الرئيسة | مركز البحوث والدراسات | ملفات | مفهوم الجهاد:وروافد سوء الفهم لدى الجماعات الإسلامية المعاصرة.
السكينة

مفهوم الجهاد:وروافد سوء الفهم لدى الجماعات الإسلامية المعاصرة.

مقاس الخط: Decrease font Enlarge font Enlarge font
مفهوم الجهاد:وروافد سوء الفهم لدى الجماعات الإسلامية المعاصرة.

إن مفهوم الجهاد ليس مفهوماً أوليّاً، أو غاياتيّاً في منظومة الدين، وهو فرض من فروض الكفاية، وليس من فروض الأعيان، بل قال البعض إنه تطوع، كما اتفق الفقهاء أنه لا يجوز بغير إذن الوالدين وثمة إجماع على أنه لن يكون بدون إذن ولي الأمر، وهو ما يرفضه بعض المتنطعين والضالين الذين يريدون أن يخضعوا الدين وأحكامه لانفعالاتهم وطموحاتهم.

ورغم أنه ذروة سنام الإسلام أي من جماله وتمامه، إلا أن أهميته لا تنفي أهمية سائر أبواب ومسائل هذا الدين، ولعل ملاحظة ترتيب الفقهاء لمدوناتهم الفقهية- على مختلف المذاهب- حيث يأتي باب الجهاد متأخراًعن أبواب العبادات وبعض المعاملات يوضح وعي السلف بهذه المكانة.

يوضح أن المسألة الجوهرية في فهم هذا الدين لا يمكن بالإطلاق أن تكون الصراع على السلطة أو الحاكمية التي أسس لها الأستاذ المودودي، ونقلها للعربية الأستاذ الشهيد سيد قطب- هكذا نحسبه- ثم التزمتها جماعات تاهت وضلت ثم تراجع معظمها إلا من تولى كبره منهم، فجعلوها أخض عقائد توحيد الألوهية رغم أن القرآن والسنة ومنهج السلف لم يأت ذكرهم عليها، بل كابر الأستاذ المودودي وقال إن المسلمين لقرون لم يفهموا ما سطره في كتابه عن" المصطلحات الأربعة" المركزية في منظومة هذا الدين وكل دين: الإله والرب والعبادة والدين لأنهم لم يفهموا حاكميته.

إن الحديث عن فقه الجهاد في كتب السلف وليس عن اعتقاده يعني أنه مسألة اجتهادية ومتغيرة، وليس كما يريد البعض له عبر ربطه بغائية الحاكمية، سبيلا وحيدا للإصلاح وللانقلاب الإسلامي بتعبيراتهم، دون الدعوة والتعليم والتنمية والبناء والتسامح وغيرها من قيم هذا الدين التي لا تقل عن الجهاد أهمية، ومما نلاحظه كذلك أن  الحديث عن مفهوم الجهاد قد امتلأت به كتب الفتاوى؛ خاصة في عصور الأزمة، مثل: خروج المسلمين من الأندلس، أو هجمة المغول على العالم الإسلامي، كما كان عصر شيخ الإسلام ابن تيمية، الذي صدرت فيه فتاويه، أو مرحلة الاستعمار الحديث لبلدان المسلمين.

ومن نافلة القول أن الفتاوى هي إسقاط للأحكام على وقائع، وليست قواعد ثابتة في أصول الفقه، أو تأسيساً نصيّاً ممتداً إلى غيرها من الوقائع، وتقع في باب الاجتهاد، وجواز الصواب والخطأ، وليس في باب الثوابت الذي قد تدخل فيه أصول الفقه كما تدخل فيه بشكل ألزم أصول الاعتقاد لدى كل مذهب وطائفة.

وسنحاول في هذه الدراسة التي نضمنها ملف " ابن تيمية المفترى عليه" تتبع روافد سوء فهم الجهاد اعتمادا على فتوى التتار التي تعرضت لها الجماعة الإسلامية المصرية بالنقد بعد أن اعتمدت عليها في اغتيال الرئيس المصري الراحل انور السادات، فجعلته شهيدا واعتذرت عن قتله بعد أن كانت تعتبر اغتيال كبير أعمالها وإنجازاتها، فصارت تعتبره كبير خطأها. 

في تأسيس المفهوم

إن أول حوامل تأسيس الجهاد في الخطاب الإسلامي المعاصر، هو الحامل الإيماني النصي، حيث أتت الآيات والأحاديث تحبِّذُ إليه في الكتاب والسنة، وقد تحدث القرآن عن فضل الشهداء، وعن نصرة الله المؤمنين، في حربهم ضد الكافرين، وأنه سبيل الله، ومما يذكر في فضل الجهاد وأهميته، ما يؤكده الحديث الصحيح من أنه «ذروة سنام الإسلام»، وأنه صار مرادفاً للتعبير الأعم «في سبيل الله»، فحين يطلق تعبير «سبيل الله»، رغم أنه قد يتجه إلى كل خير، يبتغى به وجه الله سبحانه وتعالى، بدءاً من الدعوة إلى دينه، حتى العطف على المحتاج، وإعانته، أو إماطة الأذى عن الطريق، أو المسح على رأس اليتيم.

كما أن الحامل الثاني لمركزية مفهوم الجهاد في العصر الحديث بالتحديد، هو تراث المجد التاريخي للإسلام والمسلمين في أوطانهم، وهو ما استثارته الذاكرة المُمَرَّرَةُ في ظلِّ تفوق المحتل، الذي غزا أرضهم، وهزم دولهم.

كما استعرت بهذا المفهوم تيارات الممانعة والمجابهة الثقافية الشكلانية، في مواجهة ثقافة أو تراث المحتل، الذي لم يرحل معه؛ حيث رأت في تحولات المجتمع المسلم، الاجتماعية والسياسية والثقافية، خطراً على معهوداتها، واغتراباً عن عزلتها، وهو ما كان موجوداً في كثير من أطوار الحضارة الإسلامية، خاصة التاريخَيْنِ: العباسي والفاطمي، ولكن رأت تيارات المجابهة الثقافية تحميل كُلٍّ وِزْرَهُ، لأوساط العديد من النخب المثقفة والحاكمة، وتوجهت الجهود الإحيائية والجهادية الإسلامية إلى حربها، بدعوى الحاكمية، وإعادة دولة الإسلام، خاصة بعد سقوط دولة الخلافة العثمانية، سنة 1924 ( ).

وعاد الجهاد وحده شرطاً أوليّاً لإعادة مجد المسلمين، وليس العلم، أو الشورى، أو العدل، أو المساواة، أو غيرها من القيم، التي ربما أكدها الشارع أكثر مما أكد مفهوم القتال ( ).

ويرى الراحل أبو الحسن الندوي، أن «الزعامة الإسلامية تقتضي صفات دقيقة، واسعة جدّاً، نستطيع أن نجمعها في كلمتَيْنِ، هما: (الجهاد)، و(الاجتهاد)، فهاتان كلمتان خفيفتان بسيطتان، ولكنهما جامعتان عامرتان بالمعاني الكثيرة»(3)( )، وليلحظ القارئ أنه بدأ بالجهاد، ولم يبدأ بالاجتهاد!

وأكدت هذه القوى أن استعادة الدولة الإسلامية، التي دعت إلى خلافة واحدة، لم تنجح عبر توحيد العالم الإسلامي، كما كان في مؤتمر الخلافة سنة 1925، وغيره من المؤتمرات، وتحولت عن فكرة الخلافة الواحدة، إلى تأسيس أي دولة إسلاموية، تحكم بالشريعة في قطر، تكون منطلق الثورة والإلهام للآخرين، وتكون قاعدة للمجاهدين ينطلقون منها، سواء أكانت إيران بعد الثورة الإسلامية، أم دولة طالبان الآفلة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول، في تصور القاعدة والجهاد ( ).

وبدأت أحكام الردة، تتطاير ضد مَنْ يقول بغير ذلك، وصار مفهوم الجهاد أكثر فاعلية في مواجهة هؤلاء، الذين صارت تهم الردة، وفتاوى التكفير، تلاحقهم وتوجب على قواعد الجماعات الأصولية التي اتجهت إلى التسلح، استهدافهم وتصفيتهم!

الجهاد في القرآن

نذكر بداية أن تعبير (الجهاد) أوسع من تعبير (القتال)، ولعل التعبير الثاني كان هو المرادف لحرب المسلمين لغيرهم في العهد النبوي، بل إن اللفظ القرآني (الجهاد) كان دائماً أوسع من معنى القتال، الذي كان يعبر عنه بمشتقاته اللفظية، مثل (قاتلوا-القتال)، أما الجهاد فكان دائماً أوسع، بل قد ينحصر دون معنى القتال نفسه!
وتتنوع الآيات القرآنية بين أقسام ثلاثة، كما يذكر المفسرون:

أولاً: آيات شرّعت الجهاد، وأذنت به، بعد أن كان غير مأذون به، وهي قوله تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَانَّ اللهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ (الحج 39)، وهي أوّل آية نزلت للإذن بالقتال، وكما سيتضح أنّ الإذن في هذه الآية هو للدفاع، وليس للهجوم، لأنه مرتبط ببيان سبب الإذن بالقتال، وهو ﴿بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾، بل يزيد الله يقينهم وثباتهم ودفعهم إلى الانتصار بوعده لهم، أنه على نصرهم لقدير، يعني ليس فرضاً غير مبرر عقلاً من دوافعه، بل حتى من نتائجه )، فالقتال لم يكن بحجة كفر الآخرين، وضرورة فتح بلادهم من أجل الإسلام، ولكن كان ردّاً على ظلم، وانتصاراً لمظلومين بالأساس.

ثانياً: الآيات التي تحرّض على القتال والجهاد بالمال والنفس، بعد توفر الموجبات والأسباب، التي بيَّنتها الآيات الخاصة بهذا الشأن وهي -حسب البعض- نمط من أنماط الإعلام الحربي والحرب النفسية ضدّ العدو، ومهمتها تعبوية، ورفع الروح المعنوية، مثل: ﴿يَا أيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضْ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ﴾ (الأنفال 65). ﴿انْفِرُوا خِفَافاً وَثِقَالاً وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوَالِكِمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾ (التوبة 41). ﴿إِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ (التوبة 111). ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينِ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهُمْ يُرْزَقُونَ﴾ (آل عمران 169). ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ (الأنفال 60). وفي كل هذه الآيات، يلاحظ أن لفظ القتال يأتي مباشراً، من دون أن يعبّر عنه بتعبير الجهاد نفسه، الذي يتسع عنه، وقد ينحصر عنه كذلك.

ثالثاً: الآيات التي حددت الأسباب الموجبة للقتال، ومن خلال دراسة وتحليل مضامين هذه الآيات، نفهم أن الجهاد لم يشرّع للانتقام والتسلط والعدوان والإرهاب، بل شرع للدفاع ومواجهة الظلم والطاغوت والعدوان، ونصرة الحق والمستضعفين ... إلخ، ولنقرأ الآيات التالية لنستنتج منها:
1.﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ (البقرة 190) فهنا ينعقد الشرط بعدم الاعتداء، وأن المسلمين لا يعتدون، فالقاعدة أن الله سبحانه وتعالى ﴿لا يُحِبُّ الْمُعْتَِِدينَ﴾.

2.﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَال فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِد الْحَرَام وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنْ اسْتَطَاعُوا﴾ (البقرة 217) فالقتال كبير، ولولا الفتنة وحرب المسلمين في دينهم، ما أجازه الله سبحانه وتعالى لهم.

3.﴿وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيّاً وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيراً﴾ (النساء 75).

4.﴿فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً﴾ (النساء 90).

5.﴿كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لاَ يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ﴾ (التوبة 8)، فعدم أمان الكفار ونقضهم العهود، قد يكون مبرراً لقتالهم، ما كان قتالهم أقل ضرراً، وليس أشد سوءاً من عدم قتالهم. ﴿وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرَ إِنَّهُمْ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ﴾(التوبة 12).

6.﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ* الََّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللهُ وَلَوْلاَ دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَواتٌ وَمَسَاجِدُ يَذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللهِ كَثِيراً وَلَيَنْصُرَنَّ اللهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ* الَّذِينَ إِن ْمَكّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتوا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَللهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ (الحج 39-41).

إن قراءة آيات الجهاد في القرآن، تؤكد أن الجهاد ليس مفروضاً بالتأبيد، ولكنه قد يفرض باشتراطات وسياقات، كالتمكين في الأرض مِنْ أجل إقام الصلاة وإيتاء الزكاة، كما توضح هذه الآية الأخيرة، وما من آية يحرض الله فيها المؤمنين على القتال، ويأمر بذلك نبيه، صلى الله عليه وسلم، إلا وطرح سياقات هذا التحريض ومبرراته، ما يجعل الجهاد المعروف بجهاد الطلب، بمعنى طلب العدو دائماً، أو باللغة الثقافية المعاصرة، الحياة بالعدو وحربه، أمراً بعيداً، يدخل في تأويل المتأولين، وأدلجة المؤدلجين، كما سنوضح.

الجهاد في كتب الفقه:

ظهرت كتب السير والجهاد الأولى، التي حددت أحكام القتال، وكيفية سلوك المسلمين خلال الحرب في القرنَيْنِ الثامن والتاسع الميلاديين، حيث وضع بعض الفقهاء أسس ما بات يُعْرَفُ بالفقه الإسلامي إزاء الحرب.

وبالاستناد إلى القرآن والسنة النبوية، ولا سيما إلى الغزوات التي خاضها الرسول صلى الله عليه وسلم، سعى الفقهاء إلى تبرير القواعد والمبادئ التي تم اعتمادها خلال هذه  الفتوحات، ولم تكن تعتمد على النصوص وتدرجها فقط، فأكد الإمام عبد الرحمن الأوزاعي في الشام، أن الجهاد مع النبي صلى الله عليه وسلم، كان فرضَ عَيْنٍ على المستطيع له من أصحابه، ثم أصبح بعد وفاته فرضاً على الكفاية إذا لم يتعين، في حين عارض الإمام مالك بن أنس قتال الفجأة أو البيات (مهاجمة العدو ليلاً)، ويروي ابن رشد، عن مالك، أنه كره محاربة الأحباش لأثر رواه مالك يقول «ذروا الحبشة ما وذرتكم» ( )، يقول ابن رشد: وقد سئل مالك عن صحة هذا الأثر، فلم يعترف بذلك، ولكن قال: لم يزل الناس يتحامون غزوهم ( ).

كما ذهب الإمام الشافعي، إلى اعتبار الجهاد فرض كفاية، بمعنى أن يجاهد من المسلمين مَنْ في جهاده كفاية، حتى يسلم أهل الأوثان، أو يعطي أهل الكتاب الجزية، وقد تمايز الشافعي، بموقفه من مسألة الجهاد عن غيره من الفقهاء، خاصة من فقهاء الحجاز، عندما اعتبر أن علة الجهاد هي الشرك، وليس العدوان على المسلمين، وأن الجهاد يرمي إلى إظهار الإسلام على الأديان، وكذلك ذهب ابن رشد في (نهاية المجتهد)، وهو ما نظنه انسحاباً مع منطق الفتوحات والغلبة.

أما مَنْ لعب الدور المهم، في بلورة عقيدة الجهاد، فهو بلا ريب ابن تيمية، الذي كانت لمواقفه أصداء واسعة في القرن العشرين، لدى مَنْ انتسبوا إلى الإسلام السياسي أو الحركي، كما سنوضح في قراءتنا لاستلهام صاحب كتاب: (الفريضة الغائبة) له.

إن منطق القوة والتدافع التليد بين الأمم في التاريخ، ظلَّ يلف مفهوم الجهاد الإسلامي، الذي كتبه الله على المؤمنين، وهو كره لهم، فحين تجتمع لأمة أسباب الغلبة وعوامل النصر، تتجه إلى غزو البلدان المجاورة، ومواجهة الأقوياء، وقلما يكون ذلك نتيجة نشر وعي حضاري، أو رسالي خاص، ربما باستثناءات قليلة في فتوح أنبياء بني إسرائيل: (يوشع، وداود، وسليمان) بل قد يأتي هذا تالياً كما كان في فتوح الإسكندر، الذي نشر معه الثقافة الهيلينستية، التي تجمع بين الهيلينية (اليونانية)، وبين الحضارات الشرقية، ولكن المنزع الرسالي، كان أكثر وضوحاً في تاريخ الإسلام، حيث كانت الدعوة إلى الإسلام الهدف الأول، والغاية التي تقدم على ما سواها، قبل الجزية أو القتال، فهدف الدعوة في الإسلام، كان أصلاً مستقلاً، كما كان غاية لسائر سلوكيات المسلم في تعامله مع الآخرين، ولم تكن غنائم الحرب، أو مكتسبات الأرض يوماً ما الهدف المباشر له، إلا عند من يؤبدون منطق الحرب.

صعد مفهوم الجهاد ومركزيته في التصور الإسلامي، وهو تصور دعوي بالأساس، طرديّاً مع صعود القوة وفعلها في بنية المجتمع المسلم، بعد أن أنهكه الاضطهاد، وتحوله من جماعة معذبة ومقاطعة في مكة، نالها من ويلات الكفار، ما لا يتحمله إلا أصحاب الرسالات، تحولت هذه الجماعة عبر جسر الهجرة -إلى المدينة- إلى أمة، إلى كيان يتوجه بتوجيه نبي قائد، وليس قائداً ولا زعيماً فقط، ومن هنا وجبت الهجرة إليها على كل مسلم حتى الفتح، فتوقفت، حسب حديث النبي «لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية» ( )، وكتب على المؤمنين فيها القتال ضد الكفار، وهو كره لهم، بعد أن كان مندوباً إليه فقط، ثم كانت مرحلة الدولة، حيث اتسعت حركة الفتوح خارج الجزيرة العرب، ثم كان صراع السيادة والحكم فيها بين مدعي استحقاقها من بيوت الخلافة، بعد العهد الراشدي، فكان صراع القوة والغلبة بين الطوائف المسلمة، حول الإمامة من ناحية، وبينها وبين الأمم الأخرى، وهي دوائر الصراع التي امتدت عهداً بعيداً، لا يقوم على شرعية إلا شرعية الجهاد لنصرة دين الله.

وكانت هذه الشرعية تزداد تمكيناً، حين تكون الأمة في حالة الدفاع عن نفسها، سواء في مرحلة انحطاط الأندلس، ثم سقوط آخر ممالكها، أو في عهد الحروب الصلييبية، ثم الغزو المغولي، ثم أخيراً في عهد الاستعمار الحديث، الذي بدأ بالحملة الفرنسية على مصر 1798، ثم ما تلاه من سقوط عدد من الدول الإسلامية دواليك في قبضته(9)( ).
فهذا التاريخ الممتد، كان فيه الجهاد، بمعنى القتال والمواجهة، ينقسم إلى شقين:

الأول: جهاد الطلب: الذي كانت تتأجج به عاطفة المسلم وحماسته للفتوح والمغازي، حتى قضى المسلمون في خمسين عاماً فقط على أكبر امبراطوريتين في التاريخ القديم، فارس والروم، وتحول العرب -بفضل إسلامهم- من رعاة غنم إلى رعاة أمم.

الثاني: جهاد الدفع: الذي كان طريقهم لتحرير دولهم، وأراضيهم المقدسة، ومواجهة الحرب عليهم، في عهود ضعفهم وتضعضعهم، قديماً وحديثاً.

وقبل خوضنا، في هذه الدراسة، التي تتبع تطور مفهوم الجهاد في الفكر العربي والإسلامي الحديث، من تراث الإصلاحية الإسلامية، عند جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده، حتى مفتي  جماعة الجهاد المصرية، وأمير تنظيمها محمد عبد السلام فرج، صاحب فتوى اغتيال السادات ورأس مدبريها، سنعرض لبعض المداخل التفسيرية، التي تساعدنا على إضاءة هذا المفهوم، حيث لا تسعى هذه الدراسة إلى مجرد التأريخ أو المقارنة، بين مدرسة الإصلاح الإسلامي المتصالحة مع العصر، وبين مدارس الإسلاموية المعاصرة، التي تمثلها جماعة الجهاد ومن لفَّ لفها حتى تنظيم القاعدة، قدر ما تهدف للكشف عن مفهوم مستنير وصحيح لمصطلح الجهاد نفسه، وإعادة موقعته في منظومة الدين، وكذلك في منظومة الوعي، من دون انفعالية باتت مسيطرة عليه، يكشفها بعض المتعصبين له، من دون فهم، أو المتعصبين عليه من دون إنصاف.

روافد تشويه المفهوم

تنطلق دراستنا تلك، من فرضية مبدئية، هي أن نقاء وصفاء مفهوم الجهاد، كما أتى به القرآن الكريم والسنة المطهرة الصحيحة والصريحة، قد أصابه التشوه  بفعل ثلاثة روافد أساسية، هي:

الأول: دوائر الصراع اللامتناهي بين المسلمين وأعدائهم، فهناك حمولة تاريخية متراكمة من الصراعات الحقيقية والزائفة، الداخلية والخارجية، بين المسلمين من جهة، وبين غيرهم من جهة أخرى، أو بين ما يمثل الإسلام الصحيح، والإسلام المبتدع أو الخارجي من جهة أخرى، وهي حمولة تمتد من عصر النبوة وصدر الإسلام، إلى عصر الفتوحات في فترات التفوق الإسلامي، حتى عصر الهزائم في فترات الانحطاط، كما تجلى في الحروب الصليبية والمغولية، مروراً بعصر الاستعمار والإمبريالية، حتى يوم الناس هذا، فقد مكنت هذه الحمولات التاريخية لهذا المفهوم كأداة لنشر الدين، وفتح بلدانه، وهو ما لا يصح وفق أي قراءة تاريخية معمقة، فبلد كمصر لم تصبح  بلداً إسلاميّاً، يمثل المسلمون أغلبيته إلا بعد مائتَيْ عام من فتحها، كما أن محاولات الضغط لتغيير اعتقاد الناس عبر القوة، أو حتى الإغراء، ثبت دائماً أنها غير مجدية، ولا تستجذب إلا أفراداً وقلة قليلة.
ومما يدلل به في هذا السياق، أن بلاداً كثيرة قد تم فتحها في عصور قوة فارسية ورومانية وإسلامية، لم تتحول فيها الشعوب المقهورة إلى دين الجيوش الغالبة والقاهرة، بل كما يذكر توماس أرنولد في كتابه المهم (الدعوة إلى الإسلام)، لم تتحول المجتمعات المسلمة إلى دين قاهريها، من الأتراك السلاجقة في القرن الحادي عشر الميلادي، أو المغول في القرن الثالث عشر الميلادي، ولكن غلبه دين المغلوبين (الإسلام)، رغم أن العادة أن يدخل الناس في دين الغالبين.

وقد سعى بعض الحكام لإغراء طوائف وأهل أديان مغايرة، للدخول في دينهم، كما فعل –مثلاً- الشاه عباس الصفوي، مؤسس الدولة الصفوية والتشيع الصفوي في إيران، حيث سعى إلى تحويل يهود أصبهان للإسلام، بأن يصرف لكل يهودي يتحول منهم إلى الإسلام أربعة تومانات، فأخذ جمع كبير من اليهود النقود، وتظاهروا بقبول الإسلام، ولكن عندما أدرك الشاه -بعد فترة وجيزة- أن دخولهم الإسلام كان خشية منه، لا عن إيمان قلبي، تركهم أحراراً في دينهم، فإن نشر الإسلام كان سبيله الوحيد هو الجهاد، فهو مفهوم خاطئ، يروج له الجهاديون، كما يروج له أعداء الإسلام نفسه، من دون مساءلة من عقل أو مراجعة لتاريخ.

الثاني: عبوات أو مقولات تأويلية -قديمة جديدة- قابلة للتفجير، ساعدت على أيقنة مفهوم الجهاد، وتجميده عند سياقاتها التاريخية، كجهاد ضد المبتدعة، أو الفرق الأخرى، أو ضد أعداء الأمة، وهي أوصاف مطاطة يمكن أن يصف بها مَنْ شاء ما شاء في كثير من الأحيان، وكانت مبشرة بصدام حضارات، وأديان، وطوائف، سابق لصدام الهويات الثقافية والحضارية عند هنتيجتون، ولا شك أنه أعمق تأسيساً منه، كما أنه أعمق تأسيساً فقهيّاً من خطاب بن لادن عن الفسطاطَيْنِ: فسطاط الإيمان وفسطاط الكفر.

الثالث: وهو رافد حديث، يتمثل في غياب دولة الخلافة، بسقوط الخلافة العثمانية، سنة 1924، وهي التي كانت تمثل الوحدة والدولة الإسلامية، رمزيّاً على الأقل، رغم أن احتلال أغلب بلدان العالم الإسلامي تم في عصرها، ولكن اتجه كثير من الشيوخ والمؤولين، نحو استدعاء مبحث الإمامة التاريخي، للاستناد إليه في الدعوة لضرورة استرجاعها، وقيامها مرة ثانية، فتمت سلسلة من جهود تسييس الدين، وبروز منطق وفقه الغلبة والتغلب، الذي يصدره الضحية المهزوم في مواجهة كل مَنْ لا يقف معه، سواء في الداخل أو الخارج(10)( ).

شوهت هذه الروافد الثلاثة والمستمرة مفهوم الجهاد، وقد ركزت مدرسة الإصلاح الإسلامي، التي مثلها الأفغاني وعبده وغيرهما، على نفض هذه الحمولات، وفصل سياقاتها، وهيمنة معقوليتها على مفهوم الجهاد، فيعود إلى طبيعته وفطرته الأولى، وانشغلت تلك المدرسة بسؤال العصر الدائم: «لماذا تخلفنا وتقدم غيرنا؟»، وهو سؤال بدأت به النهضة، وما زالت تدور في فلكه أفكارها، ونحب أن نؤكد أن هذا السؤال وبهذه الصيغة لم يبدأ -كما يؤكد العديد من الباحثين- مع شكيب أرسلان وكتابه بهذا الاسم، فهو مسبوق إليه -حسب استقرائنا-بما لا يقل عن أربعة عقود ( ).

الإسلام ليس الجهاد وحده:

إن أيقنة الجهاد، وجعله فوق الدعوة والرحمة، ليصير انقلاباً على التاريخ واقتداراً عليه، تضر الدين والأمة من حيث تريد نفعهما، فوفق هذا التصور، لا يكون النبي محمد صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين في المقام الأول، ولكن صار صاحب دعوة انقلابية، بدأت بالسيف، ولا تقوم إلا به، حسب ما يؤكد عبد الله عزام، بقوله: «هذا الدين جاء بالسيف، وقام بالسيف، ويبقى بالسيف، ويضيع إذا ضاع السيف، وهذا الدين دين هيبة، دين رهبة، دين قوة، دين صولة، والضعف فيه جريمة يستحق صاحبها جهنم»(12)( )، أو كما يقول المنظر السلفي الجهادي، أبو محمد المقدسي شيخ الزرقاوي، مؤكداً هذا التصور الانقلابي للدعوة الإسلامية والرسالة المحمدية، بقوله: «ولو أن دعوة النبي صلى الله عليه وسلم، كانت دعوة إصلاحية مجردة لبعض مشكلات المجتمع، وانخرط في برامج عمل لمحاربة الفقر، والفساد، والتخلف، والتبعية! وغير ذلك مما يدندن حوله دعاة العقلانية، أصحاب الفكر المستنير، من دون أن يعلن براءته من المشركين وشركياتهم، ومن دون أن يتميز ويقف هو ومن معه من المؤمنين في الصف المقابل، والعدوة المفارقة لعدوة الكفار، فيقول لهم: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ (الكافرون 1-2)؛ لما ناله ما ناله هو وأصحابه من الأذى، ولما احتاجوا إلى الهجرة، والخروج من أحب بقاع الأرض إليهم، ولَبَقَوْا في ديارهم وأوطانهم آمنين».

والطاغوت عند عصام البرقاوي «هو عَامٌّ في كل ما عُبِد من دون الله تعالى، وهو راضٍ بالعبادة، وأبرز أمثلته في هذا الزمان الحكام المشرعون، الذين يشرعون مع الله، ويحكمون بالقوانين الوضعية»(13)( )، وهم يتبعون في ذلك المودودي وسيد قطب، اللذين لو أنصفا لقالا: إنهما أعادا التعريف بمنظومة الدين ككلٍّ، سواء في كتاب الأول "المصطلحات الأربعة"، أو في سائر كتب الثاني في مرحلة السجن، وهو ما انتقدهما فيه أبو الحسن الندوي في كتابه (التفسير السياسي للإسلام)، وذكر الندوي في مقدمته أن المودودي، قبل وفاته سنة 1978- وافقه على ما جاء فيه من انتقاد له، وطلب منه تتبع مثل هذه الأخطاء في سائر كتبه.

دار الإسلام هي دار المسلمين، وليست تنسب إلى الأحكام الغالبة عليها، كما يريد الجهاديون المعاصرون، فبهذا المعنى وبانسحابه قد تستحيل كثير من البيوتات المسلمة، التي تحرم الإناث من الإرث، أو التي لا تراعي شرع الله في صغير أو كبير، إلى دور لغير المسلمين. فالدار –برأينا- تنسب لأصحابها، لا لأحكامها.

إن من غير العلمي القول: إن الإسلام دين روحي لا دنيا فيه، كما أنه من غير التاريخي القول: إن أحكام الفقهاء وأفهامهم فوق التاريخ، ولكن الأكثر خطورة هو اختزال الإسلام ومجده، في عصر الفتوحات وكتابات المغازي، فهو توحيد وإيمان، قبل أن يكون امبراطورية أو دولة غالبة، وهو للعالم قبل أن يكون حكماً غالباً، في دار تسمى: (دار الإسلام).
كانت "دار الإسلام" قرية صغيرة في الهند، وهبها صاحبها لله، حدث محمد إقبال المودودي عنها، فهاجر الأخير إليها فترة، معتقداً أنها دار الإسلام... أو حزن آخر على غيابها، حين غلب الإنجليز على الهند، فأقام عام 1804 جماعة للإصلاح سماها (جماعة اللاجمعة)، ترى أنه لا تجوز الجمعة في الهند، لأنها غدت دار كفر، بعد أن غلب الإنجليز عليها، وهجر المسلمون التعليم والمدارس التي ينشئها الإنجليز، حتى كانت الغلبة والتفوق في كل شيء لغيرهم، أثناء بقاء الإنجليز وبعد رحيلهم، وظل الرافضون لذلك منبوذين من منبوذي الأمة، تكال لهم التهم والافتراءات، شأن السيد أحمد خان في الهند، أو السيد محمد عبده في مصر، الذي ما زالت الهجمات تكال له من السلفية المعاصرة طعناً في عقيدته ودينه(14)( ).

هكذا، تصور البعض الجهاد يوماً، والأغرب أنهم يجدون مَنْ يؤمنون بهم، بل ويتشيعون متعصبين لهم، ولكن يظل التشويه الإسلاموي المعاصر له، هو التشويه الأكبر لمفهوم الجهاد، فقد اخترقته تاريخيّاً، لكونه فعلاً بشريّاً، عديد من الشبه، التي تنافي مُثل الدين وجوهره(15)( )، أو ما نشاهده في أيامنا من المثلة، ومن العمليات الانتحارية، وقتل المسلمين تترساً، وقتل السياح والمستأمنين، واستباحة أموال غير المسلمين وأماكن رزقهم، فقد وقع فيه من الأخطاء الكثير، وسقط فيه من الضحايا، الذين ليسوا من أهل الحرب الكثير، كما تَسَمَّتْ باسمه الجماعات، وانطلقت من أجله الدعوات، وصار حلم كثير من الشباب المسلم البريء الساذج، أن يتلقى من أميره أمراً باغتيال أو انتحار!
إن الانتحاري صاحب هوية مهزومة معذبة، لا تقوى على التحقق، ولو استطاعت أن تتحقق وتحقق معها مَجداً لذاتها ولأمتها ما لجأت إلى الموت، كما أنه لم يفقه الدين ولا تاريخه، فقوة الدين في اعتقاده وداخله، وليست خارجه، بل ليست في قوة المؤمنين به، وليس في هذا دعوة للضعف والانهزامية، كما قد يرمينا البعض، ولكنها دعوة للثقة وللتصالح مع الذات قبل الآخرين.

أما تصور الدنيا صراعاً مؤبداً مع الآخرين، فهي دعوى المريض النفسي، الذي لا يجيد سوى الكراهية وثقافتها وأدواتها، إنه الرجل الذي لا يثق في أنه يتحقق إلا بانتفاء الآخرين وقتلهم، فالدنيا وليس الدين تكون هنا مجالاً للمفاخرة، والمبارزة بين فرسان يستعرضون القوة، بين عمرو بن كلثوم وعمرو بن هند، وليست بين داعية رحيم يبكي للبعيدين ممن آذوه في الطائف قائلاً، كما قال النبي: «اللهُمَّ اهْدِ قومي؛ فإنهم لا يعلمون».

يعد السيد جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده، أبرز ممثلي مدرسة الإصلاح الإسلامي في نهايات القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، وقد جعل الرجلان همهما تجاوز التقليد، وإعادة الاعتبار للعقل الإنساني والنقدي.

يقول محمد عبده (1849-1905)، موضحاً مجمع إصلاحه، ومجمل رسالته: «ارتفع صوتي بالدعوة إلى أمرين عظيمين: الأول:  تحرير الفكر من قيد التقليد، والثاني: فهم الدين على طريقة سلف الأمة، قبل ظهور الخلاف، والرجوع في كسب معارفه إلى ينابيعها الأولى، واعتباره ضمن موازين العقل البشري، التي وضعها الله، لترد من شططه، وتقلل من خلطه وخبطه، وأنه على هذا الوجه يعد صديقاً للعلم، باعثاً على البحث في أسرار الكون، داعياً إلى احترام الحقائق الثابتة، مطالباً بالتعويل عليها في أدب النفس، وإصلاح العمل»(17)( ).

فقد فرق كلٌّ مِنْ: الأفغاني وعبده بين نوعين من الإسلام، سموه: (إسلام الحكام)، و(إسلام القرآن)، ويسميه عبده أحياناً (الإسلام الحقيقي)، و(الإسلام المزيف)(18)( ). ورغم أن الأستاذ الإمام محمد عبده، لم يفرد للجهاد كتاباً، كما أفرد للتوحيد وعلم الكلام مثلاً، إلا أنه -في إشاراته التي أتت متناثرة في تفسيره للقرآن- قد طور من هذا المفهوم كثيراً، مزيلاً عنه عبوءته التاريخية، فهو يذكر في تفسيره للآية 218 من سورة البقرة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللهِ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، أن الجهاد من المجاهدة، وهي من الجهد والمشقة، وليس خاصّاً بالقتال، فالمؤمنون الذين هاجروا مع الرسول، أو هاجروا إليه، للقيام بنصرة الحق، ومقاومة الكفار، هم الذين يرجون رحمة الله تعالى وإحسانه، معتبراً أن الجهاد بالنفس، بمعنى القتال، والجهاد بالمال، لم يشرعه الله للمسلمين، إلا للدفاع عن الحق وأهله، وحماية الدعوة ونشرها، الأمر الذي يبطل -في نظره-ما يهذي به أعداء الإسلام، وحتى بعض المنتمين إليه، من زعمهم أن الإسلام انتشر بالسيف(19)( ).

أما الاعتداء، فقد حرم في رأي الإمام، وفي العهد القديم كان المشركون هم من يبدأون المسلمين بالقتال، من أجل إرجاعهم عن دينهم، مؤكداً أن تقديم الدعوة كان شرطاً لجواز القتال، وأن الدعوة كانت دائماً بالحجة والبرهان، وليست بالسيف والسنان، وذلك وفقاً لما جاء بالقرآن ﴿لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ (البقرة 256)، التي يؤكد الشيخ على عدم نسخها بآية السيف، كما يرى أن ما حدث بعد عهد الخلفاء الراشدين، من الفتوح والحرب، من أجل فتح البلدان، لا من أجل الدعوة؛ فيؤكد الشيخ أن ذلك «اقتضته طبيعة الملك، ولم يكن كله موافقاً لأحكام الدين»(20) ( ).

ويؤكد عبده أن الجهاد -بمعنى القتال- هو فرض كفاية على المسلمين، حيث إن قيام بعضهم به يعفي الآخرين من القيام به، معتبراً أن الجهاد المشار إليه في الآية 142 من سورة آل عمران ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلم الصَّابِرِين﴾، لا تعنى أن كل مَنْ لم يجاهد لا يدخل الجنة، حيث إن الجهاد في الكتاب والسنة يستعملان بمعناهما اللغوي، وهو احتمال المشقة في مكافحة الشدائد، ومنه جهاد النفس، الذي روي عن السلف أن (الجهاد الأكبر) من أمثلته، كما يذكر الإمام «مجاهدة الإنسان لشهواته، لا سيما في سن الشباب، وجهاده بماله، وما يبتلى به المؤمن من مدافعة الباطل ونصرة الحق»، وهو جهاد «قد يفضل جهاد الأعداء في الحرب»(21) ( ).

ويعرف الشيخ الشهادة، في تفسيره قوله تعالى: ﴿وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاء﴾ (آل عمران 143)، والتي أنزلت خلال غزوة أحد، أنها تحتمل وجهين:

أحدهما: أنها الشهادة في القتال، وهو أن يُقتل المؤمن في الدفاع عن الحق.

الثاني: من الشهادة على الناس، بالمعنى الذي ورد في الآية 143 من سورة البقرة ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أَمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً﴾، وهي شهادة.

وفي مناظرته مع فرح أنطون (الإسلام والنصرانية بين العلم والمدنية)، لتأكيد قيمة التسامح في الإسلام، التي سبق أن أكدها في مناظرته مع هانوتو، وأكد أن القتال في الإسلام ليس لغرضٍ سوى الدفع ورد المظالم، وأن الجهاد الحربي كان يكفل حرية الاعتقاد، ولم تكن الجزية إلا مقابلاً للدفاع عنهم، حيث لا يشتركون في جند المسلمين ( ).

أما الجهاد، عند أستاذه جمال الدين الأفغاني، الذي كان مقلاً في كتاباته وتحريراته، كثيراً في خطبه وشفاهاته، فقد ألحَّ عليه، كمطلب في مواجهة المستعمر، ورد المحتل، ولكنه لم يكن فيه دوغمائياً أو عنيفاً، يعتبره خبط عشواء، بل كان متفهماً لأساليب السياسة، لا يرفض مساوماتها ومفاوضاتها، واستغلال تناقض قواها، من دون اندفاع كلي لمقولة الحرب.

رشيد رضا من الإصلاحية إلى التسييس

في المرحلة الأولى من حياة رشيد رضا، قبل سقوط الخلافة العثمانية، كان السيد رضا على خطى أستاذه محمد عبده نفسها، فقد عالج مسألة الجهاد بإسهاب في مقالاته العديدة، وبين فيها أن لفظ (الجهاد) في القرآن ليس مرادفاً للحرب والقتال، لكن الفقهاء اصطلحوا على تسمية القتال جهاداً، وهو لفظ ألطف وأخف من لفظ القتال ولفظ الحرب، لأن معناه يتحقق ببذل الجهد في مقاومة، لا يقتل فيها أَحَدٌ أَحَداً، والقتال ليس كذلك، إذ لا يتحقق معناه إلا بسفك الدماء، وما الجهاد بمعنى الحرب الدينية، إلا ابتداع بثته أوروبا في الشرق، بحروبها الصليبية.

وبعدما أوضح رضا معنى الجهاد في الإسلام، والفرق بينه وبين القتال، انتقل إلى استعراض أحكام القتال في الإسلام، حيث أشار إلى أن هذه الأحكام استندت إلى العدل والرحمة والحكمة، وكان المراد بها مدافعة الأعداء، الذين يحاربون المسلمين، لأجل دينهم، كما يتبين من الآية التالية ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِين﴾ (البقرة 190)، مؤكداً أن القرآن لم ينهَ عن موالاة ومودة مَنْ لا يقاتل المسلمين، بل حصر النهي في أولئك المقاتلين المعتدين.
ولكن في منتصف العقد الثاني من القرن العشرين، أطلق رضا حملة واسعة على من سماهم المتفرنجين والملاحدة في العالم الإسلامي، خاصة في مصر وتركيا، الذين يشكلون -في نظره- جيشاً داخليّاً أكثر ضرراً من جيوش الخارج، ولمواجهة ذلك، دعا رضا أهل الإصلاح إلى مواجهة هؤلاء الملاحدة الخارجين على الإسلام -حسب وصفه- كسلامة موسى، ومحمد حسين هيكل، وطه حسين، وغيرهم.

وخلافا لموقف أستاذه محمد عبده، الذي رأى في البعد عن التكفير أصلاً من أصول الإسلام الصحيح، في محاورته مع فرح أنطون، أصر محمد رشيد رضا على تكفير بعض أساتذة الجامعة المصرية، كما افترق رضا عن أستاذه عبده والأفغاني، في جعل الإيمان قائماً على الإذعان، وليس على العقل، الذي يفترض وجود الدليل والبرهان.

وكان السيد رشيد رضا أكثر تزمتاً وسلفيةً في هذه المرحلة، وكذلك كثير الإفتاء بالخروج والتكفير لمخالفيه، ما جعل البعض يعتبره بداية كبوة الإصلاح والنهضة، التي أدت إلى اختزال وتقهقر مشروع محمد عبده والإصلاحية الإسلامية، نحو طروحات الإسلام السياسي والعنفي في ما بعد، ولكن نرى أن رضا الذي لم يغادر أطروحات أستاذه محمد عبده، في تفسيره (المنار)، في تحكيم العقل في التفسير، فينكر حديث السحر للنبي صلى الله عليه وسلم، كما يرفض كثيراً مما رواه البخاري ومسلم، لعدم موافقته العقل، ويرى في مسخ الله اليهود قردة وخنازير مسخاً معنويّاً، وليس مسخاً ماديّاً، لأن هذا عنده لا يقبله العقل، إلا أن ما ورطه في هذه الحملة المحمومة، هو التفسير السياسي للإسلام، وردة الفعل العاطفية والانفعالية على سقوط الخلافة، التي أنست ووأدت في الرجل كثيراً من عقلانيته، التي ما زالت تحمل -عند الكثير من السلفيين- شبه سلفية، ويعتبرونه مبتدعاً غير سلفي شأن أستاذه، كما يقول السلفي اليمني الشيخ الراحل مقبل بن هادي الوادعي ( ).

ونرى أن موقف رضا، الذي لم يغادر رؤى أستاذه، إلا بفعل "كوليرا" التسييس، التي غلبت على كثير من ممثلي الفكر الإسلامي، بعد سقوط خلافة بني عثمان، رغم أن هؤلاء البعض كان من معارضيها جزئيّاً أثناء قيامها، وغير معتمد عليها أساساً، ولكنه التاريخ الذي انتهى، ومبحث الإمامة في كتب العقيدة، الذي لم يزل منها، وهو ما يجعل البعض يشبه بين الحركات السياسية وبين الرافضة في تحويل كل منهما مسألة الإمامة والحكم إلى مسألة اعتقادية وليست مسألة اجتهادية.
حسن البنا وشعار "الجهاد سبيلنا"

جعل حسن البنا شعاره، وشعار جماعة الإخوان المسلمين معه «الله غايتنا، والرسول قدوتنا، والقرآن دستورنا، والجهاد سبيلنا، والموت في سبيل الله أسمى أمانينا»، واعتبرت هذه الجماعة، التي قامت كَرَدِّ فعل على سقوط الخلافة العثمانية، وانتشار الفكر العلماني، أن كل أعمالها جهاد في سبيل الله، ضاربة على التصورالإسلامي الواسع سوراً تحتكر فيه شرعيته.

وقد كتب حسن البنا في رسالته (الجهاد)، مؤكداً أن الجهاد فرض عَيْنٍ على كل مسلم، خلافاً لجمهور الفقهاء، وهو ما التزمته مختلف الجماعات الإسلامية في ما بعد، فيقول: «فرض الله الجهاد على كل مسلم فريضة لازمة حازمة، لا مناص منها، ولا مفر معها، ورغب فيه أعظم الترغيب، وأجزل ثواب المجاهدين والشهداء، فلم يلحقهم في مثوبتهم، إلا من عمل بمثل عملهم، ومن اقتدى بهم في جهادهم، ومنحهم من الامتيازات الروحية والعملية، في الدنيا والآخرة ما لم يمنح سواهم، وجعل دماءهم الطاهرة الذكية عربون النصر في الدنيا، وعنوان الفوز والفلاح في العقبى، وتوعد المخلفين القاعدين بأفظع العقوبات، ورماهم بأبشع النعوت والصفات، ووبخهم على الجبن والقعود، ونعني عليهم الضعف والتخلف، وأعد لهم في الدنيا خزيّاً لا يرفع إلا إن جاهدوا، وفي الآخرة عذاباً لا يفلتون منه، ولو كان لهم مثل أُحِدٍ ذهباً، واعتبر القعود والفرار كبيرة من أعظم الكبائر، وإحدى الموبقات المهلكات» ( ).

هذا رغم أنه ينقل -في الرسالة نفسها- الكثير من النصوص الفقهية، التي تؤكد أنه فرض كفاية، ولكن الشيخ يعقب، بعد أن يسرد النصوص والأحاديث والآثار في فضل الجهاد، مبرراً لتصوره الشارد عن طريق جمهور الفقهاء، والهادف إلى أيقنة الجهاد وتقديمه على سواه كجماعة وحزب إسلامي يسعى للدولة التي تحكم بتصوره، مقدماً له في اعتقاد الناس وعواطفهم، من دون فقههم، قائلاً: «والمسلمون -الآن كما تعلمون- مستذلون لغيرهم، محكومون بالكفار، قد دِيسَتْ أرضُهم، وانتهكت حرماتهم، وتحكم في شؤونِهِمْ خصومُهُمْ، وتعطلت شعائر دينهم في ديارهم، فضلاً عن عجزهم عن نشر دعوتهم، فوجب وجوباً عيناً، لا مناص منه، أن يتجهز كل مسلم، وأن ينطوي على نية الجهاد، وإعداد العدة له، حتى تحين الفرصة، ويقضي أمراً كان مفعولاً»(25)( ).

ويرفض البنا استشهاد البعض بأن جهاد النفس هو الجهاد الأكبر، وأنه أكبر من جهاد الحرب، مصرّاً على تقديم الأخير، فيقول: «شاع بين كثير من المسلمين، أن قتال العدو هو الجهاد الأصغر، وأن هناك جهاداً أكبر هو جهاد النفس، وكثير منهم يستدل لذلك، بما يُرْوَى: «رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر، قالوا: ما الجهاد الأكبر؟ قال: جهاد القلب أو جهاد النفس»، فيؤكد أن هذا الحديث ليس بصحيح، ويقول: فأما هذا الأثر فليس بحديث على الصحيح، قال أمير المؤمنين في الحديث الحافظ ابن حجر، في تسديد القوس: هو مشهور على الألسنة، وهو من كلام إبراهيم بن عبلة.

وقال العراقي، في تخريج أحاديث (الإحياء): رواه البيهقي بسند ضعيف عن جابر، ورواه الخطيب في تاريخه عن جابر، على أنه لو صح فليس يعطي أبداً الانصراف عن الجهاد والاستعداد، لإنقاذ بلاد المسلمين، ورد عادية أهل الكفر عنها، وإنما يكون معناه وجوب مجاهدة النفس، حتى تخلص لله في كل عملها، فليعلم.
وهناك أمور تلحق بالجهاد، منها: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فقد جاء في الحديث: «إن من أعظم الجهاد: كلمة حق عند سلطان جائر»، ولكنَّ شيئاً منها لا يوجب لصاحبه الشهادة الكبرى وثواب المجاهدين، إلا أن يَقتل أو يقتل في سبيل الله، فجهاد الحرب -عند البنا- مقدم على ما سواه، فبه وحده تكون الشهادة، ومن هنا كان شعاره الأخير: «الموت في سبيل الله أسمى أمانينا».

إن البنا في تأكيده أن دعوته، هي استعادة الخلافة، وإقامة الدولة الإسلامية، والقضاء على الحزبية، ورفض ثقافة الآخر وسائر المذاهب العلمانية، إنما كان يؤسس للراديكالية الإسلامية، التي بدأت في حياته عند شباب محمد، ثم بعد وفاته مباشرة مع المُنظر الثاني للإخوان سيد قطب، ثم مع خلفائه من سائر الجماعات الجهادية المعاصرة.
ولكن أخطر تأثير لحسن البنا، ولرشيد رضا، في مسار مفهوم الجهاد، أنهما حولاه من الجهاد ضد الغرب إلى الجهاد من أجل إقامة الدولة الإسلامية، التي يعتبرونها غير قائمة، طالما لا يحكم خليفة، أو لا تطبق شريعة الله وفق تصورهم.

وقد مَثَّلَ كلٌّ من رشيد رضا والبنا، التمهيد الفعلي للطرح الجهادي المعاصر، الذي يلتزم فكر الحاكمية، كما دشنه المودودي، ومن سيد قطب، ثم ضرب له بسبب ونسب للسلف، من خلال فتوى التتار عند ابن تيمية، كما يتضح في (الفريضة الغائبة) لمحمد عبد السلام فرج، الذي يلاحظ فيه أن الرجل لا يزيد على أن يسقط فتوى التتار لشيخ الإسلام  ابن تيمية على النظام الحاكم في مصر حينئذ، من دون إدراك لاختلاف السياقات، أو التفريق بين مستويات قراءة ابن تيمية، حين يكون مؤسساً ومنظراً، وحين يكون مفتياً، وحين يتكلم في أزمة تاريخية، وحين يتكلم في قضية نظرية، كما أنه لم يرجع للنسخة المخطوطة الأصلية الوحيدة لفتوى ماردين التي قال فيها شيخ الإسلام" يعاملون بما هم أهل له" وليس" يقاتلون بما هم أهل له" كما تقول النسخة الرائجة المحققة لخطأ التصحيف! ونظن أن فرج المذكور الذي كان في الأصل مهندسا ولم يعرف له كتاب أو تأليف غير رسالة" الفريضة الغائبة" كان أعجز من أن يحقق نصا أو يرجع لمخطوط أصلي، وكما يبدو من كتابته تبدو الهشاشة العلمية أوضح فيه من أدنى دعوى رصانة.

كان عبد السلام فرج من هذا القبيل، ومعه صالح سرية، برسالة الإيمان، ثم كُتّاب ومنظرو السلفية الجهادية المعاصرون، الحلقة الأخيرة والأخطر في مسلسل تشويه الإسلام، وفي القلب منه مفهوم الجهاد، محملين عبوات إضافية على عبواته التاريخية والتأويلية، من أوضاع السياسة الدولية والإقليمية، مرتئين في كل من ليسوا معهم قاعدين، أنهم ليسوا من الخارجين للجهاد، فحق للبعض أن يصفهم بأنهم خوارج جدد(26)( )، رغم تبرئهم المستمر من هذه التهمة.

لكن هل كان الخوارج غير فئة ترى غيرها قاعدين، وترى المؤمنين من أغيارها كافرين، رغم  أن منهم من قتلوه، وقال فيه النبي «أنه مولاه...»، ما يجعلنا نتفق معه بشكل كبير، حيث إن تشويه الفرق القديم لمفهوم الجهاد، حين استخدموه في صراعهم على الإمامة، التي جعلوها أصلاً من أصول الدين والعقيدة، أما المشوهون الجدد، فقد جعلوا الجهاد والتكفير لا يقف فقط في دائرة الإيمان/الاعتقاد، بل امتدوا به إلى كل المنظورات الفكرية، والتشريعية، والثقافية المعاصرة، فأنزلوا التكفير من دائرة العقيدة، حتى دائرة الفقه والتشريع.. وهو تطور لا يقطع مع التكفيرات السابقة، بل يعتنقها كذلك، ولكن يزيدها عمقاً ودموية في الآنِ نفسه، ما يسيء إلى صورة الإسلام الحضارية، داخليّاً وخارجيّاً على السواء.

رابط الموضوع :
http://www.assakina.com/center/files/7734.html

اشترك في متابعة التعليقات التعليقات (1 مشاركة)

avatar
ابن الوليد 08/02/2012 14:28:19
الجهاد فرض والفرض لا طاعة لمخلوق عليه
المجموع: 1 | العرض: 1 - 1

اكتب تعليقك

  • Bold
  • Italic
  • Underline
  • Quote
  • ارسل إلى صديق ارسل إلى صديق
  • طباعة الصفحة طباعة الصفحة
  • نسخة نصية نسخة نصية
  • PDF file حفظ بصيغة PDF
  • Word file حفظ بصيغة WORD
  • اضف إلى المفضلة اضف إلى المفضلة

تقييم الموضوع

0

الكلمات الدليلية:

لايوجد كلمات دليلية في هذا الموضوع