الجمعة , 9 ديسمبر 2016
الرئيسية » مركز البحوث » لقاءات » د علي النملة وحوار حول الاستشراق

د علي النملة وحوار حول الاستشراق

أكد معالي الدكتور علي بن إبراهيم النملة الباحث المتخصص في علوم الاستشراق أن الاستشراق السياسي والتنصيري هما أنشط الاستشراقات ويحاولان استغلال الأزمات التي تمر بها المنطقة العربية، موضحاً أن الاستشراق العلمي النزيه يمارس أثره الآن بهدوء وبمعونة من علماء من عرب ومسلمين في محاولات الدراسات والتحقيق العميق لكبت التراث، مشيراً إلى أن الاستشراق السياسي هو المسيطر على الساحة الفكرية الآن .. جاء ذلك في حوار مع الدكتور علي النملة حول الاستشراق وأنواعه وآثاره الفكرية والعلمية والسياسية على المنطقة العربية والدول الإسلامية، وفيما يلي نص الحوار: 

في ضوء ما يمرُّ به العالم العربي والإسلامي من تغيير على مختلف الصعُد، أين يقف الاستشراق من هذه الأحداث؟ 

– الاستشراق يتعامل مع الفكر، والتغيير الحاصل الآن يقوم على الفكر، أي أنَّ هناك فكرًا يقود هذا التغير السياسي والاجتماعي، بل والاقتصادي. والاستشراق ينشط مع الأحداث، فقد خفت في مرحلة من مراحل الركود الفكري في العالم العربي والإسلامي، وعندما قامت ثورة الخميني في إيران نشط الاستشراق و»استعاد عافيته» – كما يقول جون إسبوزيتو – ثم توالت الأحداث من الحرب العراقية الإيرانية التي امتدَّت ثماني سنوات، لم يفُز بها أي من الطرفين (!) ثم حرب تحرير الكويت، ثم بروز النكبات الاقتصادية التي أثارت البحث عن بديل للنظام الاقتصادي الرأسمالي، وقبل ذلك وبعده هذا الصراع المستمرِّ بين العرب ودولة اليهود في فلسطين المحتلَّة. كل هذه كانت مجالاً للإسهامات الاستشراقية الحديثة المسيَّسة. 

* لكن هذا قد يحصر الاستشراق على الاستشراق السياسي الذي تزعَّم انتقاده المفكِّر العربي إدوارد بديع إبراهيم سعيد في كتابه الاستشراق الذي صدر سنة 1398هـ/ 1978م، وربطه بالإمبريالية. وماذا عن الاستشراق الأعمق؟ 

– الاستشراق السياسي هو المسيطر على الساحة الفكرية الآن، ويقوده برنارد لويس (المولود سنة 1916م). وما يزال – هو وغيره – يزوِّد الجهات الحكومية والاستخبارية الأمريكية والغربية عمومًا بالتقارير السياسية المتحيِّزة. وغني عن القول إنها تقارير مضللة. وكان لويس مستشارًا عند ديك تشيني نائب الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش الأب، يستشيره ديك تشيني في الشأن العربي والإسلامي. وهو في الحقيقة صاحب فكرة صدام الحضارات، وليس السموأل هنتنجتون كما هو المشهور عند كثير من المفكِّرين، وإنما السمؤال هنتنجتون هو الذي نقل الفكرة إلى تقرير استخباري قدَّمه لجهة استخبارية ثم إلى مقالة ثم إلى كتاب، وحظيت به الأوساط العربية أكثر مما حظيت به الأوساط الفكرية والعلمية الغربية. 

أما الاستشراق العميق فمحصور على المؤسسات العلمية والفكرية البعيدة عن الأضواء والإعلام، وهو لا يزال قائمًا في مراكز البحوث والمكتبات – حتى المكتبات الافتراضية اليوم – والجامعات. وهو ما يزال – كذلك -يعتني بالتراث الإسلامي والشأن الإسلامي عمومًا تحقيقًا ودراسة، وقليل من المستشرقين المتعمِّقين من يحفل بالتغييرات الآنية أو يتابعها متابعة دقيقة، لا سيما منها السياسية التي تمرُّ بها المجتمعات العربية، ولا يحفل بذلك، ولا يسهم في التحقيقات الإعلامية السريعة التي يؤخذ منها – غالبًا – ما يخدم الهوى. 

* وهل هذا يعني أنَّ الاستشراق الذي تسمِّيه بالعميق ما يزال يؤدِّي خدمة للتراث؟ 

– الاستشراق العلمي النزيه، الذي يعدُّ نوعًا من أنواع الاستشراقات المختلفة، ما يزال يعتني بالتراث وينشر بعض المخطوطات الرصينة والدراسات المتخصِّصة، وخذ مثالاً لذلك سلسلة المكتبة الإسلامية (وربما سمِّيت بالمنشورات الإسلامية) التي أصدرها المستشرق الألماني هلموت ريتر سنة 1918م، فما تزال تصدر هذه السلسلة كتبًا تراثية محقَّقة على أيدي مستشرقين وعلماء عرب ومسلمين، وقد زادت أعدادها عن خمسين عددًا، واحد منها – على سبيل المثال – وهو العدد السادس حقَّق كتاب الوافي بالوفيات للصفدي في ثلاثين جزءَا، اشترك في تحقيقه حسب الأجزاء مستشرقون وعرب. ولعلك تلاحظ أنَّ الألمان والنمساويين ومن سار على نهجهم ما يزالون يسيرون في هذا النهج، وهذا هو الغالب عليهم، ولذا يبعدون عن الخوض في السياسة بالمقارنة بزملائهم الأمريكيين الذين أنشأوا مفهومًا جديدًا للاستشراق يسمَّى اليوم بالاستشراق الصحفي. 

* وهل للاستشراق السياسي أثر واضح فيما يحدث الآن في الساحة العربية والإسلامية؟ 

– لا يظهر أنَّ للاستشراق السياسي أثرًا سابقًا فيما يحدث في الساحة العربية والإسلامية قبل حدوث ما حدث، على اعتبار أنَّ هناك رأيًا قويًّا يعيد هذا التغيير إلى أنه سنة كونية، وبخلاف من يقفزون في مثل هذه الأحداث إلى نظرية أو عقدة المؤامرة. وإنما يبرز الاستشراق السياسي بعد هذه الأحداث لا قبلها، حينما يستشار الاستشراق في الموقف من هذا التغيير فيما يخدم المصالح الغربية. وقد يكون الاستشراق السياسي هنا جزءًا من منظومة مستشارين مختلفي التخصُّصات في تكوين رؤية ثم خطَّة لمواجهة ما بعد الأحداث، وربَّما في أحيان كثيرة أثناء الأحداث. 

* كأن في الإجابات السابقة إشارة إلى أن الاستشراق يقتات من الأحداث التي تعصف بالمنطقة والأمة، أليس كذلك؟ 

– هذا مخصوص بالاستشراق السياسي، ومعه الاستشراق الصحفي، نعم، فالأحداث هي التي تستدعي هذا النوع من الاستشراق للساحة، وتستفيد منه في تحليل المواقف ومحاولات التعرُّف على الدوافع لها، فتنهض سوقه بين المؤسسات الاستخبارية ووزارات الحربية والخارجية ومصانع الأسلحة وشركات المرتزقة، وغيرها. 

* من الواضح بروز الحسِّ الديني على هذه الأحداث التي تمرُّ بالعالم العربي والإسلامي، فأين يقف الاستشراق من هذا الحسِّ الديني؟ 

– قد يسهم الاستشراق السياسي والصحفي في رسم الخطط التي تحبط هذا الحسَّ الديني وتقوده إلى الفشل، بحيث لا يكون للحسِّ الديني أثر في قيادة الأمَّة، على اعتبار أنه ينظر للدين على أنه الخطر القادم، مما يرسِّخ مفهوم الخوف من الدين والمتديِّنين. ولا يُستبعد أثر هذا النوع من الاستشراق في تفتيت الأمة إلى أحزاب وجماعات وأهواء تتطاحن فيما بينها، وتؤخِّر من ثمَّ اضطلاع المسلمين بالقيام بدورهم المناط بهم، وإنْ لم يكن هذا الأثر واضحًا، على اعتبار أنه يأتي من خلال التقارير والدراسات التي يقدِّمها المستشرقون إلى مراكز الدراسات الإستراتيجية والجهات الاستخبارية. 

* ألا ترى أنَّ هذا الرأي قد يوصل الاستشراق إلى الانتصار في حروب لم يخضها؟ بمعنى أننا قد نعطي الاستشراق قيمة ليست بالضرورة فيه فننصره نحن في حروب اختلقناها نحن ونصرناه علينا؟ 

– هذه فكرة عبدالوهَّاب المسيري – رحمه الله – في أعماله الموسوعية عن اليهود وإضفاء هالة عليهم ليست فيهم فيما سمَّاه بالأوهام الخمسة المتداولة عن اليهود. وقد تكون فكرة السؤال صحيحة إلى حدٍّ ما، إذا لم يثبت أنَّ للمستشرقين السياسيين أثرًا في القرارات السياسية التي تتَّخذها الدول الغربية. أما إذا ثبت أن لهم أثرًا في ذلك، وهو الثابت فيما يبدو، فليس في الأمر ما ينصر قومًا في حروب لم يخوضوها. وإذا صدق هذا في حقِّ اليهود فلا ينبغي أنْ يصدق في الشأن الاستشراقي السياسي. 

* ألا ترى أنَّ كثيرًا من المفكِّرين في الشأن السياسي لا يكادون يرون تأثيرًا للاستشراق في صنع المواقف الغربية من الساحة الغربية؟ ولماذا هذا الموقف من أولئك المفكِّرين؟ 

– الاستشراق السياسي، والاستشراق عمومًا، لا يظهر على سطح الأحداث، وإنما هو يكوِّن ما يمكن أن يعتبر قاعدة المعلومات لصنَّاع القرار، ولا ينتظر منه أنْ يظهر على السطح. وكثير من المخطِّطين والمفكِّرين وصنَّاع السياسات وواضعي الخطط والإستراتيجيات لا يظهرون على السطح، ولا ينتظر منهم ذلك. والذين يظهرون في الإعلام إنما هم من أولئك الذين لا يحضون بمكانة عالية في عالم الاستشراق العميق. 

* هناك من يربط بين الاستشراق والتنصير من حيث بروز هذين المفهومين في الأحداث الراهنة، فهل من علاقة بين هذين المفهومين؟ 

– التنصير يتعامل مع العاطفة، لا سيما في الكوارث والحروب، ويتَّخذ وسائل عديدة متجدِّدة، ويقدِّم الإغاثة للمنكوبين، ويستقطب الطاقات ويستهدف الأطفال والضعفاء – وهم عادة الضحايا الأبرياء للحروب والكوارث – ويتبنى تهجيرهم وتنشئتهم تنشئة تقوم تحت مظلَّة الكنيسة، وفي ضوء تعاليم المسيح – عليه السلام – التي اعتراها ما اعتراها. 

ولا علاقة مباشرة بين الاستشراق والتنصير في الميدان، سوى أن بعض المنصِّرين يمكن أن يكونوا مستشرقين. ومن أبرز هؤلاء المنصِّرين المستشرقين السمؤال زويمر (1867 – 1952)، الذي مارس الاستشراق علمًا والتنصير ميدانًا في منطقة الخليج العربية وعاضدته في ذلك زوجته وأخوه ومنصِّرون آخرون وأطبَّاء، وكتب عن المنطقة كتبًا ومقالات من منطلق تنصيري، وأصدر دورية ما تزال تنشر إلى اليوم، وأقام المؤتمرات والندوات. وله مقولات شديدة تجاه الإسلام والمسلمين، ما تزال آثاره قائمة في منطقة الخليج العربية. وأكرمه بنو قومه بإنشاء مركز خاص به في لوس أنلوس بالولايات المتَّحدة الأمريكية يمارس دوره في أداء مهمات زويمر الاستشراقية والتنصيرية. 

وليس بالضرورة أن يكون المستشرق منصِّرًا، بل يقلُّ أن يكون كذلك، لا سيَّما في أوساط الاستشراق العلمي النزيه والاستشراق السياسي، سوى ما تستغلُّه السياسة من جهود المنصِّرين الذين يجدون مصالح مشتركة بينهم وبين السياسيين. 

* ذكرت أنَّ التنصير ينشط في الكوارث والحروب، فهل يعني هذا أنه لا ينشط في الأحوال العادية؟ 

– التنصير تحقيق لدعوة المسيح بن مريم – عليهما السلام – في نشر النصرانية بين الأمم. وقد وردت كلمة «التركيز» في الإنجيل أكثر من ستين 60 مرَّة. ولذلك فهو نشط في كل الأحوال، وميزانياته التي يجمعها تزيد اليوم عن أبع مئة مليار 400.000.000.000 دولار في السنة، ينفق منها على التنصير داخل المجتمعات النصرانية وخارجها. وتدعمه الحكومات والشركات الكبرى، سواءٌ أكان تنصيرًا صريحًا أم تقنَّع بالإغاثة والتعليم والتدريب والتنمية والتطبيب. وكلما خلت الساحة من الجهود المحلِّية في الإغاثة بأنواعها كان هذا مجالاً رحبا للتنصير. وكما في الشأن السياسي يتَّكئ التنصير المدروس على الاستشراق في تزويده بالمعلومات عن البيئات المستهدفة. 

* وما المقصود بالجهود المحلِّية التي تحول دون جهود التنصير في الإغاثة؟ 

– المقصود هنا اضطلاع الهيئات والجمعيات الإسلامية بدورها في الإغاثة والوقوف مع الشعوب والأمم المنكوبة، وفتح المجال لها في أداء دورها هذا بوضوح وإفصاح. وتتحمَّل الحكومات والقطاعات الأهلية وأهل الدعوة الإسلامية هذه المسؤولية في دعم هذه الهيئات والجمعيات، مع التوكيد على طرق سبل الإفصاح والوضوح؛ لدحض الشُّبه والافتراءات التي تسم هذه الهيئات والجمعيات الخيرية بما ليس فيها. 

* وكيف ترى مستقبل الاستشراق في التأثير بصنَّاع القرار السياسي؟ 

– حاول الاستشراق التنصُّل من المصطلح منذ أربعين سنة 1973م ليزيد من تأثيره على الساحة العلمية والفكرية والسياسية ذات العلاقة بالمجتمع العربي والإسلامي. ومنذ لك الحين والاستشراق يمضي في مهمَّاته دون أنْ يكون للدعوة إلى التنصُّل من المصطلح أي تأثير، فالعبرة بالوظيفة والأداء لا بالمصطلح. والاستشراق اليوم سارٍ في مهمَّاته على أنواعها، ويمكن القول إن الاستشراق السياسي والتنصيري هما أنشط الاستشراقات على اعتبار أن المنطقة العربية والإسلامية ما تزال تمرُّ بأزمات تعصف بها. وهي مرتع هذا النوع من الاستشراق. 

والاستشراق العلمي النزيه يمارس أثره الآن بهدوء وبمعونة من علماء عرب ومسلمين في مجالات الدراسات والتحقيق العميق لكتب التراث. 

-- صحيفة الجزيرة

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*