعدادها للمصالحة مع نظام القذافي، أو حسب تعبيرها:” منذ اليوم الأول لوضع لبنة صرح الجماعة الإسلامية المقاتلة وطدنا أنفسنا على إحدى الحسنيين إما النصر والتمكين أو الشهادة في سبيل الله والفناء، ونحن ثابتون على الحق والدين ، ولا يضرنا أي الخصلتين حصّلنا فبإذن الله وتثبيته لن نبدل ولن نغير ما دام فينا عرق ينبض وعين تطرف ، ولن يرى منا نظام الردة والعمالة بإذن الله إلا الصبر والمصابرة ، والقوة والدفع ، والجهاد والجلاد، والثبات والاستمرار ، والعداوة والبغضاء حتى يحكم الله بيننا وبينه بالحق وهو خير الحاكمين”.

وقد أكد هذا البيان المذكور على إصرار الجماعة على رفض المراجعات وإصرارها على استمرار الصراع ضد النظام الليبي، حيث تذكر عن أعضائها أنهم ليسوا” ممن تقلبهم الأهواء وترفعهم وتخفضهم المصالح – كنظام الردة في ليبيا- فتارة يدعو لقومية عربية ثم يكفر بها ويرتدي العباءة الأفريقية ، ثم يخر ذليلاً طالباً رضى الدول الغربية الصليبية بل طريقنا طريق سوي{وَأَنَّ هَـذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}الأنعام153″  .

ولكن وبالنهاية أتت المراجعة والتصحيح أقوى من الإنكار والمكابرة،  فقد استمرت الجماعة في جلسات الحوار والمصالحة، بين قادتها في السجون والسلطات الليبية، ولم يكن الإنكار إلا فعلا تكتيكيا حرصا على الأعضاء والأنصار، وضغطا على السلطة، ولم تبال برفض النظام الليبي إشراك قادتها بالخارج في هذا الحوار، وتحديدا أربعة أسماء هي (الشيخ أبو الليث القاسمي، الأخ عروة، الشيخ عبدالله سعيد، والشيخ أبو يحيى الليبي) فمصير الجماعة والمجتمع والسلم الأهلي أكبر دائما من مجموعة أفراد مهما كانت مكانتهم.

وقد وقع على المراجعات التصحيحية لمفتى التنظيم أبوالمنذر سامي الساعدي وشقيق أبي يحيي الليبي وأمير الجماعة أبو عبد الله الصادق من القابعين في السجون الليبية، وقد أدارت حوار ومسار المصالحة والمراجعة مؤسسة سيف الإسلام القذافي نجل الرئيس الليبي، فقد ذكر نعمان بن عثمان القيادي السابق في المقاتلة، في حوار له مع كميل الطويل لجريدة الحياة اللندنية، أن قادة جماعته طلبوا منه إيصال رغبتهم هذه إلى الأربعة وعلى رأسهم «أبو الليث القاسمي» و «أبو يحيى الليبي»، الذي يرى البعض أنهما مثلا جسر المقاتلة إلى القاعدة وأنهما قد انضما إليها، كونهما ينشطان في مناطق نشاط تنظيم أسامة بن لادن في جنوب شرقي أفغانستان  ولكن لم يحدث أن استجابت الحكومة لذلك كما لم يعرف موقف لقادة الجماعة المنضمين للقاعدة من المراجعات بعد، مما يدل على أن هذه الجماعة تحتوى على عدد من الأجنحة وتنظيم فضفاض بشكل كبير.

قراءة في المراجعات:

أصدرت الجماعة الإسلامية المقاتلة مراجعاتها في كتاب ضخم عنونته: “دراسات تصحيحية في مفاهيم الجهاد والحسبة والحكم على الناس”( ) وهو يمثل مراجعة جوهرية لأفكار الجماعة السابقة.

تؤكد الجماعة المقاتلة الليبية في مقدمة مراجعاتها أنهاكانت جزءا من صحوة تبتغي النهضة، وليس مجرد إقامة دولة إسلامية، أو قلب نظام الحكم والانقلاب عليه، كما تعلن الأدبيات المعهودة لهذا النوع من الجماعات، تبريرا للخروج والصدام مع السلطات الحكومية، بل نجدها تتجه لإعادة تعديل منطلقاتها، وأنها كانت جزءا من صحوة تبتغي النهضة والتنمية وليس مجرد تغيير النظام الليبي، كما كانت تلح في بياناتها الأولى.

وهو ما يعني أن كفاء الدولة حلت محل مرجعيتها الشرعية وهويتها الدينية،  فتذكر الجماعة هذا التغير غير الصريح أو استعادة اللاوعي والمسكوت عنه قائلة:” إن تخلف العالم الإسلامي كان نقطة الانطلاق، أن قضية كفاءة الدولة حلت محل مرجعيتها وهويتها، وتضيف أنه “ما من مسلم يرى حال الضعف الذي أصاب الأمة والتأخر والتقهقر، الذي عانت منه إلا وأورثه ذلك حزنا وأرقا، وزرع بداخله الرغبة في النهوض بأمته، لذا حاول كثير من الغيورين والمتحمسين، أن يساهموا بشكل أو آخر في خدمة الدين والنهوض بالأمة.

ولما كانت جهودهم بشرية، واجتهاداتهم إنسانية، كان لابد أن يشوبها الخلل، ويعتريها النقص والزلل” .. وهو ما يعد انتقالا فكريا مهما في تفسير دوافع نشأة هذه الحركة الجهادية المقاتلة، وهو ضبط مقبول نظن أن كثيرا من جماعات العنف الإسلامي لو وعت به أو استدركته ذاتيا لانطلقت في ركب المراجعة والتعديل لمقولاتها واستنتاجاتها، خاصة وأن هذه الجماعات كانت دائما تعتبر نفسها في حالة جهاد مقدس دفاعا عن ثوابت ومقدسات لا عن “جهود بشرية” و”اجتهادات إنسانية”، وكان على رأس أهدافها تأسيس نظم إسلامية وليس رفع كفاءة الدولة وليس تحقيق النهضة.

وتحت عنوان “مدخل” نقرأ إعادة الاعتبار للهوية الوطنية، بدلا من المفاصلة والمجابهة بين الفصيل والوطن كما هو شأن الكثير من الجماعات العنفية والانفصالية، بدءا من حماس حتى القاعدة، فقد تحولت الجماعة المقاتلة من هدف الانقلاب وحمل السلاح أو التحريض عليه،  إلى هدف أكثر نبالة هو المشاركة في تنمية وبناء الوطن حسب تعبير الجماعة في هذا المدخل حيث تقول: “مسافة طويلة بين حمل السلاح لتغيير الأوضاع السياسية، تنظيرا وتحريضا وتطبيقا وممارسة، وبين الاستعداد للمساهمة في البناء والتنمية، رغبة وطموحا ونصحا.

مسافة تحمل بين طياتها الكثير من الأسئلة التي تزداد عددا ونوعا وكلما ازداد العلم بمنطلقات ودوافع من حمل السلاح سابقا ومن رغب في البناء مستقبلا” .

وتبدو اللغة في هذه العبارة السالفة حافلة بمفردات غريبة على لغة الخطاب الأصولي الإسلامي المعروفة، التي لم تعرف كلمات ك” البناء” و “التنمية”  بل والمستقبل، هذه المفردات كانت غائبة في الخطاب السابق للجماعة والخطابات الأصولية بعموم.
 
وتنتقل مراجعات الجماعة ت نقلة نوعية أخرى مهمة من الدفاع عن الثبات إلى الدفاع عن التغيير والمراجعة والتطور، ومن التعالى على الواقع إلى الاعتبار والنظر فيه بوصفه “حقيقة أصولية”  فـ “التغيير سمة من سمات البشر.. ..

وقد يكون علامة قوة كما قد يكون علامة ضعف، وكل ذلك خاضع لطبيعة التغيير وموضعه ودوافعه وأسبابه” ثم يطرح كتاب المراجعات سؤالا مباغتا نصه: “فهل التغيير في القناعات الشرعية كذلك؟”  وهذا السؤال يصك مصطلحا جديدا يحول الشرع من أحكام تستمد قدسيتها من صدورها عن المشرع سبحانه وتعالى، إلى تفسيرات البشر بها وتأويلاتها التي قد تصح وقد تخطئ حولها، يحاسب الله على مدى صدق إيمان وقناعة المكلفين بها في المقام الأول.

وترى الجماعة في أفكارها السابقة اجتهادا خاطئا، وليست منظومة الطائفة المنصورة كما يعبر أبو قتادة الفلسطيني، أو أبو بكر ناجي أو الظواهري وغيرهم من قيادات القاعدة، فهؤلاء ينسون أن ما يقولونه اجتهاد يقبل الصواب والخطأ ولا يجوز أن يحاسب المختلف والمجتهد بخلافه، ومسائل السياسة في كثير منها اجتهادية كما يقول الأصوليون والفكر السياسي في الإسلام.

فكثير ممن يرفضون المراجعة يرفضون في الحقيقة إمكانية اعترافهم بالخطأ أو استعدادهم للمراجعة، وتحول الذات موضوعا والموضوع ذاتا،  والأدهى أنه تكابر وترفض المراجعة كما ترفضها ممن كانت لديهم شجاعتها، وفي هذا تقول مراجعات الجماعة الإسلامية المقاتلة “كانت منطقاتهم من دوافع وقناعات شرعية – أوصلتهم إليها اجتهاداتهم – فرأوا أن دينهم قد أوجبها عليهم، وأن ربهم قد أمرهم بها وأن رسولهم قد ارتضاها – وبغض النظر عن صوابها من عدمه – فإنها قد ترسخت في نفوسهم وأيقنوا بوجوب العمل بها وسعوا لإنزالها على أرض الواقع” .

دراسات تصحيحية:

جاء الباب الأول من الدراسة التي اشترك فيها ستة من قيادات المقاتلة بعنوان “عقد الإسلام وكيفية ثبوته” وفيه تأصيل يتسم بالتفصيل الشديد لمعنى الإسلام والفرق بينه وبين الإيمان والإحسان، يليه تحت عنوان: “خطأ القول ببطلان المقلد” مراجعة مهمة تنطوي على مفارقة كبيرة، فحسب الدراسة، من مظاهر الغلو في الدين ” وهنا يتبدى الغلو في ذم التقليد في الفروع الفقهية، ولو كان الأمر مقتصرا على ذم التقليد في الفروع لكان الأمر هينا، لكنه تسلل ليصل إلى مسائل الإيمان والتوحيد، فظهر القول ببطلان إيمان المقلد بدعوى أنه لا إيمان إلا على دليل، وهذا نفس اعتزالي، إذ إن المعتزلة أول من تقلد هذه المقالة، وتلقفها عنهم بعض أهل السنة حتى ظنها كثير ممن جاء بعدهم مذهبا لهم، وقد ترتب على هذا القول لوازم شنيعة ومآلات مستنكرة، منها تكفير كثير بل أكثر المسلمين” .. وهنا يتضح الموقف الرافض للتكفير من قبل الجماعة المقاتلة في مراجعاتها وهو ما يجعلها تقترب من مواقف الجماعة الإسلامية المصرية في مراجعاتها الأسبق في هذا الاتجاه.

ومن النقاط المهمة التي توردها المقاتلة في مراجعاتها عودتها لمنهج أهل السنة في رفض الميل للتكفير، التي تورطت فيه الفرق الأخرى، بل وقامت عليه في كثير من الأحيان، حتى أكثرها اعتدالا أو عقلانية كما يرى البعض، وهو الاتجاه المعتزلي الذي ارتبط صعوده بالتوسع في التكفير، وهو ارتباط شديد الأهمية ربما يكون من المهم لفهم مسار الظاهرة الأصولية المسلحة تتبع تأثير النزوع العقلاني المفرط في ظهورها، في عهد الخليفتين العباسيين المأمون والمعتصم في القرن الثالث الهجري.

والأكثر مدعاة للدهشة من ذلك أن قيادة الجماعة الليبية المقاتلة ينقلون عن ابن رشد في تأسيس مراجعاتهم، وهو تحول كبير باتجاه توسيع نطاق المرجعية من الإطار السلفي إلى إطار أوسع، وهم ينحازون إلى ابن رشد ضد الأشاعرة ويدعون إلى تبني فتواه بوجوب منع المبتدئين من قراءة مذهب المتكلمين من الأشعريين، حيث تقول المراجعات: ” أن من الواجب على من ولاه الله أمر المسلمين أن ينهى العامة من المبتدئين عن قراءة مذاهب المتكلمين من الأشعريين ويمنعهم من ذلك غاية المنع مخافة أن تنبو أفهامهم عنها فيضلون بقراءتها ويلزمهم أن يقتصروا على الاستدلال الذي نطق به القرآن ونبه الله عليه عباده في محكم التنزيل إذ هو اواضح لائح يدرك ببداهة العقل بأيسر تأمل في الحين”.

ومن أهم المنطلقات الفكرية التي اعتمدتها مراجعات المقاتلة إجابتها الجديدة عن سؤال يمثل أساس تكفير الحكام لدى الجماعات الإسلامية المسلحة: هل يثبت الإسلام بعلامة من علاماته أم يلزمه أن تتوفر فيمن يحكم له به كل علامات الإسلام؟ وهو ما يخالف تصور الجماعات الأصولية العنفية في حكمها على المجتمعات والأفراد بالجاهلية والفكر في حال الافتقار لعلامات من علامات الالتزام الشعائري أو العقائدي أو التشريعي، فالأذان في بلد يكفي لأن يكف المسلمون يدهم عن أهله، ويستشهدون بحديث الرسول الذي رواه مسلم أن الرسول صلى الله عليه وسلم: “كان يغير إذا طلع الفجر وكان يستمع الأذان فإن سمع أذانا أمسك وإلا أغار” كما تذكر المراجعات. 

وفي تراجع عن ضرورة توافر الحد الأقصى من الشروط لإثبات إسلام الأفراد والمجتمعات، كما هو متمثل في أدبيات الجماعات الجهادية والتكفيرية، تؤكد مراجعات الجماعة الإسلامية المقاتلة أن من الأخطاء الشائعة خطأ التفتيش عن عقائد الناس من أجل اصطيادهم بالتكفير ، فترفض الجماعة توجهات هؤلاء، حين تقول: ” أن يشترط الإنسان شروطا أخرى لثبوت عقد الإسلام في الناس، كأن يزعم أنه لا يحكم على إنسان ما بأنه مسلم حتى يتأكد من توفر شروط لا إله إلا الله فيه، ويحتج بأن الناس في العصور المتأخرة ينطقون بلا إله إلا الله، لكن بغي الإتيان بشروطها أو أنه لا يحكم على من يقيم في بلاد المسلمين بالإسلام بحجة أن أحكام الديار قد تغيرت، وأن الناس يتبعون حكام ديارهم أو بحجة اختلاط المسلمين بغيرهم في تلك البلاد، وهذه أقوال كلها مجانبة للصواب قد حكم العلماء في القديم والحديث ببطلانها” .

الدعوة إلى الله و محاكمة إيمان الناس

جاء عنوان الباب الثالث من مراجعات الجماعة الإسلامية المقاتلة تحت عنوان “الدعوة إلى الله” وتقيم فيه الجماعة المصححة لسابق أفكارها فارقا حاسما بين دور الداعية الذي يهدي والقاضي الذي يصدر الأحكام بالجزاء والعقاب الدنيوي أو إيمان الناس، فتقول الجماعة في مراجعاتها عن وظيفة الدعاة:  “وظيفة الدعاة هي هداية الخلق، فإذا ما تحولوا يوما من الأيام إلى قضاة ينزلون الأحكام على الناس ويسعون إلى معاقبتهم ويبحثون عن وسيلة لإقامة الحدود عليهم، فإن الدعوة سوف تنحرف عن طريقها ويحدث من النتائج ما نشاهده اليوم في الكثير من الساحات”  هكذا تعود الجماعة الإسلامية المقاتلة من حتمية المواجهة إلى انتفائها بالدعوة، تعود لمفهوم دعاة لا قضاة أو محتسبين!.

ويأتي الباب الرابع بعنوان “الجهاد في سبيل الله” وتستفيض الجماعة في تحديد معنى الجهاد لغة واصطلاحا،  ويصنف كاتبو المراجعات مراتبه على أربع: جهاد النفس، وجهاد الشيطان، وجهاد الكفار، وجهاد المنافقين” ، وفيه إعادة اعتبار لجهاد النفس والشيطان بعد أن سبقهما خلال حقبة العمل المسلح جهاد الكفار والمنافقين.ومن قبيل إعادة النظر في الترتيب أيضا القول بأن مراتب جهاد الكفار والمنافقين تكون بالقلب واللسان والمال والنفس .
 
وتؤكد الجماعة في مراجعاتها على واقعية الإسلام التي تقوم عليها صلاحيته الدائمة في الزمان والمكان، فتقول بالنص:”الإسلام دين واقعي بعترف بأن الحرب جزء من الحياة البشرية، لكنه لا يدعو إلى استخدام العنف في التغيير والإصلاح يقول تعالى: “وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما” (الحجرات: 9) فالدعوة إلى الإصلاح هي الأصل، مع الكفار، فالكفر ليس مسوغا للقتل….. والذي سوغ الحرب القتالية في الإسلام هو العدوان، فعندئذ يصبح القتال مشروعا”.

ولأهميته الاستثنائية أفرد كتاب المراجعات قسما خاصا لـ “العمل المسلح بين الأمس واليوم”، وفي خروج عما مألوف بين التيارات السلفية (المقاتلة وغير المقاتلة) يؤسس كاتبو المراجعات مرجعية العمل المسلح على واقعة خروج الحسين بن علي على يزيد بن معاوية، فبعد “تولي يزيد بن معاوية أمر المسلمين من غير مشورة وظهور فسقه وظلمه، رام بعض أهل العلم والصلاح من أصحاب النبي وآل بيته والتابعين أن يلجأوا إلى السيف ليردوا الأمر إلى ما كان عليه من التقاء والصفاء على عهد النبي وخلفائه” .

وهو في هذا يبرئ أيضا أهل السنة من ظلم الأمويين لأهل البيت، ولكن دون أن يحول الانتصار للحق وللأمة لانتصار ونزع الحق عن كل ما سوى أهل البيت.
مخاض التجربة المريرة:

وفي التفات لا يخلو من مراوغة – ومراوحة بين الجدوى والمشروعية – يستدرك كاتبو المراجعات: “ولقد أثبتت الأحداث التي توالت عقب خروج الحسين (سة 63 هـ) ومعركة الحرة بالمدينة سنة 63 هـ، ومعارك ابن الأشعث (سنة 80 – 83). إلى اللجوء إلى السيف لإصلاح الخلل أو الانحراف لا يؤدي إلا إلى زيادة الكوارث وتتابع المآسي، ولا ينتج المقصود الذي توخاه أصحابه من ورائه، وأسهمت الدروس المريرة التي تجرعها القوم في ترسيخ تلك القناعة لديهم، وبعد أن رأى الناس تلك العواقب المريرة بعد فتنة الأشعث حمدوا مواقف الذين لم يشاركوا فيها ونهوا عنها الناس”  فخبرة العمل المسلح منذ بواكيرها الأولى لم تأت بخير، كما لم تأت بخير  كذلك محاولات التغيير عبر العمل المسلح مع الجماعات الجهادية المعاصرة، فالانتهاء الذي يبدو قاعدة أن التغييير بقوة لا يزيد إلا من التأكيد على رشادة اللاعنف.

وتؤكد الجماعة الإسلامية المقاتلة في مراجعاتها على أن هذه الأحداث أسهمت “في بدء تبلور قناعة وتشكل عقيدة لدى جماهير أهل السنة، لم تزدها الأيام إلا ثباتا ألا وهي: تحريم الخروج على أئمة الجور عدم اللجوء إلى السيف من أجل الإصلاح والتغيير والقبول بشيء من الخلل مع محاولة إصلاحه عن طريق الوسائل الشرعية السلمية كالنصح والأمر بالمعروف ونحوها دفعا لضرر أكبر وهو انفراط عقد الأمة وتسلط العدو عليها” .

فهل تحريم الخروج على الحاكم بالعمل المسلح حكم فقهي أم موقف عقائدي وهل يمكن أن يتأسس أي منهما على معطيات واقعية، وبعبارة أخرى، هل الواقع مصدر للتشريع؟ يبدو أن هذا ما انتهت إليه الجماعة المقاتلة في مراجعاتها وهو أن العمل المسلح موقف فقهي واجتهاد وليس موقفا عقديا كما أرادوا وأراد غيرهم في فترة سابقة، وهو قد انتهت المقاتلة في مراجعاتها.

ومما يضيفه كاتبو المراجعات في أسباب هذا التحريم هو “تحريم المشاركة في قتال الفتن بجميع أنواعها”   فقد استفاض عن النبي “أحاديث تحرم الاشتراك في الفتن وتأمر باعتزالها وتنوعت العبارات النبوية وتباينت أساليبها تشديدا وتذيرا وزجرا وتنفيرا”.

وفي تناقض مع التأكيد السابق على أن الأمر محسوم شرعا بأحاديث الرسول، يلتفت كتاب المراجعات لحل إشكالية التناقض بين وجود هذه الأحاديث وصحتها وكثرتها وبين مواقف الصحابة في الفتنة الكبرى، فيؤكدون أنه “ما من شك أن دافع الصحابة كلهم رضي الله عنهم هو الاجتهاد ولكن هذا لا يمنع أن يكون منهم فاضل ومفضول وقد يكون اعتزال المعتزلين لعدم تبين الأمر لهم وقتال المقاتلين لقناعتهم بأن الحق في القتال”  ولكن ما أثبته التاريخ واستبصاره هو أن من اعتزلوا الفتنة كانوا الأفضل اختيارا. 

في فقه الخلاف:

الباب الخامس عنوانه: “فقه الخلاف: أنواعه وآدابه” وهو رافد جديد خارج ومراجع لثقافة الجماعات الأصولية المسلحة التي اعتادت على “السمع والطاعة” والفتوى الملزمة والعديد من أشكال الواحدية الرافضة لأي تعددية فقهية أو سياسية أو فكرية.

والمراجعات تؤصل للخلاف من عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، فلم ينل من تمام الشرع ما فيه من “مواطن الاختلاف ومواضع النزاع التي كانت تعرض لأصحابه رضي الله عنهم بين يديه وفي حياته، بل بما أقر ما هم عليه من اختلاف وجهات النظر ولم يرفع عنهم ما هم فيه من تعدد الرؤى والأقوال واختلاف الفهوم إذ الناظر في سنة النبي والمتأمل في أحداث سيرته يدرك أن من الخلاف ما هو محمود لا حرج على أهله ولا إثم على صاحبه كالذي أقره النبي ولم يعنف صاحبه، كإقراره جميع الصحابة على ما فهموه من قوله لهم: (لا يصلين أحدكم العصر إلا في بني قريظة)” .
 
وفيما يتصل بالخلافات الفقهية، فتشير المراجعات إلى أن الناظر فيها “يرى أنها ليست على درجة واحدة من الدلالة على الاختلاف، فمنها ما أمكن الجمع بينه، وما لم يمكن فيه الجمع صار العلماء إلى الترجيح.. .. ..وهو الذي يعرف باختلاف التنوع” .

ويأتي الباب السادس عن الغلو في الدين وأهم ما فيه مواجهة الغلو في مفهوم الأخوة فـ “المسلم الذي نقص إيمانه لم يخرج من دائرة الإسلام فكيف تهدر حقوقه بحجة معصيته والحال أنه لم يزل أخا؟” و”هل هناك ذنب يرتكبه المسلم أعظم إثما عند الله من قتل النفس البريئة؟ ومع ذلك فإن الله تعالى قد عقد رباط الأخوة بين القاتل وولي المقتول، فقال عز وجل: (فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بمعروف وأداء إليه بإحسان)(البقرة: 178)” .

ومن القضايا الفقهية المهمة التي تناقشها المراجعات “أدلة اعتبار المصلحة” و”الأدلة التي تدل على اعتبار الشارع للمصالح عند تشريع الأحكام وعند تطبيقها والتي تدل أيضا على اهتمام الشارع بمآلات الأمور ونتائجها كثيرة جدا لا تكاد تحصى، كيف لا وقد مر أنه ما من دليل شرعي إلا وقد شرع لتحقيق غاية وحكمة وان هذه الحكم والغايات كلها مصالح للعباد” .

وهناك مصالح معتبرة اعتبرها الشارع “أي اعترف بها وبمشروعيتها”. “وعندما يقال إن الشرع اعتبر شيئا ما مصلحة فلا يعني ذلك خلوه من أي وجه من أوجه المفاسد” وبعض المصالح “قد توجد فيه مفسدة إلا أن مصلحته أعظم بكثير…. ومعظم أمور الناس وأشيائهم هي من هذا الضرب، فإن وجود المصلحة الخالصة في الدنيا نادر، ولكن العقلاء من البشر يعلمون أن ما غلب خيره على شره فهو مصلحة” .

“ومن حق الإنسان أن يقدر مصالحه الخاصة والتي لا تصل إلى حدود التأثير على الآخرين، ومع هذا فإن من الواجب عليه أن يضبط ذلك بالضوابط الشرعية، كما أنه من الواجب على المؤهلين من الأمة أن يقولوا كلمتهم في قضاياها المصيرية الكلية والعامة، ومن حق المسلمين وطلبة العلم أن يحملوا علماءها والمتصدرين فيها مسئولية المحافظة على مصالحها وذلك لأن للأمة مصالح لابد من تقديرها” .

تقييم العمل المسلح

وتحت عنوان “المصادمات المسلحة داخل بلاد المسلمين” يقول كاتبو المراجعات إنه “سواء كان الهدف منها الخروج لغرض التغيير أو إنكار المنكرات المنتشرة بين أبناء المسلمين فإن وزن تلك الأمور بالميزان الشرعي الذي يلاحظ فيه مراعاة مقاصد الشريعة يظهر أن هذه الأمور معدودة من القضايا الكبرى سواء من ناحية المفاسد المترتبة عليها أو من ناحية المصالح التي يظن أنها تجلبها.

ولذلك فإن تقديرها ابتداء لا يكون إلا للمؤهلين من العلماء”. “أما المفاسد المترتبة على مثل هذه المصادمات فهي متعلقة بالكثير من مقاصد الشريعة والضروريات الخمس .. .. ..وهي لا تتعلق بجانب الفرد فقط.. .. ..ولكنها تتعلق بها بالنظر إلى مجموع الأمة أيضا، فإذا نظرنا إلى الضرورية الأولى (الدين) فإننا نرى أنها أورثت الكثير من المفاسد سواء على المستوى الداخلي للمجتمعات الإسلامية أو على المستوى الخارجي” .

ومن تأثيراتها الداخلية التضييق على الدعوة والدعاة، وغيبة البيئة المناسبة للعلم والدعوة، والتفكك الداخلي للأمة، وجرأة الأمم الأخرى على أهل الإسلام، (“دراسات تصحيحية في مفاهيم الجهاد والحسبة والحكم على الناس” .

وفي باب الأمر بالمعروف النهي عن المنكر يتوقف كتبا المراجعات أمام الحسبة كوسيلة من وسائل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ويفصلون في شرط “القدرة” فالقدرة تنتقص بالخوف من وقوع الأذى “فمن خشي على نفسه أن يلحقه أذى في إنكاره للمنكر أو أمره بالمعروف سواء كان في بدنه أو ماله أو يخشاه على أحد أقاربه فإنه يسقط عنه هذا الواجب لانتقاص القدرة” .
 
ومن أسباب انتقاص القدرة أيضا تشير المراجعات إلى أنه “إذا غلب على الظن عدم الاستجابة وهذا موضوع نظر بين العلماء” وعن درجة “جمع الأعوان وشهر السلاح في مقابلة المنكر”  يقول كاتبو المراجعات: “قد أناط الفقهاء هذه الدرجة بالسلطان لما قد يترتب عليها من اقتتال وفتنة تفوق المنكر المحتسب فيه.. .. ..فإذا كان المنكر يستلزم ما هو أنكر منه وأبغض إلى الله ورسوله، فإنه لا يسوغ إنكاره وإن كان الله يبغضه ويمقت أهله، وهذا كالإنكار على الملوك والولاة بالخروج عليهم، فإنه أساس كل شر وفتنة” .

الحسبة والتكفير

ويأتي الباب التاسع من المراجعات تحت عنوان “إنزال الأحكام على الناس” ويتبنى كاتبو المراجعات فكرة شديدة الخطورة تؤول آيات القرآن تأويلا شديد الالتواء لتصل إلى القول بأن الإيمان والكفر قدر وليس اختيارا يقولون: “والله عز وجل هو الذي قسم خلقه إلى مؤمنين وكافرين، قال تعالى(هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومؤمن والله بما تعملون بصير) (التغابن: 2).. .. .. وما دام هذا التقسيم إلهيا ربانيا فلا حق لأحد من الخلق أن يعترض عليه، وإنما يكون الاعتراض صحيحا إذا عومل المسلم أو الكافر بغير ما أمر الله أن يعامل به”.

“ومن الظلم والخطأ أن يحكم على الناس بالكفر من غير المؤهلين لذلك وبكيفية لم يأمر بها الله عز وجل، وقد بين العلماء الطريق الشرعية التي يحكم بها على الناس ومن الشخص المخول بالحكم على الناس؟

وغير ذلك من المسائل التي تتعلق بهذا الموضوع.. .. ..وإنزال الأحكام على الناس هو الخطوة الأولى للممارسات العملية المخطئة الأخرى من استحلال دمائهم وأموالهم أو البراءة منهم.

 فإذا حدث فيه شيئ من الخلل فإن النتيجة الطبيعية هي الانتقال إلى المراحل التي بعدها، ولذلك فإن النتيجة الطبيعية هي الانتقال إلى المراحل التي بعدها، وذلك كان فهم هذه المسألة بضوابطها الشرعية وشوطها الدقيقة هو من أهم الأمور” .

وفي تفرقة يستلزمها السياق بين الداعية والقاضي والمقاتل يقول كتاب المراجعات: “إن تقمص الإنسان ثوبا ليس له كأن يلبس الداعية عباءة القاضي قد يجره إلى أن يرتدي بعدها لباس المقاتل، إذ ما يخلف الحكم في العادة هو إقامة الحد، فإذا جهل شروط إنزال الأحكام وإقامة الحدود، فإن ذلك سيسوق إلى ما لا تحمد عقباه”.
“والكلام على الأحكام الشرعية يعد من أصعب المواضيع وأخطرها على المسلم، ولا يجوز لأحد أن يتكلم فيها بغير علم أو دراية، والمتقول فيها بغير علم متقول على الله لأنه ينسب الحكم فيها لله عز وجل، فإنه إذا قال عن شيئ (هذا حرام) فمعناه: أن الله حرم هذا، وعندما يقول “هذا حرام” فمعناه أن الله حرم هذا…..”

ومن الأخطاء في إنزال الأحكام على المكلفين الحكم على أحد بالكفر “بسبب ارتكابه ما قد يظن أنه عمل مكفر فنخرجه من دائرة الإسلام، فقد لا يكون هذا هذا العمل مكفرا بل هو كفر أصغر غير مخرج من الملة أو هو أصغر من ذلك أي في دائرة المعاصي التي يغفرها الله عز وجل.. .. .. وإنزال الأحكام لا يكون إلا لأهل الاختصاص من العلماء الراسخين في العلم والقضاة وليس طلبة العلم ولا لعامة المسلمين”.

“ومسألة إنزال الأحكام على المعينين من تبديع أو تفسيق أو تكفير عملية عظيمة الشأن كبيرة الخطر.. .. .. وكذلك ما يترتب على تكفير المسلم وإخراجه من الإسلام من أحكام عملية في واقعه كاستباحة دمه، وماله، وتطليق زوجته، وانتفاء توارثه مع أقاربه من المسلمين وانقطاع موالاته.. .. .. فإن الإسلام قد شرع لكل جرم حدا من الحدود وإقامة تلك الحدود تتعلق بها أمور كثيرة من جهة من هو المكلف بإقامتها.. .. .. وقد ذكر العلماء أنه لا يقيمها إلا الإمام – الحاكم – أو نائبه ولها شروط أيضا كالقدرة، فإن الحدود الشرعية تسقط بالعجز.. .. .. وحتى لو توفرت القدرة فإن النظر في مآلات الفعل وما يترتب عليه من المصالح والمفاسد له اعتبار في ذلك” .
“وبهذا يعلم أن فتح باب إقامة الحدود لآحاد الناس هو فتح باب للفوضى واستباحة الدماء وغيرها من الحرمات، فلا يريد أحد أن ينتقم من أحد بالقتل إلا فعل وادعى أنه مرتد أو قاتل أو غير ذلك مما عقوبته القتل، وهذا ما لا تأتي الشريعة بمثله أبدا”. (“دراسات تصحيحية في مفاهيم الجهاد والحسبة والحكم على الناس” .

إن هذه الآراء التي عرضنا لها وعلقنا عليها تؤكد أن مراجعات الجماعة الإسلامية الليبية المقاتلة تختلف كثيرا عن مراجعات الجماعات الجهادية المصرية، الجماعة الإسلامية ثم جماعة الجهاد، بأنها أتت مراجعات تأسيسية وجذرية ولم تكن فقط مراجعات جدالية شأن مراجعات الدكتور فضل أو اعتذارية شأن جزء كبير من مراجعات الجماعة الإسلامية المصرية، بل أتت تؤسس لخطاب لا عنفي معتدل وغير سياسي، وهو ما جعل البعض من الباحثين يعتبرها وغيرها هشاشة في المشروع بوصفها بأنها تراجعات وليست مراجعات، وهو نفس وصف منظري القاعدة والسلفية الجهادية لها، وذلك أنها أتت لا تؤسس لغير الاغتذار عن الفترة السابقة ، ونرى أن هذا لا يصح، بل إن مراجعات المقاتلة وغيرها تأتي خطوة على طريق مهم يمكن دعوته بعودة السياسة لمجالها المدني وليس الديني، وعودة الأمة لمفهوم الوحدة بعيدا عن الفتنة بفعل السياسة والإمامة، وهذه مراجعات مهم تدخل في علم الاعتبار والاستبصار من تاريخ قريب أو بعيد كما يتضح في مراجعات المقاتلة.

رابط الجزء الأول:

http://www.assakina.com/center/files/7471.html

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>