الجمعة , 9 ديسمبر 2016
الرئيسية » مركز البحوث » لقاءات » حوار مع التنظيمات السرية والجهادية – فقه المرحلية

حوار مع التنظيمات السرية والجهادية – فقه المرحلية

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسول الله ومن والاه ، وبعد :
فإن قوله ﴿ ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل  ﴾ الزمر 27 والروم 58  لتعني أن الإسلام صالح لكل زمان ومكان إذ حوى القرآن مثالا لكل حالة ومرحلة سيتعرض لها المسلم فأكثر منذ نزول القرآن إلى قيام الساعة .
وعلى كل مسلم أن يتمثل المثل الذي ضرب الله له في القرآن :
فإن كان سجينا فقد ضرب الله له مثل يوسف الذي  شهد  له صاحبا السجن بقولهما ﴿ إنا نراك من المحسنين ﴾  يوسف 36 .
وإن كان فردا مسلما طليقا في أرض لا يعبد الله فيها فقد ضرب الله له مثل إبراهيم الذي كان أمة وحده .
وإن كانت جماعة المسلمين ممكنة في الأرض فقد ضرب الله لها مثل داوود وسليمان وذي القرنين والنبي الأمي صلى الله عليه وسلم بعد غزوة الأحزاب .
وإن كانت قلة تخاف أن تفتن عن دينها فقد ضرب الله لها مثلا بأصحاب الكهف الذين اعتزلوا من يخافون فتنته وتركوه وشأنه وكما في الأحاديث النبوية الصحيحة ومنها :
في صحيح البخاري : كتاب المناقب ، باب علامات النبوة في الإسلام
“يأتي على الناس زمان تكون الغنم فيه خير مال المسلم يتبع بها شعف الجبال أو سعف الجبال في مواقع القطر يفر بدينه من الفتن ”
وفي كتاب الإيمان : باب من الدين الفرار من الفتن
“يوشك أن يكون خير مال المسلم غنم يتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر يفر بدينه من الفتن ” وهو من مكررات البخاري .
وكذلك الحديث في سنن أبي داوود والنسائي وابن ماجه وموطإ مالك وصحيح ابن حبان ومسند أحمد وأبي يعلى الموصلي بأسانيدهم المختلفة عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم .
وحوى القرآن جميع المواقف التي سيقفها أعداء الدين من أهله إلى نهاية المستقر والمتاع في الأرض للإنسان .
ولقد كان المسلمون داخل الدولة النبوية في المدينة المنورة  مكلفون بجميع الخطاب الجماعي خلافا لكل من الملك النجاشي ورجال مؤمنين ونساء مؤمنات في مكة قبل الفتح إذ لم يخاطبوا بشيء من التكاليف الجماعية كالقضاء والحدود والجهاد والقتال والصلح والمعاهدات .
ولا يخفى وصف النجاشي بالإيمان إذ صلّى عليه النبي صلى الله عليه وسلم صلاة الغائب يوم موته في التاسعة من الهجرة .
ولا يخفى وصف المؤمنين المستضعفين في مكة قبل الفتح بالإيمان كما في قوله ﴿ ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات ﴾ الفتح  25  فوصفهم الله بالإيمان رغم عدم قيامهم بشيء من التكاليف الجماعية لأنهم كانوا مستضعفين ، وكانوا خارج نفوذ الدولة الإسلامية .
ولقد أسقط الاستضعاف عن الرسول النبي هارون معاقبة عبدة العجل كما في قوله ﴿ قال ابن أم إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني ﴾ الأعراف  150 وأقرّه موسى ، وجعل الله عذره عبرة  لأولي الألباب كما في قوله ﴿ لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ﴾ يوسف 111 .
وأسقط الاستضعاف كذلك عن بني يعقوب الوفاء بموثقهم فلم يرجعوا بأخيهم كما في قوله ﴿ قال لن أرسله معكم حتى تؤتون موثقا من الله لتأتنني به إلا أن يحاط بكم ﴾ يوسف 66 فكان وجودهم في ظل حاكم أقوى منهم ، من الإحاطة بهم .
إن قوله ﴿ وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هـذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك وليا واجعل لنا من لدنك نصيرا ﴾ النساء 75 ليعني أن المستضعفين في مكة لم ينشئوا التنظيمات السرية ولم يقوموا باغتيال زعماء مكة ، وشكر الله سلوكهم فجعله قرآنا يتلى للذكر والعبرة ، إذ لم يكن منهم إلا دعاء ربهم ليخرجهم من مكة حيث استضعفوا  فيزول عنهم الاستضعاف .
إن القرآن حدثنا أن الانشغال بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وسائر التكاليف الفردية والكف عن القتل والقتال والاغتيال هو سلوك رسول الله وخاتم النبيين محمد صلى الله عليه وسلم  في العهد المكي ( مرحلة الاستضعاف )على نسق جميع النبيين والرسل الذين لم يمكّن لهم في الأرض مثل نوح وهود وصالح وإبراهيم ولوط وإسحاق ويعقوب ومثل موسى وهارون قبل هلاك فرعون ولو جاز لهم لسارع إليه موسى وهارون ولهما أكبر الدوافع بما يعانيه قومهما من فرعون وملئه الذين يسومونهم سوء العذاب بقتل الذكور واستحياء النساء لإبادة شعب بكامله ولو جاز لهم لما اكتفى محمد صلى الله عليه وسلم في العهد المكي بأمر أصحابه بالصبر وهم يعذبون حتى ماتت سمية بالتعذيب ولما منع أصحاب بيعة العقبة الكبرى في السنة الثالثة عشر من البعثة على عتبة الهجرة من اغتيال زعماء مكة في منى لتصبح بانقلاب أحمر دار إسلام وهجرة .
إن النبي محمدا صلى الله عليه وسلم قد كلّف باتباع النبيين قبله وبالاهتداء بهداهم ومنهم إبراهيم الذي حطّم أصنام قومه كما في قوله ﴿ وتالله لأكيدن أصنامكم بعد أن تولوا مدبرين فجعلهم جذاذا إلا كبيرا  لهم ﴾ الأنبياء 57 ـ 58  أي قطّعها تقطيعا ومن المثاني معه قوله ﴿ فراغ عليهم ضربا باليمين ﴾ الصافات 93  ولم يتبع خاتم النبيين محمد صلى الله عليه وسلم إبراهيم في هذا السلوك إذ لم يحطم الأصنام حول الكعبة بل ظلّ يصلي ويطوف حول الكعبة قبل الهجرة ولم يمسّ الأصنام بسوء ، وكان محمد صلى الله عليه وسلم  قد أطاع الله  في  قوله ﴿ ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم ﴾  الأنعام  108 ، فكان والله أعلم استثناء من عموم الأمر في قوله ﴿ فبهداهم اقتده ﴾  الأنعام 90 ، وعلم النبي صلى الله عليه وسلم أن النهي عن سبّ الأصنام يعني نهيا أكبر منه عن تحطيمها في مرحلة الاستضعاف .  
وحدثنا القرآن أن كل عملية قتل وقعت عبر التاريخ منذ قتل ابن آدم الأول بيد شقيقه الخاسر وإلى أن نزلت التوراة وقتل قتيل بني إسرائيل الذي ضرب ببعض أجزاء البقرة التي ذبحت – إنما كانت من جانب الكفار والمشركين ، إذ لم يتضمن القرآن القتل ومحاولته والقتال والاغتيال في مرحلة ما قبل التمكين  إلا من جانب الكفار :
  ومنه تهديد نوح بالرجم كما في قوله ﴿ قالوا لئن لم تنته يا نوح لتكونن من المرجومين ﴾ الشعراء 116
  ومنه تهديد إبراهيم بالرجم كما في قوله ﴿ قال أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم لئن لم تنته لأرجمنك ﴾ مريم 46
  ومنه تهديد شعيب بالرجم كما في قوله ﴿ قالوا يا شعيب ما نفقه كثيرا مما تقول وإنا لنراك فينا ضعيفا ولولا رهطك لرجمناك ﴾ هود 91
  ومنه تهديد الرسل الثلاثة أصحاب القرية بالرجم كما في قوله ﴿ قالوا طائركم معكم لئن لم تنتهوا لنرجمنكم وليمسّنّكم منا عذاب أليم ﴾ يـس 18
  ومنه محاولة اغتيال صالح وأهله من جانب تسعة رهط من قومه كما في قوله ﴿ وكان في المدينة تسعة رهط يفسدون في الأرض ولا يصلحون قالوا تقاسموا بالله لنبيّتنه وأهله ثم لنقولن لوليه ما شهدنا مهلك أهله وإنا لصادقون ومكروا مكرا ومكرنا مكرا وهم لا يشعرون ﴾ النمل 48 ـ 50 .
  ومنه رمي إبراهيم في النار التي نجّاه الله منها كما في قوله ﴿ قالوا ابنوا له بنيانا فألقوه في الجحيم فأرادوا به كيدا فجعلناهم الأسفلين ﴾ الصافات 97 ـ 98 وقوله ﴿ قالوا حرّقوه وانصروا آلهتكم إن كنتم فاعلين قلنا يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم وأرادوا به كيدا فجعلناهم الأخسرين ﴾ الأنبياء 68 ـ 70
  ومنه المجزرة الجماعية لأصحاب الأخدود الذين حرّقوا بالنار  كما في قوله ﴿ قتل أصحاب الأخدود النار ذات الوقود إذ هم عليها قعود وهم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد ﴾ البروج 4 ـ 8
  ومنه سلوك فرعون بإعدام السحرة بعد التمثيل بهم وصلبهم أن آمنوا برب العالمين رب موسى وهارون  كما في قوله ﴿ وألقي السحرة ساجدين قالوا آمنا برب العالمين رب موسى وهارون قال فرعون آمنتم به قبل أن آذن لكم إن هذا لمكر مكرتموه في المدينة لتخرجوا منها أهلها فسوف تعلمون لأقطّعنّ ايديكم وأرجلكم من خلاف ثم لأصلّبنّكم أجمعين ﴾ الأعراف 120 ـ 124 وقوله ﴿ فألقي السحرة سجدا قالوا آمنا برب هارون وموسى قال آمنتم له قبل أن آذن لكم إنه لكبيركم الذي علّمكم السحر فلأقطعنّ أيديكم وأرجلكم من خلاف ولأصلّبنّكم في جذوع النخل ولتعلمنّ أيّنا أشد عذابا وأبقى ﴾ طـه 70 ـ 71 وقوله ﴿ فألقي السحرة ساجدين قالوا آمنا برب العالمين رب موسى وهارون قال آمنتم له قبل أن آذن لكم إنه لكبيركم الذي علّمكم السحر فلسوف تعلمون لأقطّعنّ أيديكم وأرجلكم من خلاف ولأصلبنّكم أجمعين ﴾ الشعراء 46 ـ 49
  ومنه قتل أصحاب القرية الرجل الذي جاء من أقصى المدينة ليعز الرسل الثلاثة  كما في قوله ﴿ إني آمنت بربكم فاسمعن قيل ادخل الجنة قال يا ليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين ﴾ يـس 25 ـ 27 والمعنى أنهم قتلوه لما أعلن الإيمان بالرسل الثلاثة وأن الله أحياه وأدخله الجنة كما هو شأن كل قتيل في سبيل الله .
  ومنه محاولة اليهود قتل عيسى  لولا أن رفعه الله كما في قوله ﴿ وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبّه لهم ﴾ النساء 157 وقوله ﴿ ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين ﴾ آل عمران 54
  ومنه عمليات  قتل أنبياء وأتباعهم  لم يفصلها القرآن كما في قوله ﴿ لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء سنكتب ما قالوا وقتلهم الأنبياء بغير حق ونقول ذوقوا عذاب الحريق ﴾ آل عمران 181 وقوله ﴿ قل قد جاءكم رسل من قبلي بالبيّنات وبالذي قلتم فلم قتلتموهم إن كنتم صادقين ﴾ 183 وقوله ﴿ لقد أخذنا ميثاق بني إسرائيل وأرسلنا إليهم رسلا كلما جاءهم رسول بما لا تهوى أنفسهم فريقا كذبوا وفريقا يقتلون ﴾ المائدة 70 وقوله ﴿ أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون ﴾ البقرة 87
  ومنه تهديد الرسل بالآيات بالإخراج من الديار أو الإكراه على ترك دينهم كما في قوله ﴿ وقال الذين كفروا لرسلهم لنخرجنّكم من أرضنا أو لتعودنّ في ملتنا ﴾ إبراهيم 13 وكما في قوله ﴿ قال الملأ الذين استكبروا من قومه لنخرجنّك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودنّ في ملتنا ﴾ الأعراف 88 وكما في قوله ﴿ لئن لم تنته يا لوط لتكونن من المخرجين ﴾ الشعراء 167 وقوله ﴿ وما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوهم من قريتكم إنهم أناس يتطهرون ﴾ الأعراف 82 وقوله ﴿ فما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوا آل لوط من قريتكم إنهم أناس يتطهرون ﴾ النمل 56
أقول نعم ! لقد ذكر القرآن أن موسى قتل قبطيا خطأ قبل الرسالة وقد استغفر منها وعاتبه الله عليها وتاب عليه فمن يحتج بها ؟
وأن الخضر قتل غلاما بأمر الله بدليل قوله ﴿ وما فعلته عن أمري ﴾ الكهف 82 وبدليل قوله ﴿ فوجدا عبدا من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علما ﴾ الكهف 65 وهو ظاهر الدلالة على الوحي كما بينت في بيان النبوة .
وأما تفكير الأسباط إخوة يوسف في قتله فقد تراجعوا عنه واستغفروا منه وكان قبل نبوتهم وبدافع الغيرة وهم فتيان لا زالوا يلعبون ويمرحون ويستبقون .
إن القرآن حدثنا أن ابن آدم الأول المقتول إنما منعه دينه عن الدفاع عن نفسه وذلك قوله ﴿ لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إني أخاف الله رب العالمين ﴾ المائدة  28 ويعني أن خوفه من عذاب ربه وعقابه هو الذي منعه من الدفاع عن نفسه .
وما كان جواب نوح لما هدّد بالرجم إلا كما في قوله ﴿ قال رب إن قومي كذبون فافتح بيني وبينهم فتحا ونجني ومن معي من المؤمنين ﴾ الشعراء 117ـ 118 .
وما كان جواب إبراهيم لما هدده أبوه بالرجم إلا أن قال كما في قوله ﴿ قال سلام عليك سأستغفر لك ربي ﴾ مريم 47
وما كان جواب الرسل الثلاثة الذين هدّدوا بالرجم إلا كما في قوله ﴿ قالوا طائركم معكم أئن ذكرتم بل أنتم قوم مسرفون ﴾ يس 19 .
وما كان من الرسل بالآيات لما هدّدوا بالإخراج أو الإكراه إلا أن قالوا ﴿ ولنصبرنّ على ما آذيتمونا ﴾ إبراهيم 12 واستفتحوا ربهم طلبا للنصر .
وما كان من شعيب لما هدّد بالإخراج أو الإكراه على ترك دينه إلا أن قال كما في قوله ﴿ قال أو لو كنا كارهين قد افترينا على الله كذبا إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا الله منها وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا وسع ربنا كل شيء علما على الله توكلنا ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين ﴾ الأعراف 88 ـ 89
وما كان من النبيين الذين قتلوا إلا أن صبروا .
وما كان من لوط لما هدّد بالإخراج إلا أن قال كما في قوله ﴿ إني لعملكم من القالين رب نجني وأهلي مما يعملون ﴾ الشعراء 168 ـ 169
وما كان من السحرة لما هددوا بالصلب والتمثيل والإعدام إلا أن قالوا كما في قوله ﴿ قالوا إنا إلى ربنا منقلبون وما تنقم منا إلا أن آمنا بآيات ربنا لما جاءتنا ربنا أفرغ علينا صبرا وتوفنا مسلمين ﴾ الأعراف 125 ـ 126 وكما في قوله ﴿ قالوا لن نؤثرك على ما جاءنا من البيّنات والذي فطرنا فاقض ما أنت قاض إنما تقضي هذه الحياة الدنيا إنا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا وما أكرهتنا عليه من السحر والله خير وأبقى ﴾ طـه 72 ـ 73 وكما في قوله ﴿ قالوا لا ضير إنا إلى ربنا منقلبون إنا نطمع أن يغفر لنا ربنا خطايانا أن كنا أول المؤمنين ﴾ الشعراء 50 ـ 51
إن المرحلة التي يعيشها الفلسطينيون اليوم قد عاشها بنو إسرائيل مرتين قبل نزول القرآن :
أولاهما : في ظل فرعون قبل وبعد رسالة موسى ذاقوا من العذاب كما في قوله ﴿ وقال الملأ من قوم فرعون أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الأرض ويذرك وآلهتك قال سنقتّل أبناءهم ونستحيي نساءهم وإنا فوقهم قاهرون قال موسى لقومه استعينوا بالله واصبروا إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين قالوا أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا قال عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون ﴾ الأعراف  127 ـ 129  ويعني أن موسى رغم تهديد فرعون بإبادتهم أكثر مما مضى ، لم يأمر قومه بالإرهاب والاغتيال والقتل ، وإنما بقوله ﴿ استعينوا بالله واصبروا ﴾ واستفتح  ربه طلبا للنصر بقوله ﴿ عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض ﴾ .
وثانيهما : بعد نزول التوراة التي تضمنت التكليف بالقتال في سبيل الله ،  وكان نبيهم من بعد موسى بين أظهرهم يوم اجتاح جالوت وجنوده ديارهم وأخرجهم  منها ورهن فيها الأبناء ، ولم يأذن لهم بإنفاذ القتال في سبيل الله  إلا لمّا بعث الله لهم طالوت ملكا ، وكان القتال معه هو القتال في سبيل الله لا غيره كما في قوله ﴿ ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله ﴾ البقرة  246 كما يأتي بيانه ، ولو سارع بعضهم لأجل الحماس إلى القتل والاغتيال في صفوف جالوت وجنوده لما كانوا من المقاتلين في سبيل الله . 
إن  المرحلة التي عاشها بنو إسرائيل في ظل فرعون هي نفسها المرحلة التي يعيشها الفلسطينيون اليوم في ظل الدولة اليهودية إذ لا فرق بين سلوك قادة اليهود ضد الفلسطينيين اليوم وبين سلوك فرعون ذي الأوتاد ضد بني إسرائيل من قبل ، ولم يكن بنو إسرائيل يومها مأذونين بالجهاد والقتال فلو قاتلوا فرعون وقومه لما كان قتالهم شرعيا فضلا عن وصفه بأنه في سبيل الله كما يأتي تحقيقه في دلالة القتال في سبيل الله .
إن إعلان أصحاب الكهف إيمانهم  وفرارهم  بدينهم من الفتنة لهو الهدى الذي زادهم به ربهم بعد أن آمنوا به كما هو صريح قوله ﴿ إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى ﴾ الكهف 13 .
وقد سجّل القرآن لأصحاب الكهف ثلاثة مواقف هي :
1. أنهم آمنوا بربهم كما هو مدلول قوله ﴿ إنهم فتية آمنوا بربهم ﴾
2. أنهم أعلنوا إيمانهم كما هو مدلول قوله ﴿ إذ قاموا فقالوا ربنا رب السماوات والأرض لن ندعو من دونه إلـها لقد قلنا إذا شططا ﴾ الكهف 14
3. أنهم اعتزلوا قومهم بالفرار إلى الكهف كما هو مدلول قوله ﴿ وإذ اعتزلتموهم وما يعبدون إلا الله فأووا إلى الكهف ينشر لكم ربكم من رحمته ويهيئ لكم من أمركم مرفقا ﴾ الكهف 15 .
ويعني أن الهدى الذي زادهم به ربهم بعد الإيمان إنما يقع على السلوكين المذكورين عقب الوصف بالإيمان وهما إعلان الإيمان والفرار بالدين من الفتن .
فأين هذا السلوك في مرحلة عدم التمكين من المقام مع من يفتنهم وإنشاء التنظيمات السرية والجهادية والعمليات الانتحارية ؟
ولن يتأتى لمجموعة استنباط هدى أهدى مما في القرآن العجب الذي يهدي إلى الرشد وإلى التي هي أقوم ولا هدى أهدى مما بلّغه الرسول النبي الأمي صلى الله عليه وسلم أمته .
إن المسلم مخاطب بالتكاليف الشرعية وهو في إحدى وضعيتين أو مرحلتين لن يخلو منهما أحد :
1. مرحلة الاستضعاف
2. مرحلة التمكين 
ولقد غاير الكتاب المنزل كثيرا بين الوضعيتين فجعل التكاليف الفردية وهي ما يسع كل فرد مسلم فعله كالصلاة والبر والإنفاق والصيام ـ  وكذا المنهيات في جميع الوحي ـ هي التكليف في مرحلة الاستضعاف وهي التي لم يتجاوزها نوح وهود وصالح وإبراهيم ولوط وشعيب وسائر الرسل الذين لم يمكّن لهم في الأرض ولم يتجاوزها خاتم النبيين محمد صلى الله عليه وسلم في المرحلة الابتدائية وهي ما قبل الهجرة أو ما يسمى بالعهد المكي .
وجعل التشريع الجماعي ومنه القصاص والحدود والمعاملات والإذن بالقتال والمعاهدات هو ما خوطب به السلطان والمجتمع المسلم معه وهم من يقع عليهم الوصف بجماعة المسلمين .
إن قوله ﴿ قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ﴾ في الأنعام 151 ـ 153  إلى آخر الوصايا العشر هي التكاليف التي يجب أن يتمثلها المسلمون الذين لا سلطان لهم ولذلك جاء بعدها قوله ﴿ ثم آتينا موسى الكتاب تماما على الذي أحسن وتفصيلا لكل شيء وهدى ورحمة لعلهم بلقاء ربهم يؤمنون ﴾ الأنعام 154  ويعني أن الوصايا العشر هي التي اقتصرت عليها كل نبوة وكل رسالة قبل التوراة والعجيب أن القرآن المكي قبل الأمر بالهجرة لم يتجاوزها كذلك ، وتكرر ذكرها في الإسراء ولقمان ووصفت بالحكمة ويعني موضع الأنعام أن النبي صلى الله عليه وسلم يدعو الناس جميعا إلى تأمل ما تعبّدهم به ربهم من التكاليف وأنه مثل ما نزّل على جميع الرسل والنبيين قبل موسى وإنما نزل التشريع الجماعي على موسى في التوراة بعد هلاك فرعون كما هي دلالة قوله ﴿ ثم آتينا موسى الكتاب  لبيان تأخر نزول التشريع الجماعي في الكتاب عن الحكمة .
إن القتل والقتال والخطف والإغتيال في هذه المرحلة مرحلة الاستضعاف هو بدعة ابتدعتها القرامطة وكذا الحشاشون في قلعة آلموت بقيادة الحسن بن الصباح في القرن الرابع الهجري إذ سلكوا أسلوب الاغتيالات والعمليات الانتحارية ضد مخالفيهم وتبعهم الاشتراكيون العرب في الشام إذ كانوا أول من سنّ عمليات خطف الطائرات والأفراد والعمليات الفدائية ضد العدو منذ مطلع النصف الثاني من القرن العشرين ، ثم سار على نهج الفريقين التنظيمات الجهادية في أواخر القرن العشرين إلى يومنا هذا .
وإنما وقع الخلط على الإسلاميين وعلى الفقهاء  وعلى المؤمنين بحمل السلاح في هـذه المرحلة  بسبب عدم دراية هـذه الحقائق الكبرى في الكتاب المنزل على خاتم النبيين صلى الله عليه وسلم وفي الأحاديث النبوية الصحيحة وعدم استطاعتهم التفريق بين دلالة القتال في سبيل الله والقتال الشرعي والحرابة .

من دلالات القتل والقتال

توطئة :
إن من تفصيل الكتاب المنزل وكذا هدي النبوة حصر الأوجه المأذون بها في القتال أو المقاتلة بين كل فئتين في ثلاثة أقسام :
1. قتال في سبيل الله
2. قتال شرعي
3. قتال الدفع
وسائر أنواع القتال أو المقاتلة إنما هو في سبيل الطاغوت والشيطان .
وقد يقع قتل ولو لم تحصل مقاتلة  في الصور التالية :
  قتل شرعي تقوم به الجماعة ضد فرد منها أو عصابة جزاء شذوذ أو محاربة ولو لم تحصل مقاتلة .
  حرابة : وهي الاغتيال غدرا جهرا أو سرا من مجموعة مختفية أو فرد منها ضد المجتمع وهي رأس واكبر درجات الإفساد في الأرض.
  قتل النفس المعصومة عدوانا وظلما من فرد أو جماعة أو دولة .

دلالة في سبيل الله

إن من تفصيل الكتاب وأصول الخطاب أن ( سبيل الله ) حيث وصف به في الكتاب المنزل تكليف فإنما لبيان أن رسولا أو نبيا قد تنزل عليه الوحي ليأمر الذين آمنوا معه خاصة بالتكليف الموصوف بأنه ( في سبيل الله ) كالهجرة والجهاد والقتال والإنفاق ( في سبيل الله ) .
وبانقطاع الوحي بموت الرسول  فلن يصح وصف تكليف مثله بأنه ( في سبيل الله ) ولو تمثله  صحابته من بعده فضلا عمن بعدهم وهكذا فلم يهاجر ( في سبيل الله ) منذ نزل القرآن إلى يومنا هذا إلا من خرج من بيته مهاجرا إلى محمد رسول الله وخاتم النبيين صلى الله عليه وسلم في حياته إلى المدينة النبوية قبل الفتح أو أمره  بهجرة كالمهاجرين إلى أرض الحبشة في العهد المكي وكالمهاجرين إلى المدينة قبل هجرته هو إليها ، ولم ينفق أو يجاهد أو يقاتل ( في سبيل الله ) عبر تاريخ البشرية إلا من وقع عليه مباشرة أمر نبي أو رسول فأطاعه .
وقد يقع من المؤمنين بعد حياة رسولهم هجرة أو إنفاق أو جهاد أو قتال شرعي ولكن ليس هو الموصوف في الكتاب المنزل بأنه ( في سبيل الله ) وليس من لم يوافقهم من المؤمنين قد صدّ عن ( سبيل الله ) أو تخلّف عن الجهاد ( في سبيل الله ) ، ومتى كان الصحابة الذين اعتزلوا القتال بين الصحابة في آخر الخلافة الراشدة قد تخلّفوا عن الجهاد ( في سبيل الله ) ؟
وإن الصدّ عن ( سبيل الله ) لم يوصف به إلا الذين عاصروا نبيا أو رسولا ومنعوا  الناس أن يؤمنوا به ويتبعوه أو أن يجتمعوا إليه ويسمعوا منه للتلقي أو للتأمل كما في قوله  ﴿ ولا تقعدوا بكل صراط توعدون وتصدّون عن سبيل الله من آمن به ﴾ الأعراف 86 من قول رسول الله شعيب  يصف نفسه ورسالته  بـ (سبيل الله ) وكما في المثاني معه في قوله ﴿ ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطرا ورئاء الناس ويصدّون عن سبيل الله ﴾ الأنفال 47  يعني  قريشا يوم خرجوا من ديارهم إلى بدر ليصدّوا عن سبيل الله  أي عن الرسول النبي الأمي صلى الله عليه وسلم ورسالته .
إن لفظ ( سبيل الله ) لوصف دقيق كامل لرسالة الله قبل موت الرسول ، فإن مات النبيّ وترك الكتاب في أمته فلن يوصف شيء من الأعمال التي في الكتاب المنزل بأنه في سبيل الله ولو تمثله المسلمون جميعا .

الهجرة في سبيل الله

إن موسى بدأ رسالته إلى فرعون بقوله  ﴿ فأرسل معي بني إسرائيل ﴾  الأعراف 105 وقوله ﴿ فأتيا فرعون فقولا إنا رسول رب العالمين  أن أرسل معنا بني إسرائيل ﴾ الشعراء 16 ـ 17  وقوله ﴿ فأتياه فقولا إنا رسولا ربك فأرسل معنا بني إسرائيل ولا تعذبهم ﴾ طـه 47  وقوله ﴿ وإن لم تؤمنوا لي فاعتزلون ﴾ الدخان 21 ويعني أنه يريد الهجرة بقومه واعتزال فرعون وشأنه ، وإن هـذا لهو الهدى الذي أرسل الله به موسى ونبّأ به خاتم النبيين صلى الله عليه وسلم في القرآن تذكرة وعبرة لأولي الألباب .
ولقد هاجر كل من إبراهيم ومحمد  في سبيل الله الذي الذي أوحى إليهما .
وهاجر المسلمون إلى الحبشة في سبيل الله إذ أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بها .
وهاجر في سبيل الله أي بأمر من رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمون إلى المدينة النبوية قبل وبعد هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إليها .
ولما تمّ فتح مكة لم يأذن النبي صلى الله عليه وسلم بالهجرة إليه رغم تأخر وفاته عن فتح مكة سنتين كاملتين وبضعة أشهر .
وهكذا توقفت الهجرة في سبيل الله يوم فتح مكة كما هي دلالة الأحاديث النبوية الصحيحة ومنها :
حديث :”لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية وإذا استنفرتم فانفروا”
(عن ابن عباس مرفوعا ) في صحيح البخاري كتاب الجهاد والسير باب وجوب النفير وما يجب من الجاد والنية
وهو من مكررات البخاري .
وحديث :”لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية وإذا استنفرتم فانفروا”
( عن عائشة مرفوعا ) في صحيح مسلم كتاب الإمارة باب المبايعة بعد فتح مكة على الإسلام والجهاد
وكذلك في سنن الترمذي والدارمي وصحيح ابن حبان ومستدرك الحاكم ومسند أحمد ومصنف عبد الرزاق .
قلت : وتعني هذه الأحاديث والأخبار وغيرها انقطاع الهجرة في سبيل الله بعد فتح مكة إذ لم يأذن النبي صلى الله عليه وسلم بعد فتح مكة لأحد بالهجرة إليه ولم يأمره بهجرة عموما بعد فتح مكة .
وقد تقع من المؤمنين هجرة بعد ذلك ولكن لا يقع عليها الوصف بأنها في سبيل الله غير أنها قد تكون شرعية إن كانت لأجل الفرار بالدين من الفتن كما هو مدلول قوله ﴿ يا عبادي الذين آمنوا  إن أرضي واسعة فإياي فاعبدون ﴾ العنكبوت  56  ومن المثاني معه قوله ﴿ قل يا عباد الذين آمنوا اتقوا ربكم للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة وأرض الله واسعة إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب ﴾. الزمر 10 ويعني إذا منعتم من عبادة ربكم فابحثوا عن أرض تتمكنون فيها من عبادة ربكم وكما تقدم من اعتزال أهل الكهف قومهم فرارا بدينهم من الفتن .

وتضمن الكتاب المنزل فقها لكل مرحلة

فقه مرحلة الاستضعاف

إن التكليف الأول المنزل من عند الله في المرحلة الابتدائية الأولى مرحلة الاستضعاف هو كما في قوله :
 ﴿ كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ﴾  النساء  77
 ﴿ وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما ﴾ الفرقان 63
 ﴿ ويدرأون بالحسنة السيئة ﴾  الرعد 22  القصص 54 
 ﴿ إن عليك إلا البلاغ ﴾  الشورى 48
وهي نفس التكاليف المنزلة من عند الله على جميع الرسل والنبيين الذين لم يمكّن لهم في الأرض .

فقه مرحلة الدفاع

أما في المرحلة الثانية وبعد التميّز بالهجرة فقد نزل الإذن بالقتال كما في قوله :
 ﴿ أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا ﴾ الحج 39
 ﴿ كتب عليكم القتال وهو كره لكم ﴾ البقرة 216
 ﴿ وقاتلوا في سبيل الله ﴾  البقرة  244
 ﴿ فليقاتل في سبيل الله الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة ﴾  النساء 74
ويعني حرف الحج أن الله قد أذن لهم بالقتال دفاعا بقرينة وصفهم بأنهم ظلموا أما قبل نزول حرف الحج هذا في الثانية من الهجرة فلم ينزل عليهم الإذن بالقتال ولو قاتلوا قبله لما كان قتالهم شرعيا فضلا عن وصفه بأنه في سبيل الله .
ويعني أول البقرة يوم نزل أن الله قد كتب أي فرض القتال على المسلمين .
ويعني حرف النساء وثاني البقرة أن الله قد كلّف المؤمنين بالقتال في سبيل الله خاصة أي بالقتال الذي يأمرهم به رسول الله أي ليس لهم أن يتخلّفوا عنه وليس لهم أن يقاتلوا قبل أن يقع عليهم أمر النبي صلى الله عليه وسلم به في كل مرة يؤمرون فيها بالخروج للقتال أي في سبيل الله .
ولا يعني الإذن الأول أنهم مأذونون أبدا أي في كل وقت شاءوه أو شاءه أحدهم بقتل أو قتال من قدروا عليه من الكفار وإنما يعني أنهم قد أصبحوا في مرحلة الدفاع كما في قوله ﴿ والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون ﴾ الشورى 39  وقوله ﴿ وقاتلوا في سبيل الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين ﴾ البقرة 190  وقوله ﴿ فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم ﴾ البقرة  194 وأنهم قد  تجاوزوا المرحلة الابتدائية الأولى مرحلة الصبر وكف الأيدي عن القتال .
ولن يستطع إنفاذ القتال المأذون به ليجعل المسلمين عمليا في مرحلة التنفيذ غير رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي يتلقى الوحي يأمره ربه بإنفاذه على فلان وفلان أو على طائفة معلومة أو على أصحاب قرية معلومة من الكفار ، وكلما خرج الرسول صلى الله عليه وسلم والذين آمنوا معه لإنفاذه فقد خرجوا في سبيل الله وجاهدوا في سبيل الله فإن قاتلوا ففي سبيل الله الذي أمرهم بتلك الغزوة كما هي دلالة قوله ﴿ ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله ﴾ الحشر 5 وكما في قوله ﴿ إذ تحسّونهم بإذنه ﴾ آل عمران 152 ويعني أن الله أذن لهم بذلك أي أمرهم به ، وإن القتيل منهم لفي سبيل الله قد قتل  .
إن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يخرج من بيته غازيا أو يجهز سرية أو يبعث بعثا إلا طاعة لله الذي أمره بتلك الغزوة أو السرية بذاتها كما هي دلالة قوله :
 ﴿ كما أخرجك ربك من بيتك بالحق ﴾ الأنفال  5
 ﴿ وإذ غدوت من أهلك تبوّئ المؤمنين مقاعد للقتال ﴾  عمران 121
  ﴿ يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم ﴾ الأنفال 24
 ﴿ ويقول الذين آمنوا لولا نزّلت سورة فإذا أنزلت سورة محكمة وذكر فيها القتال ﴾ القتال 20
 ﴿ وإذا أنزلت سورة أن آمنوا بالله وجاهدوا مع رسوله ﴾ التوبة  86
 ﴿ يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض ﴾ التوبة  38
 ﴿ وقيل لهم تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا ﴾ عمران  167
ويعني أول الأنفال وأول عمران أن الله قد أمر رسوله بالخروج من بيته إلى العدو بالحق وهو الوحي من الله ، وأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يخرج من بيته اجتهادا منه أو قصد الإنتقام من قريش .
ويعني ثاني الأنفال أمر الذين آمنوا بطاعة الله ورسوله إذا دعاهم لما يحييهم وهو الجهاد في سبيل الله لما في القتل في سبيل الله من الحياة البرزخية كما في قوله ﴿ ولا تحسبنّ الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون ﴾ عمران 169 ومن المثاني معه قوله ﴿ ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات بل أحياء ولكن لا تشعرون ﴾ البقرة 154 ومن المثاني معه قوله ﴿ قيل ادخل الجنة قال يا ليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين ﴾ يـس 26 ـ 27 وهو من الذكر من الأولين والأحرف الثلاثة ( حرف البقرة وآل عمران والأنفال ) من الوعد في الآخرين .
ويعني حرف القتال أن قد تمنى الصحابة بعد منتصف العهد النبوي أن ينزل الله سورة يأذن فيها بالقتال في سبيله مما يعني أنهم رغم نزول الإذن الأول في حرف الحج سيحتاجون قبل كل سرية أو غزوة إلى إذن آخر .
ولقد تجدد في السنة التاسعة بعد الهجرة نزول حرف التوبة يأمر بالجهاد مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك بعد نزول الإذن الأول في حرف الحج في السنة الثانية من الهجرة .
ويعني حرف القتال وثاني التوبة أن الإذن بالقتال في سبيل الله متجدد  لن يقع الإذن بإنفاذه إلا إذا أنزلت سورة يأمر الله فيها بإنفاذه على عدو معلوم مخصوص ، وأن الوحي هو الذي يأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالقتال في كل مرة .
ويعني القول المجهل ” قيل ” في أول التوبة وثاني آل عمران أن الوحي كان يتنزل في كل مرة يأمر الله فيها  بالقتال  أوالنفير في سبيل الله  .
وإن من تفصيل الكتاب وأصول التشريع والخطاب أن قوله ﴿ قيل ﴾ حيث وقعت في الكتاب المنزل فإنما للدلالة على الوحي لا غيره .
ومنه قوله ﴿ فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم ﴾ البقرة 59 أي بدلوا الوحي الذي أنزل على موسى  وهو قوله ﴿ وإذ قلنا ادخلوا هـذه القرية فكلوا منها حيث شئتم رغدا وادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة ﴾ البقرة 58 .
ومنه قوله ﴿ وإذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم رسول الله  لوّوا رؤوسهم ﴾ المنافقون 5  والقول الذي قيل لهم هو قوله ﴿ ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول  لوجدوا الله توابا رحيما ﴾ النساء 64 .
ومنه قوله ﴿ ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين ﴾ التوبة 46 والقول الذي قيل لهم هو قوله ﴿ فإن رجعك الله إلى طائفة منهم فاستأذنوك للخروج فقل لن تخرجوا معي أبدا ولن تقاتلوا معي عدوا إنكم رضيتم بالقعود أول مرة فاقعدوا مع الخالفين ﴾ التوبة 83 وكذلك  قوله ﴿ سيقول المخلفون إذا انطلقتم إلى مغانم لتأخذوها ذرونا نتبعكم يريدون أن يبدلوا كلام الله  قل لن تتبعونا كذلكم قال الله من قبل ﴾ الفتح 15 ،  ولا يخفى أن قول الله من قبل هو قوله ﴿ وقيل اقعدوا مع القاعدين ﴾ وقوله ﴿ فاقعدوا مع الخالفين ﴾ ، فذلك دليل تأخر نزول حرف الفتح عن حرفي التوبة .
وإلا فإنما هو قول الملائكة تخاطب المخالب بالقول المجهل كما في قوله ﴿ قيل يا نوح اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى أمم ممن معك وأمم سنمتعهم ثم يمسّهم منا عذاب أليم ﴾ هود 48 وإنما هو قول الملائكة نبأت به نوحا بعد إغراق قومه .
ومنه قوله ﴿ قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا ﴾ الحديد 13 وإنما هو قول الملائكة في يوم الدين تخاطب المنافقين والمنافقات .
ومنه قوله ﴿ قيل ادخل الجنة ﴾ يـس 26 وإنما هو قول الملائكة تخاطب الرجل الذي جاء من أقصى المدينة ليعز الرسل الثلاثة لما قتله قومه .
إن الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة هم بنوا إسرائيل بعد أن أمروا بالقتال في سبيل الله في التوراة ، وعلّق إنفاذه بسبب قولهم ﴿ يا موسى إنا لن ندخلها أبدا ما داموا فيها فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا ها هنا قاعدون ﴾  المائدة 24 ، وبعد موسى سلّط الله عليهم عدوا جبارا أخرجهم من الديار والأبناء كما في قولهم ﴿ وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا ﴾  البقرة  246  وكان نبيهم يومها قد قال لهم ﴿ كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ﴾  النساء 77  أي كفوا أيديكم عن القتال رغم استضعافهم واحتلال جالوت وجنوده ديارهم ورهن الأبناء فيها وإخراج الآباء منها ولم يأذن لهم بالقتال في سبيل الله إلا لمّا بعث الله لهم طالوت ملكا ، وكان القتال مع طالوت هو القتال في سبيل الله لا غيره ، ولو سارع بعضهم لأجل الحماس إلى القتل والاغتيال في صفوف جالوت وجنوده قبل نزول الإذن بالقتال مع طالوت لما كانوا من المقاتلين في سبيل الله وكما هو صريح حرف البقرة في قوله ﴿ ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله ﴾  البقرة  246  ويعني أن إخراجهم من الديار والأبناء لا يجعل قتال المعتدي الظالم الذي احتل الديار وأخرج الآباء ورهن الأبناء قتالا في سبيل الله .
إن أولئك اليهود أفقه في الكتاب المنزل من عند الله من فقهائنا الذين يوجبون القتال في هـذه المرحلة المشابهة لتلك ، ولأنهم حانقون على العدو ولأن نبيّهم شيخ كبير فقد سألوه أن يبعث لهم ملكا أي قائدا شابا يختاره لقيادتهم ولن يفعل النبي ذلك إلا بأمر الله  وإنما سألوا نبيّهم التزاما منهم بإنفاذ الأمر لو نزل من عند الله وأنهم لن يقولوا كما قال سلفهم لموسى ﴿ فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هـاهنا قاعدون ﴾ المائدة 24 .
وإن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يخرج من بيته غازيا أو يجهز سرية أو يبعث بعثا إلا طاعة لله الذي أمره بتلك الغزوة أو السرية بذاتها كما هي دلالة الأحاديث النبوية التالية :
في مسند أحمد ” مسند جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنه .
الحديث رقم 14373  بسنده عن جابر بن عبد الله  : أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : … إنه ليس لنبيّ إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يقاتل .
في سنن البيهقي الكبرى “كتاب النكاح ” باب لم يكن له إذا لبس لأمته أن ينزعها حتى يلقى العدو ولو بنفسه .
في الحديث رقم 13563 عن عروة : فذكر قصة أحد و إشارة النبي صلى الله عليه و سلم على المسلمين بالمكث في المدينة ، و إن كثيراً من الناس أبوا إلا الخروج إلى العدو قال : و لو تناهوا إلى قول رسول الله صلى الله عليه و سلم  وأمره كان خيراً لهم ، و لكن غلب القضاء و القدر ، قال :  وعامة من أشار عليه بالخروج رجال لم يشهدوا بدراً ، و قد علموا الذي سبق لأهل بدر من الفضيلة ، فلما صلى رسول الله صلى الله عليه و سلم صلاة الجمعة و عظ الناس وذكرهم  وأمرهم بالجد و الاجتهاد ، ثم انصرف من خطبته و صلاته فدعا بلأمته فلبسها ، ثم أذن في الناس بالخروج ، فلما أبصر ذلك رجال من ذوي الرأي قالوا : أمرنا رسول الله صلى الله عليه و سلم أن نمكث بالمدينة ، فإن دخل علينا العدو قاتلناهم في الأزقة ، و هو أعلم بالله و بما يريد ، ويأتيه الوحي من السماء ، ثم أشخصناه فقالوا : يا نبي الله أنمكث كما أمرتنا ، قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : لا ينبغي لنبيّ إذا أخذ لأمة الحرب و أذن في الناس بالخروج إلى العدو أن يرجع حتى يقاتل ، و قد دعوتكم إلى هذا الحديث فأبيتم إلا الخروج ، فعليكم بتقوى الله والصبر إذا لقيتم العدو ، وانظروا ما أمرتكم به فافعلوه فخرج رسول الله صلى الله عليه و سلم والمسلمون معه ، و ذكر الحديث ، و كتبناه موصولاً بإسناد حسن .
وفي الحديث رقم 13564  عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : تنفل رسول الله صلى الله عليه و سلم سيفه ذا الفقار يوم بدر ، قال ابن عباس رضي الله عنهما : وهو الذي رأى فيه الرؤيا يوم أحد ، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه و سلم لما جاءه المشركون يوم أحد كان رأيه أن يقيم بالمدينة فيقاتلهم فيها ، فقال له ناس لم يكونوا شهدوا بدراً : تخرج بنا يا رسول الله إليهم نقاتلهم بأحد ، و رجوا أن يصيبوا من الفضيلة ما أصاب أهل بدر ، فما زالوا به حتى لبس أداته ، ثم ندموا  وقالوا : يا رسول الله أقم فالرأي رأيك ، فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : ما ينبغي لنبي أن يضع أداته بعد أن لبسها ، حتى يحكم الله بينه و بين عدوه …
قلت : وإنما ذلك لأن النبيّ وكذا كل نبي من قبل لم يلبس أداة الحرب أي لأمته إلا بأمر الله أي بوحيه إليه ليخرج إلى الجهاد ( في سبيل الله ) لقتال عدو الله ولن يتخلف النبي  صلى الله عليه وسلم عن أمر الله ولن يضعها حتى يحكم الله أي بالوحي إليه كذلك .
قلت : ودلالة اللفظ التالي من حديث عروة ” وعامة من أشار عليه بالخروج رجال لم يشهدوا بدراً ، و قد علموا الذي سبق لأهل بدر من الفضيلة ” ودلالة اللفظ التالي من حديث بن عباس ” فقال له ناس لم يكونوا شهدوا بدراً : تخرج بنا يا رسول الله إليهم نقاتلهم بأحد ، ورجوا أن يصيبوا من الفضيلة ما أصاب أهل بدر ، فما زالوا به حتى لبس أداته ” :
أن الذين لم يشهدوا بدرا من الصحابة انتظروا سنة كاملة على أحر من الصبر على الجمر ليقع لهم الإذن من الله بالقتال في سبيل الله ولما وقع الإذن حرصوا أن يكون القتال خارج المدينة لينالوا مثل ما نال أهل بدر من الأجر والفضيلة ، ولقد كان بعض الصحابة الذين لم يحضروا بدرا قد عاهدوا الله أن يصدقوا في اللقاء ليكرمهم بالقتل في سبيل الله إذا أذن الله لنبيه صلى الله عليه وسلم بقتال آخر وتأخر عنهم الإذن سنة كاملة حتى نزل الإذن بالقتال في غزوة أحد . 
وكما لم يكن للصحابة الذين لم يشهدوا بدرا أن يقاتلوا في سبيل الله ليكرمهم الله بالشهادة قبل أن يأذن لهم رسول الله بقتال آخر بعد غزوة بدر ، فلم يكن أي من كبار الصحابة يملك شرعية أن يضرب رأس من قدر عليه من الكفار أو يغتاله  ، ولقد استأذن بعض الصحابة النبي صلى الله عليه وسلم ليأذن لهم بضرب رؤوس بعض  الكفار والمنافقين فلم يأذن ، ولو فعلوا دونما إذنه لما كان في سبيل الله ، كما لم يكن قتل خالد بن الوليد ـ يوم بعثه النبي صلى الله عليه وسلم أميرا على سرية إلى بني جذيمة ـ بعض المشركين من القتال في سبيل الله ، وإنما أعلن النبي صلى الله عليه وسلم براءته مما صنع خالد ، وودى القتلى ، وهل يصح اعتقاد أن النبي صلى الله عليه وسلم قد تبرأ من قتال في سبيل الله  ، أو صدّ عن قتل في سبيل الله ومنعه يوم استأذنه بعض الصحابة في قتل من اتهموهم بالنفاق ؟
وكذلك دلالة الأحاديث النبوية الصحيحة التالية :
1. ما أخرجه البخاري في كتاب المغازي باب بعث النبي صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد إلى بني جذيمة وهو الحديث رقم 4339 بسنده عن الزهري عن سالم عن أبيه قال بعث النبي صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد إلى بني جذيمة فدعاهم إلى الإسلام فلم يحسنوا أن يقولوا أسلمنا فجعلوا يقولون : صبأنا صبأنا ، فجعل خالد يقتل منهم ويأسر ودفع إلى كل رجل منا أسيره حتى إذا كان يوم أمر خالد أن يقتل كل رجل منا أسيره فقلت والله لا أقتل أسيري ولا يقتل رجل من أصحابي أسيره حتى قدمنا على النبي صلى الله عليه وسلم فذكرناه فرفع النبي صلى الله عليه وسلم يده فقال :”اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد ” مرتين ، وهو مكرر في صحيح البخاري .
2. ما اتفق عليه البخاري ومسلم من استئذان عمر بن الخطاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ليأذن له بضرب عنق حاطب بن أبي بلتعة أن أرسل إلى أهل مكة يخبرهم ببعض أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم واحتج عمر بقوله ” يا رسول الله ، قد خان الله ورسوله والمؤمنين فدعني فلأضرب عنقه ” ولم يأذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم وكما في البخاري في الحديث رقم 3983  والحديث رقم 3007  وفي صحيح مسلم في الحديث رقم 2494 .
3. ما اتفق عليه البخاري ومسلم من استئذان عمر بن الخطاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ليأذن له بضرب عنق رأس النفاق ابن أبي سلول بعد أن قال مقالة السوء ” لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل ، وهو من مكررات البخاري في كتاب التفسير وفي كتاب المناقب باب ما ينهى من دعوى الجاهلية وهو في مسلم الحديث رقم 2584 .
قلت : ولعل قادة الجماعات الجهادية في هذه المرحلة مرحلة الاستضعاف يفقهون أنهم ليسوا أفضل من خالد بن الوليد يوم كان أميرا أمّره النبي الأمي صلى الله عليه وسلم بعد فتح مكة على سرية إلى بني جذيمة فقتل منهم من قتل قتلا ليس من الجهاد ولا القتال في سبيل الله في شيء إذ برئ منه النبي الأمي صلى الله عليه وسلم وودى القتلى .
ولعلهم يفقهون أنهم ليسوا خيرا من عمر بن الخطاب وسائر الصحابة الذين استأذنوا النبي صلى الله عليه وسلم أكثر من مرة في أكثر من مناسبة ليأذن لهم بضرب من اتهموه بالنفاق ومنهم المنافقون المعلوم بالوحي نفاقهم وأنهم من أهل النار كابن أبي سلول ولو سارع بعضهم بدافع الحماس للدين وقتل منهم من قدر عليه لما كان قتله موصوفا شرعا بأنه في سبيل الله .
ولقد كانت بعوث وسرايا النبي صلى الله عليه وسلم تغزو وتجاهد وتقاتل في سبيل الله غير أنها لم تكن معصومة من الخطإ عصمة النبي صلى الله عليه وسلم كما هي دلالة الأحاديث النبوية التالية :
الحديث رقم 1731 في صحيح مسلم في كتاب الجهاد والسير باب تأمير الإمام الأمراء على البعوث ووصية ـ ـ
عن سليمان بن بريدة عن أبيه قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أمّر أميرا على جيش أو سرية أوصاه في خاصته بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيرا ثم قال أغزو باسم الله في سبيل الله قاتلوا من كفر بالله اغزو ولا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليدا وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال أو خلال فأيتهن ما أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم ثم ادعهم إلى الإسلام فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين وأخبرهم أنهم إن فعلوا ذلك فلهم ما للمهاجرين وعليهم ما على المهاجرين فإن أبوا أن يتحولوا منها فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين يجري عليهم حكم الله الذي يجري على المؤمنين ولا يكون لهم في الغنيمة والفيء شيء إلا أن يجاهدوا مع المسلمين فإن هم أبوا فسلهم الجزية فإن هم أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم فإن هم أبوا فاستعن بالله وقاتلهم وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تجعل لهم ذمة الله وذمة نبيه فلا تجعل لهم ذمة الله ولا ذمة نبيه ولكن اجعل لهم ذمتك وذمة أصحابك فإنكم أن تخفروا ذممكم وذمم أصحابكم أهون من أن تخفروا ذمة الله وذمة رسوله وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تنزلهم على حكم الله فلا تنزلهم على حكم الله ولكن أنزلهم على حكمك فإنك لا تدري أتصيب حكم الله فيهم أم لا .
الحديث رقم 2858 في سنن ابن ماجه كتاب الجهاد باب وصية الإمام
عن ابن بريدة عن أبيه قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أمّر رجلا على سرية أوصاه في خاصة نفسه بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيرا فقال اغزوا باسم الله وفي سبيل الله قاتلوا من كفر بالله اغزوا ولا تغدروا ولا تغلوا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليدا وإذا أنت لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى إحدى ثلاث خلال أو خصال فأيتهن أجابوك إليها فاقبل منهم وكف عنهم ادعهم إلى الإسلام فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين وأخبرهم إن فعلوا ذلك أن لهم ما للمهاجرين وأن عليهم ما على المهاجرين وإن أبوا فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين يجري عليهم حكم الله الذي يجري على المؤمنين ولا يكون لهم في الفيء والغنيمة شيء إلا أن يجاهدوا مع المسلمين فإن هم أبوا أن يدخلوا في الإسلام فسلهم إعطاء الجزية فإن فعلوا فاقبل منهم وكف عنهم فإن هم أبوا فاستعن بالله عليهم وقاتلهم وإن حاصرت حصنا فأرادوك أن تجعل لهم ذمة الله وذمة نبيك فلا تجعل لهم ذمة الله ولا ذمة نبيك ولكن اجعل لهم ذمتك وذمة أبيك وذمة أصحابك فإنكم إن تخفروا ذمتكم وذمة آبائكم أهون عليكم من أن تخفروا ذمة الله وذمة رسوله وإن حاصرت حصنا فأرادوك أن ينزلوا على حكم الله فلا تنزلهم على حكم الله ولكن أنزلهم على حكمك فإنك لا تدري أتصيب فيهم حكم الله أم لا .
الحديث رقم 2352 في سنن الدارمي ومن كتاب السير باب في الدعوة إلى الإسلام قبل القتال
عن سليمان بن بريدة ، عن أبيه قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أمّر رجلا على سرية أوصاه : إذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى إحدى ثلاث خلال ، أو ثلاث خصال ، فأيتهم أجابوك إليها فاقبل منهم وكف عنهم ، ثم ادعهم إلى الإسلام ، فإن هم أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم ، ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين ، وأخبرهم إن هم فعلوا أن لهم ما للمهاجرين وأن عليهم ما على المهاجرين ، فإن هم أبوا فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين ، يجري عليهم حكم الله الذي يجري على المسلمين ، وليس لهم في الفيء والغنيمة نصيب إلا أن يجاهدوا مع المسلمين فإن هم أبوا أن يدخلوا في الإسلام فسلهم إعطاء الجزية ، فإن فعلوا فاقبل منهم وكفّ عنهم ، فإن هم أبوا فاستعن بالله وقاتلهم ، وإن حاصرت أهل حصن فإن أرادوك أن تجعل لهم ذمة الله وذمة نبيه فلا تجعل لهم ذمة الله ولا ذمة نبيه ، ولكن اجعل لهم ذمتك وذمة أبيك وذمة أصحابك ، فإنكم إن تخفروا بذمتكم وذمة آبائكم أهون عليكم من أن تخفروا ذمة الله وذمة رسوله ،
وإن حاصرت حصنا فأرادوك أن ينزلوا على حكم الله فلا تنزلهم على حكم الله ، ولكن أنزلهم على حكمك ، فإنك لا تدري أتصيب حكم الله فيهم أم لا ؟ ثم اقض فيهم بما شئت .
الحديث رقم 9428 في مصنف عبد الرزاق في كتاب الجهاد باب دعاء العدو
عن سليمان بن بريدة الأسلمي عن أبيه قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أمّر أميرا على جيش أو سرية أوصاه في خاصة نفسه بتقوى الله ، وبمن معه من المسلمين خيرا ، ثم قال : اغزوا بسم الله في سبيل الله ، فقاتلوا من كفر بالله ، اغزوا ولا تغدروا ، ولا تمثلوا ، ولا تغلوا ، ولا تقتلوا وليدا ، إذا أنت لقت عدوك من المشركين ، فادعهم إلى ثلاث خصال أو خلال فأيتهن ما أجابوك منها ، فاقبل منهم وكف عنهم ، وادعهم إلى الإسلام ، فإن هم أجابوا ، فاقبل منهم ، وكف عنهم ، ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين ، وأخبرهم أن لهم ما للمهاجرين ، وعليهم ما على المهاجرين ، فإن هم أبوا أن يتحولوا من دارهم إلى دار المهاجرين ، فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين ، يجري عليهم حكم الله الذي يجري على المؤمنين ، ولا يكون لهم في الفيء والغنيمة شيء ، إلا يجاهدوا مع المسلمين ، فإن هم أبوا أن يدخلوا في الإسلام ، فسلهم إعطاء الجزية ، فإن فعلوا فاقبل منهم وكف عنهم ، فإن أبوا فاستعن بالله وقاتلهم ، وإن حاصرت أهل حصن  فأرادوك أن تجعل لهم ذمة الله وذمة نبيه صلى الله عليه وسلم فلا تجعل لهم ذمة الله ولا ذمة نبيه ، ولكن اجعل لهم ذمتك وذمة أبيك وذمم أصحابكم ، فأنكم أن تخفروا ذمتكم وذمة آبائكم أهون عليكم من أن تخفروا ذمة الله وذمة رسوله صلى الله عليه وسلم ، وإن حاصرت أهل حصن فأرادوك على أن تنزلوهم على حكم الله فلا تنزلهم على حكم الله ولكن أنزلهم على حكمك فأنك لا تدري أتصيب حكم الله فيهم أم لا .
قلت : وإن أكبر الفقه ورأس العلم ذلكم الفقه الفقه الأكبر الذي يهدي إليه الحديث النبوي ولعل منه الفقه التالي :
1. أن الحديث والتكليف النبوي ” اغزوا بسم الله في سبيل الله ، فقاتلوا من كفر بالله” إنما وقع على السرايا والبعوث التي بعثها النبي الأميّ صلى الله عليه وسلم وهكذا كان غزوهم باسم الله الذي كلّفهم بها على لسان النبي صلى الله عليه وسلم وفي سبيل الله أي أن الله هو الذي أذن لنبيه بإرسال تلك السرية بذاتها إلى العدو المعلوم المخصوص ، أما سائر الصحابة فلم يكونوا مأذونين بذلك الغزو والبعث ولو فعلوا لكانوا ممن عصوا الله ورسوله .
2. أن تلك السرايا المخاطبة بهذا الحديث كانت كلها قبل فتح مكة بقرينة الحديث ” ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين” وهي دعوتهم ـ باسم رسول الله الذي أرسل تلك السرية ـ إلى الهجرة في سبيل الله ، أما بعد فتح مكة فقد انقطعت الهجرة في سبيل الله كما هو معلوم من الأحاديث النبوية وتقدم ذكرها .
3. أن نهي النبي صلى الله عليه وسلم قواده عن الغدر والتمثيل وقتل الولدان لن يجتمع بحال من الأحوال مع شرعية العمليات الانتحارية التي تقع على حين غفلة من الناس أي غدرا بهم قبل دعوتهم إلى الإسلام أو الجزية لو كانوا غير مسلمين ويقع التمثيل من أصحاب العمليات الانتحارية بأنفسهم وبغيرهم من الناس ومنهم المسلمون والولدان ومن لا ناقة له ولا جمل ويقع فيها قتل الولدان الذي نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم قواده وسراياه .
4. أن أمراء جيوش النبي صلى الله عليه وسلم وسراياه ليس لهم شرعا أن يجعلوا لعدوهم ذمة الله وذمة نبيه في معاهداتهم ويعني أن غيرهم من المتأخرين أحرى أن لا ينال هذه المرتبة .
5. أن أمراء جيوش النبي صلى الله عليه وسلم وسراياه ليس لهم شرعا أن ينزلوا من استسلم على حكم الله بل نهاهم النبي صلى الله عليه وسلم صراحة عن ذلك لأنهم لا يدرون أيصيبون فيهم حكم الله أم لا ؟ وذلك أن حكم الله وسبيل الله لا يستطيع إيقاعه على قوم مخصوصين غير رسل الله الذين تلقوا الوحي من الله .
6. أن خواص المسلمين عبر التاريخ بعد الصحابة العدول لن يستطيعوا إيقاع القتال في سبيل الله ولا الحكم بحكم الله في قوم مخصوصين وعدو معلوم فما بالنا بقادة التنظيمات السرية الجهادية الذين يرسلون منفذي العمليات الانتحارية ويفتونهم ـ تقولا على الله بغير علم ـ أنهم في سبيل الله وفي الجنة .
7. أن الخطأ المنهجي الذي وقع فيه التراث الإسلامي أي المصنفون من المحدثين والفقهاء والمفسرين أنهم جعلوا لكل أمير أو ملك أو سلطان نفس صلاحيات النبي صلى الله عليه وسلم وأن يخاطب أمراء الجند بنفس ما خاطب به النبي الأمي صلى الله عليه وسلم أمراء جيوشه وسراياه ” اغزوا بسم الله في سبيل الله فقاتلوا من كفر بالله “
8. أن الخطأ المنهجي الذي وقع فيه قادة المنظمات الجهادية أنهم جعلوا لأنفسهم ما للنبي صلى الله عليه وسلم من بعث الجيوش والسرايا ومن إيقاع الغزوات في سبيل الله وباسم الله مع فارق أنهم أفتوا أنفسهم وأفتوا متبوعيهم بمخالفة نهي الني الأمي صلى الله عليه وسلم عن الغدر والتمثيل وقتل الولدان ، فوا عجبا أيحسبون أنهم أهدى من النبي الأمي صلى الله عليه وسلم .
9. إن الخصلتين الدعوة إلى الإسلام أو الجزية قبل الخصلة الثالثة التي كلف بها النبي صلى الله عليه وسلم أمراءه أن يدعوا إليها من كفر بالله لن تجتمع بحال من الأحوال مع العمليات الانتحارية التي تعتمدها المنظمات الجهادية المعاصرة إذ تعني يوم يلتزمونها أنهم قد أصبحوا طائفة أو جماعة معلومة ظاهرة مقاتلة وهو ما يتعارض مع وضعيتهم كمنظمات سرية وهو ما لا يتأتى إلا لمجموعات مقاتلة تأوي إلى سلكان ظاهر غير مستتر .
إن إنفاذ بعث أسامة بالجيش بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم لمن الجهاد في سبيل الله إذ أمر به النبيّ صلى الله عليه وسلم في حياته .

فقه النبوة في المرحلة الثالثة مرحلة التمكين

إن الأحاديث النبوية الصحيحة التالية المقتبسة من الشبكة الإسلامية لتقع على مرحلة التمكين بعد تجاوز مرحلة الدفاع :
حديث رقم: 1335
صحيح البخاري > كتاب الزكاة > باب وجوب الزكاة وقول الله وأقيموا الصلاة ـ ـ
ولفظه : “أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فمن قالها فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله “
حديث رقم: 2786
صحيح البخاري > كتاب الجهاد والسير > باب دعاء النبي إلى الإسلام والنبوة وأن لا يتخذ ـ ـ
ولفظه “أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فمن قال لا إله إلا الله فقد عصم مني نفسه وماله إلا بحقه وحسابه على الله “
حديث رقم: 21
صحيح مسلم > كتاب الإيمان > باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا لا إله إلا ـ ـ
ولفظه “أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فمن قال لا إله إلا الله عصم منى ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله”.
حديث رقم: 21
صحيح مسلم > كتاب الإيمان > باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا لا إله إلا ـ ـ
ولفظه “أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ويؤمنوا بي وبما جئت به فإذا فعلوا ذلك عصوا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله “
حديث رقم: 21
صحيح مسلم > كتاب الإيمان > باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا لا إله إلا ـ ـ
ولفظه  “أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوا لا إله إلا الله عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله “
حديث رقم: 6855
صحيح البخاري > كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة > باب الاقتداء بسنن رسول الله وقول الله واجعلنا ـ ـ
ولفظه “أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فمن قال لا إله إلا الله عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله”
حديث رقم: 22
صحيح مسلم > كتاب الإيمان > باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا لا إله إلا ـ ـ
ولفظه “أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله “
حديث رقم: 25
صحيح البخاري > كتاب الإيمان > باب فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة ـ ـ
ولفظه “أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله “
ولقد أجمع على هذه الصيغة “أمرت أن أقاتل” كل من سنن أبي داوود والترمذي والنسائي وابن ماجه والدارمي وصحيح ابن حبان وابن خزيمة ومستدرك الحاكم ومسند أحمد وأبي يعلى الموصلي وسنن سعيد بن منصور ومصنف عبد الرزاق والبحر الزخار مسند البزار وسنن البيهقي الكبرى وشعب الإيمان والدارقطني بأسانيدهم المختلفة .
قلت : ولا يخفى أن جميع الروايات هي بلفظ “أمرت ” بتاء المتكلم المضمومة ويعني أن النبيّ الأميّ صلى الله عليه وسلم هو المأمور بقتال الكفار على الإسلام وكما هو صريح الحديث ” أمرت ” ، ولم تتضمن الروايات المتعددة إيقاع التكليف على جماعة المسلمين مثل قولنا ( آمركم أن تقاتلوا الناس حتى …) أو قولنا ( إن الله أمركم أن تقاتلوا الناس حتى …) وهو ما خلت منه روايات الحديث النبوي رغم تعدد أسانيدها ومتونها .
إن المأمور بمقاتلة الناس هو النبي الأمي صلى الله عليه وسلم إذ وقع عليه الأمر من الله بالوحي إليه.
وإن الأمر في هذا الحديث لأكثر من دفع الظلم الذي نزل به حرف الحج بل قد نزل بعد تجاوزه مرحلة الدفاع أي بعد انقضاء غزوة الأحزاب ودخوله مرحلة التمكين التي تعني أنهم أصبحوا يغزون بالتسمية ولا يغزون بالتجهيل ويومئذ أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يقاتل الناس بصيغة المفاعلة أي يقاتل الناس الذين يقاتلونه وإلا لكان الأمر إليه بقتل الناس أي من غير مقاتلة منهم حتى يقولوا أو يشهدوا أن لا إلـه إلا الله وأن محمدا رسول الله وهو ما خلت منه جميع الروايات في الحديث النبوي الصحيح كما لم يكن في تفصيل الكتاب المنزل أمر وتكليف من الله بقتل الناس حتى يقولوا لا إلـه إلا الله …بل لقد تضمن تفصيل الكتاب المنزل قوله ﴿ قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بيّنة من ربي وآتاني رحمة من عنده فعمّيت عليكم أنلزمكموها وأنتم لها كارهون ﴾ هود 28 وهو من قول أول الرسل نوح يخاطب قومه وكذلك جميع الرسل والنبيوين بعده ومن المثاني معه قوله  لا إكراه في الدين  البقرة 256 وهو من التشريع المنزل على خاتم النبيين الأمي صلى الله عليه وسلم .
ولن يجتمع هذا الإنصاف من رب العالمين مع تكليفه عباده المسلمين بقتل كل كافر ، ومتى أكره النبي الأمي صلى الله عليه وسلم في حياته أحدا على الشهادتين ؟
وإن من دين الله الذي ارتضى لعباده أن لا إكراه في الدين وأن أذن لنبيه بقتال الذين يصدون عن سبيل الله .
إن روايات الحديث لتجتمع على لفظ ” أمرت أن أقاتل ” بضمير المتكلم في الفعلين مما يعني وقوعه على النبي صلى الله عليه وسلم ولن يتخلف الصحابة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه كما في قوله ﴿ ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه ﴾ التوبة 120 أي لن يتخلفوا عن الغزو معه أو طاعته في المسير مع بعوثه وسراياه أما بعده فلم يشملهم التكليف الذي يختلف عن مقتضى تأويل المتأولين ( أمرت أن نقاتل الناس ) بإسناد فعل المقاتلة إلى جماعة المتكلم وعصبته أو الشاهدين تنزل الخطاب .
وكذلك تختلف روايات الحديث المجمعة على صيغة ” أمرت أن أقاتل ” عن مقتضى تأويل المتأولين ( أمرت أن يقاتل الناس ) بصيغة التجهيل في فعل المقاتلة وهو ما يتمسك به الجهاديون اليوم لو سلم لهم قتل المعصوم دمه وماله من المسلمين غير المقاتلين .
إن الروايات المجتمعة للحديث على صيغة ” فمن قال لا إلـه إلا الله فقد عصم مني ماله ونفسه ” لتوبق الجهاديين الانتحاريين الذين سفكوا ويسفكون دماءهم ولم يسعهم ما وسع النبي صلى الله عليه وسلم ومن اتبعه في الحديث النبوي ” فقد حرمت علينا دماؤهم وأموالهم إلا بحقها ” بل سفكوا واستحلوا دماء العوام الأبرياء من المسلمين الذين هم مستضعفون ولا حول لهم ولا طول ولا يستطيعون حيلة ولا سبيلا وكان الواجب نصرتهم بدل قتلهم والتمثيل بهم بالعمليات والتفجيرات . 
وأشفق على هؤلاء أن يخاصمهم يوم الدين عشرات الآلاف من المسلمين الذين يشهدون أن لا إلـه إلا الله وأن محمدا رسول الله ولم يكونوا مقاتلين بل تمزقت أشلاؤهم بما أصابهم من تمثيل الانفجارات والعمليات الانتحارية التي شهد عليها الأثير في بلاد الحرمين والشام والعراق والمغرب والجزائر وباكستان والأفغان وغيرها من أطراف الأرض ، ويحسب قادة المنظمات الجهادية أنهم يحسنون صنعا ، وليس صنيعهم هذا مما هداهم إليه النبي الأمي صلى الله عليه وسلم في حديثه النبوي ولا في القرآن المنزل عليه فلا حول ولا قوة إلا بالله الذي نسأله أن يهدينا وإياهم سواء السبيل . 
وليتهم يتأولون بعلم قوله ﴿ ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لم تعلموهم أن تطؤوهم فتصيبكم منهم معرّة بغير علم ﴾ الفتح 25 ، وإنما يعني أن حرمة دم وعرض الذين يكتمون إيمانهم في مكة في السادسة من الهجرة هو الذي فرض على النبي صلى الله عليه وسلم صلح الحديبية ومنعه من دخول مكة  عنوة لئلا  تنتهك ـ بغير علم ـ دماء وأعراض الذين يكتمون إيمانهم فتصيب الصحابة المعرة عند الله يوم الحساب ، ولن تصح إذن شرعية السيارات المفخخة ولا العمليات الإنتحارية التي يقتل فيها المنتحر نفسه ليتعدى حدود الله ومنها قوله ﴿ ولا تقتلوا أنفسكم ﴾ النساء 29 ويقتل فيها من يكتم إيمانه ومن يعلنه .
إن منفذي العمليات الانتحارية هم من يقع عليهم الحديث النبوي في الصحيحين عن جندب بن عبد الله رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “كان فيمن كان قبلكم رجل به جُرح فجزع فأخذ سكينًا فحزّ بها يده فما رقأ الدمُ حتى مات قال الله تعالى : بادرني عبدي بنفسه ، حرّمت عليه الجنة “
وفي الصحيحين أيضًا عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “من قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يتوجّأ بها في بطنه في نار جهنم خالدًا مخلدًا فيها أبدًا ، ومن شرب سمًا فقتل نفسه فهو يتحسّاه في نار جهنم خالدًا مخلدًا فيها أبدًا ومن تردّى من جبل فقتل نفسه فهو يتردى في نار جهنم خالدًا مخلدًا فيها أبدًا ”
وفي رواية للبخاري” الذي يخنُقُ نفسه يخنقها في النار ، والذي يطعن نفسه يطعنها في النار”

2 .قتال شرعي

إن قتال الصحابة بعد النبيّ صلى الله عليه وسلم الذين يلونهم من الكفار هو شرعي لقوله ﴿ يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار ﴾ التوبة 123   ومن المثاني معه قوله ﴿ قل للمخلفين من الأعراب ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد تقاتلونهم أو يسلمون ﴾ الفتح 16  ويعني أن الصحابة وهم الذين آمنوا ـ كما بينت في دلالة العلم في مقدمة التفسير “من تفصيل الكتاب وبيان القرآن” ـ قد كلّفهم الله في الكتاب المنزل بقتال من يليهم من الكفار كفارس والروم ووجب عليهم السمع والطاعة ولم يتضمن تفصيل الكتاب المنزل وصفه في حرفي التوبة والفتح بأنه في سبيل الله لتأخر نفاذه عن حياة النبي صلى الله عليه وسلم  .
إن المخلفين من الأعراب قد دعاهم أبو بكر وعمر إلى قتال أهل الردة بعد حياة النبي صلى الله عليه وسلم  وتلك دلالة قوله ﴿ قل ﴾ في القرآن دون سائر الكتاب ويعني أنه لن يقع في حياة النبي صلى الله عليه وسلم وإنما بعده في أمته ، كما بينت في دلالة القول من مقدمة التفسير ، ولا يخفى أن المخلفين من الأعراب هم المخلفون عن جهاد النبي صلى الله عليه وسلم في حياته الذين لم يلتحقوا به وإنما دعاهم بعده أبو بكر أما بعد جيل الصحابة فقد مضى وانقرض المخلفون من الأعراب .
ولم يخاطب الكتاب  جماعة المسلمين  بقتال بعد جيل الصحابة إلا قوله ﴿ وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمرالله ﴾ الحجرات  9  ويعني أن لجماعة المسلمين أن تقاتل الفئة الباغية بعد الصلح على طائفة أخرى من المؤمنين ، وكان قتال جماعة المسلمين الفئة الباغية شرعي مأذون به في الكتاب المنزل ولكن ليس من القتال في سبيل الله كما هي دلالة تجريده من الوصف بسبيل الله .
أما قتال الدولة الأموية فما بعده ـ إلا ما كان دفاعا في ظل سلطان مسلم ـ فليس شيء منه شرعيا فضلا عن وصفه بأنه في سبيل الله ولا يخفى فقه عمر ابن عبد العزيز رحمه الله إذ أوقف المد الإسلامي بالحملات العسكرية لما تسلم السلطنة .

3 .قتال الدفع

أما الدفع كما في قوله ﴿ وقيل لهم تعالوا قاتلوا في سبيل الله أوادفعوا ﴾ عمران 167 ومن المثاني معه قوله ﴿ وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هـذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك وليا واجعل لنا من لدنك نصيرا ﴾ النساء 75  فليس من القتال في سبيل الله إذ غاير بينهما وإنما هو سلوك الذي يقاتل حمية ، وهـكذا ندب إلى المنافقين فعله للدفاع عن المدينة في غزوة أحد كما في حرف آل عمران ولتخليص المستضعفين في مكة كما في حرف النساء لما أعرضوا عن القتال في سبيل الله أي طاعة لله ورسوله .
وإن من الدفع قتال صلاح الدين الأيوبي في ظل دولته إذ دفع عن شعبه صولة الصليبيين وقتال قطز في ظل دولته إذ دفع عن شعبه صولة التتار ولم أستكمل نماذجه عبر التاريخ .
إن قوله :
• ﴿ ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا ﴾ الحج 40
• ﴿ ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين ﴾ البقرة 251 
ليعني أن من نعمة الله وفضله على العالمين أن أذن للناس كل الناس في العالمين وهم أعم من المسلمين أي أذن لليهود والنصاري والصابئين والمسلمين أن يدفع كل منهم أعتداء الآخر عليه ولتحفظ دور العبادة لكل أهل دين وهي الصوامع والبيع والصلوات والمساجد من الهدم واعتداء الغزاة المعتدين ، وقد وقع الإذن في السورتين في سياق اعتداء الغازي المحتل وهو اعتداء جالوت وجنوده في حرف البقرة وهو اعتداء الأقوياء الذين يقاتلون ـ بالتسمية ـ الضعفاء ظلما في حرف الحج .
والحرفان من الخطاب الجماعي أي للشعوب التي تتعرض للاحتلال والقهر ، ولا يقع الخطاب فيهما على الأفراد كما يأتي تحقيقه قريبا .

قتل تقوم به الجماعة ضد فرد منها أو عصابة جزاء شذوذ أو محاربة
ولو لم تحصل مقاتلة

إن من فقه جماعة المسلمين في كل عصر ومصر أن تعصم دم كل فرد منها ولا تسفكه إلا بحق يبيح لها قتله كما هي دلالة الأحاديث النبوية المقتبسة من الشبكة الإسلامية :
حديث :”لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث النفس بالنفس والثيب الزاني والمفارق لدينه التارك للجماعة ( عن ابن مسعود مرفوعا ) في صحيح البخاري كتاب الديات باب قوله تعالى ﴿ أن النفس بالنفس ﴾
حديث :”لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث الثيب الزاني والنفس بالنفس والتارك لدينه المفارق للجماعة ( عن ابن مسعود مرفوعا ) في صحيح مسلم كتاب القسامة والمحاربين والديات باب ما يباح من دم المسلم
والحديث كذلك في سنن أبي داوود والترمذي والنسائي وابن ماجه والدارمي وصحيح ابن حبان ومستدرك الحاكم ومسند أحمد وأبي يعلى الموصلي والبحر الزخار مسند البزار .
وهو صريح في القتل على هذه الخصال ولو لم تحصل مقاتلة من أصحابها غير أنه من التشريع الجماعي في الكتاب المنزل للمجتمع المدني المسلم .
ولن يقوم الإحتجاج به للأفراد إذ لم يأت في الكتاب المنزل أمر فرد بقتل فرد ولا جماعة ، وإنما جاء في الكتاب أمر الجماعة المسلمة بقتل فرد شذّ أو حارب كما في قوله ﴿ ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ﴾ الأنعام 151 الإسراء 33  في خطاب الجماعة المسلمة لا في خطاب الفرد وإنما بيان قتلها بالحق هو ما بيّنه الكتاب وبيّنه النبي صلى الله عليه وسلم بحديثه .
أما غير الثيب الزاني والقتل للقصاص والمحارب المفارق للجماعة التارك لدينه فإذا قتلته الجماعة فإنما ظلما وعدوانا منها على الفرد .
ولا يخفى نزول حرفي الأنعام والإسراء في مكة قبل قيام الدولة النبوية في المدينة ولكن الجماعة المسلمة المخاطبة بهذا التكليف لم توجد في مكة البتة قبل الهجرة وإنما وجدت ونشأت وكان لها سلطانها الذي اكتسبت به صفة الجماعة في المدينة ، وظلت الجماعة المسلمة بعد قيامها في المدينة لا تعلم دلالة قوله  بالحق   الذي يجعل لها سلطانا أي حجة من الله بقتل فرد منها شذّ أو حارب حتى نزل حد الزاني المحصن وهو الشاذ بعد غزوة الأحزاب وتجاوز الدولة مرحلة الدفاع ونزل الإذن بالقصاص في البقرة والمائدة ونزل حد الحرابة في المائدة في السابعة للهجرة .
ولم يوصف قتل الجماعة للفرد الذي شذ أوحارب بأنه ( في سبيل الله ) فظهر أن للمؤمنين بعد الرسول صلى الله عليه وسلم أن يتمثلوا القيام بالحدود إذا كان لهم جماعة وسلطان أي تمكين في الأرض إذ لم يوصف قطع يد السارق وجلد الزاني والقاذف والقصاص بأنه ( في سبيل الله ) وتجردت جميع الحدود من هذا الوصف ، وكما هي دلالة الحديثين ” لا يحل ” أي لا يحل للجماعة قتل الفرد إلا بإحدى ثلاث .
ولقد تأخر الإذن بالقصاص منذ قتل ابن آدم الأول بيد شقيقه الخاسر إلى أن أنزلت التوراة على أول مجتمع مدني مسلم بعد هلاك فرعون ، أما قبلهم فلم توجد على ظهر الأرض جماعة مسلمة إذ لم يتجاوز الناجون مع الرسل بالآيات كنوح وهود وصالح ولوط وشعيب  العد بالأصابع  ، وتلك دلالة قوله  من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس حميعا ومن أحياها فكأنما أحيى الناس جميعا  المائدة 32 بعد تلاوة نبإ ابني آدم بالحق  على هـذه الأمة ، ودلالة قوله  وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص  المائدة 45 ويعني فرض القصاص في التوراة ، أما قبلها فلم يوجد تشريع جماعي كما حققت .

الحرابة : وهي الاغتيال غدرا من مجموعة مختفية أو فرد منها
ضد الجماعة

إن الحرابة هي ترويع أو إرهاب أبناء السبيل بقطع الطريق عليهم وقتلهم أو قتالهم لسفك دمائهم أو للاستيلاء على أموالهم ، وهي من الإفساد في الأرض ولا يتأتى إلا لمن خرجوا عن المجتمع والسواد الأعظم من الناس أي هي سلوك الشواذّ عن الجماعة .
فإن كان هذا السلوك ممن يعتقد أنه يحسن صنعا وأنه من المجاهدين الصابرين المحتسبين فتلكم الفتنة الكبرى التي تجعل الحليم حيران والله المستعان .
ولقد تدبرت الكتاب المنزل منذ أكثر من عشرين سنة بعيدا عن الطرفين طرفي الصراع أولئك الحكام الوطنيين وأولئك الجهاديين المعاصرين فشاب رأسي حسرة على الفريقين .
على فريق الحكام الذين أذنوا لشرطهم بالتعذيب والبطش بطش الجبارين حتى زرعوا بأيديهم في شعوبهم من يحاربهم ويتخذ حربهم دينا وجهادا في سبيل الله .
وعلى فريق التنظيمات السرية الجهادية الذين اختلطت عليهم الأوراق ولم يفقهوا فقه المرحلة من الكتاب المنزل وهدي النبي صلى الله عليه وسلم ولو فقهوه لما جعل الله لأحد عليهم من سبيل ولما ذاقوا ما ذاقوا في السجون السرية والمعلومة ولما تمزق الفلسطينيون في غزة وغيرها .
ولقد تدبرت الكتاب المنزل فلم أعلم للحركات الجهادية المعاصرة قتالا في سبيل الله إذ قد مضى الإذن به بموت النبي صلى الله عليه وسلم ولما يأت بعد الإذن به لإيقاع وعد الله في قوله ﴿ يا أيها الذين آمنوا من يرتدّ منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم ﴾ المائدة 54
ولم أعلم للجهاديين المعاصرين قتالا شرعيا لأنهم ليسوا من المخلفين من الأعراب الذين دعاهم بعد النبي صلى الله عليه وسلم أبو بكر وعمر لقتال أهل الردة وليسوا الصحابة الذين كلفوا بقتال الذين يلونهم من الكفار وهم في ظل الخلافة الراشدة كما تقدم .
وليسوا جماعة المسلمين الذين أذن لهم بقتال الفئة الباغية بعد الصلح بينها وبين فئة أخرى من المؤمنين
وليسوا جماعة المسلمين المكلفة بإقامة الحدود كما هي دلالة الحديث النبوي ” لا يحل دم امرئ مسلم  دم امرئ سلم لا بلا بحدى ثلاث” .

حوار مع التنظيمات السرية

إن الله أرسل خاتم النبيين محمدا صلى الله عليه وسلم بالقرآن ولا يزال القرآن غضا طريا كما أنزل ومنه قوله ﴿ فاصدع بما تؤمر ﴾ الحجر 94 ومن المثاني معه قوله ﴿ فإن تولوا فقل آذنتكم على سواء ﴾ الأنبياء 109  ويعني أنه صلى الله عليه وسلم لم يخف عن بعض الناس رسالة الله إليهم وإنما صدع بها وجهر ليستوي الجميع في العلم بها وهو مدلول الإيذان على سواء ، ومن زعم أن رسول الله محمدا صلى الله عليه وسلم كانت له تنظيمات سرية يسرّ إليها بعض رسالته ويخفيه عن العامة فليأت ببرهان من القرآن أكثر وضوحا من حرفي الحجر والأنبياء وأقرب إلى هدي النبيين من قبل وإلا فقد أعظم الفرية .
إن حرف الحجر يعني الأمر بوجوب إعلان أن الأوثان لا تضر ولا تنفع وأن الناس في ضلال مبين إن لم يهتدوا إلى أن محمدا صلى الله عليه وسلم مرسل من ربه بالقرآن ، وهي الحقائق الكبرى التي أخفى إعلانها عن جمهور أهل مكة وحدّث بها خواصّه قبل نزول حرف الحجر .
ويعني حرف الأنبياء أن النبي الأمي صلى الله عليه وسلم قد أبلغ رسالته وهي القرآن علنا لكل الناس سواء منهم المؤمنون الذين اتبعوه والكفار الذين تولوا عنه .
ويحتج أصحاب التنظيمات السرية بأن إقامة الخلافة واجب وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب ولست أدري من أين علموا وجوب إقامة الخلافة على المسلم المغلوب على أمره كما ناقشت في “فقه المرحل” وبحثي “حوار مع الأصوليين” ، وهل يصح  اعتقاد أن النبيين والرسل الذين لم يستخلفوا ومنهم نوح وإبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب وعيسى ومثل هود وصالح وشعيب قد تركوا واجبا .
ولم يكن من تفصيل القرآن أن نبيا أو رسولا أنشأ تنظيمات سرية وإذاً لكان موسى وهارون أولى الناس بها لإنقاذ شعبهما المستضعف من الإبادة الجماعية التي قهرهم بها فرعون وقومه .
إن قوله :
 ﴿ قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني ﴾  يوسف  108
 ﴿ يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه ﴾ الأحزاب 45
 ﴿ الـر كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد ﴾ إبراهيم
 ﴿ ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ﴾  المائدة 16
 ﴿ وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله ﴾  النساء  64
 ﴿ وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا ﴾  السجدة  24
 ﴿ وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا وأوحينا إليهم فعل الخيرات ﴾  الأنبياء 73
لتعني أن الدعوة إلى الله ليست عملا يختاره المسلم لنفسه يدعو كيف شاء .
وإنما كان الرسول النبي صلى الله عليه وسلم يدعو إلى الله على بصيرة أي بوحي من الله إليه  يرشده  ويأمره بتكليف الله ، وأرسله الله داعيا إليه بإذنه أي أن الله أذن له بالدعوة إليه وأذن له كذلك في أن يخرج الناس من الظلمات إلى النور وأذن للناس في طاعته كما في حرف النساء .
وهل يستطيع الدعاة أو قادة التنظيمات السرية والجهادية ادّعاء أن الله قد أذن لهم في دعوة الناس وقيادتهم وأذن للناس في طاعتهم ؟
إن قوله  وداعيا إلى الله بإذنه   ليعني أن سيكون دعاة بغير إذن الله  وهكذا أصبحوا يدعون إلى الله على غير بصيرة وبغير إذنه .
إن الخطأ المنهجي الذي وقع فيه قادة التنظيمات السرية أن كلا منهم قد جعل من نفسه وصيا على الملة والأمة أي شرع لنفسه وللأمة أنه هو خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمته ، وهكذا اضطرب الأمر بتعدد الخلفاء قادة التنظيمات السرية ، يتنازعون الأمة  لتصبح بين قادة متشاكسين مختلفين ، كل منهم يرى نفسه ـ تزكية منه لنفسه ـ هو الآمر الذي يجب على جماعة المسلمين مبايعته وطاعته .
ولن يسلم له الزعم أن الله أذن للناس في طاعته بل الأمر كما في قوله ﴿ وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله ﴾ النساء 64 أي أن الله أذن للناس أن يطيعوا رسوله إليهم ولا يتخلفوا عنه ولا يعصونه ، وأنى لهم الرشد حين يتخلفون عن السمع والطاعة لمن يدعو إلى الله على بصيرة أي بالوحي المنزل عليه ، ومنه أن الله أذن له في دعوة الناس وأن يعلمهم الكتاب والحكمة وأن يزكيهم ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه .
وكان حريا بالأمة وبالأمناء على الملة وهم خواصها الذين درسوا الكتاب المنزل وتعلموا من الحديث النبوي أن ينشغلوا في تعليم الناس الكتاب المنزل والحديث النبوي وتدارسهما فلعلّ مبلغا ـ بصيغة اسم المفعول ـ من المتأخرين أوعى من مبلغ ـ بصيغة اسم الفاعل ـ وأفقه ممن حمل إليه نصوص الوحي .
ومعلوم إعلان هذه الكلية الكبرى في حجة الوداع في يوم النحر كما أخرج البخاري في الحديث رقم 67 في كتاب العلم باب قول النبي صلى الله عليه وسلم رب مبلغ أوعى من سامع ، بسنده إلى أبي بكرة ذكر النبي صلى الله عليه وسلم قعد على بعيره وأمسك إنسان بخطامه أو بزمامه قال : أي يوم هذا ؟ فسكتنا حنى ظننا أنه سيسميه سوى اسمه قال أليس يوم النحر ؟ قلنا بلى ، قال فأي شهر هذا ؟ فسكتنا حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه فقال أليس بذي الحجة قلنا بلى قال فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم بينكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا ليبلغ الشاهد الغائب فإن الشاهد عسى أن يبلغ من من هو أوعى له منه .
ورواه مسلم  1679 وهو من مكررات البخاري وقد استوفيت ما استطعت وتفرغت هذا الحديث في بحثي وجوب مراجعة التراث الإسلامي .
إن قوله ﴿ كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله  ﴾  عمران 110  وقوله  ﴿ لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس ﴾  النساء  114  وقوله ﴿ وافعلوا الخير﴾ الحج  77  لظاهر الدلالة على الأمر بأعمال البر وإشاعتها بين الناس والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي لن تستطيع التنظيمات السرية تمثله .
ولأنني لا أدعي موافقة الحق وإنما البحث عنه ولأنني لا أتهم قادة المنظمات الجهادية في المقاصد والنيات فإني أرجوهم قراءة الأحاديث النبوية التالية والإجابة عن تساؤلاتي :
الحديث الأول : أخرج البخاري في صحيحه في كتاب المغازي باب سرية عبد الله بن حذافة السهمي الحديث رقم 4300 عن أبي عبد الرحمان عن عليّ قال : بعث النبي صلى الله عليه وسلم سرية فاستعمل عليها رجلا من الأنصار وأمرهم أن يطيعوه فغضب فقال أليس أمركم النبي صلى الله عليه وسلم أن تطيعوني قالوا بلى قال فاجمعوا لي حطبا فجمعوا فقال أوقدوا نارا فأوقدوها فقال ادخلوها فهمّوا وجعل بعضهم يمسك بعضا ويقولون فررنا إلى النبي صلى الله عليه وسلم من النار فما زالوا حتى خمدت النار فسكن غضبه فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم فقال : “لو دخلوها ما خرجوا منها إلى يوم القيامة الطاعة في المعروف “
وهو كذلك في صحيح البخاري كتاب الأحكام باب السمع والطاعة للإمام ما لم تكن معصية وأخرجه مسلم 1840
وفي صحيح البخاري كذلك في كتاب أخبار الآحاد باب ما جاء في إجازة خبر الواحد الصدوق في الحديث رقم 7257 … فذكروا للنبي صلى الله عليه وسلم فقال للذين أرادوا أن يدخلوها ” لو دخلوها لم يزالوا فيها إلى يوم القيامة وقال للآخرين لا طاعة في معصية إنما الطاعة في المعروف “.
الحديث الثاني : “وإن حاصرت حصنا فأرادوك أن ينزلوا على حكم الله فلا تنزلهم على حكم الله ، ولكن أنزلهم على حكمك ، فإنك لا تدري أتصيب حكم الله فيهم أم لا ؟ ثم اقض فيهم بما شئت ” وتقدم سياقه .
والتساؤلات هي :
1. أرأيتم جدلا لو كانت جهودكم وجهادكم في هذه المرحلة وعملياتكم الانتحارية ليست من المعروف في الكتاب المنزل والأحاديث النبوية أفلا تكونون قد جعلتم أنفسكم ومتبوعيكم كمثل الذين أرادوا أن يدخلوا النار التي أمرهم أميرهم الصحابي الجليل عبد الله بن حذافة السهمي وهو أمير سرية بعثها رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي أفتاهم يوم رجعوا إليه بأنهم لو دخلوا النار التي كلفهم أميرهم الدخول فيها لكانوا من المعذبين في نار اليوم الآخر ؟
2. أرأيتم من لا يستطيع شرعا أن ينزل عدوه على حكم الله هل يتأتى له إعلان الجهاد والقتال في سبيل الله ؟
أقول : أدعوكم قادة التنظيمات السرية والجهادية إلى التوبة وإعلانها للناس على سواء للنجاة من عذاب الله ومن ظلم الافتراء على الله أنّ ما تقومون به من تنظيمات وعمليات انتحارية وحرابة هو دين الإسلام وإني لأعجب إن كنتم أفقه في دين الله من الرسل والنبيين الذين لم يعملوا مثل عملكم هذا ، وسيوفق الله  للتوبة من دخل ابتداء في التنظيمات السرية والجهادية بحثا عن الحق ليتخلى عنها إذا أبصر الحق في غيرها .

-- الحسن محمد ماديك

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*