الأحد , 4 ديسمبر 2016
الرئيسية » مركز البحوث » لقاءات » العنف في العمل الإسلامي المعاصر

العنف في العمل الإسلامي المعاصر

تقديم
الحمد للّه القائل : (فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ) [1] .

والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين محمد بن عبد الله القائل : « بلغوا عني ولو آية» [2] ، أما بعد :

فإن مما امتن اللّه – سبحانه وتعالى – به على المملكة العربية السعودية ، أن قيّض لها قيادة رشيدة أرست دعائمها وفقاً لعقيدة الإسلام وشريعته ، الذي تلتزمه دستوراً ونظاماً لتسيير جميع مناشط الحياة فيها ، وتبذل في سبيل نصرته غاية وسعها ، حتى غدت نموذجاً يعتز به المسلمون في العالم .

وإن مركز البحوث والدراسات الإسلامية حلقة من حلقات الدعم السخي من لدن خادم الحرمين الشريفين – حفظه الله – وحكومته الرشيدة ، لحقل الدعوة إلى اللّه على بصيرة ، بالحكمة والموعظة الحسنة . ذلك أن من أهم الواجبات المنوطة بالمركز : إعداد الدراسات والبحوث عن القضايا الإسلامية الكبرى ، مما يعضد مسيرة الدعوة الإسلامية في مشارق الأرض ومغاربها .

وإن من توفيق اللّه – تبارك وتعالى – للمركز ، أنه نجح في إصدار بواكير أعماله في مدة يسيرة ، على الرغم من متطلبات التأسيس المضنية .

فلقد أصدر العدد الأول من سلسلة «الكتاب الإسلامي» .

كما نشر العددان الأول والثاني من نشرة «الباحثون» لفتح قناة اتصال مباشر بين المركز ونخبة الباحثين من رجال العلم والدعوة في أنحاء العالم .

وها هو المركز يقدم اليوم باكورة إنتاجه في سلسلة «قضية وحوار» التي تمتاز بطرح علمي يسهم فيه عدد من العلماء ، من خلال حوار حضاري من أبرز خصائصه : التزام آداب الشرع المطهر ، وتحري الحق والصواب ، والحرص على وحدة الصف المسلم في وجه التحديات المختلفة ، وبث الوعي ، وتحذير الأمة من كيد المتربصين وانحرافات الجانحين .

وقد آثر المركز أن يستهل هذه السلسلة بقضية العنف في العمل الإسلامي المعاصر ، الذي يثير الأسى في قلب كل مؤمن يهمه مستقبل الإسلام ومصير المسلمين .

وإننا ندعو اللّه عز وجل أن يوفّق المركز إلى تناول المشكلات الأخرى بالتشخيص الدقيق وتلمس سبل العلاج الناجع – بإذن اللّه – .

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين . .

 الدكتور/ عبد الله بن عبد المحسن التركي

وزير الشئون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد

ضيوف القضية
1 – الشيخ محمد بن صالح العثيمين – الأستاذ بكلية الشريعة بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية فرع القصيم ، وعضو هيئة كبار العلماء .

2 – الشيخ الدكتور صالح بن فوزان الفوزان – عضو الإفتاء بالإدارة العامة للبحوث العلمية والإفتاء ، وعضو هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية .

3 – الأستاذ الدكتور صالح بن غانم السدلان – أستاذ الفقه بكلية الشريعة بالرياض .

4 – الدكتور عبد الرحمن بن سليمان المطرودي – وكيل وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد بالمملكة العربية السعودية .

5 – الدكتور علي بن إبراهيم النملة – عضو مجلس الشورى بالمملكة العربية السعودية .

6 – الشيخ فيصل أنور مولوي – الأمين العام للجماعة الإسلامية ورئيس بيت الدعوة والدعاة في لبنان .

7 – الدكتور كامل الشريف – الأمين العام للمجلس العالمي للدعوة والإغاثة ، ووزير الأوقاف والمقدسات الإسلامية بالأردن سابقا .

8 – الدكتور محمود بن أحمد شوق – مستشار رابطة الجامعات الإسلامية .

9 – الدكتور إبراهيم بن محمد أبو عباة رئيس جهاز الإرشاد والتوجيه بالحرس الوطني في المملكة العربية السعودية .

10 – الشيخ إبراهيم محمود جوب – الأمين العام لرابطة علماء المغرب والسنغال ، ورئيس جمعية الدراسات والبحوث في الإسلام والتنمية ، وعضو المجلس التأسيسي لرابطة العالم الإسلامي .

11 – الدكتور أبو الخير بريغش – رئيس اتحاد الهيئات والجاليات الإسلامية في إيطاليا .

12 – الشيخ أبو الكلام محمد يوسف – نائب أمير الجماعة الإسلامية في بنغلادش .

13 – الدكتور أحمد جاب اللّه – وكيل الكلية الأوربية للدراسات الإسلامية في فرنسا ، ونائب رئيس اتحاد المنظمات الإسلامية في أوربا .

14 – الدكتور جمال الدين محمود – عضو مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر الشريف . 

 بين يدي الكتاب
إن الحمد للّه ، نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا ، ونصلي ونسلم على خاتم الأنبياء والمرسلين ، محمد بن عبد اللّه ، المبعوث رحمة للعالمين ، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين ، أما بعد :

فإنه يحز في نفس المسلم ظهور فئات ترفع راية الدين الحنيف ، وشعارات تطبيق الشريعة السمحة ، لكن هذه الفئات لا تحتكم في مشكلاتها إلى شرع اللّه القويم ، فليس أهون عندها من إراقة الدماء المعصومة ، وانتهاك الحرمات بزعم إنكار المنكر !

ولم يكن أعداء الصحوة الإسلامية المعاصرة ليحلموا بأن يسدي إليهم الغلاة ذرائع يستغلونها لتشويه صورة الإسلام ، ومحاربة كل مسعى إسلامي مهما كان معتدلاً ومسالما .

صحيح أن المتربصين بالإسلام والمسلمين لن يكفوا عن حقدهم الموروث حتى لو زالت تلك الذرائع ، إلا أن ممارسات الغلو والشطط من قبل بعض المنتسبين إلى الإسلام ، آزرت أهدافهم الخبيثة ، وهي مؤازرة لا تشرّف مسلماً مهما ادعى حسن النية .

ورب قائل يقول : إن دعاة التطرف والغلو هم قلة منبوذة في خضم التيار الإسلامي العريض ، وهو أمر نعترف به ، غير أن صوت هؤلاء الجانحين شديد القعقعة ، وآثار توجهاتهم المدمرة تستفحل ، لا سيما أن بعض الشباب المتحمسين لإسلامهم قد ينخدعون بدعاواهم التي يزرّقونها بغايات لا خلاف عليها ، ويسوقونها مشفوعة بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية ، بعد تحريف دلالاتها .

إن الإشفاق على مستقبل الصحوة الإسلامية المباركة – بإذن اللّه – هو الحافز الأول لهذا الجهد المتواضع .

ولقد حرص المركز على استضافة عدد من العلماء المسلمين ، يمثلون مختلف التخصصات ، ويعملون في حقل الدعوة في أنحاء شتى من العالم ، لكي تأتي الآراء أقرب ما تكون إلى الدقة والحياد العلمي المطلوبين في معالجة هذه الظاهرة المؤسفة .

وكانت الأسئلة التي عرضت على الشيوخ والأساتذة الأفاضل هي :

– ما عوامل نشوء تيارات العنف المنتسبة إلى الإسلام في زماننا ، وما صلتها بتيارات الغلو القديمة ؟

– ما ضوابط تغيير المنكر باليد ؟

– ما مدى مشروعية الجماعات الإسلامية المعاصرة ؟

– كيف يمكن التصدي لدعوات التكفير والخروج المسلح على الحاكم المسلم ؟

– ما السبيل إلى تحكيم شرع الله في البلدان الإسلامية التي تحكمها نظم علمانية ؟

– ما تأثير تيارات العنف هذه في مستقبل الصحوة الإسلامية ؟

ولقد التزمنا الأمانة التامة التي يأمر بها ديننا ، في تقديم إجابات أهل الذكر المشاركين في هذه القضية ، ولذلك سيلمس القارئ الكريم أن الضيوف الأفاضل أجمعوا على إدانة العنف المنتسب – زوراً – إلى الإسلام ، وعلى ضرورة مواجهة فتنة تكفير المجتمعات والحكومات المسلمة ، وعلى تطبيق الشريعة في كل بلد مسلم ، وعلى أن ظاهرة العنف الضال تهدد الصحوة الإسلامية تهديداً خطيراً .

وختاماً : ندعو اللّه عز وجل أن يجعل عملنا هذا خالصاً لوجهه الكريم ، وأن ينفع به . . . ثم نزجي الشكر خالصاً إلى أصحاب الفضيلة والسعادة الذين لبوا دعوتنا ، وأسهموا في بيان الحق في هذه القضية الحساسة .

وآخر دعوانا أن الحمد للّه رب العالمين .

  هيئة تحرير السلسلة 

المحور الأول: النشأة والأسباب
بين مكة والمدينة
إن من يتدبر كتاب الله عز وجل ويطّلع على الأحاديث النبوية ، ويتأمل سيرة خاتم الأنبياء والمرسلين صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام ، يتضح له أن الإسلام دين السلام ؛ فهو يأبى العنف ويقوم على الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة ، ومخاطبة الفطرة لإزالة الصدأ الذي علاها بفعل البيئة المنحرفة . بل إن نبينا صلى الله عليه وسلم لم يختر إبادة مشركي مكة إبادة ربانية محضة ، وذلك كما جاء في حديث عائشة رضي اللّه عنها قالت : قلت للنبي صلى الله عليه وسلم « هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أحد ؟ قال : لقد لقيت من قومك ، وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة ، إذ عرضت نفسي على ابن ياليل بن عبد كلال ، فلم يجبني إلى ما أردت ، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي ، فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب ، فرفعت رأسي ، فإذا أنا بسحابة قد أظلتني ، فنظرت فإذا فيها جبريل ، فناداني ، فقال : إن اللّه قد سمع قول قومك لك ، وما ردوا عليك ، وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمر بما شئت فيهم ، فناداني ملك الجبال ، فسلم علي ، ثم قال : يا محمد ، إن اللّه قد سمع قول قومك لك ، وأنا ملك الجبال ، وقد بعثني ربك إليك لتأمرني بأمرك ، فما شئت ؟ إن شئت أطبقت عليهم الأخشبين ، قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم بل أرجو أن يخرج اللّه من أصلابهم من يعبد اللّه وحده لا يشرك به شيئًا» [3] [4] .

ولما أُمِر النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه بالهجرة إلى يثرب وأقام هناك دولة التوحيد ، لم يمارس العنف ضد رءوس الكفر الذين لم يدخروا وسعاً في محاربة الإسلام ، فحاربهم حرب جيش لجيش إلى أن تحقق الوعد الإلهي الكريم ، ففتحت مكة المكرمة وتطهرت الجزيرة العربية من رجس الوثنية ، وانطلق النور إلى أنحاء المعمورة مبشراً بحضارة جديدة لا نظير لها .

إن هذه البدهيات المعلومة من دين الإسلام ومن تاريخه الناصع بالضرورة ، تدحض الغلاة الذين يبيحون اليوم دماء المسلمين باسم إقامة دولة الإسلام ، على الرغم من أنهم – علموا أو جهلوا – يناصرون بمنهجهم العليل أكذوبة المنصرين والمستشرقين القائلة : إن الإسلام انتشر بالسيف .

غير أن موقفنا المعارض لهذه الضلالات ، وهو موقف ندين لله به ، لا يلغي الحاجة إلى البحث في العوامل التي أسهمت في نشأة تيارات العنف المنتسبة إلى الإسلام في عصرنا ، لا سيما أن أهل السنة والجماعة عُرفوا تاريخيّا . بمناوأة أهل التكفير الذين يستبيحون الدم المسلم المعصوم . 

الجهل والخوارج
* سألنا أصحاب الفضيلة : ما عوامل نشوء تيارات العنف المنتسبة إلى الإسلام في زماننا ؟ وما صلتهم بتيارات الغلو القديمة ؟

وهذه هي إجابتهم :

* الشيخ محمد بن صالح العثيمين : سبب كل داء وفتنة شيئان أحدهما : الجهل ، الجهل بالشريعة الإسلامية المبنية على الحكمة ، كما قال اللّه تعالى : (وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا) [5] (سورة النساء – الآية : 113) .

والثاني : الهوى الذي يعمي عن رؤية الحق ويصم عن سماعه ويبكم عن النطق به ، فأما صلة هذه التيارات بما قبلها فإنه من المعلوم أن البشر هم البشر منذ خلقهم اللّه تعالى إلى اليوم ، وفيهم المتطرف المفرط وفيهم الغالي وفيهم الوسط ، وهذا خير الأقسام لأن المتطرف من هنا أو هناك ينظر إلى الأمور من زاوية واحدة فيفوته القيام بالقسط الذي هو العدل .

* الشيخ صالح بن فوزان الفوزان : ظاهرة العنف المعاصر المنسوب إلى الإسلام – زورا وبهتانا – تعود في جذورها القديمة إلى الفرق الضالة كالخوارج والمعتزلة ، الذين عُني أهل السنة والجماعة بدراسة مذاهبهم ومعرفة شبَههم وتفنيدها في كتب العقيدة ، بل قاوموا هذه الفرق بالسلاح لقمعهم ودفع شرهم عن الإسلام والمسلمين ، وبخاصة أن أكثر الفرق الضالة كانت تحارب المسلمين وتنكص عن مقاتلة الكافرين [6] .

وإن من أسباب تفشي هذه الأفكار الضالة في زماننا : الجهل بالدين ، وتمكن دعاة الفتنة المغرضين من مخاطبة الرأي العام ، ونشر كتب فرق الضلال القديمة أو الكتب المعاصرة المستمدة منها .

* د . علي بن إبراهيم النملة : أضيف إلى ما سبق : الحماس الجارف والعاطفة الجياشة لدى بعض شباب الصحوة الإسلامية ، من ذوي البضاعة العلمية المحدودة ، الأمر الذي يدفعهم إلى الاستعجال والتهور ومحاولة فرض ما يرونه حقّا على الآخرين عنوة ، وهم بذلك يكونون لقمة سائغة للخبثاء الذين يرومون تحقيق مآرب سياسية وشخصية باسم الإسلام . بل إن من هؤلاء من لا يكتفي بجهله ، وإنما يضم إليه الجرأة على الفتوى والافتئات على علماء الأمة العاملين ، والانتقاص من قدرهم .

* د . أحمد جاب الله : الوجه الآخر للقضية هو الصد عن سبيل الله في بعض البلدان المحكومة بتوجهات علمانية متطرفة ، سبقت ظهور الغلاة ، حيث دأبت على محاربة دين اللّه واتهامه بأنه رجعي ومسئول عن حالة الانحطاط الحضاري للأمة (كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا) [7] (سورة الكهف ، الآية 5) .

* د . أبو الخير بريغش : أرى أن المتنطعين الذين قال فيهم رسول اللّه صلى الله عليه وسلم « هلك المتنطعون» [8] مسئولون عن كثير من مآسي المسلمين ، دون أن يعني ذلك تبرير مسالك النظم العلمانية ، التي تعادي الإسلام نفسه ، لكنها تتخذ من مكافحة الغلاة ذريعة وستاراً .

ولا أبرئ علماء المسلمين من المسئولية – إلا القليل منهم – لأنهم لم ينهضوا بدورهم التربوي نحو الشباب ، وذلك فضلاً عن التحريض الغربي – سياسيّا وإعلاميّا – ضد كل ما هو إسلامي [9] . 

ثقافة العنف
* د . محمود بن أحمد شوق : لا نستطيع إرجاع ظاهرة العنف الإسلامي الحديثة إلى سبب واحد ، وإنما هي ثمرة جملة من العوامل ، بعضها إنساني عام ، وبعضها الآخر وليد ظروفنا الذاتية .

أولاً – من الأسباب العامة :

1) انتشار ظاهرة العنف في جميع أنحاء العالم ، واستخدام العنف في العلاقات الدولية ، والحروب التي لا ينطفئ لها سعير شاهد على هذا ؛ فبالأمس كنا نتحدث عن حرب البوسنة والهرسك والصرب ، وحرب أفغانستان والاتحاد السوفيتي ، وحرب إيران والعراق ، وعدوان إسرائيل على العرب ، واعتداء العراق على الكويت ، إلى آخر قائمة الحروب التي شهدناها .

واليوم ، لا تزال طاحونة العنف تطحن البشر : روسيا ضد الشيشان ، والهند ضد كشمير ، وإسرائيل ضد الفلسطينيين واللبنانيين ، رغم الاتجاه إلى السلام ، وصراع الفصائل الأفغانية فيما بينها ، وحرب نمور التاميل والجيش السيرلانكي ، وتمرد جنوب السودان ، وحرب القبائل في رواندا ، وغيرها من طواحين الحرب التي تصم أخبارها آذان البشر كل يوم .

2) انتشار ثقافة العنف في الإعلام : إن المتابع للإعلام الغربي – على وجه الخصوص – يجد العنف قد تبوأ فيه مساحة كبيرة ، فأفلام الحركة التي تعتبر اتجاها عصريّا في هذه الأيام تعتمد – بالدرجة الأولى – على العنف والاقتتال . ولكي يمكن تبرير هذا العنف لا بد أن تختل موازين العلاقة بين الأفراد أو الجماعات في أحداث هذه الأفلام من أجل أن يجد مخرجوها أسباباً تقنع المشاهد بأن هذا العنف ينسجم مع سلسلة الأحداث التي تحتويها . وفي كثير من الأحيان يكون الغلو في الفكر أو الغلو في الاعتداء أو الغلو في فرض الإرادة والسيطرة أو غير ذلك من مجالات الانحراف في العلاقات – هو محور هذه الأفلام – وبذلك ، فإن هذه الأفلام تغرس الانحرافات السلوكية إضافة إلى العنف في نفوس مشاهديها .

والمشاهد لأفلام الكراتيه والجودو وحتى برامج الأطفال يجد العنف هو الأساس في أحداثها . ولا يخفى على أحد أن التلفاز أداة جاذبة للصغار والكبار ، وبكل أسف فإن الإعلام في كثير من بلدان العالم الإسلامي يعب من هذه المواد الإعلامية الغربية فتغرس في أبناء المسلمين الاتجاه إلى العنف ، وبخاصة أن عرض المواد التي تحمل هذا الاتجاه يكون شائقاً . مما يجعلها بالنسبة لأبناء المسلمين مثل السم في العسل .

3) الخواء العقدي : لا شك أن العقيدة الإسلامية الراسخة تكون زادا للإنسان في رحلة الحياة ، ورجاء له من الوقوع في المحظور ، وعضداً له في مواجهة مشكلات الحياة وخطوبها ، وهى تحرر الإنسان من الخوف من غير اللّه ، وتقيم سلوكه على الحق والعدل ، وتشعره بعون اللّه الدائم ورعايته المستمرة ، ومن ثم لا يشعر باليأس أو القنوط ، بل تكون نفسه راضية مرضية .

أما عند غير المسلمين فإن هذا الخواء قد جعل كثيراً من الناس – وبخاصة الشباب منهم – غير راضين عما يحيط بهم من معطيات الحياة ، ومن ثم أصبح هؤلاء بين منتحر أو رافض . لذلك نجد نسبة الانتحار في دول الغرب قد زادت بصورة غير مسبوقة . كما أن الخروج على القوانين والأعراف والتقاليد السليمة أصبح أمرا مألوفا . ليس هذا فحسب ، فإن التقاليد والعادات الفاضلة أصبحت تتوارى خجلاً من القيم النقيضة الغازية التي أضحت أعلى صوتاً وأكثر شيوعاً . وإذا كان الانتحار – و لله الحمد – لم ينتشر في بلاد المسلمين ، لأن ديننا يحمينا من هذا ، فإن الخروج على إلى المألوف والرفض لكثير من القيم والأعراف أصبح ظاهرة في كثير من المجتمعات الإسلامية ولا سيما عند الشباب .

4) انتشار الحضارة المادية على حساب القيم الروحية والأخلاقية .

فما تطلعات شباب اليوم ؟ سيارة فاخرة ، ومنزل أنيق ، ودخل مادي كبير ، واقتناء الأدوات غالية الثمن . إلى غير ذلك من الأسباب المادية .

ومن هم المثل الأعلى للشباب ؟ هل هم علماء الدين أم المعلمون أم الآباء أم رجال الدعوة ؟ كل هؤلاء اضطروا إلى ترك مواقعهم لفئات أخرى مثل : الفنانين ، ولاعبي كرة القدم وغيرهم من أصحاب المهن التي تدر الثراء السريع ، وهذا التحول تؤكده بكل أسف بحوث علمية .

هذا التحول في القدوة أتاح فرصاً لظهور أنماط من السلوك غير مرغوب فيها مثل السعار المادي ، واللهاث وراء الكسب ، بغض النظر عن الوسيلة في كثير من الأحيان ، وسمح لقيم ساقطة أن تطفو على السطح على حساب قيم أخرى مثل الحق والعدل وغيرها من عناصر الأخلاق الفاضلة . وهذا يؤدي – بالضرورة – إلى اتجاهات منحرفة ، وقيم منحرفة ، ومن ثم إلى سلوك منحرف يعبر عن نفسه أحياناً في صورة عنف أو تفكك في الأسرة ، أو عداء ضد المجتمع أو غير ذلك من الموبقات التي تغشى المجتمعات في الوقت الحاضر .

ثانياً – الأسباب الخاصة بمجتمعاتنا :

1) تفشي الأميات وبخاصة الأمية الدينية :

إن الأمية التعليمية آفة من آفات المجتمعات الإسلامية . وكما هو معروف ، فإن وجود الأمية التعليمية يتفرع عنه عدة أميات مثل : الأمية الثقافية ، والأمية الاقتصادية ، والأمية الاجتماعية وغيرها . ولكن يأتي على رأس هذه الأميات الأمية الدينية التي تجعل من الفرد صيدا سهلا للأفكار المضللة والتوجهات المنحرفة باسم الدين .

وإذا نظرنا إلى الشاب ، فإننا نجده – وخصوصاً في بداية اليفاعة – تواقا إلى المعرفة عن دينه ، ولا يمكن أن تغذي هذه الرغبة أسرة تتفشى فيها الأمية أو مجتمع يعانيها ، ولذلك يكون هذا الشاب صيدا سهلا للمضللين باسم الدين ؛ لأن هؤلاء يروون عطشه بمعلومات مغلوطة عن الدين .

2) القصور في التربية الدينية :

في كثير من المجتمعات الإسلامية لا يجد الشاب ضالته في المدرسة ؛ لأن المدرسة لا تعنى بتدريس الدين ولا بالتربية الدينية بالقدر الكافي ، ولا يجد ضالته في الإعلام ؛ لأن الإعلام هو الآخر لا يعطي الدين الاهتمام الواجب ، ولا يجد ضالته في المسجد ؛ لأن المسجد في كثير من المجتمعات قد تخلى عن وظائفه التعليمية والتربية ، وربما لا يجد الشاب ضالته في الأسرة إذا كانت الأسرة تتفشى فيها العلمانية . كما أن حال الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في هذه المجتمعات لا تشفي غلة ولا تطفئ ظمأ . فماذا بقي لهذا الشاب الظمآن للمعرفة عن دينه ؟

لم يبق له إلا المصادر غير الرشيدة ، التي تضلله بغرس مفاهيم مغلوطة عن الدين والحياة والمجتمع وأولي الأمر فيه .

3) ازدراء الرأي الآخر :

يحدث اختلاف في وجهات النظر بين العلماء المسلمين في بعض القضايا التي تهم المسلمين بعامة والشباب منهم بخاصة ؟ ومع أن اختلاف وجهات النظر أمر وارد بين الأفراد والجماعات في مختلف مجالات الحياة ، وأن هذا الاختلاف – ما دام لا يمس الأساسيات – قد يكون ظاهرة صحية ، تعطي فسحة لحرية التفكير والاجتهاد ، فإننا نجد الشباب – على وجه الخصوص – يرون فيه مأخذا على علماء الدين .

ويغذي الراغبون في استقطاب الشباب نحو أهدافهم هذا التوجه ، بل يجدون فيه فرصة سانحة لتجهيل العلماء بزعم أن اختلافاتهم في الظنيات دليل على عدم رسوخ علمهم ، وهذا – بطبيعة الحال – قول مردود ، ولكنه يستخدم لتضليل الشباب عن جادة الطريق .

4) عدم فتح قنوات للحوار أمام الشباب :

لحوار والتعبير عن الرأي من أساسيات الحياة الصحيحة ، إذ يُشعر الفردَ بأنه مشارك في صنع القرارات الخاصة به وبمجتمعه ، ويشعره بالمسئولية نحو هذا المجتمع ، بالإضافة إلى شعوره بكيانه وتحقيق ذاته .

والشاب يمر بمرحلة نمو أحوج ما يكون الفرد فيها إلى الاعتراف بقدره ، والتعبير عن وجهة نظره ، وأحوج ما يكون إلى التوجيه والإرشاد والنصح .

ولذلك ، فإن فتح قنوات الحوار بين الشباب والكبار ، فوق أنه يتيح للشاب فرصة التعبير عن رأيه بقدر من الحرية التي تجعله مشاركاً بالرأي في صنع ما يمسه من أحداث ، فإنه سوف يجد له مرشداً يوجهه الوجهة السليمة ، وهذا يحميه – بتوفيق اللّه – من أن يتلقفه أحد هؤلاء الذين لا يحسنون الظن بالمجتمع والمسئولين فيه ، فيسيء توجيهه ، ويدفع به إلى الانحراف عن الطريق القويم ، وقد يلقي به في دائرة العنف كوسيلة لإثبات الذات وإجماع الصوت للآخرين .

5) أسباب اقتصادية واجتماعية :

إن تدني الموارد الاقتصادية في كثير من الدول الإسلامية ، يؤدي إلى مشكلات اجتماعية خطيرة ، ومن بين هذه المشكلات وأهمها : انخفاض مستوى معيشة الأفراد ، وتفشي البطالة بين المتعلمين ، وركود الحراك التنموي في المجتمع ، واهتزاز ثقة المواطنين في المستقبل ، وانتشار مظاهر الانحرافات الأخلاقية في المجتمع .

وجميع هذه المشكلات تكون سببا في ضعف الولاء للمجتمع ، واهتزاز الثقة قي القائمين عليه ، واتهامهم – بحق أو بغير حق – بمختلف أنواع الفساد . وهذا يمهد للنافخين في الكير أن يقوموا بحملات التضليل التي يستهدفونها ودفع الشباب إلى الغلو والتطرف .

6) عدم تطبيق شرع اللّه تطبيقاً كاملاً :

من أهم مقومات المجتمع المسلم أن يكون الحكم فيه وفق الشرع الحكيم . وفي الكثير من البلدان الإسلامية لا يطبق الحكم بشرع اللّه تطبيقاً كاملاً ، وهو ما يتسبب في سلسلة من المشكلات ، من أهمها : التناقض والاضطراب في الأخذ ببعض من أحكام شرع الله دون البعض ؟ فتكامل جوانب الشرع يجعل منه وحدة لا تتجزأ ، وإذا جزئت فإن هذا يحدث بالضرورة تناقضا في مسيرة الحياة في المجتمع . واللّه – سبحانه وتعالى – لم ينزل شرعه ليكون لعباده الخيرة في الأخذ ببعضه وترك البعض الآخر ، بل أنزله ليكون موجِّها لجَميع جوانب الحياة في المجتمع المسْلم ، وضابطاً لمسيرتها الدنيوية والأخروية .

ويضع العزوف عن تطبيق شرع اللّه تطبيقاً كاملاً أولي الأمر في المجتمع موضع الشبهة . فآيات الذكر الحكيم تصف من لم يحكم . مما أنزل اللّه بالظلم والفسق والكفر . لذلك ، يصبح تكفير الحكام – من قبل البعض الذين لا يفهمون مدلول الآيات الحق ، وضوابط الوصف – بهذه الأوصاف – أمرا مشروعا ، ويترتب على هذا – من وجهة نظرهم – محاربتهم . ويلتقط النافخون في الكير هذا ليثيروا الشباب على الحكام بخاصة والمجتمع بعامة . وحيث إن هؤلاء الشباب يتصورون – خطأ – أن التغيير باليد من حقهم فإن المتربصين المضللين يدفعونهم نحو تحقيق هذا التغيير فينخرطون في دائرة العنف ! فيعانون وتعاني مجتمعاتهم على السواء .

7) الحملات الإعلامية الظالمة :

إن العمل على تشويه صورة الإسلام والمسلمين أمر معروف عبر التاريخ ، وهو يشتد ويضعف وفق ضعف المسلمين وقوتهم ، إلا أن سعير هذه الحملة أصبح – اليوم – أقوى وأشد شراسة من أي وقت مضى ، وأصبح أكثر انتشاراً بما أتيح له من أدوات البث المباشر وأساليبه الحديثة . وقد تداعت له أمم الشرق والغرب بعد أن انتهت الحرب الباردة بينهم ، واتفقوا على أن العدو الأوحد هو الإسلام ، ومن ثم ركزوا حملاتهم الإعلامية لتشويه صورة الإسلام والمسلمين ، ليس فقط في عيون المسلمين أنفسهم لكن في عيون غير المسلمين أيضا .

وتعتمد حملة التشويه على محاور معينة من أهمها :

أ – إظهار الدين الإسلامي بأنه قاصر عن الوفاء بمتطلبات الحياة المعاصرة ومواكبة التطورات الحديثة . ويستدلون على أكذوبتهم هذه بتخلف البلدان الإسلامية على اختلاف مواقعها على خريطة العالم .

ب – بث الفرقة بين المسلمين في البلد الواحد بتكريس العداوة بين القوى الاجتماعية المختلفة ، وتعضيد المنحرف من الفرق ، ليحارب بعضها بعضاً .

جـ – غرس الخلافات بين البلدان الإسلامية لتقوم الحروب بينها فيكون بأس المسلمين بينهم ، وتدور الدائرة عليهم ، وتضعف شوكتهم ويظهروا بمظهر غير المتحضرين أمام العالم كله .

د – إبراز أعمال العنف التي يقوم بها ما يسمى الجماعات الإسلامية وتشجيعها ، ووصفها بأوصاف تنسبها إلى الإسلام مثل الأصولية الإسلامية و التطرف الإسلامي و الإرهاب الإسلامي لإظهار الإسلام بأنه مصدر لهذه الأعمال . هذا بخلاف حملة التشويه الفكري التي يقوم بها المنصرون والمستشرقون .

8) إعاقة التنمية :

كما لاحظنا ، فإن العوامل السابقة تمهد السبيل لاستقطاب جهات أجنبية لبعض العناصر من البلدان الإسلامية لأعمال العنف ضد مجتمعاتها بهدف معلن هو تغيير مسيرة هذه المجتمعات إلى الأفضل وتخليصها من التخلف ، ومن النظم الحاكمة الكافرة ، ومن البطالة ، ومن الفساد . إلى آخر تلك القائمة من الأسباب الجذابة ، المغلفة بأهداف تبدو نبيلة في مقصدها ، بريئة في مرماها .

ولكن الهدف الحقيقي الذي تعمل هذه الجهات لتحقيقه ، هو إثارة الفتن داخل البلدان الإسلامية وصولا إلى عدم استقرار الأمن فيها ، ومن ثم استقطاب جهود مؤسسات الدولة في محاولة إعادة الاستقرار الأمني وانصرافها عن البناء والتنمية . وهذا أمر جد خطير في وقت تتسارع فيه مساعي الدول نحو التقدم والرقي وتتصارع القوى لاحتلال مكان الصدارة في قيادة العالم .

يضاف إلى ما سبق أن هذه الجهات الأجنبية تتخذ من هذا العنف دليلاً على أن المسلمين قوم عدوانيون ، لا يعرفون التحضر ، ويطربون لسفك الدماء ، ومن ثم ينبغي محاربتهم إلى أن يتخلوا عن التمسك بهذا الدين الذي جعل منهم أعداء للتقدم والتحضر والقيم الإنسانية ! والتخلي هنا لا يعني اعتناق دين آخر ؛ لأنهم يعلمون أن هذا مستحيل ، ولكن يعني إهمال شعائر الدين والعيش بلا انتماء ، وبلا هوية .

وهذا ما عبر عنه القس زويمر في مؤتمر المبشرين في منتصف هذا القرن ، في قول اختصره فيما يلي : إن المهمة التي أرسلتكم البلدان المسيحية من أجلها للبلدان المحمدية ، ليست هي إدخالهم في المسيحية ، فإن في هذا هداية لهم وتكريماً ، ولكن المهمة هي أن تخرجوهم من دينهم فيصبحوا شخوصا بلا هوية . وهذا ما نجحتم في تحقيقه حتى اليوم ، وهذا ما أهنئكم عليه .

وهكذا تحاك المؤامرات وترسم الخطط لتشويه صورة المسلمين ، وإظهار الإسلام بأنه دين عدوان واضطهاد ، يدفع تابعيه إلى البربرية والتخلف ، وهكذا تتداعى الأمم على أبناء المسلمين لهز عقيدتهم وإضعاف إيمانهم .

ويختم الدكتور محمود شوق تحليله بقوله :

هذه بعض العوامل التي تدفع الشباب إلى العنف والإرهاب ، فكثير من الشباب يتصورون – عن جهل وتغرير – أن ما يرتكبونه من عنف هو الطريق إلى إصلاح حال المسلمين ، والبعض الآخر باع نفسه للشيطان رغبة في الثراء أو الشهرة والانتقام من المجتمع الذي لا يروق لهم ما يجري فيه من أخطاء للحكام وسلبية من المحكومين ، ومن ثم فالجميع كفار !

وتكفير المسلمين على أساس ارتكابهم المخالفات للسلوك الإسلامي الصحيح هو من عقيدة الخوارج ، وهؤلاء وغيرهم من الفرق الضالة يقتدي أصحاب الفكر المنحرف بهم . 

المحور الثاني: كيف نغير المنكر
ما ضوابط تغير المنكر باليد ؟ . . سؤال محدد له إجابة شرعية جلية ، لكن الجهل – مع سوء المقصد أحياناً – يحرفها . . . فما الإجابة الشرعية عن هذا السؤال ؟ .

قصور في الفهم
* الشيخ محمد بن صالح العثيمين : إنه ضابط واحد أشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله : «من رأى منكم منكراً فليغيّره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه» [10] .

فالإنسان في بيته يستطيع أن يغير المنكر لكنه في الشارع قد لا يستطيع ذلك ، وهنا يجب أن ننبه إلى أن هناك دعوة للخير وأمراً بالمعروف ونهياً عن المنكر وتغييراً ، وقد فرق اللّه عز وجل بينها ، فأما الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فلم يذكر اللّه تعالى فيها استطاعة ، بل قال تعالى : (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) [11] (سورة آل عمران ، الآية : 154) ، لكن تقيد هذه بالاستطاعة العامة المشروطة في كل وأجب ، أما التغيير فإن النبي صلى الله عليه وسلم قيده بالاستطاعة تقييداً خاصاً فقال : «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه» [12] وذلك لأن هذا أشد وأقرب لعدم الاستطاعة لأنه قد يترتب عليه من الشر ما لا يترتب على مجرد الأمر والنهي والدعوة .

* د . محمود شوق : يزعم البعض أنهم حين يقومون بتغيير المنكر باليد إنما يأخذون بمرتبة أقوى الإيمان : وهذا على اعتبار أن التغيير بالقلب هو أضعف الإيمان . وهذا يدل على قصور في الفهم ، وضحالة في التفكير ، وسطحية في تفسير مدلولات الأحاديث الشريفة ومقاصدها . فمن يملك التغيير باليد هو ولي الأمر – أو من ينيبه – وإلا اعترت الفوضى المجتمع المسلم . فلنا أن نتصور أن كل من يرى منكراً في سلوك فرد أو جماعة من المسلمين استخدم القوة الجبرية ليوجهه أو يوجههم إلى ما يتصوره حقّا وعدلاً . هذا مع اختلاف وجهات النظر وتباين الرؤى حيال المواقف والحكم عليها ، باختلاف درجات العلم بكتاب الله وسنة رسوله ، والفهم الواعي بما جاء فيهما من مقاصد . وهذا الاختلاف قد يحدث بين العلماء فما بالك بمجموعة من الشباب الذين لم ينالوا من العلم الصحيح القدر الذي يؤهلهم لهذا الفهم ؟ !

إن هذا الاجتراء على التفسير والفتيا بدون علم ولا هدى هو من المشكلات التي يعانيها عالمنا الإسلامي ، وبخاصة في هذه الأيام ؟ حيث نصب بعض الشباب أنفسهم دعاة ومفسرين ومفتين دون أن يُؤهلَّوا التأهيل الواجب ، ولو أنهم أصابوا من العلم نصيباً معقولاً لعرفوا أن تغيير المنكر باليد هو من حق ولي الأمر وحده – أو من ينيبه – .

* د . أبو الخير بريغش : إن التسلسل الوارد في حديث المصطفي صلوات اللّه وسلامه عليه ليس عبثاً – وحاشاه – والأصل العام – في المسألة – ألا يؤدي إنكار المنكر إلى ما هو شر منه ، وخاصة قتل الأبرياء بزعم أنهم يُبعثون على نياتهم ، فإن من مقاصد الإسلام الأساسية الحفاظ على النفس والمال والعرض والعقل والدين .

* الشيخ أبو الكلام محمد يوسف : الإنكار باليد إنما يكون لصاحب السلطان في حدود سلطته ، فللمعلم أن يغير ما يبدو من منكر من تلامذته ، وللأب في أفراد أسرته ، ولصاحب المؤسسة في مؤسسته ، وللحاكم في نطاق دولته . أما الدعاة فليسوا من ولاة الأمر ، وواجبهم الدعوة إلى الله بالرفق والحكمة والنصح والتنبيه إلى مواطن الخلل بلباقة ولين جانب .

* د . أحمد جاب الله : أود التنبيه إلى اللبس الحاصل في فهم العلاقة بين الدعاة والحاكم – إذا أخطأ – مع أنه يجب ألا تعدو النصح الخالص لوجه الله بأدب ولطف ، وعلى الحاكم المسلم أن يصغي إلى النصح ويأخذ به إذا كان في محله ، بل إن عليه أن يستنصح أهل الخير والصلاح ، بحثاً عما يعينه في تحري مصالح المسلمين في أمور معاشهم ومعادهم .

آثار مدمرة
* د . صالح الفوزان : من له سلطة – وهو ولي الأمر أو من ينيبه – يغير المنكر بيده ، ومن ليست له سلطة ينكر بلسانه ، ومن لم تكن له سلطة ولا يقدر على الإنكار باللسان فإنه ينكر المنكر بقلبه .

وأحذر من أمر يستسهله المتحمسون الجهلة ، ويحرضهم على استسهاله المغرضون المتربصون بالإسلام شرّا ، ألا وهو الخروج على ولاة أمور المسلمين باسم إنكار المنكر ، مع أن هذا الخروج هو المنكر نفسه ، لما يترتب عليه من شرور وفتن وسفك دماء واستباحة أعراض ، ولا يثمر عن نتيجة ، كما جرب ذلك في تطبيق مذهب الخوارج والمعتزلة في العهود السابقة والحاضرة ، بل ترتبت عليه آثار سيئة ما زال المسلمون يعانونها .

* الشيخ إبراهيم جوب : تكمن الحكمة من حصر التغيير باليد في ولي الأمر في أنه بحكم موقعه على رأس الدولة يتمتع بنظرة أكل وأدق ، تتسم بتقدير النوازل بقدرها ، واتخاذ المصلحة الشرعية معيارا للتفريق بين الصواب والخطأ ، فضلاً عما له من هيبة وأعوان ، وقدرة على اختيار الوسائل الملائمة لإزالة المنكر بأقل قدر من الآثار الجانبية .

ولولا ذلك لسادت الفوضى ولعلا صوت الغوغاء وضاعت المصالح ، وربما تمزقت أوصال الدولة الإسلامية وطمع فيها أعداؤها .

ولا ينبغي للمسلم ازدراء الإنكار بالقلب ، فهو موقف شرعي – وإن كان أضعف الإيمان – لأن هذا النوع من الإنكار الذي هو شأن عامة الأمة ، ينبه دعاة المنكر وأهل الباطل إلى أن القلوب ترفضهم ولا تستجيب لدعاواهم المنبوذة ، وإنما تفاصلها وتقاطعها شعوريّا ، إلا إذا سنحت فرصة النصح لمن يملكه ويتقنه ، أو الدعاء لصاحب المنكر بأن يثوب إلى رشده ويتوب مما يعتقد أو يقول أو يفعل من ضلال .

مقومات الإنكار باللسان
* د . علي النملة : إن إنكار المنكر باللسان ليس مجالاً لكل من هب ودب ، وإنما له مقومات ثلاثة وهي : العلم والرفق والصبر ، فالعلم ضروري للحكم على أمر بعينه أنه منكر ، والرفق مهم جدّا أثناء الإنكار ، والصبر مطلوب بعد الإنكار . غير أن كثيراً ممن يزعمون الإنكار باللسان يفتقرون إلى مقوم أو أكثر من المقومات الثلاثة المذكورة آنفاً .

* د . عبد الرحمن المطرودي : لا بد من الاهتمام بمسألة التدرج في الأمر بالمعروف وإنكار المنكر ، ومراعاة حال الداعي والمدعوين في مسألة القبول والتأثير ، وتلك جوانب جلية في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وصحبه الكرام – رضوان اللّه عليهم – .

كما يتعين على الدعاة اجتناب الغلظة والخشونة ؛ لأنها تنفر القلوب وتحول دون تبول الموعظة : (وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ) [13] (سورة آل عمران ، الآية : 159) .

أما الإنكار باليد فلا يكون لغير ولي الأمر أو من يفوضه بذلك ، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه اللّه – : (وليس لأحد أن يزيل المنكر بما هو أنكر منه ، مثل أن يقوم واحد من الناس يريد أن يقطع يد السارق أو يجلد الشارب ويقيم الحدود ؛ لأنه لو فعل ذلك لأفضى إلى الهرج والفساد ، لأن كل واحد يضرب غيره يدعي أنه يستحق ذلك ، فهذا ينبغي أن يقتصر فيه على ولي الأمر) .

وأرى أن يسأل الداعية المخلص نفسه : ما الذي أريده من دعوتي ؟ أليس التأثير في المدعوين ليلتزموا أحكام دينهم ؟ . فلِمَ أسلك إليهم طريقاً تنفرهم مما أرومه ؟ .

حقوق المعاهدين
* د . إبراهيم أبو عباة أوثر أن أعالج حقوق المعاهَد في الإسلام ؛ لأن تيارات الغلو الجامحة التي تستحل – في كثير من الأحيان – دماء أهل القبلة ، تستحل – من باب الأَوْلى – دماء المعاهدين وأموالهم ، مع أن الواجب هو أن نحسن معاملة غير المسلم ترغيباً له في الإسلام ، وتبياناً عمليّا لمحاسن الإسلام الجمة . أليس أهل أكبر دولة إسلاميةَ سكاناً – نعني أندونيسيا – دخلوا في دين الله الحنيف على أيدي التجار المسلمين الحضارم ؟ !

إن الإسلام دين الأخوة والمودة والتآخي ، ويجب أن تسود في المجتمع المسلم الألفة الصادقة والمحبة الخالصة ، يقول تعالى : (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) [14] (سورة الحجرات ، الآية : 10) ، ويقول المصطفي صلى الله عليه وسلم «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى » [15] ويقول : «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه» [16] .

فنظرة الإسلام تقوم على بناء كيان إسلامي متين لا مكان فيه للحقد والكره والبغضاء . وتوجيهات الإسلام تقوم على تأصيل هذه المعاني وتأكيد هذه القيم وسط المجتمع المسلم ، فالمسلم أخو المسلم كما يقول صلى الله عليه وسلم «لا يظلمه ولا يسلمه ولا يخذله . كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه » [17] أما غير المسلمين الذين يعيشون وسط المسلمين في المجتمعات الإسلامية فلهم منا حق الوفاء لهم بالعهود والمواثيق المبرمة ، ولهم منا العدل فهم بشر (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) [18] (سورة الحجرات ، الآية : 13) . فالحق هو الحق ، والعدل هو العدل مع المسلم وغير المسلم (وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) [19] (سورة المائدة ، الآية : 8) .

ولقد ضرب لنا ديننا العظيم أروع الأمثلة في التعامل مع من يعيش من غير المسلمين في دار الإسلام لكونهم معاهدين ، يقول اللّه عز وجل (وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا) [20] (سورة النحل ، الآية : 91) . وهذا المعاهد الذي دخل دار الإسلام بناء على عقد وعهد ، له على المسلمين صيانة هذا العهد والحفاظ عليه ، بل ومعاملته معاملة كريمة حسنة تتفق وتعاليم الإسلام وتنسجم مع توجيهاته السامية . فهذا هو الخليفة الأول أبو بكر الصديق t يوصي قائد جيشه الذي توجه لغزو الروم قائلاً : لا تمثلوا ولا تقتلوا طفلاً صغيراً ولا شيخاً كبيراً ولا امرأة ، ولا تعقروا نخلاً ولا تحرقوه ، ولا تقطعوا شجرة مثمرة ، ولا تذبحوا شاة ولا بعيرا إلا لمأكلة . وسوف تمرون بأقوام قد فرغوا أنفسهم في الصوامع فدعوهم وما فرغوا أنفسهم له . اندفعوا باسم الله . .

هل هناك أعظم من هذه الوصية ؟ ! وصية من خليفة المسلمين لجيشه ، وفي حق من ؟ ! في حق عدوه ! ! لم يوصه بالبشر فحسب ، بل بالحيوان والشجر .

تشويه صورة الإسلام
لا شك أن هناك جهلاً من قبل كثير من غير المسلمين بحقيقة الإسلام ونظرته المتميزة في التعامل مع غير المسلمين ، كما أن هناك جهلاً أيضاً من بعض المسلمين الذين يرفعون بعض الشعارات الحماسية الفارغة وينادون بطرد غير المسلمين بعامة من بلاد المسلمين ، متجاهلين تعاليم الدين الحكيمة التي جاءت لتنظم هذه العلاقة وتضعها في إطارها الصحيح ، وهذا النوع لا يقيم وزنا للمصالح المشتركة التي تحكم علاقات الأمم والشعوب . وهذا الأسلوب السيئ والمنطق الأعوج لا شك أنه مما يسيء إلى سمعة الإسلام ويكرس ما لدى الغرب وغيرهم من معلومات مغلوطة ومشوهة عن الإسلام والمسلمين ، ويؤكد لهم أن المسلمين سيكونون خطراً على الحضارات الأخرى ، وسيسعون إلى تدمير من عداهم وتخريب ما لديهم من إنجازات وصناعات .

إن هذا الخطاب ينبغي أن يكون خطاباً هادئاً متزناً عاقلاً ينطلق من موقف الإسلام الحقيقي ونظرته الواقعية إلى نوعية العلاقة التي ينبغي أن تسود ، وهذه النظرة لا يقررها إلا من عنده رصيد من العلم الشرعي العميق من علماء الأمة الكبار الذين يقدرون المصالح والمفاسد ويضعونها في ميزان الشرع القويم . 

المحور الثالث: الأحزاب والجماعات
بين القول والفعل
المسلمون أمة واحدة ، مهما تباعدت أقطارهم وتباينت ألسنتهم مصداقا لقوله تعالى : (إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ) [21] (سورة الأنبياء ، الآية : 92) .

أفلا تتعارض الحزبيات مع هذه الوحدة ؟ . لنصغ إلى ما قاله أهل الذكر :

* الشيخ محمد العثيمين : التفرق في دين الله مما نهى الله عنه ، وقد قال الله – تعالى-: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا) [22] (سورة آل عمران ، الآية : 103) ، وقد قال الله – تعالى – لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم (إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ) [23] (سورة الأنعام ، الآية : 159) .

وقال – تعالى – : (شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ) [24] .

(سورة الشورى ، الآية : 13) . فالواجب على الأمة الإسلامية أن تكون أمة واحدة تحت مظلة الإسلام الذي بعث اللّه به محمداً صلى الله عليه وسلم ويحرم عليها أن تتفرق في دين الله تعالى بأي اسم كان أو حزب فارق .

* د . صالح الفوزان : إن كثيراً من المسالك المرفوضة شرعاً نجمت عن اتجاهات حزبية ، ولذلك فإن الإسلام لا يقر الجماعات والأحزاب المختلفة ، وإنما يدعو إلى الاجتماع ، وينهى عن التفرق والاختلاف . والاجتماع يتحقق باتباع الكتاب والسنة ، والافتراق والتحزب ينشأ عن الابتعاد عن الكتاب والسنة و اتباع الأهواء .

* د . على النملة : تبني الحزبيات يؤدي إلى فهم انتقائي مبتور ، يختار نظرة من نظرات الإسلام إلى الحياة على حساب الجوانب الأخرى .

* الشيخ إبراهيم جوب : الواقع يؤكد أن الصحوة في حاجة إلى ترشيد دائم ؛ لأن الإخلاص – وهو سمة غالبية

-- موقع السكينة

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*