السبت , 3 ديسمبر 2016
الرئيسية » مركز البحوث » ملفات » الجهاديون في الأردن

الجهاديون في الأردن

مقدمة

عاد تيار “السلفية الجهادية” الأردني إلى الصورة الإعلامية مع موسم الثورات الديمقراطية العربية، بعد أن تحولت مسيرة لهم انطلقت في مدينة الزرقاء إلى ساحة صراع مع قوات الأمن وعدد من المناوئين لهم في يوم الجمعة 15 نيسان- أبريل 2011، ما أدى إلى إصابة قرابة ثمانين رجل أمن بجروح، وفق رواية الأمن العام، الذي اتهم أفراد التيار باستخدام السيوف والخناجر والسلاح الأبيض[1].

رواية الأمن العامة رافقتها صور وتسجيلات مصوّرة تظهر بعض أفراد التيار، وهم يحملون السيوف والسلاح الأبيض، مما أثار صدمة الرأي العام الأردني، إذ لم يكن مألوفاً لديه رؤية “شيوخ ملتحين” يحملون السيوف ويعتدون على رجال أمن، وهي صورة معاكسة تماماً للمسيرات الأخرى التي يتعرض فيها الناشطون السياسيون والإسلاميون الآخرون إلى اعتداء من رجال الأمن والدرك، وليس العكس.

وظّفت الحكومة الأردنية “صورة أحداث الزرقاء” جيداً، لتعزيز تذمرها من المسيرات والتظاهرات التي تخرج بالمطالبة بالإصلاح منذ ثلاثة أشهر، قبل أحداث الجمعة، بالتزامن مع شرارة الثورات الديمقراطية العربية، وتحديداً بعد تونس ومصر[2].

على الطرف الآخر، فإن الجهاديين أصرّوا في روايتهم الإعلامية لأحداث الزرقاء؛ بأنّ قوات الأمن هي التي بدأت بالهجوم بالتعاون مع “المناوئين”، واعتبر الجهاديون أنّهم كانوا يدافعون عن أنفسهم ضد الشتائم والضرب، واعترفوا أنّ ما حدث كان “كميناً” لهم، وأنهم استُدرجوا إليه من قبل الأجهزة الأمنية المعنية[3].

مباشرةً، تلت أحداث الجمعة حملةُ اعتقالاتٍ واسعة في صفوف التيار، اتخذت طابعاً عنيفاً، وفقاً لأهالي المعتقلين، قبل أن تفرج محكمة أمن الدولة عن قرابة سبعين شخصاً، وتقرر محاكمة البقية قرابة 149 شخصاً، تتضمن تهم أعمال إرهابية وإثارة الفتنة وإحداث الشغب[4].

صفحة “السلفية الجهادية” لم تُطوَ بعد تلك الأحداث، إذ عاد أهالي المعتقلين إلى التظاهر والاعتصام للمطالبة بالعدالة لأبنائهم والإفراج عن أغلبهم،· وتشكيل لجنة شعبية للدفاع عنهم، شملت شخصيات سياسية وعشائرية[5].

المفارقة أنّ الجهاديين كانوا قد نظّموا مسيرات واعتصامات قبل يوم الجمعة المذكور في أربعة مواقع رئيسة وانتهت تلك الفعاليات بلا أي صدامات، وبحضور أمني ناعم، كان يعمل على ضمان سلامتها، قبل أن تقع أحداث الجمعة، وما أدت إليه من صدامات واعتقالات[6].

أحد الأسئلة الرئيسة التي شغلت مراقبين ومهتمين هو السبب الكامن وراء خروج “الجهاديين” في هذه المسيرات والطريقة العلنية في التعبير عن مطالبهم وأفكارهم؟ وفيما إذا كانت تعكس تحولاً أيديولوجيا أم استثماراً تكتيكياً للأجواء السياسية المنبثقة من الثورات الديمقراطية العربية ومن الحراك السياسي الداخلي في الأردن الذي يطالب بالديمقراطية؟ وفيما إذا كان هنالك “إفصاح” من قيادات التيار في الأردن عن رؤيتهم للمسيرات والاعتصامات والأهداف المتوقعة منها؟

تلك التساؤلات تدفع إلى مناقشة رؤية السلفية الجهادية عموماً، والقاعدة خصوصاً، للثورات الديمقراطية العربية، فيما إذا كانت ترى فيما يحدث تناغماً مع خطابها ومسارها أم تقاطعاً في مساحات معينة أم تضارباً، بخاصة أنّ تلك الثورات ركّزت على العمل السلمي والوصول إلى دول ديمقراطية، بينما الخطاب الجهادي ركّز على العمل العسكري والمسلح وصولاً إلى دول إسلامية على صيغة قريبة من الشباب المجاهد الصومالي وإمارة طالبان في أفغانستان (1996-2001)؟

وأخيراً، فإنّ سؤالاً جوهرياً عن تأثير هذه الثورات السلمية على انقسام التيار الجهادي الأردني بين أتباع المقدسي ومن يمُسكون بأفكار أبو مصعب الزرقاوي (قتل في العام 2006) ويصرون على العمل المسلّح؟

بالضرورة، فإنّ مناقشة التطورات الجديدة وموقع التيار منها تقتضي محاولة الاقتراب من حجم السلفية الجهادية في الأردن؟ وفيما إذا كانت تياراً واسع الانتشار ولديها القدرة على القيام بـ”رد فعل” على ما حدث مع أنصارها في يوم الجمعة، أم أنّ الأجهزة الأمنية تمتلك زمام السيطرة؟

للإجابة عن التساؤلات السابقة، فإنّ هذه الورقة ستتناول المحاور التالية:

-···الثورات الديمقراطية: “مقاربة جهادية”

-· ملامح التكيف الأيديولوجي الجديد

-···اشتباك جديد مع “العمل العلني”

-···”إعادة هيكلة” فكرياً: الموقف من المسيرات والاعتصامات

-··”المراوحة الأيديولوجية”: بين خطاب القاعدة والمراجعات

-· سؤال القوة والحضور: افتقاد الحاضنة الاجتماعية.

– ·صف قيادي جديد- مختلف

– ·ما وراء تراجع العمل المسلح

– ·الخلاصة: ما بعد الضربة الأمنية

-1-

الثورات الديمقراطية: “مقاربة جهادية”

برأي محللين سياسيين، فإنّ مقتل ابن لادن لم يكن سوى “إسدالٌ للستار” على مرحلة صعود القاعدة التي أتت انعكاساً لفشل الأنظمة العربية وسوء إدارتها خلال العقود الماضية، واعتبروا أنّ المقتل الحقيقي للرجل والضربة القاصمة لقاعدته تمثّلا في الثورات الديمقراطية العربية، التي قدمت خياراً استراتيجياً مختلفاً للشباب العربي ومغايراً للطريق التي تدعوهم إليها القاعدة لمواجهة الأنظمة العربية.

ذلك أنّ الثورات الديمقراطية رسمت معالم طريق مختلفة عن تلك التي وضع أسسها سيد قطب وتبعه عبد السلام فرج، ثم الظواهري وغيرهم؛ فالثورات تؤكد على أهمية النزوع السلمي وعلى الدولة المدنية والانفتاح على العالم، وهي طريق مناقضة، بل معاكسة تماماً، لرهانات القاعدة أيديولوجياً وسياسياً.

إلاّ أنّ السؤال عن موقف القاعدة من الثورات الديمقراطية قد لا يُختزل في هذا المستوى من الاختلاف والتناقض! فهذه الثورات، من زاوية أخرى، أضعفت عدواً صلباً للقاعدة، أي الأنظمة العربية الحالية، وهي أنظمة كانت معادية بقوة وشراسة للقاعدة والحركات الإسلامية عموماً، وفتحت الطريق أمام الشعوب العربية لتكون أكثر حرية واستقلالاً، وتمتلك القدرة على المشاركة في اختيار حكوماتها، كما هي الحال مع مصر وتونس.

من هذه الزوايا المتباينة والمتقابلة في الرؤية يمكن الاقتراب من قراءة القاعدة لهذه الثورات وتداعياتها في المنطقة العربية. وذلك يدعونا للوقوف أولاً عند خطاب قيادات (في القاعدة) نافذة ومؤثرة تجاه الثورات الديمقراطية، ثم استخلاص النتائج، على المستوى العالمي، قبل العودة إلى “الدائرة الأردنية”.

في السياق العالمي؛ تبدو رسائل أيمن الظواهري، المنظر الأيديولوجي للقاعدة والرجل الأبرز حالياً فيها، حول الثورات الديمقراطية، من أهم “الوثائق” بهذا الخصوص، وتحديداً ما سمي بـ”رسالة الأمل والبشرى لأهلنا في مصر” (ربيع الثاني 1432ه)[7]. وكذلك مقالة أبو يحي الليبي، وهو المفتي الشرعي والفقهي للقاعدة، بعنوان “ثورات الشعوب بين التأثر والتأثير”، في العدد 18 من مجلة “طلائع خراسان” (ربيع الثاني 1432)، وهي المجلة الأكثر تأثيراً وحضوراً لدى تنظيم القاعدة، وتحمل المواقف الأكثر أهمية لقادتها، وأخيراً مقالة أنور العولقي، وهو من أبرز منظري القاعدة حالياً، بعنوان “تسونامي التغيير”، في مجلة “الإلهام” التي تصدرها قاعدة الجزيرة العربية باللغة الانجليزية[8].

يعتبر الظواهري، بمثابة المنظّر الأيديولوجي للقاعدة، وتناوله لموضوع الثورات على درجة من التأثير في مسار القاعدة وأفكارها، ويمكن أن يمثِّل ملامح الخطاب الجديد أو التغيرات في خطابها. في رسالته؛ يخصص الجزء الأكبر للشأن المصري ويسهب في نقاط رئيسة أبرزها:

-······ اعتبار أنّ ما حدث في من ثورات ديمقراطية عربية هو جزء مكمّل للحرب التي تخوضها القاعدة في العراق وأفغانستان ضد الغرب والأنظمة المتحالفة معه، بهدف تحرير الأمة من الاستبداد والاحتلال “أمتنا تخوض معركة واحدة ضد غزاة الحملة الصليبية ووكلائهم حكامنا الفاسدين المفسدين”[9].

-······ التحذير من الأجندة الأميركية والغربية، والتشكيك بجدوى دعمهم للثورة المصرية، بل والتأكيد أنّهم لا يريدون إقامة حكم حرّ حقيقي في العالم العربي، يمثل نظاماً إسلامياً شورياً، ويرفض احتلال أراضي المسلمين، ويواجه المطامع الإسرائيلية، بل يرى الظواهري أنّ كل ما تريده الولايات المتحدة هو “نظام يعطي الشعب بعض الحريات، ولا يهدد مصالحها، ولا يمس أمن إسرائيل”[10].

-······ ثم يشير الرجل إلى التحالف بين الولايات المتحدة الأميركية والمجلس العسكري في مصر، معتبراً أنّ ما تمّ إلى الآن هو “ثورة انتهت بانقلاب عسكري”، ومحذّراً من أنّ بعض الإنجازات التي تحققت لا تعادل ما بقي على حاله، ما يعني أنّ الأهداف الحقيقية للثورة لم تنجز، بل تمّ التحايل عليها من خلال دور الجيش.

-······ الجزء الأكثر أهمية في رسالته تبدو في تحذيره من “سرقة الثورة”، بعدم تحكيم الشريعة الإسلامية أو التلاعب بهوية مصر الإسلامية، وفي هذا السياق يطالب الإسلاميين والمصريين جميعاً بالدفع نحو تطبيق الشريعة الإسلامية، وعدم القبول بالحكم الديمقراطي بديلاً عنها، موضّحاً الفوارق بين الشورى الإسلامية والديمقراطية الغربية[11].

أمّا أبو يحي الليبي، فهو أحد أبرز قادة القاعدة اليوم، وتحديداً في مجال التنظير الفكري والفقهي، وتبدو مقالته “ثورات الشعوب بين التأثير والتأثر”، أكثر تحديداً ودقة من رسالة الظواهري، إذ يعرِّف فيها – بصورة حاسمة- لأنصار التيار في مختلف البقاع ما هو مطلوب منهم، وما هي أهدافهم، وما المحددات في تفاعلهم مع الثورات، حتى لا تؤثر سلباً على ولاء الأفراد للقاعدة؛ فكراً وتنظيماً.

يقدّم الليبي باعتبار هذه الثورات “فرصةً سانحةً” يجب استثمارها، لكن مع عدم الاندفاع وراء “صيحات التغيير” من غير تثبت واستبصار. ويصوغ لذلك قاعدة رئيسة “المطلوب من المجاهدين أن يتقنوا الولوج للأحداث محافظين على جهادهم ومبادئهم، وأن يحذروا من تسلل شيء من (المفاهيم) المعوجة إليهم في غمرة الانشغال والانفعال مع التغيرات الكبرى المتسارعة المبهرة، وأن تكون مرتكزات مسيرتهم راسخةً في أذهانهم مصقولةً في تصوراتهم، وأن يكون همُّ المحافظة عليها وصيانتها وتدعيمها وزيادة ترسيخها فوق كل شيء”[12].

من الواضح أنّ “المعادلة” التي يضعها الليبي توازن بين أمور عدة؛ فهو من جهة لا يريد أن تبدو القاعدة وكأنّها الخاسر من هذه الثورات، بل يريد أن تظهر وكأنّها في المسار نفسه، ومن جهة ثانية، يدفع باتجاه المشاركة في الأحداث حتى تكون القاعدة جزءاً من الأحداث والتغييرات، لكن في المقابل هنالك الخشية من “الانبهار” بالثورات وما تؤول إليه، ما يضعف فكر القاعدة وخطابها، وهذا عين ما يخشاه الرجل ويحذّر منه في فقرات متعددة من مقالته.

في تعريفه لموقف القاعدة من الثورات؛ يستعين الليبي بمثل توضيحي: ·انتقال سجين منذ أمدٍ بعيد “مكبل الأيدي والأرجل داخل غرفة انفرادية ممنوع فيها من الكلام ولا يرى من النور إلاّ خيوط أشعةٍ رقيقة تخترق أحياناً ثقوباً من نافذتها..” إلى غرفة جماعية ضمته بعدد من (السجناء الأحرار) “·داخل زنزانتهم المتسعة فرأى النور، وتكلم مع رفقائه متى شاء، وصلى معهم جماعة، ودار معهم وسط غرفته الجديدة برجلين طليقتين من القيود..”[13].

إذن؛ هو التحول من “سجن أسوأ” إلى “سجن أفضل حالاً”، لكن ليس التحرر النهائي، الذي يراه الليبي فقط بتحكيم شرع الله كاملاً غير منقوص، “وأن كل حكم سواه – مهما زين في أعين الناظرين- لا يعدو أن يكون في الوصف الشرعي الخالص (حكماً جاهلياً)”.

بعد التأكيد على هدف تحكيم شرع الله، ينتهي الليبي – كما فعل صاحبه الظواهري- إلى التحذير من الأجندة الغربية والأميركية التي تحاول ركوب موجة الديمقراطيات العربية لهدفين رئيسين؛ الأول بألا يكون التغيير إسلامياً خالصاً،.. “·يعني الاستقلال التام في السياسات والقرارات وبناء العلاقات..”، والثاني بالتيقن من الحفاظ على المصالح الغربية في المنطقة، ومن ضمنها أمن إسرائيل.

يلخّص الليبي في نهاية مقالته هدف القاعدة، الذي يقابل الأهداف الغربية، كما يلي “المطلوب هو التفكير الجاد العميق المثمر في كيفية الاستفادة العملية لاستثمار أجواء الشجاعة والجرأة والتحدي والاندفاع التي تعيش هذه الشعوب نشوتها خلال هذه الفترة، لتوجّه معها إلى التغيير الحقيقي الذي نرنو إليه وهو إقامة حكم الله تعالى، من غير فوضى ولا ارتجال ولا سطحية أو تخليط حتى لا تكون النتائج عكسية..”[14].

الوثيقة الثالثة هي مقالة أنور العولقي، وهو المنظر الفكري لقاعدة اليوم في اليمن، ولديه قدرة خاصة في التأثير على الأنصار والأجيال المسلمة في الغرب، بل خصص لذلك مجلة ناطقة بالإنجليزية (إلهام)، وقد ساهمت حياته في الولايات المتحدة وتفاعله مع الأحداث هناك في صقل إمكانيات متميزة لديه بالتأثير على الجاليات المسلمة، بخاصة من خلال شبكة الإنترنت، وكان له دور في تجنيد كل من نضال مالك (الذي قتل عدداً من الجنود الأمريكان في قاعدة عسكرية بتكساس 2010) وعمر فاروق (الذي حاول تفجير طائرة ديترويت) وغيرهم ممن تأثروا بأفكاره[15].

في مقاله “تسونامي التغيير” (في العدد الخامس من مجلة إلهام) يبدو العولقي أكثر “براغماتيةً” من صاحبيه السابقين، بل وأكثر اطلاعا على القراءة الأميركية للثورات وتأثير القاعدة وتأثرها بها، مستشهداً بآراء وزيرة الخارجية الأميركية، هيلاري كلنتون، والخبير في شؤون الإرهاب بيتر بيرغن، والكاتب المعروف فريد زكريا[16].

الفرضية التي يحاجّ بها العولقي تتمثل بأنّ انهيار هذه النظم الحليفة مع الولايات المتحدة والمعادية لـ”المجاهدين” هو أولاً وأخيراً ·يخدم أهداف القاعدة ولا يضرّ بها، إذ يستبعد تماماً أن تأتي الأيام المقبلة بأنظمة شبيهة من حيث الخصائص والسمات بالأنظمة السابقة.

وبخلاف صاحبيه لا يشدّد العولقي على أهمية وضرورة أن تنتهي الثورات إلى حكم إسلامي، مع عدم وضوح· النتائج إلى الآن، لكن المهم أنّ ما يحدث سيمنح “المجاهدين” مساحة أوسع للحركة والدعوة “·نحن لا نعرف حتى الآن ما ستكون النتيجة، وهو ليس مطلوباً، ليس من الضروري أن تكون الحكومة الإسلامية هي النتيجة بالنسبة لنا لكي نعتقد أن ما يحدث هو خطوة في الاتجاه الصحيح. بغض النظر عن النتيجة، سواء كانت حكومة إسلامية أو أمثال البرادعي أو عمرو موسى أو شخصية أخرى عسكرية، وأيا كانت النتيجة، فإنّ إخواننا المجاهدين في تونس ومصر وليبيا وبقية العالم الإسلامي سيحصلون على فرصة للتنفس مرة أخرى بعد ثلاثة عقود من الاختناق”[17].

يراهن العولقي، إذن، على أنّ ما يحدث هو خطوة لصالح القاعدة، تخلصت فيها من أنظمة معادية وحليفة للغرب، وأنّ الحدّ الأدنى من المكاسب هو “فرصة” أفضل للعمل والنشاط، وصولاً إلى الهدف الأكبر، طالما أنّ هنالك ترجيح، كما يذهب لاحقاً، لقدرة التيارات الجهادية على البروز والعمل.

بالمقارنة، فإنّ العولقي يعطي الأولية والأهمية للفرص المترتبة على نجاح الثورات العربية بينما الليبي يرجّح جانب القلق والخوف من “الانبهار” وتراجع تأثير أيديولوجيا القاعدة.

انضم إلى ترحيب أولئك القادة الثلاثة زعيم القاعدة السابق نفسه، أسامة بن لادن، في رسالة سجّلها قبل أسبوع من مقتله على يد القوات الأميركية، وبثّتها القاعدة لاحقاً. مضمون الرسالة لم يحمل دلالات إضافية على ما قرأناه سابقاً من العولقي والليبي والظواهري، إذ اكتفى بالترحيب بـ”رياح التغيير”، ودعوة الشباب إلى الانخراط في التحركات الجديدة، محدداً الهدف النهائي بـ”التحرر من العبودية لأهواء الحكام والقوانين الوضعية والهيمنة الغربية”[18].

-2-

ملامح التكيف الأيديولوجي الجديد

في المحصلة؛ فإنّ الملحوظات الرئيسة على القراءات والفرضيات السابقة، التي يقدّمها لنا قادة مهمون في القاعدة، تتمثل في:

-······ أنّ القاعدة لا تعتبر هذه الأحداث مدعاة لمراجعة ما استقرت عليه أيديولوجياً، بقدر ما تسعى إلى الاستفادة من النتائج المترتبة عليه في عملها ودعوتها الفكرية والسياسية، باستثمار “المدى الأكبر” من اللحظة الراهنة، وعدم التصادم مع موجة التحرر الشعبية العربية.

-······ أنّ القاعدة لا تريد أن تظهر وكأنّها على طرف نقيض للثورات، بل يحرص قادتها على القول إنّ هنالك تكاملاً بين دورها ونشاطها وما أنجزته الثورات في مصر وتونس وليبيا وغيرها من دول، من خلال تأكيد القاعدة على “وحدة المعركة” التي تخوضها عالمياً مع الولايات المتحدة ومسار الثورات الشعبية التي تحرّر إرادة الشعوب من الأنظمة.

-······ أنّ الهدف الأول الذي تبدّى في “مرحلة ما بعد الثورات” يكمن في “تطبيق حكم الله” (الشريعة الإسلامية)، والذهاب بالثورات نحو الهوية والصفة الإسلامية، لتتقاطع مع أهداف القاعدة، التي تتمثل بوجود أنظمة ليست حليفة للغرب، ولا معادية للحركات الإسلامية، وتكون أكثر تقارباً مع أفكار القاعدة عموماً.

-······ بالرغم من تركيز القاعدة على عدم “التناقض” مع الثورات الجديدة، إلاّ أنّ هنالك قلقاً يبديه بعض قادتها من أن تؤثر الحالة الجديدة والانبهار بها (الديمقراطية) على تأييد القاعدة أو على أنصارها، ويضعف من قوة الأيديولوجيا (العالمية- الجهادية) التي تبنتها في السنوات الماضية.

– ·للمرة الأولى نجد في خطاب القاعدة عدم تركيز على “العامل الجهادي- المسلح” في التغيير، وتراجعه في هذه الدول من مرتبة “الهدف- أي القيام بعمليات عسكرية فقط للنكاية بالنظم والمصالح الأميركية” إلى “الوسيلة”، التي يمكن الاستعانة عنها بوسائل أخرى.

بدا جليّاً من خلال النصوص السابقة أنّ قادة القاعدة حاولوا القيام بعملية “تكيف أيديولوجي” من خلال الالتفاف على ما بينها وبين الثورات الديمقراطية الجديدة من اختلافات جلية في اختيار طريق التغيير، وفي الهدف من المطالبات، وسؤال العلاقة بين الدين والدولة.

بمقارنة “النصوص” السابقة لقيادات القاعدة بما استقرت عليه أيديولوجيتها خلال السنوات الأخيرة، نجد أنّ محاولة “التكيّف الأيديولوجي” التي قاموا بها، لا تمسّ البُنية الصلبة في أيديولوجيتهم: تحكيم الشريعة الإسلامية فريضة واجبة، التأكيد على العداء مع الولايات المتحدة والغرب واتهامهم بمعاداة إقامة الدولة الإسلامية المطلوبة، رفض وتكفير أي نظام غير النظام الإسلامي الصلب، التأكيد على أهمية الجهاد في مواجهة القوى الدولية.

التكيف أو الإزاحة الأيديولوجية التي نلحظها في النصوص السابقة حدثت تحديداً في التعامل مع ما طرحته الثورات الديمقراطية العربية من خيار “التغيير السلمي”، ما يخالف تماماً ما افترضته أيديولوجيا القاعدة من أنّ التغيير لا يقع إلاّ بالعمل المسلّح، وهو ما تجاوز قادة القاعدة الحديث عنه، قصداً، ولم يوحوا بأيّ درجة من درجات المراجعة لخيار العمل المسلّح، وما نجم عنه من نتائج فكرية وفقهية وصلت إليها أدبيات القاعدة لاحقاً، وما أدّى إليه من عمليات مسلحة في كثير من الدول.

ويمكن، هنا، ملاحظة أنّ حديث كل من الظواهري والليبي والعولقي وابن لادن عن الثورات الديمقراطية انصب على أهمية تجيير هذه الثورات لصالح التيار الإسلامي، مع القفز على ضرورة العمل المسلّح لتحقيق ذلك، كما تؤكد أغلب أدبيات القاعدة والجهاديين[19].

ما تقفز عنه نصوص قادة القاعدة، أيضاً، هو أنّ هذه الثورات الديمقراطية قامت وهي تعلن أنّها تسعى لإقامة أنظمة ديمقراطية تعددية، والتخلص من الحكم الشمولي، حتى القوى الإسلامية التي شاركت، وتحديداً جماعة الإخوان المسلمين، كانت قد أعلنت، وما تزال، تمسكها بإقامة أنظمة ديمقراطية، وهي بالضرورة أنظمة تختلف جذرياً عما تطرحه أيديولوجيا القاعدة.

هذه الفجوة بين الثورات العربية وبين ما تطرحه القاعدة يضع قادتها أمام السؤال المحوري؛ فيما لو قامت أنظمة ديمقراطية في الدول العربية، فكيف ستتعامل معها القاعدة، هل ستصر على العمل المسلّح أم تقبل بالدخول بدوامة العمل السياسي وبصناديق الاقتراع، مع ما يفرضه هذا القبول من مراجعة تتجاوز سلمية التغيير أم عسكرته إلى النظر في طبيعة رؤية القاعدة للدولة والحكم والعلاقة مع العالم، أي ما يمسّ البنية الصلبة من خطابها الأيديولوجي؟

من الملاحظ أنّ هنالك تبايناً بين النصوص السابقة في النظر إلى سيناريو التعامل مع أنظمة ديمقراطية، إذ يعيد الظواهري في رسالته التأكيد على رفض أي نظام آخر ليس إسلامياً، وكذلك الأمر يفعل الليبي، الذي يبدي قلقاً من “انبهار” أنصار التيار، بالثورات الديمقراطية، وتخليهم عن أفكارهم، فيما يقدّم العولقي صيغة مخففة عن القيادات السابقة، بإعلانه أنّ وصول الثورات إلى أنظمة ديمقراطية لا تبطن العداء، ابتداءً، مع القاعدة هو خيار أفضل من الأنظمة الحالية.

خلاصة القول؛ إنّنا أمام “محاولات” للتكيف مع عصر الثورات الديمقراطية العربية، من خلال تجييرها بما يخدم أهداف القاعدة، والقفز، آنياً، عما تثيره هذه الثورات من اختلافات جوهرية بين بنيتها وطبيعتها وأهدافها المعلنة وبين البنية الصلبة للخطاب الأيديولوجي للقاعدة.

-3-

اشتباك جديد مع “العمل العلني”

القراءة السابقة انعكست أيضاً على أوساط الجهاديين الأردنيين، الذين حاولوا الاستفادة من الثورات الديمقراطية العربية والخروج من “المربع الأمني” (أي التعامل معهم بوصفهم ظاهرة أمنية مزعجة) إلى اكتساب مساحات سياسية وإعلامية، عبر المسيرات والتظاهرات والاعتصامات، ما يمنحهم حضوراً إعلامياً، ويجعل التعامل الأمني معهم أكثر صعوبة، طالما أنّهم يعبّرون سلمياً عن مطالبهم ومواقفهم مثل التيارات والأحزاب الأخرى.

نجح الجهاديون في تنظيم مسيرات واعتصامات متعددة، منذ بداية آذار- مارس بمسيرة أمام المسجد الحسيني، وقد ظهر فيه التيار على درجة من القوة والحضور، وحظي بتغطية إعلامية غير مسبوقة، وهو ما أغرى قيادات التيار في الاستمرار بهذا الطريق، فنظّموا اعتصامات متتالية أمام مجلس رئاسة الوزراء، من ثم في المحافظات المختلفة، إربد، السلط، معان، قبل أن يقع صدام الزرقاء مع الأمن.

شعارات الجهاديين في مسيراتهم تراوحت بين الخطاب الأيديولوجي المعروف في الدعوة إلى تحكيم الشريعة الإسلامية، ومعاداة أميركا، وتأييد مواقف تنظيم القاعدة عالمياً، وبين المطالبة بالإفراج عن المحكومين من أبناء التيار وتحسين ظروف وجودهم في السجون، وبين رفع سقف النقد لسياسات النظام الأردني.

الجديد في هذه المسيرات والاعتصامات هو طغيان اللغة السياسية على خطابات التيار، بعد أن كان يتمترس عادةً وراء “المصطلحات الدينية” فقط، ما يعكس التأثير المباشر لبروز أسماء جديدة في التيار على درجة من التعليم والثقافة، بما يغاير الصورة التقليدية له[20].

نقطة التحول كانت مع أحداث 25 آذار- مارس عندما هاجم الأمن وجموع من المناوئين لحركة 24 آذار (مجموعة من الشباب المتنوع أيديولوجياً) الاعتصام المفتوح، الذي أقيم في ميدان جمال عبد الناصر، ونجم عنه مئات الإصابات ووفاة شخص، ثم خروج مسيرات الولاء التي تهاجم الأحزاب والمعارضة، ما خلق أجواءً من التوتر في البلاد[21].

الجهاديون قرّروا الاستمرار في فعالياتهم، والدفاع عن أنفسهم إذا تعرّضوا لما تعرضت له حركة 24 آذار (القريبة من جماعة الإخوان المسلمين)، وقد ارتفع منسوب الثقة بالنفس (لدى الجهاديين) عندما تفاوض مسؤولون معهم لإلغاء اعتصام لهم في ميدان جمال عبد الناصر نفسه مقابل الإفراج عن أربعة من أنصار التيار، وشعروا بأنّهم في موقع قوة للمرة الأولى في علاقتهم بالدولة والحكومة[22].

وارتفعت الروح المعنوية أكثر لديهم، عندما أعلن الملك في مدينة معان دراسة “عفو عام” عن المدانين في القضاء، مما فُهم أنه إشارة لعدد من أبناء المدينة مدانون مع أفراد السلفية الجهادية، في محكمة أمن الدولة[23].

ثمّ كانت أحداث الجمعة 15 نيسان- أبريل عندما أعلن الجهاديون عن مسيرة الزرقاء، وتم الاحتكاك بينهم وبين الحاضرين المناوئين، ثم الاشتباك مع رجال الأمن، الذي خلّف – وفقاً للرواية الرسمية- ثمانين إصابة من رجال الأمن، من بينها ضربات بالسيوف والخناجر والسلاح الأبيض، في المقابل حدثت إصابات عديدة لدى أفراد التيار، لم يتم تقديرها؛ لأنّ أغلبهم خشي من العلاج في المستشفيات كي لا يتعرّض للاعتقال[24].

في مساء الأحداث كانت الدولة تقدّم روايتها الإعلامية من خلال مؤتمر صحافي لمدير جهاز الأمن العام، ومن ثم بعد ساعات قامت بحملة اعتقالات واسعة طالت قرابة مائتين من أفراد التيار، وامتازت بدرجة كبيرة من القساوة والشدّة.

أعلنت الحكومة عن تحويل عدد كبير من المتهمين إلى محكمة أمن الدولة، قبل أن يتم الإفراج بكفالة – لاحقاً- عن أغلبهم، ومحاكمة البقية بتهم متعددة منها القيام بأعمال إرهابية وزرع الفتنة.

في رواية الجهاديين لأحداث الجمعة، فإنّهم يرون ما حدث بأنّه “كمين” نصب لأفراد التيار، وتم الإيقاع بهم من قبل الأجهزة الأمنية، وتحضير الرأي العام للحملة ضدهم، وتشويه صورتهم أمام المجتمع، وقد استُغلت صور بعض أفراد التيار وهم يحملون السيوف، لترهيب الرأي العام منهم[25].

ثمة قراءات متعددة لما حدث في الزرقاء، من بينها أنّ الدولة استثمرت تماماً تلك الحادثة لإجهاض المسيرات والتظاهرات الأخرى، وتأليب الرأي العام عليها، وهو ما نجحت به جزئياً، وقد خفت الحراك السياسي الشعبي بصورة ملحوظة بعد تلك الأحداث، بمعنى أن الدولة أعادت استخدام “الجهاديين” كفزّاعة من المسيرات والمطالب الشعبية بالإصلاح[26].

فيما تشير مصادر موثوقة من “السلفيين الجهاديين” أنّ هنالك اختلافاً داخلياً حدث حول مسيرة الزرقاء، قبل إقامتها، وذلك لوجود دلالات ومؤشرات على إمكانية الصدام، وهو ما دفع بأعداد من الجهاديين إلى الاستنكاف عن المشاركة، درءاً للأضرار التي يمكن أن تقع جرّاء ذلك[27].

-4-

“إعادة هيكلة” فكرية: الموقف من المسيرات والاعتصامات·

حملة الاعتقالات الواسعة التي تمّت مع أفراد التيار الجهادي بمثابة “ضربة أمنية” قاسية، بخاصة أنّها طاولت الأعداد الكبيرة الناشطة منهم. لكن قبل ذلك من الضروري الوقوف على النقاش الأيديولوجي داخل التيار نفسه بين مؤيدي المسيرات، الذين يرون أنّها تؤدي إلى خدمة أهداف التيار ومطالبه، والرافضين الذين يرون أنّ الحل الوحيد هو بالعمل المسلّح وأن مثل هذه المسيرات لا تفيد شيئاً.

الاختلاف يعود في جذوره إلى انقسام التيار بعد مقتل زعيم قاعدة العراق، الأردني أبو مصعب الزرقاوي (منتصف العام 2006) بين أتباعه ومؤيديه وأتباع شيخه أبو محمد المقدسي، الذي وجّه خلال السنوات الأخيرة “رسائل نقدية” لمنهج الزرقاوي في العراق، وفي الأردن. وقد طوّر المقدسي رؤيته بإعلان رفض تبني العمل المسلّح في الأردن، والتأكيد على أنّ “دعوته” تفضل العمل السلمي فقط، بينما تتطلع إلى نقل هذه الأفكار غرب النهر (أي فلسطين المحتلة).[28]

ويشير مصدر موثوق داخل التيار أنّ هنالك ميثاقاً كان المقدسي قد أعده مع الشخصيات المؤثرة في التيار، يتضمن محاور رئيسة عن سلمية الدعوة في الأردن، وبعض الأحكام التي تساعد على تجنب الصدام مع الدولة والقدرة على التعبير عن طبيعة “الدعوة السلفية الجهادية” وصيغتها المستقبلية[29].

وبالرغم من اعتقال أبو محمد المقدسي (لاحقاً) ومحاكمته على خلفية الاتهام بدعم حركة طالبان الأفغانية، من خلال التجنيد والدعم المالي، فإنّ رؤيته تأطرت بصورة أكثر وضوحاً في الفترة اللاحقة، من خلال “مفاتيح” تنظيمية أخرى في التيار، وقد أفصحت عن ذلك في المقابلات والحوارات الصحافية خلال فترة المسيرات وما بعدها[30].

لا يبتعد انعكاس الثورات الديمقراطية العربية على فكر السلفية الجهادية في الأردن كثيراً عمّا رسمه قادة القاعدة عالمياً، كما تحدثنا سابقاً، فهم يصرون على أيديولوجيا الحاكمية والتغيير الإسلامي الجذري، ويرفضون النظام الديمقراطي بوصفه بديلاً عن الحكم الإسلامي، لكنهم يحاولون استثمار هذه اللحظة التاريخية، من التحركات الشعبية، للإعلان عن دعوتهم ومطالبهم.

يقود هذا الاتجاه شيخ التيار المسجون الآن، أبو محمد المقدسي، الذي يدعو أفراد التيار، في سورية، إلى الانخراط في التظاهرات والمسيرات الحالية هناك لإسقاط نظام بشار الأسد: “بما أنه ليس لديكم القوة ما يمكّنكم من إسقاط النظام فلا مفر من دعم هذه الهبة الشعبية والانخراط في صفوف المتظاهرين. وأهم ما في المظاهرات أنّها تجنّد الشعب كله ضد النظام”[31].

ويقترب المقدسي من موقف العولقي في تأييده الانخراط في الثورة الشعبية حتى وإن لم تؤدِّ إلى “الحكم الإسلامي”، بالضرورة كما هي الحال في سورية، وربما نظام ديمقراطي، إلاّ أنّ ذلك قد يؤدي إلى “فتح باب الحريات أمام الدعوة مما يمهّد الالتزام ومن ثم المطالبة بتطبيق شرع الله”[32].

ويتجاوز المقدسي غيره من قيادات جهادية عندما يعتبر المشاركة في التظاهرات “متعينة على كل قادر من المسلمين”، حتى لو أدى ذلك إلى “سقوط بعض القتلى”[33].

يمكن بمقارنة رأي المقدسي بآراء الظواهري والعولقي والليبي التقاط إجماع هؤلاء بأنّ الثورة الديمقراطية هي خطوة باتجاه الهدف الحقيقي للجهاديين في “إقامة نظام حكم يطبق شرع الله”، فهم يعتبرون – ضمناً أو صراحةً- النظام الديمقراطي أفضل من الأنظمة الدكتاتورية العربية الحالية، لما يمنحه من حريات ومساحات للدعوة الإسلامية مقارنة بالتضييق من النظام الرسمي العربي الحالي.

وبالرغم من أنّ أحد “القيادات” المعروفة للجهاديين في الأردن، عبد القادر الطحاوي أعاد في يومية السبيل التأكيد على المقولات الأيديولوجية للتيار، في كثير من المواضع، إلاّ أنّه – في المقابل- طرح آراء أكثر تفصيلاً عن تصورهم للثورات الديمقراطية. فهو يتفق – ابتداءً- بأنّ موجة التغييرات التي “فجّرها بوعزيزي” (يقصد الشاب التونسي الذي أحرق نفسه وكان ذلك شرارة الثورة التونسية وإسقاط نظام حكم زين العابدين) قد “غيّرت خريطة المنطقة بأكملها”، ويؤكد: “نحن مع هذا التغيير، وإن كنا نطمح أن يكون تغييراً جذرياً، وأن تكون كلمة الله هي العليا وأن يكون الدين كله لله، لكننا مع هذه التغيرات وإن كانت دون المطلوب[34]”، ويعتبر أنّ الفائدة الأساسية المترتبة عليها أنها منحت الشعوب فسحة من الحرية وأزالت حاجز الأنظمة التي منعت من إيصال الدعوة إلى الناس.

ثم يموضع الطحاوي المرحلة القادمة ضمن نسق الصراع بين التيارين الإسلامي والعلماني فيمن يقود الأنظمة ويفرض مفاهيمه على الشارع.

وفي سياق إجابته عن نجاعة المنهج السلمي الذي اعتمدته الثورات، يجيب: “·نحن لا نتحدث عن المنهجية، بل عن الوسائل، فما قامت به هذه الثورات هي وسائل، والسؤال المطروح: هل هذه الوسائل مشروعة في دين الله؟ الجواب: نعم، هذه وسيلة من وسائل التغيير المشروعة إذ لم يرد نص في تحريمها”[35]. لكن عند محاولة الحصول من الرجل على مفاضلة بين “الوسائل السلمية” (الثورات الديمقراطية العربية) والوسائل الأخرى (العمل المسلح لدى القاعدة)، يجيب محتفظاً بالخيارين: “هناك وسائل كثيرة تستخدم إذا توفرت القدرة، أما إذا غاب شرط القدرة فإننا نلجأ حينئذٍ إلى وسائل أخرى نستطيع من خلالها إيصال المفاهيم الصحيحة للناس”[36].

النص السابق يكشف أنّ الطحاوي لم يُرد أن يسقط في إجابته الخيار المسلّح نهائياً، وقد ربطه بالقدرة، هو ما يختلف عن تصريحات لأحد الشخصيات القيادية في التيار، الطبيب صلاح العناني، الذي يوضّح بصورة قطعية، غير ملتبسة، كقيادات جهادية أخرى، رفض استخدام العمل المسّلح في الأردن بقوله “التيار يرفض أي أعمال عنف على الأراضي الأردنية”[37]، بل ويذهب العناني إلى حسم قاعدة العمل المسلح وتحديده ضمن نطاق معين، بقوله “حلبة الجهاد مقتصرة على قتال الصهاينة والاحتلال في أفغانستان والعراق، وغيرها من دول الإسلام التي تعيش تحت نير الاستبداد الأجنبي”[38].

التصريحات المهمة للعناني تخرج بمسار السلفية الجهادية الأردنية عن المنهج المعتمد لدى القاعدة، فهو لم يحدّد كما فعل غيره حديثه ضمن التجاوب مع تداعيات الثورة الديمقراطية العربية، بل حدّد ساحة العمل المسلح (الجهاد) ضمن الدول التي تقع تحت الاحتلال، وليس نطاق التغيير السياسي في الدول التي تطالب فيها الحركات بتطبيق الشريعة الإسلامية.

بالعودة إلى شيخ التيار أبو محمد المقدسي؛ فإنّنا نجد أنه لم يتبنّ أي عملية مسلحة على الأراضي الأردنية، بل وأعلن سابقاً اختلافه مع الزرقاوي فيما قام به الأخير من عمليات مسلحة في الأردن، لكن في الوقت نفسه فإنّ المقدسي لم يُدن تلك العمليات من حيث المبدأ، ولم يعلن منع العمليات بصورة حاسمة ومبدئية، وإنّما ترك الباب موارباً وفضّل ربط المسألة بشرط القدرة والاستطاعة وبمبدأ المصالح والمفاسد، كما فعل الطحاوي[39].

-5-·

“المراوحة الأيديولوجية”: بين القاعدة والمراجعات·

لا نقرأ في التصريحات والنصوص السابقة لقادة “السلفية الجهادية” في الأردن تراجعات أيديولوجية أو تخلّياً عن منهج التغيير، الذي رسمته القاعدة خلال السنوات الأخيرة، بل هنالك “مشاكلة” في هذه النصوص مع ما قرأناه من نصوص لقادة القاعدة (الظواهري، العولقي، الليبي) في الحفاظ على البنية النظرية الأيديولوجية مع محاولة استثمار اللحظة الحالية التي تتيحها الثورات العربية تكتيكياً، من خلال توسيع مجال حركتها ودعوتها وأنصارها.

وبالرغم من بعض الإشارات هنا أو هناك لدى جهاديي الأردن، وتحديداً تعريف صلاح العناني لمفهوم الجهاد وحدوده، إلاّ أنّها لم تصل إلى مستوى “المراجعات”، التي قامت بها الجماعة الإسلامية في مصر أو تنظيم الجهاد[40] أو حتى الجماعة السلفية المقاتلة في ليبيا[41]، وجميعها مراجعات حملت نقد المرحلة السابقة وتفنيدها والاعتراف بالأخطاء التي تمّت فيها، والتأكيد على عدم مشروعية التغيير المسلح بالمطلق، بل وقامت الجماعة الإسلامية المصرية بالاعتذار للشعب المصري عن الدماء التي سالت هناك.

مع ذلك، فإنّ هنالك تطوراً نوعياً في المشهد الأردني يتمثل في مفهوم “سلمية الدعوة”، يمكن استنباطه من الجمع بين نصوص المقدسي وتصريحات كل من العناني والطحاوي من جهة، والمسار الذي اختطه المقدسي مؤخراً بالابتعاد عن خط الزرقاوي، وتقديم خطاب يحمل ضمنياً المبادئ “السلمية للدعوة”، في خلاف واضح مع التيار الآخر الذي أصرّ على الإمساك بميراث الزرقاوي وبالعمل المسلّح والولاء المطلق لأيديولوجيا القاعدة.

ما هو مؤكّد أنّ المقدسي لم يقبل القيام بمراجعات أيديولوجية شبيهة بالجماعة الإسلامية المصرية، بل ألمح إلى انتقادها وإصراره على منهجه الذي يكفّر الحكام والأنظمة والدساتير[42]، بما فيها النظام السعودي الذي يشتكي من التأثير الأيديولوجي للمقدسي على الشباب المتأثر بالقاعدة.

في المحصلة؛ نحن أمام مراوحة بين الإيمان المطلق بالأيديولوجيا السلفية الجهادية، وتحديداً بشقها المتعلق بتكفير النظم العربية الحالية من جهة، القبول مرحلياً بإعلان سلمية الدعوة وعدم استخدام السلاح في الأردن، من دون الإقرار من حيث المبدأ برفض التغيير المسلّح في التغيير السياسي، وإن كنا قد رأينا مثل الطبيب صلاح العناني يصّرح بتحديد الجهاد فقط في مربع مقاومة الاحتلال، وهو مؤشر على اتجاهات التطور والتغير في التيار.

هذا الموقف الفكري يمكن استثماره من قبل الجهات الرسمية بالطلب من قيادات التيار التوقيع على وثيقة تضمن رفض العمل المسلّح على الأراضي الأردنية وسلمية الدعوة، وهو ما قد ينعكس لاحقاً بتطورات أخرى على صعيد خطاب التيار وعلاقته بالحكومة والمجتمع والقوى السياسية الأخرى، لكن في حدود الإطار الأيديولوجي العام له، مع التأكيد على حقه بالتعبير برغم خطابه الراديكالي.·

بالضرورة لا نتوقع تطوراً أيديولوجياً شبيهاً بما تحقق مع جماعة الإخوان المسلمين، التي أعلنت إيمانها باللعبة الديمقراطية والتعددية والنظام الملكي، وأعادت إنتاج جزء كبير من خطابها السياسي ضمن المحدد الديمقراطي. ذلك أنّ الفرق كبير بين البنية الحركية والخطاب الأيديولوجي الأخواني، الذي يتخذ طابعاً أقرب إلى الاجتماعي والثقافي المرن وبين التيار السلفي الجهادي الذي يتأسس على جذور أيديولوجية دينية صلبة، تفتقد إلى المرونة الإخوانية.

لا نتوقع، مثلاً، أن يعلن المقدسي في أيّ وقت من الأوقات إيمانه باللعبة الديمقراطية وبالتخلي عن معتقداته في تكفير الدساتير والحكومات وبالبراغماتية السياسية، كما هي الحال بالنسبة للإخوان، لكن في المقابل، فإنّ·تيار المقدسي يمكن أن يتحول إلى جناح يميني محافظ في المجتمع الأردني، يؤكد دوماً على الالتزام بأحكام الشريعة الإسلامية والأخلاق الفاضلة، ويدفع بهذا الاتجاه، من دون الوصول إلى استخدام العنف أو السلاح، فهذا أقصى مدى يمكن الوصول إليه مع هذا التيار.

-6-·

سؤال القوة والحضور: افتقاد “الحاضنة الاجتماعية”·

أحد الأسئلة الرئيسة التي تلت حملة الاعتقالات الكبيرة بحق أفراد التيار بعد أحداث الزرقاء يتمثّل فيما إذا كان هنالك رد فعل متوقع من التيار على الاعتقالات؟ وما هو حجمه الحقيقي في الساحة الأردنية؟ وأين هي أماكن انتشاره وحضوره؟

لا توجد أرقام ومعلومات دقيقة عن حجم التيار وأفراده، كما لا تقدّم الجهات الرسمية أي بيانات أو معلومات تساعد الباحثين والمراقبين، بقدر ما تحاول إبقاء الملف طي الغموض والسرية، وهو ما يجعل من مسألة التقدير والمقاربة أكثر صعوبة وتعتمد على قدر أكبر من الجهد والتحليل، وعلى مؤشرات متنوعة ومتعددة.

المؤشر الأول أننا لسنا أمام تيار هيراركي أو تنظيمي بالمعني الحرفي للكلمة، بقدر ما إننا أمام مجموعات متعددة تنتمي وتوالي التيار، تتوزع جغرافياً بين “بؤر” متعددة، ولها “شخصيات قيادية”، ومع ذلك فإنّها ليست موحّدة دائماً، وكثيراً ما تواجه انقسامات انشطارية إلى مجموعات صغيرة، لكل منها موقف ورأي، وإن كانت جميعها تلتقي تحت المظلة الأيديولوجية نفسها.

وفقاً لتقسيم المسيرات والتظاهرات الأخيرة والمناطق التي تأتي منها المجموعات التي تمت محاكمتها أمام محكمة أمن الدولة خلال السنوات الماضية، فإنّنا أمام بؤر رئيسة تتمثل في الزرقاء، ومخيم إربد، ومخيم البقعة، وبعض مناطق عمان الشرقية، والسلط ومعان.

المؤشر الثاني، حول الأعداد، تشير إليه أرقام رسمية قريبة مع أرقام يقدّمها أنصار التيار أنفسهم. ففي المسيرات الأخيرة كان العدد يتراوح بين 300 شخص إلى 500 شخص، وهم أغلب أعضاء “النواة الصلبة” في التيار، مع بقاء عشرات، بين 100-200 يرفضون المسيرات أو لا يرغبون في المشاركة العلنية، ويصرون على البقاء بعيداً عن الرقابة الأمنية، ويضاف إليهم بحدود 100- 150 شخص من أعضاء التيار موجدين في السجون ( “المهاجع” التي ينتمي إليها التيار).

ضمن هذه المسافات من التقديرات؛ فعلى الأغلب أنّ النواة الصلبة وما يدور حولها في التيار تقع بين 800-1200 شخص، ربما يضاف إليهم أفراد موزعون هنا أو هناك يمارسون “تقية سياسية” على أفكارهم الأيديولوجية، أو لا يشاركون في نشاطات التيار وتجمعاته لكنهم يؤمنون بمواقفه وأفكاره.

المؤشر الثالث، وهو الأهم والأكثر حسماً وتأثيراً، ويتمثّل في أنّ التيار لا يمتلك “حاضنة اجتماعية” في الأردن، ما يجعله محدوداً وهامشياً، وليس مؤثراً ولا فاعلاً اجتماعياً.

والمقصود بـ”الحاضنة الاجتماعية” هنا؛ البيئة الاجتماعية الصديقة للتيار، التي تتوافر على الشروط التي تساعده على البقاء والاختباء والاحتماء، وتعويض الخسارات.

الأمثلة على “الحاضنة الاجتماعية” عديدة، وتحديداً في المناطق القبلية للقاعدة، كما هي الحال لدى أهل السنة في العراق سابقاً، وقبائل البشتون، وإقليم وزير ستان في باكستان حالياً، وبعض القبائل الجنوبية لليمن، وقبائل في الصومال مع الشباب المجاهدين.

وبرغم حضور التيار في المخيمات الفلسطينية، إلاّ أنّ البيئة الاجتماعية للمخيمات لا تمنحه الشرعية أو الشعبية، وما يزال رهانها السياسي أقرب إلى جماعة الإخوان المسلمين أو الوقوف على الحياد، كما أنّ حضور التيار في مناطق عشائرية، كما هي الحال في مدينة السلط ومعان ما يزال محدوداً وهامشياً، ولا يتوافر على قواعد اجتماعية داعمة.

-7-

صف قيادي جديد- مختلف

برز خلال المسيرات والتظاهرات الأخيرة عدد من الشخصيات القيادية في التيار، وتتميّز عن النموذج العام السائد فيه، بأنّها تحمل درجات علمية وأكاديمية عالية، وهي ملاحظة جديرة بالاهتمام، بخاصة عند مناقشة: فيما إذا كانت هذه الشخصيات قادرة على الاتجاه بالتيار نحو مسار أكثر سلمية ورشداً من المسار الحالي.

النمط الجديد من القيادات نجم عن اندماج مجموعة القادمين من خارج الأجواء التقليدية للتيار مع قيادات أخرى، متحالفة مع المقدسي، وتمثّل أبرز وجوهه في المحافظات.

التأثير المباشر لاندماج الوجوه القديمة والجديدة وبلورة الصف الحالي من القيادات يتمثل في بروز ما يسمى بالخط الدعوي؛ أي التركيز على الانتشار والدعوة والحركة السلمية والابتعاد تماماً عن العمل المسلّح في الأردن، وكذلك في التراجع عن أفكار معينة كانت تحول دون التيار والانخراط في المجتمع، مثل: تعليم الأبناء في المدارس، والصلاة في مساجد الأوقاف، والموقف من فئات اجتماعية مختلفة.

أبرز الشخصيات الجديدة ؛ د. إياد قنيبي، د. سعد الحنيطي، صلاح العناني، د. أيمن البلوي (شقيق أبو دجانه الخراساني)، منيف سماره.

أما الوجوه التقليدية؛ فمن أبرزها: أبو محمد المقدسي، المهندس جرّاح رحاحله، لقمان ريالات، د. عبد القادر الطحاوي، ، وسام العموش، رشاد شتيوي.

في مقدمة الوجوه الجديدة المعروفة:

– د. إياد عبد الحافظ قنيبي، سكان عمان، من مواليد العام 1975، حاصل على الدكتوراه في الصيدلة من جامعة هيوستن في الولايات المتحدة، ومارس البحث العلمي في تكساس خلال 2000-2003، يقوم بالتدريس في جامعة العلوم التطبيقية علم الأدوية، وله مساهمات في الشعر والأدب، وكان خطيباً لمسجد في عمان إلى أن تم إيقافه عن الخطابة في العام 2010، متزوج ولديه أربعة أبناء.

يحاكم، حالياً، مع أبو محمد المقدسي وآخرين في محكمة أمن الدولة بتهمة إرسال أموال لحركة طالبان، والعمل على تجنيد متطوعين للقتال معها.

له موقع إلكتروني يطلق عليه الفرقان·http://al-furqan.org/PR/default.aspx، يتضمن خطبه ومحاضراته وأفكاره ومواقفه، ويديره الآن مريدوه، وهو في السجن، ويظهر تأثره بأفكار سيد قطب، وتأييده للجهاد وتطبيق الشريعة الإسلامية، من دون الإفصاح تماماً عن رؤيته للتغيير السياسي أو مدى إيمانه بالعمل المسلح، ولم يكن محسوباً إلى حين اعتقاله، ولا أتباعه، على تيار السلفية الجهادية.

– د. أيمن البلوي، وهو شقيق أبو دجانه الخراساني، الأردني الذي قام بتفجير خوست المعروف، ما أدى إلى قتل ثمانية من ضباط الاستخبارات الأميركية مع ضابط أردني[43]. وأيمن حاصل على الدكتوراه في الشريعة الإسلامية، من الجامعة الأردنية في الفقه الإسلامي مؤخراً، ومن المقربين من د. إياد القنيبي، وقد أطلق حملة على الفيس بوك لإطلاق سراح القنيبي[44]، وحملة أخرى بعنوان “شرع” لتطبيق الشريعة الإسلامية[45].

هو الآخر لم يعرف عن التقائه مع السلفية الجهادية سابقاً، لكنه شارك في اعتصام لهم أمام رئاسة الوزراء، وألقى كلمة حذّر فيها من سياسة الاعتقالات والتعذيب، وألمح إلى ملاحقة ضباط المخابرات العامة سياسياً وقانونياً وإعلامياً، ما استفز الأجهزة الأمنية، كما يرى شقيقه، وقامت باعتقاله وتوجيه جملة من الاتهامات إليه.

د. سعد الحنيطي، حاصل على الدكتوراه في التربية من أوكرانيا، في مستهل الأربعينيات من عمره، متزوج، ومن سكان منطقة أبو علندا، من العشائر البدوية الأردنية.

له مؤلف وحيد، وهو رسالته في الماجستير في جامعة آل البيت في محافظة المفرق في التاريخ الإسلامي، حول العلاقة بين الفقهاء والأمراء، ولم يعرف سابقاً بانتمائه للسلفية الجهادية، لكنه برز في المسيرات الأخيرة، وقام بإلقاء مجموعة من الكلمات ذات الطابع السياسي الحاد، متحدثاً عن العلاقة مع إسرائيل والفساد والأجهزة الأمنية، وتحدث عبر الفضائيات، قبل أن يتم اعتقاله غداة أحداث الزرقاء في منزله، بعد أن أعلن أنّ سيارته تعرضت لإطلاق رصاص، حينما كان يتجه لعقد مؤتمر صحافي.

اعتُقل الحنيطي قبل ذلك بأشهر عديدة، عندما ألّف رسالة تذهب إلى حرمة مشاركة القوات الأردنية في أفغانستان مع القوات الأميركية، وقد رفضت “المكتبة الوطنية” إجازتها، وانتهى به الأمر إلى الاعتقال في دائرة المخابرات العامة قرابة عشرين يوماً.

– الطبيب منيف سماره، من مواليد العام 1964، يعمل في عيادة طب عام في حي الزواهرة في الزرقاء، وقد تعرّضت عيادته إلى تكسير واعتداء من قبل “أفراد مدنيين” احتجاجاً على علاقته بالتيار السلفي الجهادي[46].

التقى سماره مع الأفكار الجهادية في الفليبين في أثناء دراسته الطب هناك (1985-1995)، ثم اعتقل في المطار عند عودته من هناك في العام 1997، لمدة أسبوع، وقد كتب رسالةً غير منشورة بعنوان “المقدسي الثروة الوطنية المهدورة”، ويتحدث فيها عن مسار التحول الذي يخطه المقدسي، في محاولة لإقناع “الشباب الجهادي” بالابتعاد عن العمل المسلّح في الأردن، وحماية المسار السلمي للدعوة السلفية الجهادية.

ومن الشخصيات الجديدة، أيضاً، صلاح عناني، طبيب يعمل في مستشفى معان الحكومي، وقد درس في الفليبين الطب، وعاد الى الأردن متأثراً بالأفكار الجهادية، وهو أحد أعضاء اللجنة الشعبية في الدفاع عن معتقلي السلفية الجهادية، مع الشخصيات الأخرى، وقام بدور رئيس في امتصاص ردود الفعل الغاضبة لدى أبناء التيار بعد الاعتقالات التي تلت صدامات الجمعة مع الأمن.

أما عن الشخصيات القيادية التقليدية:

عبد القادر شحاده الطحاوي “أبو محمد” في العقد الخامس، كان يعمل مدرّساً في السعودية، ثم عاد إلى الأردن مع حرب الخليج العام 1991، اعتُقل وتمت محاكمته في قضايا مختلفة، أبرزها تنظيم الطحاوي، الذي اتّهم بالتخطيط لقتل ضباط مخابرات والاعتداء على صحافيين وسياسيين وأهداف أخرى.

– جرّاح الرحاحله، مهندس، ومن الوجوه التقليدية في السلفية الجهادية، من مدينة السلط، متزوج وله عدد من الأبناء، في الخمسينيات من عمره، اعتُقل مرات عديدة على خلفية مواقفه وأفكاره الجهادية.

-· لقمان ريالات، من الفاعلين في مدينة السلط، حاصل على درجة البكالوريوس في العلوم السياسية من الجامعة الأردنية، في نهاية العقد الثالث من العمر، اعتقل مرات عدة.

– وسام العموش (أبو عبيده)، من عشيرة بني حسن المعروفة، وهو إمام مسجد في حي ماركا الشمالية في عمان، كان معتقلاً في الخارج، وقد فُصل من وظيفته بعد مشاركة التيار في المسيرات الأخيرة.

-8-·

ما وراء تراجع العمل المسلّح·

شهد النشاط الأمني والعمليات المسلّحة للتيار هبوطاً ملحوظاً في الأعوام الأخيرة، ولم يتم الإعلان رسمياً عن عمليات أو مجموعات كبرى شبيهة بتلك التي برزت في الأعوام بين 2000- 2006.

وبالعودة إلى تاريخ النشاط الأمني والعسكري للسلفية الجهادية في الأردن، نجد أنّها مرّت بمراحل زمنية متباينة، لكل مرحلة خصوصيتها وطبيعتها، منذ الإعلان الأول عن ولادة هذا التيار عبر إعلان الحكومة القبض على أعضاء تنظيم بيعة الإمام، الذي كان يضم شخصيات لعبت دوراً قيادياً فيه، مثل أبو محمد المقدسي نفسه، أبو مصعب الزرقاوي وغيرهم.

قبل ذلك كان العمل المسلّح ينتمي إلى روافد مختلفة، مثل قضية الأفغان الأردنيين، أو جيش محمد أو غيره من قضايا بدأ زخمها مع التسعينيات في الساحة المحلية، قبل ذلك كانت التنظيمات السرية تركز على دعم القضية الفلسطينية (عبر الحدود).

المرحلة الأولى من بيعة الإمام إلى هجرة الزرقاوي: منذ منتصف التسعينيات، بدأ اسم المقدسي (العائد من الخليج، وصاحب المنشورات والكتب السرية) يبرز في أوساط الشباب الإسلامي المتأثر بأفكار الحاكمية وسيد قطب وغيرهم، ولم تكن شخصيته معروفة أو محددة تماماً لأغلب هؤلاء إلى حين تم إعلان إلقاء القبض عليه مع تنظيم “بيعة الإمام” في منتصف التسعينيات، ومحاكمتهم في العام 1996.

المفارقة أنّ مرحلة السجن شكّلت نقطة انطلاق وانتشار لأنصار التيار، وتعرّف كثيرون على أفكار وكتب المقدسي خلال هذه الفترة، التي كانت بمثابة تجنيد وانتشار له، في الوقت الذي بدأت تبرز فيه تنظيمات أخرى تحت الإطار الأيديولوجي نفسه، كما هي الحال في تنظيم “الإصلاح والتحدي” (1997) واتّهم أبو قتادة الفلسطيني بقيادة التيار ودعمه من لندن، قبل أن تسقط محكمة التمييز في العالم التالي المسؤولية عن أبناء التيار. وظهرت مجموعات شبيهة أخرى مثل “التجديد الإسلامي”، و”تفجير مخابرات مخيم البقعة” (1998).

خلال تلك الفترة؛ برزت تنظيمات أمنية ومسلّحة أخرى لا تنتمي للسلفية الجهادية، كما هي الحال في مجموعة متفجرات عجلون، والاعتداء على الدبلوماسي الفرنسي في الموجب، وتنظيم جامعة مؤته العسكرية، الذين برأتهم أيضاً محكمة التمييز (وكانوا متأثرين بأفكار سيد قطب وبحزب التحرير)[47].

المرحلة الثانية منذ العام 1999 إلى احتلال العراق: وشهدت هذه الفترة تنقل الزرقاوي بين أفغانستان والعراق، وإشرافه بنفسه على الترتيب والإعداد لعدد من العمليات الكبرى، التي فشلت في تحقيق أهدافها، واتسمت هذه المرحلة بسمات رئيسة عدة[48]:

– ازدواجية النشاط والعمل؛ إذ بدأ الزرقاوي بتنظيم مجموعات لتنفيذ عمليات مسلحة، بعض أفرادها من الداخل والآخر من الخارج، ويتولى هو ومجموعته الإعداد والتنسيق والتخطيط لها، في المقابل اتسمت الحركة في الأردن بطابع هلامي ضبابي، بعض الأفراد منظم، والآخر مرتبط بالزرقاوي وموالٍ له، وآخرون اكتفوا بالدعوة إلى هذا الخطاب والتعبئة الاجتماعية نحوه، ويبدو أنّ هنالك محاولات اتخذت طابعاً محلياً، واعتمدت على تخطيط ذاتي محدود تنظيمياً، وإن كانت تنتمي فكرياً لتنظيم القاعدة.

– برز الزرقاوي باعتباره زعيماً متفرداً للتيار، يحظى بالتأييد والولاء والإعجاب، بينما تراجع حضور المقدسي ودوره حتى على مستوى التنظير الفقهي والفكري، فضلاً عن استمرار اعتقاله وسجنه أغلب تلك الفترة على خلفية قضايا مختلفة، على الرغم من تبرئته منها جميعها.

– شهدت هذه المرحلة هجرة كبيرة من الداخل إلى الخارج، فبعض الأفراد حاول الالتحاق بالزرقاوي في أفغانستان، والبعض الآخر، بخاصة أبناء السلط عملوا على الالتحاق برائد خريسات (أبو عبد الرحمن الشامي) في شمال العراق في منطقة كردستان، وكانت عمليات الخروج تتم في الأغلب الأعم من خلال سورية إلى تركيا وصولاً إلى إيران أو العراق أو أفغانستان.

– الترتيب والإعداد للعمليات، خلال هذه المرحلة، أصبح أكثر احترافاً من المرحلة السابقة (ما قبل خروج الزرقاوي من الأردن)، لكنها بقيت أقل تعقيداً وقدرة من العمليات التي جرت بعد احتلال العراق.

يمثل ما سمي بـ”تنظيم القاعدة العام 2000″ أو “مؤامرة الألفية” أحد أبرز تلك المجموعات الكبيرة، التي ظهرت خلال تلك السنوات، فقد كان هدف التنظيم، وفقاً للتهم الموجهة إليه، القيام بعملياتٍ عسكريةٍ ضد منشآت سياحيّة، وتم الإعلان عن توجيه تهم لـ 28 شخصاً، حوكم 16 منهم حضوريًّا، وفي مقدمتهم خضر أبو هوشر، أما الفارون ففي مقدمتهم أبو زبيدة، وأبو قتادة، والزرقاوي، وتم اعتقال المقدسي على خلفيّة هذا التّنظيم إلا أن المحكمة برأته فيما بعد، كما تسلّم الأردن خليل الديك من باكستان الذي أتهم بالتّورط بالتَّخطيط مع أبو زبيدة، إلا أنه أفرج عنه لاحقًا لعدم توافر الأدلة الكافية.

كانت الأهداف المزمع ضربها ضخمةً كاستهداف فندق راديسون ساس في عمّان، والمكان الذي عُمّد فيه المسيح على ضفة نهر الأردن، وجسر الملك حسين الذي يربط الأردن بإسرائيل، وهذه من أكبر القضايا من حيث عدد المتهمين من جنسياتٍ مختلفةٍ، وبتنسيق بين أبو زبيدة الفلسطيني، والزّرقاوي، وخالد العاروري، واتُهم فيها زعيم جماعة “أنصار الإسلام” الكردية، نجم الدين فرج أحمد المعروف باسم “الملا كريكار”، وقد حُكم على الزَّرقاوي بخمسة عشر عامًا غيابيًّا.

في ذيل هذه القضية جاءت قضية ما عرف بـ”أنصار الإسلام” (2003) واتُهم فيها عدد من الأردنيين والعراقيين من الأكراد ومن جنسيات أخرى. ومن القضايا المهمة اغتيال الدبلوماسي الأميركي لورنس فولي (2002).

وكذلك قضية ما سمي بالحركة السلفية بالمفرق، واتُهم فيها المقدسي (لكن المحكمة برأته، مع بقائه رهن الاعتقال)، وقضية محمد الشلبي “أبو سياف” (مفتاح هذا التيار في مدينة معان)، وأفراده موزعون بين المفرق ومعان والزرقاء والخارج.

ومن أبرز القضايا محاولة اغتيال رئيس مكافحة الإرهاب في دائرة المخابرات العامة (شباط- فبراير 2002)، واتُهم بها سبعة أشخاص، وأسفرت عن مقتل وافدين؛ الأول عراقي، والثاني مصري.

وبرزت هنالك محاولات، ذات صبغة محلية أكبر، كما هو حال ما سمي بتنظيم “الخلايا” (2002)، وأغلب أفراده من سكان عمان الشرقية، بالإضافة إلى استمرار محاولات التسلل إلى الضفة الغربية للقيام بعمليات عسكرية ضد اسرائيل.

المرحلة الثالثة: صعود قاعدة العراق وانعكاساته على الأردن: منذ الأعوام 2004 إلى 2006، برز نجم أبو مصعب الزرقاوي في العراق بعد الاحتلال، وتمكّن من تكوين منظمة القاعدة هناك، التي أصبحت لاحقاً مركزياً إقليمياً يصدّر الأفراد ويستقبلهم، ومتعدد الجنسيات.

تلك “المرحلة الذهبية” للقاعدة في العراق، وبخاصة منذ العام 2004 إلى آواخر 2005، انعكست بصورة كبيرة وفاعلة على الأردن بخاصة، والمنطقة بعامة، فقد أدّى هذا الصعود إلى تحول كامل في البيئة الأمنية الإقليمية بأسرها. وقد بدت القاعدة أشد خطورة وأكثر احترافاً وتعقيداً وقدرة على التأثير على الحالة الأمنية في الأردن من المراحل السابقة كافة.

أخطر العمليات التي تعرّض لها الأردن خلال هذه المرحلة كانت تفجيرات عمّان (9-11-2005)، لكن سبقها أيضاً محاولات لا تقل خطورة إلا أنها لم تلاقِ النجاح، أبرز تلك المحاولات كان ما سمي بـ”تنظيم كتائب التوحيد” بقيادة عزمي الجيوسي؛ فقد بدأ الزرقاوي التّحضير لهجومٍ كيماوي كبيرٍ يستهدف مبنى المخابرات العامة، والسفارة الأميركية، ورئاسة الوزراء، كان من الممكن أن يقتل 80 ألفًا، بحسب عزمي الجيوسي، الذي ظهر على شاشة التّلفزيون الأردني.

وفي سبيل إنجاح هذه الهجمات صنّع التنظيم عشرين طنًا من المتفجرات الكيماوية توضع في حاويات تحملها عدّة شاحنات، وقد أشرف الزرقاوي على تنسيق العمليّة، وفي عشرين نيسان- أبريل 2004، وقبيل تنفيذ العمليّة تم القبض على أعضاء التّنظيم، وقُتل موفق عدوان وثلاثة آخرون في مواجهة مع قوات الأمن الأردنيّة، وكان الجيّوسي المسؤول الأول قد تدرب في معسكر هيرات، وبايع الزرقاوي، وتمكن من دخول الأردن مع موفق عدوان، وبدأ بشراء المعدَّات اللازمة بعد أن أرسل الزرقاوي له مبلغ 170 ألف دولار، وكانت في سورية مجموعة للدّعم اللُّوجستي بقيادة السوري سليمان خالد دوريش (أبو الغادية)[49].

وفي 18/8/2005 نفّذت “تفجيرات العقبة” بواسطة صواريخ كاتيوشا أسفرت عن مقتل جنديّ وإصابة آخر، وقد أُلقي القبض على بعض المشاركين في هذه العملية، وهم: محمد حسن السّحلي، وعبد الله محمد السحلي، وعبد الرحمن السحلي، وهم سوريو الجنسية وأمير المجموعة هو العراقيّ محمد حميد، وقد صدرت عن محكمة أمن الدولة أحكامًا بالإعدام على السّوريين الثّلاثة والعراقي.

تعتبر “تفجيرات” عمّان، (بتاريخ 9/11/2005) أخطر حدث أمني يتعرّص له الأردن خلال تاريخ الجماعات الإسلامية المتشددة عموماً؛ فقد استهدفت التفجيرات ثلاثة فنادق في عمّان: (الرّاديسون ساس، وحياة عمان، والديز إن)، ونفذتها مجموعة من الانتحاريين بإشراف وتنسيق الزرقاوي، أسفرت عن مقتل 60 شخصًا، وإصابة· أكثر من 100 شخص.

انعكس صعود القاعدة بصورة نوعية وكبيرة على العمليات التي تحدث داخل الأردن، وعلى قوة وزخم نشاطها في المنطقة، وتطورت قدرات الشبكة بصورة أكثر احترافاً وتعقيداً، بالاستفادة من الخبرة العراقية، ويمكن التقاط ذلك من خلال تفجيرات عمان، إذ شكّلت “اختراقاً أمنياً” كبيراً غير مسبوق، وبالضرورة لا يعود ذلك إلى ضعف أو تراخ في قدرات “جهاز المخابرات”، إنّما في تغير كبير في البيئة الإقليمية الأمنية، جعل التعامل مع تحدي القاعدة مختلفاً بصورة نوعية.

في السابق كانت دائرة المخابرات تتعامل مع مجموعات محلية، بعضها لديه خبرة قتالية وأمنية من أفغانستان أو تجارب أخرى، لكن قاعدة البيانات الرسمية (التي بيد الدولة) كانت قوية وفاعلة وقادرة في أغلب الأحيان على إفشال العمليات قبل أن تبدأ.

بعد احتلال العراق تغيّرت الحال، وأصبحت أغلب العناصر التي يعتمد عليها الزرقاوي من العراقيين والعرب الآخرين، ممن لا تمتلك المخابرات الأردنية بيانات دقيقة حولهم، فضلاً عن وجود مئات الآلاف من العراقيين المقيمين في عمان، ولا توجد إمكانية لاكتشاف خلفياتهم السياسية والاجتماعية والدينية، وهو ما أدى إلى تغير كبير في طبيعة الاستراتيجية الأمنية الأردنية.

واستمرت خلال تلك الفترة محاولات التسلل والذهاب إلى العراق، بصورة خاصة عبر الحدود السورية، من قبل أنصار السلفية الجهادية الأردنية، وبرزت عدة قضايا لتنظيمات متخصصة في تجنيد وتسهيل سفر الأفراد إلى العراق للانضمام إلى القاعدة، بالإضافة إلى النشاط الدعوي نحو أفكار السلفية الجهادية الدينية والسياسية.

في تلك الفترة بدأت تبرز الخلافات بين المقدسي (المسجون في دائرة المخابرات العامة) والزرقاوي إلى العلن، مع تسرب رسالة كان المقدسي قد كتبها بعنوان “أبو مصعب الزرقاوي: مناصرة ومناصحة” انتقد فيها العديد من أعمال الزرقاوي في العراق، وألمح فيها إلى خلافات شخصية حول القيادة تتجاوز الخلافات الفكرية العامة، كما سيأتي لاحقاً، لكن الأغلبية من أبناء التيار كانت قد انحازت إلى الزرقاوي وخطابه الأكثر تشدداً.

وازداد “النشاط الالكتروني” لأفراد هذا التيار، نظراً لفعالية “قاعدة العراق” على الإنترنت، وازدهار سوق الاتصال والتفاعل عبر المنتديات والمواقع المرتبطة بالقاعدة، وقد سجّلت في الأردن القضية الأولى المسمّاة بـ”الجهاد الإلكتروني”، في حين اعتُقل بعض الأفراد على خلفية مشاركتهم بالمنتديات الإلكترونية للقاعدة في العراق[50].

المرحلة الرابعة ما بعد مقتل الزرقاوي 2006: الملاحظة الجوهرية في هذه المرحلة أنّ معدل عمليات القاعدة قد تراجع بصورة كبيرة بعد تفجيرات عمان، بل لم تحدث أية عملية نوعية، فيما أفشلت السلطات الأردنية (بدايات العام 2006) محاولة تنفيذ عملية انتحارية من خارج السجن لإطلاق سراح عدد من سجناء القاعدة في مقدمتهم عزمي الجيوسي. وأفشلت عملية كان يجري التخطيط لها سابقاً لتفجير مطار الملكة علياء الدولي وعدد من الفنادق السياحية.

ثمة أسباب رئيسة تقف وراء تراجع العمل المسلّح في الأردن، في هذه المرحلة، في مقدمتها سببان:

الأول؛ مقتل الزرقاوي نفسه، الذي كان يتوافر على إمكانيات مالية وبشرية وأمنية في العراق، غير موجودة لدى التيار في الأردن، وتمكّنه من تنويع أساليبه وأهدافه.

بعد مقتل الزرقاوي تراجعت قاعدة العراق نفسها بصورة كبيرة، ودخلت في مرحلة انحصار، بدلاً من الانتشار والتوسع، كما كانت الحال في الأعوام السابقة، وبات التركيز على الساحة العراقية ومعركة البقاء، وهو ما انعكس على الأردن بدرجة رئيسة، وتحديداً أفراد التيار.

السبب الثاني؛ ولا يقل أهمية عن الأول، ويتمثّل بخروج المقدسي من السجن، وسعيه لاستعادة المشروع الذي نظّر له أيديولوجياً بعدما “اختطفه” منهج الزرقاوي، وعمل المقدسي على تجميع شخصيات قيادية من التيار، ودشّنوا معاً عملية التحول نحو “المسار الدعوي”، بعيداً عن حمل السلاح، والتوافق على تجنب العمل المسلّح في الأردن[51].

ويكشف الطبيب منيف سماره، أحد الشخصيات القيادية في الزرقاء، أنهم عملوا على صوغ ميثاق بهذا الخصوص؛ أي سلمية الدعوة، وتجنب الأخطاء التي أدى إليها العمل المسلح، إلاّ أنّ عدم التوافق مع الأجهزة الأمنية على محاور هذا الميثاق كافة، منع من إصداره ونشره، ومع ذلك بقيت فكرة “سلمية الدعوة” سائدة لدى المقدسي وأغلب أفراد التيار[52].

تشكل “الخط الدعوي”، كما ذكرنا سابقاً، خلال العامين الأخيرين 2010-2011، مع بروز قيادات جديدة، ووافدين من خارج الرحم التقليدية للتيار، وأيدهم عدد من القيادات التقليدية الموجودة.

مستقبل الخط الدعوي مرتبط بطبيعة الحراك داخل التيار من جهة، وبالسياسات الرسمية تجاه التيار من جهة أخرى، وهو ما سنتطرق إليه لاحقاً.

الخلاصة: ما بعد الضربة الأمنية

تمثّل حملة الاعتقالات التي طاولت بحدود 170 شخصاً من أبناء التيار الجهادي بمثابة ضربة أمنية قاسية، وقد بقي منهم ما يزيد على المائة داخل السجون، بالإضافة إلى من هم في السجون أصلاً، بانتظار موقف محكمة أمن الدولة، فإنّ الجزء الأكبر والأهم موجود حالياً داخل السجون، وليس خارجها.

إلاّ أنّ الفترة المتبقية على انتهاء مدة عدد كبير من المحكومين أصلاً شارفت على الانتهاء، وإلى الآن لم تتضح خارطة التوجهات الفردية والمجموعات فيما إذا كانت ستقبل بالرؤى الجديدة التي تقدمها المجموعة الدعوية أم لا، وهو بالطبع عامل حاسم على وجهة التيار في المرحلة المقبلة وطبيعة دوره المتوقع في المشهد السياسي والمعادلة الأمنية.

يشير منيف سمارة إلى تصوّر يبدو أنه أقرب إلى التعبير عن الخط الذي تمثله المجموعة الدعوية، وهو كما وصفناه سابقاً يراوح بين مراجعات الجماعة الإسلامية في مصر وأيديولوجيا القاعدة، ويقوم على الاحتفاظ بمفهوم الحاكمية والمفاصلة وتكفير الحكام وعدم الاعتراف بشرعية المعادلات السياسية، وفي الوقت نفسه الاكتفاء بـ”مبدأ سلمية الدعوة” في الأردن، وعدم القبول بمنهج العمل المسلّح، والانخراط في العمل العلني الاجتماعي والدعوي[53].

يضيف (سماره) إلى ذلك التراجع عن بعض القضايا التي تبناها التيار – سابقاً- مثل إعادة أبناء أعضاء التيار وأنصاره إلى المدارس، بخلاف فتوى المقدسي السابقة (الفوارس في هجر المدارس)، والصلاة في المساجد خلف أئمة الأوقاف، وتخفيف الانعزالية الاجتماعية، ومحاولة البروز الإعلامي والتعبير عن أيديولوجيا التيار داخل المجتمع بصورة واضحة.

ولا يخفي سمارة أنّ المقصود بذلك مستقبلاً هو تشكل تيار سلمي دعوي على الساحة الأردنية، يقوم بتقديم الأيديولوجيا السلفية الجهادية، وتحديداً التركيز على المطالبة بتطبيق الشريعة الإسلامية في مختلف السياسات ومناحي الحياة، وعرضها على الرأي العام، وتوضيح مواقفها.

نجاح مثل هذا الخط ممكن موضوعياً، لكنه مرتبط في بعض زواياه بوجود “صفقة” معينة مع الدولة، تقوم على القبول بمبدأ سلمية الدعوة، مع الحفاظ على حق التيار بالدعوة العلنية لأيديولوجيته، وهذا مستبعد، في ضوء السياسات الرسمية الراهنة.

بالعودة إلى السياسات الرسمية- الأمنية، فقد اتسمت عموماً بالطابع الأمني، في مقابل ضمور المقاربة الثقافية التي ركّزت على محاولة ثني أفراد التيار في السجون عن أفكارهم[54]. ربما الاستثناء الوحيد هو الإفراج قبل أعوام عن المقدسي، مع منعه من التصريحات الإعلامية إلاّ بحدود ضيقة، وترك المجال له للتأكيد على مبدأ “سلمية الدعوة”، لكن حتى هذا الانفراج المحدود جداً، تم التراجع عنه واعتقال ومحاكمته على خلفية تهمة دعم حركة طالبان في أفغانستان، وفيما يبدو كانت هنالك ضغوط من دول عربية مجاورة لإعادة اعتقاله، تتهم المقدسي بالمسؤولية عن عمليات عسكرية فيها، وبالتأثير الفكري على أبناء السلفية الجهادية هناك.

إذن، ثمة عاملان: الأول ذاتي مرتبط بطبيعة الحراك داخل التيار، والثاني بالسياسات الرسمية، وبين هذا وذاك فإنّ المجموعة الدعوية لم تستنفد بعد مدى المراجعات والتطوير المطلوب، وهو ما يمكن أن يتعزز ويأخذ أبعاداً أكثر استراتيجية فيما لو كانت هنالك تفاهمات مع المؤسسات الرسمية.

الملحق:

الأعمال المسلّحة: قراءة في الحيثيات والأهداف

بتتبع مجموعة من القضايا التي تمّ تحويلها إلى محكمة أمن الدولة بتهم الإرهاب والعمل المسلّح، فإنّنا نجد مؤشرات رئيسة يمكن الاستعانة بها في الوصول إلى بعض الدلالات. إلاّ أنّها عملية تقريبية وليست محدّدة تماماً، نظراً للاعتماد على المصادر الصحافية، التي قد لا تكون دقيقة، بالضرورة، دائماً، في مقابل حجب رسمي للمعلومات والبيانات المطلوبة، مع الإشارة – كذلك- إلى أنّ هذه عينة من القضايا المعروفة والمشهورة إعلامياً، بينما هنالك قضايا عديدة أخرى، واعتقالات، وقضايا لم تدرج في هذه العينة.

بالعودة إلى جملة القضايا المشهورة، نجد منها: تنظيم تهريب أسلحة للضفة الغربية، قضية العراقيين مهنا (2003)، تنظيم أنصار الإسلام (2003)، الفقيهي والزرقاوي (2004)، تنظيم شحادة الطحاوي (2004

)، قضية الزرقاوي والدباس (2004)، تنظيم الجيوسي (2004)، قضية صواريخ العقبة (2005)، قضية زياد الكربولي (2006)، قضية المهداوي والرفاعي (2006)، قضية فنادق العقبة والبحر الميت (2005)، قضية الرفاعي (2006)، قضية الاعتداء على مبنى مخابرات البقعة (2007)، تنظيم الطحاوي 2 (2008)، قضية المقدسي الأخيرة- دعم طالبان (2009)، إعادة محاكمة معمر الجغبير على خلفية قضية اغتيال الدبلوماسي الأميركي فولي في العام 2002.
ع الإشارة إلى أنّ هنالك أسماء وعناوين مختلفة لهذه العمليات، ووجود قضايا أخرى ليست واضحة التفاصيل في التغطيات الإعلامية، فإنّ الملاحظات التقريبية عن هذه “العينة الرئيسة” التي بين أيدينا، حول الحيثيات والخلفيات الاجتماعية والأهداف والأعمار، بحسب الرابط التالي:
http://www.islamyun.net/index.php?option=com_k2&view=item&id=940:“السلفيون-الجهاديون”،-في-الأردن،-ومقاربة-الثورات-الديمقراطية-العربية&Itemid=157

-- موقع إسلاميون:د. محمد أبو رمان

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*