السبت , 3 ديسمبر 2016
الرئيسية » مركز البحوث » لقاءات » حوار مع وزير الشؤون الإسلامية حول الدعوة والوسطية وقضايا مهمة

حوار مع وزير الشؤون الإسلامية حول الدعوة والوسطية وقضايا مهمة

“مذكرات التفاهم “
 
• نبدأ حديثنا معكم حول اتفاقيات ومذكرات التفاهم التي وقعتها وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد مع وزارات للشؤون الإسلامية في دول عربية وإسلامية.. ما هو هدفكم من توقيع مثل هذه الاتفاقيات المشتركة؟ وعلى ماذا تشتمل؟.

ــــ منذ عدة سنوات ونحن نسعى ونعمل على تطوير برامج الوزارة وأعمالها ووسائلها وقدرات منسوبيها لكي نحقق النجاح المأمول والتواصل المطلوب مع الجميع بما يحقق لنا مزيدا من التقدم خطوات للأمام نحو المسار الأفضل المؤدي لمكاسب دعوية جديدة والاستفادة من الخبرات والأفكار وتبادل المعلومات في مجالات الدعوة والإرشاد والأوقاف وتوعية الحجاج.

وبلا شك فإن وجود مثل هذه الاتفاقيات يفتح للجميع أبوابا جديدة ويضيف لعالم الدعوة مساحات إضافية تسمح بالمزيد من النجاحات المطلوبة ويجعل من العمل الدعوي والإسلامي وكل ما له علاقة وصلة بالأوقاف وشؤون المساجد والدعوة والإرشاد أكثر تنظيما من ذي قبل ويتيح الفرص للمزيد من برامج العمل والتعاون والجهد المشترك ويفسح المجال للمزيد من المجالات والمسارات وتبادل الخبرات والاستفادة من التجارب الناجحة.

وهدفنا الرئيس من هذه الاتفاقيات إيجاد علاقات مؤسسية منظمة مع تلك الوزارات في مجالات مختلفة ومن أهمها وسائل وبرامج مكافحة ومحاربة الإرهاب والغلو والتطرف بأشكاله وأنواعه، وتعزيز مفهوم الوسطية والاعتدال بين أوساط المجتمعات العربية والإسلامية والعالم بأسره، وتبادل الخبرات في مجالات الشؤون الإسلامية والأوقاف، وتفعيل الأنشطة والبرامج المتعلقة بالدعوة والإرشاد، ومنها تأهيل الأئمة والخطباء والدعاة، بناء وتنظيم المساجد، ونشر علوم القرآن الكريم وحفظه وتلاوته وتفسيره وتجويده.

“الدعوة والإعلام”

• ظهرت في العصر الحديث وسائل إعلامية تتواصل مع الناس في كل مكان وزمان، كيف يمكن أن نستفيد من هذه الوسائل لنشر الدعوة من خلال المصطلح الجديد «الإعلام الدعوي»؟.

ـــ الاستفادة من الوسائل العصرية لنشر الدعوة وتوعية المسلمين مطلب مهم في عصر الفضاء المفتوح، واستخدام الوسائل الإعلامية والبرامج التقنية لنشر الدعوة إلى الله والتعريف بالإسلام أصبح ضرورة مهمة، ونحن بفضل الله تعالى لدينا الخبرة في هذا الجانب ونملك تجارب كبيرة ومعروفة في مجال الإنتاج البرامجي الاحترافي الإعلامي الدعوي وفق مواصفات قياسية، وبلا شك فإن العالم اليوم يعيش مرحلة جديدة من التغيير والتطوير السريع في عالم الإعلام والاتصال، ولذلك أصبح التحدي أكبر من ذي قبل ويمكننا وصفها بمرحلة «اصطياد العقول»، وهذه عملية تنافسية، تتنافس فيها المبادئ والعقائد والمسائل النفسية والاجتماعية.

ومن الضروري الاستفادة من هذا الكم الكبير من القنوات الفضائية وأنماط المستحدثات العصرية المعلوماتية المتعددة لتصحيح المفاهيم وتقويم السلوكيات، واستخدام الوسائل المتاحة للوصول إلى قلوب الناس وعقولهم للتأثير عليهم والمحافظة على المجتمع المسلم ودلالتهم لما ينفعهم وغرس القيم والمبادئ الصحيحة والتقويم النافع القريب من الصواب وحماية الفكر من الشرور والسموم وأمراض القلوب وإيصال كلام الله إليهم، وبلا شك فإن هذه الخطوات المهمة سوف تحقق لنا نهضة دعوية كبيرة.

وهذا الكم الكبير من القنوات الفضائية والمؤثرات الفكرية وأنواع المستحدثات العصرية والمعلوماتية يفرض علينا ضرورة القيام بدورنا الريادي لتحقيق النهضة الدعوية، ومن ثم ينبغي أن ننطلق نحو هذا العالم الجديد وأن نتعلم كيف نتعامل مع هذه الوسائل العصرية وأن لا نحصر أنفسنا في زاوية ضيقة لا تحقق للدعوة النمو السريع والتواصل المنشود.

وما نخشاه إن لم نبادر في العمل والتعاون المبني على أسس علمية هو أن نفاجأ بأننا حصرنا مجالات ووسائل الدعوة في زوايا ضيقة تدور داخل مساحة صغيرة، ونصبح حينها في دائرة محدودة وكأننا نخاطب فيها أنفسنا فقط.

وبلا شك أصبحت القنوات الفضائية من أبرز وسائل إيصال المعلومات، وهي وسيلة مهمة لا يمكن أن نتجاهلها لإيصال كلمة الحق، وينبغي علينا ألا نتخلف عن الركب في استخدام هذه الوسيلة.

“تجسير الفجوة”

• يرى البعض وجود فجوة بين العملين، الإسلامي الحكومي والشعبي الأهلي، ماذا تقول وأنت على هرم واحدة من أكبر الوزارات الإسلامية في العالم الإسلامي؟.

ــ نعم، توجد فجوة بين الطرفين مرصودة منذ سنوات ولكنها تتقلص بشكل ملحوظ، ونحن نسعى حاليا لتجسير العلاقة بينهما، وإذا استمر هذا التعاون في المسار الذي نتطلع إليه، فإننا بذلك نساهم في تأسيس علاقات متجددة أكثر فائدة وأكبر قوة وتلاحما بين الجهات الرسمية والأهلية، وعندما تكتمل العملية الإصلاحية ونتمكن من سد الفجوة يمكن تشخيص الإشكالات بين الطرفين.

ولا مجال في عصرنا الحالي للانفراد بين الجهات الحكومية والشعبية في العمل الدعوي والخيري، ووجود التكامل بينهما أصبح واجبا، وليس هناك ما يسوغ التخلف عنه سواء الحكومات أو الجمعيات الخيرية، لأن متطلبات الزمن الحالي تقتضي ذلك التكامل، فالأعداء يتربصون بالعمل الإسلامي والمنظمات والجمعيات الإسلامية، التي هي في حاجة دائمة إلى التقييم والمراجعة لأعمالها، وتصحيح الأخطاء التي قد تقع فيها.

ونحن في وزارة الشؤون الإسلامية قدمنا مبادرة لمد الجسور بين العملين، إذ عقدنا ورشة عمل مغلقة لأكثر من 30 جهة أهلية فاعلة وحكومية، وعدد من الدعاة البارزين، وتصارحنا في كثير من الأمور لإيجاد لغة أقرب إلى الواقعية بعيدا عن تبادل الاتهامات، فالمتابعة والقرب تعطيان تعاونا مثمرا وأكثر فاعلية.

والعمل الإسلامي حريص منذ البداية في حقيقته وصوابه على الدين دون عصبية، لذلك كلما انفتح الخاصة على العامة كان العمل أشمل، وكلما ابتعدنا عن الفردية وذهبنا إلى النظرة التشاورية الجماعية بين المؤسسات المختلفة كان العمل الإسلامي الحضاري أنجح.

• لكن، يوجد تباين في لغة الخطاب بين الجهات الدعوية الرسمية وأمثالهم في الجهات الأهلية؟.

ـــ هذا الفارق في اللغة أوجد هذه الفجوة التي نريد تجسيرها بمد الجسور بين الطرفين، لأن الخطاب الديني لا بد أن يتقارب، ووسائله من برامج ومشاريع وأطروحات ومحتوى فكري لا بد أن تتقارب أيضا، ليكون بعيدا عن كل أنواع التشنجات التي لا تخدم العمل الإسلامي، ويكون في الصالح الذي يمكن أن تعمل به المؤسسات الرسمية والأهلية بلغة مشتركة.

ولغة الخطاب الديني ومشاريعه وبرامجه في جميع المجالات لا بد أن تكون في خدمة الخطاب الإسلامي الواعي المتسم بالوسطية والاعتدال، وإذا لم يتبع هذا الأسلوب فسيوجد طريقان، أحدهما رسمي والآخر شعبي، وهذا يعطي الناس انفصالا في الفهم، لذا فإن رغبتنا هي إيجاد قوالب خطابية فيها تقارب فكري ولغة مشتركة، وهذا يخدم العمل الإسلامي كثيرا.

“تحديات العصر”

• العصر الحالي يشهد تحديا كبيرا، ونرى حاليا تغيرا في المسارات الدعوية، القناعات الشرعية، رعاية الاجتهاد الجماعي، والبناء الفكري، ما الذي يمكن أن نفعله كمسلمين في هذه الحالة؟.

ــ هذا في الحقيقة يقود إلى عثرة ليست بالهينة، عثرة تؤدي إلى غياب النظرة إلى المستقبل، وفرح الأعداء والاتجاهات غير الإسلامية بهذا الخلل.

دعني أجب عن هذا السؤال بوضوح كامل، لأن غياب النظرة إلى المستقبل عن الخاصة والعلماء وأهل العلم في زمن كثرت فيه التحديات، سيكون من نتائجه أن الدعوة ستنحسر، وقوة الإسلام ستضعف، لذلك ينبغي علينا أن نخطط جيدا لإنجاز وتطوير العمل الإسلامي الدعوي الحضاري، الذي لا يتنكر للواقع وحاجات الناس ويستطلع مرادات الشارع فيستطلع المستقبل.

لقد علمتنا التجربة بأن الأفكار التي قامت على تشدد لا تستمر، والتي قامت على غلو تفرز الغلو، ولا يلبث الفكر أن يندثر مع الزمن، ولذلك فإن استمرار الإسلام وقوته التي نشهدها إلى هذا القرن ناتجة عن تيار كبير في الأمة لا تمثله فئة ولا طائفة، وهذا التيار الكبير في الأمة منذ قرون إلى الآن يتسم بخصلتين، الأولى الوسطية وتعني عدم التشدد وعدم الجفاء والتنازلات غير المحمودة، والثانية التجديد، فإذا نظرنا في أعمالنا الإسلامية القادمة إلى هاتين الخصلتين فإننا سنحفظ للتيار العام دينه وهيبته وقوته.

• إذن.. ما الذي نحتاج إليه؟.

ـــ نحتاج في ذلك إلى عمل جاد صالح، ووعي وفهم للشرع، ونحتاج لفهم ومعرفة مضمون ما أنزله الله سبحانه وتعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم، ونحتاج لمعرفة أحوال الحجاج وواقعهم ومستوى فهمهم، نحن بحاجة إلى تربية علمية، وبناء تربوي للمسلم في نفسه، بحيث يستطيع مواجهة الحياة بفاعلية وإيجابية وتعاون على البر والتقوى، ونحن بحاجة أيضا إلى تربية للأسرة التي يعيش فيها الفرد المسلم ويتكون منها المجتمع وتنطلق منها القوة الخفية للدعوة لمواجهة تحديات الحياة للأب وللأم وللنشء الصالح، إذ أن المشروع الإسلامي الحضاري يقوم على قراءة الواقع ومعرفة حاجات الناس.

• مازالت الآراء مختلفة حول مفهوم الأزمة الفكرية المعاصرة التي تعيشها الأمة.. كيف نستطيع توصيف هذا المفهوم؟.

ــ يمكن أن يتحقق لنا ذلك بتكامل النظرة تجاه هذه الأزمة عن طريق تحديد أبعادها الحقيقية، وهذا الأمر يتطلب ضرورة البحث عن مصادرها وجذورها الفكرية ومظاهرها وتأثيراتها على الدين والمجتمع، وأهمية دراسة الإشكالات الفكرية التي تغذي الانحراف الفكري، ومنها: الفهم الخاطئ للقرآن الكريم والسنة النبوية، فهم العلاقة بين الأصالة والهوية والعصرية، والتفاعل الضروري بين الثقافات بأشكالها وهوياتها المختلفة.

وهنا لا بد من التنبيه على موضوع مهم للغاية وهو أنه يجب علينا تحصين أبناء المجتمع من الأفكار المنحرفة التي تركز على اختيار صغار السن والشباب لنفث السموم المدمرة للعقول، وهذا يمكن أن يتحقق عبر ثلاث خطوات، تبدأ بتشخيص منظم للأزمة الفكرية الحالية، ثم تحديد دقيق للوضع الفكري المستهدف، ثم رسم وإعداد وتنفيذ خطة استراتيجية يستثمر فيها كافة الموارد للانتقال من الوضع الراهن غير المرضي إلى الوضع المستهدف الموافق للصواب.

“الأمن والمصالح”

• وما هي العلاقة بين تحقيق الأمن وتحقيق مصالح الناس؟.

ـــ الأمن رسالة عامة يجب على كل مسلم أن يفهم معناها ويعيها تماما، وأن يدرك أنه لا تحقيق لأية مصلحة من مصالح العباد في دينهم ولا دنياهم إلا بعد تحقيق مفهوم الأمن الشامل بمعناه الحقيقي، فكلما زاد الأمن زاد تحقيق المصالح، ولذلك يجب أن نكون نحن جميعا كرجال أمن، وهذا مطلب شرعي، فمهمة رجل الأمن ليست وظيفة يقوم بها البعض والمناط بهم صلاحيات ومناط بهم أعمال محددة لحفظ الأمن، لكن الإحساس الأمني الحقيقي يجب أن يكون عند كل أحد وهذا من مقتضيات الشرع، وفي كل المواقف والمستجدات يجب أن نكون حريصين على تحقيق ذلك.

ورسالة الأمن ليست مطلوبة من فرد دون آخر، أو جهة دون أخرى، بل يجب أن يسعى الجميع لأن يكونوا جميعا رجال أمن، يساهمون في تحقيق الأمن الذي أمر الله جل وعلا به، والأمن على الدين والأنفس والأعراض والأموال، وبدون الأمن لن يكون هناك إحساس بالحياة ولن يستطيع المسلم التمتع بالمباح من الأعمال ولن ينعم المسلم بالاستقرار الفكري ولن يكون هناك وجود للحياة المرتبطة بالمبادئ والقيم إلا عندما يشعر بالأمن على النفس والمال والعرض.

“مهمة عظيمة”

• ماذا تقول للأئمة والخطباء في المسؤولية الملقاة على عواتقهم؟.

ــ الأئمة والخطباء عليهم مراعاة مسؤولية وحجم الأمانة الملقاة عليهم، فالإمام والخطيب له ولاية بالتفويض على بيوت الله، فإذا لم يراع هذه الأمانة وهذه المسؤولية بحسب ما وصلته ممن فوضه بذلك وولاه عليها، فإن رعايته للأمانة ينقص منها بمقدار تقصيره تجاهها، فوظيفة أئمة المساجد ليست وظيفة سهلة، فهم نواب في أداء هذه العبادة العظيمة، وممتثلون لسنة النبي صلى الله عليه وسلم.

فليس الشأن فيها إنها وظيفة وإنما هي مهمة عظيمة يجب أن ترعى فيها الأمانة من عدة جهات الجهة، فهي أمانة لأنها متعلقة بأعظم أركان الإسلام العملية «الصلاة»، وهذا يجعل الإمام والخطيب مؤتمنا على أعظم أركان الإسلام العملية، ويجب أن يتذكر الإمام والخطيب أن الذي قام بهذه المهمة هو نبي الله صلى الله عليه وسلم فلم يكن في زمنه عليه الصلاة والسلام ولا في زمن الخلفاء الراشدين من يخطب الناس يوم الجمعة في المدينة ويؤمهم للجمعة إلا النبي صلى الله عليه وسلم ثم الخلفاء، وهي أمانة كونها ولاية نيابة عن ولي الأمر، فإذا علم إمام المسجد ذلك يقينا لن تبرأ ذمته إلا بأن يتصرف فيها تصرف النائب عن من أنابه أو من ولاه مسؤولية أداء هذه الولاية.

-- صحيفة عكاظ

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*