الثلاثاء , 6 ديسمبر 2016
الرئيسية » مركز البحوث » لقاءات » الأكاديمي الموريتاني محمد محمود ولد محمدُّو: تنظيم القاعدة في المغرب الاسلامي يدير عملياته بشكل مستقل عن القاعدة

الأكاديمي الموريتاني محمد محمود ولد محمدُّو: تنظيم القاعدة في المغرب الاسلامي يدير عملياته بشكل مستقل عن القاعدة

قال الأكاديمي  الموريتاني محمد محمود ولد محمدو  وزير الخارجية والتعاون السابق والأستاذ الزائر حاليا بمعهد الدراسات العليا في الشؤون الدولية بجنيف،إنّ القاعدة في المغرب الإسلامي هي الجهة الوحيدة من بين فروع التنظيم المتفرعة عن “القاعدة الأم”، التي تمثل حالتها حدوث اندماج تنظيم يسبق تاريخ نشأته على التنظيم المندمج فيه مضيفا أن هذا التنظيم يدير عملياته بشكل مستقل عن التنظيم المتفرع عنه.

وعن آلية الحل مع القاعدة، قال ولد محمدو: “لا يَحل معضلة القاعدة سوى القدرة على وضع استراتيجية ذات هدف محدد، والتوفر على الوسائل لتحقيق ذلك الهدف، وإدارة النتائج المتحققة وفق تكتيك يُمكّن من تفادي أكبر قِسط مُمكن من الخسارة. فهذا في مُجمله هو التحدي الذي تمثله القاعدة والإرهاب المعاصر الصادر عنها، والمتجاوز للفضاءات القِطرية.
ولتعميم الفائدة تنشر السفير فيما يلي النص الكامل للحوار:

هل يمكن إعطاء تعريف دقيق لتنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي؟

إن القاعدة في المغرب الإسلامي هي عبارة عن  صيغة مُعدلة للجماعة السلفية للدعوة والقتال، حيث تم إضفاء صبغة عالمية عليها. فهذه الأخيرة تم إنشاؤها سنة 1998 في الجزائر عندما كان الستار يُسدل على النزاع الذي كان يعصف بهذا البلد منذ سنة 1991. فهذا التنظيم الذي نشأ حينها في غمرة ظروف يطغى عليها العنف،  وعلى الأخص منها ما حدث إبّان مجزرتيْ الرايس* وبنطلحة*  في الفترة ما بين شهريْ أغسطس وسبتمبر من سنة 1997. لكنّ نشأته كانت أيضا من آثار الإنهاك الذي لَحق بالتنظيمات الإسلامية في منطقة الجزائر العاصمة كالجماعة الإسلامية المسلحة (جِ يَا)، وأولا وقبل كل شيء الجبهة الإسلامية للإنقاذ (فِيسْ)، والحركة الإسلامية المسلحة (مِيَّا). وهو يتميز، مثلما سنعرض له بصورة سريعة، بثلاثة سمات، تُعد بمثابة الخصائص الرئيسية له: ما يميزه من استخدام للعنف وما يطبعه و من توجه راديكالي بيّن، وكذا الرغبة الباديّة لديه في توسيع مجال الدائرة التي يمارس فيها أنشطته، من حيث مدها إلى فضاء ميداني أوسع بشكل كبير مما كان عليه الحال بالنسبة للتنظيمات السابقة على نشأته،  وكذا الغموض فيما يتعلق بالنهج المتعلق بطريقه إدارته لعملياته، وما يكتنفه أهدافه من غموض كذلك.

ويلزم، في هذا الصدد، التنبه إلى أن الغموض الذي يلف  بعض أعضاء قيادته، وكذا المسار الذي مرّ به هؤلاء، قد شكل مبعثا للريبة، مثلما هو وارد في صياغات قام بها بعض الباحثين كـ”فرانسوا غيز” و “جرمي كينَنْ”، وذلك فيما يتعلق بالطبيعة الفعلية لِكُنْهِ وماهية التنظيم، وكذا الصلات المفترضة بينه وبين الاستخبارات الجزائرية.

قامت الجماعة السلفية للدعوة والقتال في الفترة ما بين 1998 و 2003 بالإقدام على شنّ هجمات مسلحة متقطعة ضد أجهزة الأمن الجزائرية، كما قامت بعمليات خطف لبعض السياح الغربيين في الساحل، وقد تم إطلاق سراح هؤلاء لاحقا مقابل دفع بعض الفَِدى، مثلما تم على الأخص في حالة مجموعة من السياح الألمان ، كان قد تم اختطافهم في شهر يناير 2003، بلغت أعدادهم 32 شخصا.

لقد قام هذا التنظيم – الذي تعاقب على منصب القيادة فيه حسان حطاب (مؤسس التنظيم)، عبد الرزاق البارا (الذي تم توقيفه باتشاد سنة 2004)، نبيل شهرواي (الذي تم قتله في شهر يونيو 2004) ثم عبد المالك دروكدال في الفترة ما بين 2003 و2005 – بالسعي إلى تأسيس صلات تربطه بتنظيم القاعدة التي كانت بشكل طاغ محطّ تركيز التغطية الإعلامية العالمية في تلك الفترة. فقام هذا التنظيم في هذا الصدد بالتواصل خطيّا مع أبي مصعب الزرقاوي ؛ زعيم القاعدة بالعراق آنذاك، حينما قام  “بتهنئته” على إعدام دبلوماسييْن جزائريين إثنيْن في شهر يوليو من سنة 2005، وطالبا منه قبول اندماجه في التنظيم التابع لأسامة بن لادن، وهذا ما تحقق له في نهاية المطاف، حينما أعلن الرجل الثاني في السلم القيادي لتنظيم القاعدة، أيمن الظواهري، في شهر سبتمبر 2006، رسميا عن اندماج الجماعة السلفية للدعوة والقتال في تنظيم القاعدة. ثم إن الجماعة السلفية للدعوة والقتال أعلنت بدورها في الحادي عشر من يناير 2007، عن التسمي باسم القاعدة في المغرب الإسلامي، ثم شرعت في الملحمة الدائرة في الوقت الراهن.

ما هي إذن الصلات التي تربط بين تنظيم القاعدة التاريخي، و بيْن القاعدة في المغرب الإسلامي؟

إن هذا  نابع، كما رأينا للتو، من رغبة صريحة صادرة عن هذا التنظيم الجزائري الذي وُلد في سياق ظرفي خاص- ونعني بذلك النزاعات ذات الطبيعية الاجتماعية والسياسية الذي عاشتها الجزائر خلال التسعيينيات من القرن العشرين، وكذا التمرد الذي قامت به التنظيمات الإسلامية، والذي يعود تاريخه إلى أوائل الثمانينيات بالتزامن مع نشأة التنظيم الذي أدراه مصطفى بويعلي- والذي كان يسعى إلى الظهور في حلة جديدة من خلال ربط صلات مع تنظيمات أخرى، وهو ما تحقق له بعد مرور ثمان سنوات على نشأة التنظيم الذي تأسس، وذلك بالانضمام إلى تنظيم عالمي تتجاوز آفاقه الفضاءات القِطرية، يديره بن دلان والظواهري، والذي كان قد ظهر في سياق مختلف بشكل كبير، ألا وهو انتقال العمليات الإسلامية من الفضاءات المحلية إلى استهداف أهداف وكيانات دُوَليَّة ومدنية ذات طابع عالمي (وِفق المنطق المعروف”بالعدو القريب”، وصولا إلى “العدو البعيد”)، وذلك بُعيْد الغزو السوفيتي لافغانستان الذي كانت نهايته في سنة 1988..

فهذه الصلات ذات طبيعة أفضتْ إلى نشأة تفرعات عن التنظيم، لكن هذه التفرعات تؤدي في نفس الوقت إلى بسط مجال المسرح الذي يدير فيه التنظيم عملياته، وذلك من حيث البُعد النوعي لهذه العمليات.
إنّ القاعدة في المغرب الإسلامي هي الجهة الوحيدة من بين فروع التنظيم المتفرعة عن “القاعدة الأم”، التي تمثل حالتها حدوث اندماج تنظيم يسبق تاريخ نشأته على التنظيم المنضوي تحت لوائه التنظيم المندمج فيه. في حين أن كل التنظيمات الأخرى المتفرعة عن القاعدة، كما في العراق وفي شبه الجزيرة العربية،  في أفغانستان، وفي باكستان كذلك، كان قد تم إنشاؤها بشكل مباشر بمبادرة من تنظيم القاعدة نفسها ؛ والأمر ينسحب كذلك على حالة التنظيم السري الذي قام بتبني المسؤولية عن الهجمات التي تمت في مدريد في شهر مارس من سنة 2004، والتفجيرات التي تمت في لندن خلال شهر يوليو من سنة 2005.

وهناك بعض التنظيمات الإسلامية الأخرى التي عبَّرتْ عن تضامنها مع القاعدة، لكنها لم تقم بالضرورة بالسعي إلى  الاندماج بشكل رسمي في هذا التنظيم.  فهذا هو الحال إذنْ بالنسبة لتنظيم فتح الإسلام بلبنان، والمليشيات التابعة لتنظيم الشباب في الصومال.

هل لدى القاعدة في المغرب الاسلامي الوسائل التي تتيح لها القيام بهجمات في أوروبا، وبالذات في فرنسا؟

يمكن الرد مبدئيا بالإيجاب، بما أن هناك سابقة تتمثل في قيام بعض التنظيمات الجزائرية بتنفيذ هجمات في فرنسا خلال فصليْ الصيف والخريف من سنة 1995. أما من الناحية العملية، فإن ذلك يبقى مع ذلك أمرا أكثر استعصاء في الوقت الراهن. وذلك نظرا للتحولات العالمية الهامة التي شهدها العالم في مجال مكافحة الإرهاب منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، فضلا عن ما قامت به السلطات الفرنسية حديثا من تأهب تحسبا لمثل تلك الهجمات منذ الصيف الماضي إثْرالتهديدات الصادرة من القاعدة في المغرب الاسلامي. كما أن ذلك ذلك يبقى كذلك أمرا غير مرجح نظرا إلى النهج العمليّاتي الذي تسير عليه القاعدة في المغرب الاسلامي نفسها، والمتمثل في تفضيلها العمل وفق النهج المتمثل في القيام بعمليات اختطاف، والحصول منها على بعض الفِدى. وهنا يحدث تلاقي ما بيْن هذا السؤال، والسؤال الذي طرحتموه آنفا. فبما أننا نلاحظ أنه أنه غداة ظهورها في حُلَّة تنظيم جديد هو القاعدة في المغرب الاسلامي، فإن الجماعة السلفية للدعوة والقتال سعتْ بالتأكيد، إلى أن تفرض نفسها في الفضاء الإقليمي من خلال قيامها بمهاجمة الجزائر إبّان العمليات التي استهدفت بها في شهري إبريل وديسمبر 2007 المجلس الدستوري ومكتب رئيس الوزراء، وتلك العمليات التي نفذتها في شهر ديسمبر من سنة 2006 وشهر سبتمبر من سنة 2008 بموريتانيا، حيث استهدفت قاعدتيْن عسكريتين، مثلما أنها حاولت كذلك تنفيذ عمليات تم إحباطها في تونس، وذلك في شهر يناير من سنة 2007، وفي المغرب خلال شهر إبريل اللاحق على ذلك التاريخ. لكن يبقى أن مخططها الإرهابي لمد مجال أنشطتها  من نطاق الفضاء المحلي الذي تدير فيه عملياتها صوب فضاء مغاربي أكثر رحابة، قد شهد بعض الجمود في ذلك المسعى، إذ أن التنظيم  سرعان ما عاد إلى نمط نهجه العملي الأصلي المتمثل في اختطاف الرهائن الأجانب في منطقة الساحل.

فباستثناء كون عمليات الاختطاف هذه قد تضاعفت: القيام بخطف 25 نمساويا، بعض الرعايا من اسويسرا، بعض الرعايا الألمان، بعض الرعايا البريطانيين، بعض الرعايا الكنديين، بعض الرعايا الفرنسيين، بعض الرعايا من إسبانيا، وبعض الرعايا من إيطاليا، هؤلاء الذين تم إجمالا اختطافهم في الفترة المنصرمة ما بين شهر فبراير 2008 وشهر سبتمبر الماضي [2010]، فإن القاعدة في المغرب الإسلامي تكشف من خلال ذلك عن طموحها المتزايد على المستوى الدولي، وهي تتبع مُستقبلا نهجا عمليا بطريقة تبدو فيها أكثر استقلالية عن تنظيم القاعدة التي تُدار انطلاقا من المركز..

إن هذه الظاهرة هي من الأهمية بمكان حتى يتم تسليط الضوء عليها: فالقاعدة في المغرب الإسلامي تبتعد، شيئا فشيئا، من حيث نهج عملها الميْداني عن القاعدة الأم، في     ذات الوقت الذي لا تزال فيه تعمل تحت مظلة هذا التنظيم.

فمن خلالها عدولها بشكل بيِّن عن العمل وفق النهج السياسي-العسكري للقاعدة، ذلك النهج المتمثل في المطالبة بانسحاب القوات الغربية من “أراضي البلدان الإسلامية”، وبإلزامها دفع الفدى كذلك، وهو ما لم تقم القاعدة قطّ بفعله، فإن القاعدة في المغرب الإسلامي تقوم مع ذلك باستخدام خطاب ذي نبرة دينية، مناهضا للغرب يقترب من ذلك الخطاب الصادر عن تنظيم بن لادن، ويبقى أنها تقوم كذلك باستخدام قناة للتواصل الإعلامي مستقلة عن تلك المستخدمة من قبل القاعدة، وذلك عبْر إنشائها لجهاز إعلامي خاص بها، يطلق عليه الأندلس، و الذي حل سنة 2009 محل مؤسسة السحاب، التي كانت دائما في السابق الوسيلة “الحصرية” لقنوات التوصيل الإعلامي للقاعدة.

فتجدد الأنشطة التي تقوم بها القاعدة في المغرب العربي في منطقة الساحل، والمجال الجغرافي التي تقوم فيه ببسط نفوذها، و وجود دروكدال وبقية عناصر القيادة الذين يتمركز غالبهم في أماكن بعيدة: في منطقة القبائل [في الجزائر]، يمنح،  في نهاية المطاف، قسْطا كبيرا من الإستقلالية للقادة من ذوي الرتب المتوسطة في هذا التنظيم، والذين صاروا، على غرار مختار بلمختار وعبد الحميد أبو زيد، أكثر مثولا للعيان وأكثر صِيتا وشهرة بسبب تولي مناصب القيادة في كتائب الصحراء.

يؤكد بعض الخبراء على أن تنظيم القاعدة “التاريخي” لم بُعد قادرا على إدارة عملياته، فبما ذا يوحي لك هذا الرأي؟

إن هذا التساؤل له ما يبرره، لكن فك هذه اللغز من خلال قراءة ذات بُعديْن اثْنيْن فقط- إما صعود القوة أو تراجعها – هو ممّا يحجب الكنه الحقيقي للتنظيم، ألا وهو التحولات التي تمرّ بها القاعدة. فالقاعدة إذن كانت، منذ بدايتها، تتميز باستراتيجية تطبعها التحولات التي تطرأ على نمط تفكيرها، حيث سعتْ على الدوام إلى أن تحقق السبق على حساب خصومها.  فعندما برزتْ في وضَح النهار يوم الحادي عشر من سبتمبر 2001، كانت، في واقع الأمر آنذاك، وهي، سَلفاً تمر بالطور الأخير من عهدها الأول. فالهجمات التي نفذتها ضد نيويورك وواشنطن شكلتْ ذروة سنام سلسلة من العمليات ذات المدى الدولي، كانت قد نفذتها بشكل مستقل عن بعضها البعض، الواحدة تلو الأخرى منذ 1995. فقد تم ذلك في المملكة العربية السعودية، كينيا، تانزانيا، وفي اليمن.
ثم إنه، لَمَّا كانت الولايات المتحدة تترقب قيام القاعدة بتسديد ضربة إليها في عام سنة 2002، قامت القاعدة بتغيير مسرح عملياتها متجهة إلى الجبهة الأوروبية، وذلك من خلال العمليات التي نفذتها في مدريد ولندن في عاميْ  2004 و2005.

ونظرا لوعيها بالقصور الذي يعتري استراتيجية التهرب هذه، فإن القاعدة شرعت في اتباع استراتيجية أخذتْ منعطفا رئيسيا خلال عام 2006 بالتزامن مع إنشاء فروع إقليمية تابعة لها، وهذا ما يوضح كذلك قبولها بالطلب الذي تقدمت بها قاعدة المغرب الإسلامي، بما أنه ذلك مما يخدم في كل الأحوال رؤية القاعدة المتمثلة في أن تُصبح مستقبلا تنظيما ذا مدى دولي.

كما أنه، إِنْ كانَ بمقدورنا أن نشخص بصورة فاعلة أسباب التراجع في أنشطة “التنظيم الأم” منذ سنتين أو ثلاث سنوات، فإنه يبقى من الأهمية أن يبقى ماثلا في الأذهان أن استمرارية العمليات التي تقوم بها الفروع التابعة لها في العراق، هذا العنف الذي لم يشهد تراجعا بعد، وفي شبه الجزيرة العربية حيث أن جيلا جديدا من النشطاء يقوده أنور العولقي الذي قام سلفا بأخذ مشعل بن دلان، يشكل في آن واحد مصدر تهديد لبُلدان المنطقة، وللولايات المتحدة كذلك. والأمر ذاته قائم، بطبيعة الحال، في باكستان، وفي أفغانستان التي خسرت فيها الولايات المتحدة هذه السنة أكبر عدد من الجنود منذ بدْء الحرب في هذا البلد في شهر أكتوبر من سنة 2001.

ومع ذلك،  فإن “النجاح” الذي حققته القاعدة تطبعه المفارقة. فمع أن التنظيم قد “نجح” إذن، في آخر المطاف، في إنشاء تنظيمات إقليمية ممثلة له، إلا أن هذه الأخيرة أصبحت تتصرف مستقبلا بطريقة مستقلة عنه. فهذا الطابع المتسم باللامركزية في أنشطة فروع التنظيم (التمرد في العراق و في اليمن، اختطاف الرهائن في المغرب [العربي]) يجعل مجال نشاطها مقتصرا على فضاء محلي، وهو ما يتناقض، في آخر  المطاف، مع المشروع الأصلي لتنظيم بن لادن، والمتمثل في تجاوز الفضاءات القَِطرية، وتلك المحلية.

أوردتم في مؤلفاتكم بأن الدوافع التي تحرك هذه التنظيمات الإرهابية هي بالدرجة الأولى ذات دوافع “سياسية”، وأنه من الأنسب أن لا يتم إضفاء طابع ديني على كفاحها؟

مثلما أنها يمكن أن تكون كذلك ذات طابع إجرامي أو مُنحرف، مثلما هو الحال بالنسبة للفدية التي تسعى للحصول عليها قاعدة المغرب الإسلامي . . . فالسجال بهذا الشأن قائم وهو أمر فعلي، وهو مستمر منذ تجدد الاهتمام بهذه القضايا غداة الحادي عشر من سبتمبر. هلْ يتعلق الأمر بظهور متجلّ لتنظيم حركي إسلامي جديد من نوعه ذي طبيعة سياسية-عسكرية عابر للحدود القِطرية؟ أمْ أن الأمر يتعلق بزمرة من “مجانين الإله” يسعون إلى حمل أهل الأرض على اعتناق الإسلام؟ هذا هُوَ مضمون السؤال في مُجمله، وأعتقد أن التفسيرات التي تنصرف إلى التأويل الديني، والمتسمة، دئما وأبدا، بالتسرع، كانت قد شهدتْ في واقع الأمر انحسارا على مدار السنوات الماضية. لكنْ يبدو أنها شهدتْ العودة مُجددا. وبمناسبة عودة هذه التحاليل الأمنية إلى الظهور من جديد في الفضاء الإعلامي المفتوح، فإنه مما يجدر التنبيه إليه في خضم عودتها بالتزامن مع التهديدات الصادرة عن القاعدة في المغرب الإسلامي ضد فرنسا، إلى أنها غالبا ما تسقط في فخ ماض طويل، يطبعه التعقيد و الالتباس، هذا الماضي المتعلق، في آن واحد، بالقاعدة، التنظيمات الإسلامية بشكل عام، وعلى مدى أكثر رحابة، فيما يتعلق بالإرهاب في حد ذاته.

فالمشكل المتعلق بالقراءات التي تنصب على البعد الديني، إذا جاز هذا التعبير، يكمن في صياغتها، إذ تنصرف إلى التركيز على أبعاد فرعية تختلف عن جوهر المسألة، فيكون هناك حضور دائم “للتهديد الإسلامي”، وكذا الجزم بصحتها بصورة قطعية كما لو كان الباطل لا يأتيها من بين يديها ولا من خلفها، وذلك حتى عندما يكون الخلل الذي يعتريها باديا حين عرضها على محك الاختبار. هل تم التنبه، على سبيل المثال، من بَيْنِ أمور أخرى، إلى وجود تباين ما بين الأسلوب الوارد في رسالة بن لادن الأخيرة، والتي
انطوت على استخدام ألفاظ العنف،  وما اعتاده من استخدام لأساليب الخطاب المبطنة؟

يبدو لي إذن أن مما لا مناص منه فهم تاريخ ماضي ظاهرة الإرهاب، إذا أردنا استيعاب مجمل أبعاد الكنه الوظيفي لهذه الظاهرة. فـ”الإرهاب الإسلامي” الذي يطغى في يومنا هذا على نشرات الأخبار، قد سبقته عدة أجيال من المستخدمين لأساليب الإرهاب، بما في ذلك الإرهاب العقائدي، وقدْ كان في الماضي يتجاوز الفضاءات القِطرية، وذلك خلال السبعينيات من القرن العشرين. فيمكن في هذا الصدد مطالعة العمل الذي قامت به “إيزابل سومي” حوْل استراتيجيات العنف الثوري- وهو أحد صنوف الإرهاب قامت باستخدامه بعض الحركات القومية خلال الحروب التي خاضتها في سبيل تحرير بلدانها من الاستعمار خلال الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين،  وهذا ما أطلق عليه “آرنود بلين” و “جيرار شالياند” في السابق ” الحقبة الوديعة” للإرهاب في أوائل القرن الماضي.

فعلى ضوء الماضي الطويل لتاريخ العنف السياسي المتسم برحابة فضائه الزمني، والمتسم بالتعقيد الكبير كذلك، فكيف يمكن للسياسات أن تتعامل مع التهديدات التي لا تفقه إلا جُزء من كنهها، إذا ما اقتصروا على جانب وحيد من السرد الصادر عن هذه المجموعات، والمتمثل في النهج الخطابي ذي النبرة الدينية؟ لماذا إذن نسلم، على سبيل المثال، تلقائيا و بشكل ساذج بالطابع الديني المُريب لقاعدة المغرب الإسلامي، في حين أن ما يجْري على مستواها من أحداث يومية يتجلى قبل أي شيء في شبكات إجرامية لتهريب السجائر، الأسلحة الخفيفة، البنزين، المخدرات، وبحسب بعض المصادر، شبكات الهجرة غير الشرعية؟
وعلى مستوى يتجاوز ذلك، كيف يمكن لمجتمعاتنا، في الجنوب وفي الشمال على حد السواء، إرساء مشاريع سياسية-اجتماعية على المدى البعيد لمواجهة الأسباب المتغيرة للإرهاب إذا اقتصرت وسائل مواجتها للتهديدات المحدقة بها على استخدام العنف وإثارة المخاوف، بشكل متناغم مع تحليلات آنية تنصب حصرا على مجرد بُعد ديني فحسبْ؟

كخاتمة لهذا الحوار، هل يمكن التحدث عن فشل الإسلام السياسي، الذي هو عنوان الكتاب الذي ألفه أوليفير روي؟

يبدو لي أن هذا الطرح الوارد خلال التسعينيات من القرن العشرين، تم نقضه من خلال تجدد ظهور التنظيمات الحركية الإسلامية على مدار العشرية المنصرمة ؛ فما يبقى عالقا بذهني هو عصر جديد للإسلام السياسي الذي قام “فرانسوا بيرغات” بفك شفرة ميكانيزماته بصورة مبكرة في مؤلف آخر: التنظيمات الحركية الإسلامية في عصر القاعدة. فهذه التنظيمات الحركية الإسلامية القائمة اليوم، هي بشكل لا مراء فيه المنافس الرئيسي للكثير من الحكومات في البلدان الإسلامية، والمشروع المتمثل في مد مجال نشاطها إلى المستوى الدولي هو ما سيؤول به الأمر إلى أنْ يصبح مصدر الخطر الرئيسي الذي يتهدد الدول الأعتى قوة. وحينها يكون بمقدورنا يقينا التسؤال عن طبيعة النوايا المبيتة للكيانات المناوئة للأنظمة القائمة، هذه النوايا التي لم يُكتب لها التحقق. ففي عصر يتسم بالنزاعات التي يطبعها عدم التناظر، ما هي القوة؟ فلعل الأمر هنا يكون أقل أهمية بالنسبة للقوة في بعدها الكمي – كم من العناصر المكونة للقوة؟

فلا يَحل معضلة القاعدة سوى القدرة على وضع استراتيجية ذات هدف محدد، والتوفر على الوسائل لتحقيق ذلك الهدف، وإدارة النتائج المتحققة وفق تكتيك يُمكّن من تفادي أكبر قِسط مُمكن من الخسارة. فهذا في مُجمله هو التحدي الذي تمثله القاعدة والإرهاب المعاصر الصادر عنها، والمتجاوز للفضاءات القِطرية.

نقله إلى اللغة العربية
أحمد صالح ولد احمَيّدْ (نيويورك)

توضيح

* حدثت مجزرة الرايس في 29 أغسطس من سنة 1997، خلال الحرب الأهلية في الجزائر، وقضى فيها ما يقارب 400 من المدنيين العزل رجالا ونساء وأطفالا.
* مجزرة بن طلحة هي إحدى الملاحم الدموية التي حدثت في الثاني والعشرين من سبتمبر من سنة 1997 خلال الحرب الأهلية في الجزائر وراح ضحيتها بحسب بعض المصادر ما يقارب 416 من المدنيين العزل رجالا ونساء وأطفالا.

تعريف بالمحاور :  أكاديمي ووزير سابق للخارجية بموريتانيا تقلد في السابق منصب المدير المساعد لبرنامج السياسات الإنسانية والبحث في النزاعات بجامعة هارفرد في مدينة بوسطن بالولايات المتحدة الأمريكية، كما تقلد سابقا مدير البحث بالمجلس الدولي لحقوق الإنسان بجنيف، وعمل باحثا بمعهد رالف بنتش للأمم المتحدة بنيويورك، مع حصوله على امتياز الزمالة بمعهد دراسات الشرق الأوسط بجامعة هارفرد. من مؤلفاته: “فهم تنظيم القاعدة- الحرب ذات الطبيعة المتغيرة” (لندن، 2007)، “الهجمة المضادة للحملة الصليبية: جذور وتداعيات الحادي عشر من سبتمبر” (باريس، 2004)، والذي صدرت حديثا ترجمته إلى اللغة العربية (عن عالم الكتب الحديث بإربد في الأردن- 2010)، وكتاب “حرب الخليج الثانية بناء الدولة وأمن النظام” (سان افرانسيسكو، 1988). كما  نُشِرَتْ له، كذلك، أبحاث وكتابات في صحف عريقة (“نيويورك تايمز”، “شيكاغو هرلد تربيون”، صحيفة “لوموند دبلوماتيك” الصادرة باللغة الفرنسية، ودورية الأبحاث القانونية بجامعة هارفرد. فهو يتحدث أربع لغات (الإنجليزية، الفرنسية، الإسبانية، والعربية).

-- موقع السكينة

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*