الإثنين , 5 ديسمبر 2016
الرئيسية » مركز البحوث » لقاءات » حوار مع الدكتور ناجح إبراهيم عضو مجلس شورى الجماعة الإسلامية.

حوار مع الدكتور ناجح إبراهيم عضو مجلس شورى الجماعة الإسلامية.

بعد صراع مع الدولة المصرية راح ضحيته آلاف القتلى والجرحى، كما نفذ حكم الإعدام بمائة عضو من أعضاء الجماعة، انطلقت الجماعة التي أدارات صراعا مع الدولة في مراجعاتها الذاتية التي أملتها عليها خبرتها منذ اغتيال السادات، حتى قال أمير الجماعة حينئذ كرم زهدى” لو علمنا رجلا الفاتحة لكان خيرا لنا عند الله وعند الناس”.

لا يمكن اتهام مراجعات الجماعة الإسلامية المصرية كبرى الجماعات الجهادية في العالم العربي في العصر الحديث، بأنها أتت خورا أو ضعفا، فقد أدارت هذه الجماعة صراعا مدويا وثبتت حين خارت قوى جماعة الجهاد أمام القوات الأمنية المصرية سنة 1995، وأعلن أمير الجهاد المصري حينئذ، ونائب زعيم تنظيم القاعدة أيمن الظواهري وقف عمليات الجهاد لعدم القدرة! واختار الرجل الحروب الكلامية ضد مصر بينما كانت الجماعة شجاعة في مواجهتها كما كانت أكثر شجاعة في مراجعاتها.

ومن المهم أن نشير في هذا السياق أيضا أنه قد ثبت عن الجماعة الإسلامية منذ البداية قوة تنظيمها وارتباط أعضائه بقيادته، وأنه تنظيم وليس مجموعات وخلايا متناثرة شأن تنظيم الجهاد، لا توجد قيادة مركزية لها إلا في القليل، ولم ينجح الظواهري- حسبما يحكي في التبرئة- في محاولاته اختراق هذه الجماعة طيلة مواجهاتها وكذلك بعد مراجعاتها، فارتباط أعضاء الجماعة بمؤسسيها وثقتهم فيهم كانت أكبر من أن تخلخلها محاولات اختراق تنظيم الجهاد المنافس بشكل واضح. 

كان لا بد من هذه المقدمة لهذا الحوار حول مسيرة مراجعات الجماعة الإسلامية من الصدام مع الدولة والمجتمع والمؤسسة الدينية والأقلية الدينية في مصر إلى المصالحة مع الجميع، المراجعات التي تحولت بها الجماعة من طريق العقوق والمجابهة وسراديب العنف وجهالاته التأسيسية إلى رحابة الوطن وسماحته وقداسة دم أبنائه.

ضيفنا في هذا الحوار هو الدكتور ناجح إبراهيم عضو مجلس شورى الجماعة وأبرز منظري مراجعاتها التي امتد تأثيرها عميقا ليس في مصر وحدها بل في المغرب واليمن وغيرها من بلدان العالم الإسلامي، ويؤكد أن تجربة الجماعة الإسلامية ككبرى الجماعات التي تبنت العنف عندما خار سواها تجربة ملهمة لكل من يرجو الحقيقة ويتبع طريق الحق لا طريق العناد والمكابرة.
في البداية سألناه:

– كيف كان توجههكم نحو مراجعات الجماعة الإسلامية المصرية؟ 

د ناجح : في البداية يمكن القول أن المراجعات الفكرية التي طرحتها الجماعة الإسلامية المصرية أواخر عام 2001م شكَّلت مفاجأةً لكثير من المتابعين؛ بعد أن اتخذت الجماعة حتمية المواجهة والثأر من الدولة والتغيير المسلح فكرا ناظما لها، وبدا للكثيرين أن الجماعة قررت المواجهة حتى آخر قطرة ممن تبقوا خارج السجون والمعتقلات، بعد أن زُجَّ بحوالي اثني عشر ألفًا من أبنائها في السجون، لكن الجماعة تداركت الأمر فأطلقت مبادرة “منع العنف” (صيف 1997م)، والتي واجهت صعوبات جمة عقب عملية الأقصر (أواخر 1997)، ولكن المبادرة عادت إلى الواجهة مرة وتوالت إصدارات الجماعة الفكرية، التي مثّلت ثورة على الأفكار التي حكمتها لعقود طويلة.

السكينة: هناك من يشكك في مصداقية المراجعات ويراها نتيجة تدخلات وضغوط أمنية كيف ترون ذلك؟

د ناجح: يمكن وصف مراجعات الجماعة بأنها كانت ثورة فكرية وتصحيحية شاملة لمرحلة ما قبل المراجعات، وهو ما دفع البعض إلى التشكيك في مصداقيتها عبر مثل هذا الكلام المرسل، ولكن الصحيح الذي نعرفه أمام الله وأمام أنفسنا أن هذه المراجعات كانت ما أملاه الضمير والتصحيح الشرعي الرصين بعيدا عن الانفعال والمكابرة، نسأل الله أن يبارك أثرها، فمسألة الجهاد والمواجهة مسائل اجتهادية، وقد حاولت الجماعة خلال موقعها الإلكتروني أن تعيدَ اكتشاف نفسها من جديد، بخطاب وسطي يستوعب التجربة التي مرَّت بها وتبني رؤية مستقبلية واعية، بمحض إرادتها وبمبادرة منها، وليس بناء على طلب من الدولة أو الحكومة كما يقول البعض، فنحن أخطأنا وشعرنا أنه من واجبنا أن نقوم بإصلاح ما أفسدناه.

السكينة: بداية نحيي هذا الشعور بالمسئولية الذي يوجبه الدين والضمير، ولكن كيف ترون مكانة مراجعات الجماعة وسط مراجعات التنظيمات المسلحة الأخرى بعد توالى موجاتها؟

د ناجح: فكرة المراجعات بالتأكيد خطرت على العديد من التنظيمات المسلحة خاصة خلال فترة التسعينيات إلا أنها لم تجد نموذجا للاحتذاء به ومن هنا جاءت الأهمية الخاصة للجماعة الإسلامية عن باقي أي مراجعات تلتها للتنظيمات الإسلامية المسلحة في الدول العربية، فهي البداية التي انطلقت منها سواها، وقد تأثر بها غيرها من المراجعات سواء المحلية والدولية. 

السكينة: ما هي التأثيرات المحلية والدولية لمراجعات الجماعة برأيكم؟

د.ناجح: المحلي تمثل في فتح الباب أمام التنظيمات المحلية لأخذ نفس القرار الشجاع بمراجعة أفكارها، وأولها جماعة الجهاد التي قامت بالمراجعات عام 2007، قادها منظرها الشيخ سيد إمام الشهير بالدكتور فضل، شيخ الدكتور أيمن الظواهري الرجل الثاني في القاعدة.

كما ساهمت الجماعة الإسلامية في مراجعات ما أطلق عليه “تنظيم سيناء” الذي قام بتفجيرات طابا عام 2004 وشرم الشيخ عام 2005، حيث قام قادة الجماعة الإسلامية بشرح المضامين الفقهية لكتب المراجعات الفكرية لهم في السجون، وتسبب ذلك في إعلانهم نبذ العنف وإلقاء السلاح، وهو ما أدى إلى النجاح الباهر لوقف مسلسل العنف في سيناء بعد عام واحد من القبض على التنظيم، وهذا جزء من قيمة ونجاح المراجعات الإستراتيجي، وهو تجفيف منابع الفكر التكفيري العنيف، كما امتد تأثير مراجعات الجماعة قويا واستفادت منه تجارب ومراجعات تنظيمات مسلحة في المغرب واليمن وليبيا، كما استفاد منه برنامج المناصحة الذي تشرف عليه  الداخلية السعودية في تصحيح أفكار الشباب السعودي الذي خدع في أفكار القاعدة وانتمى إليها.

السكينة: هل كانت المراجعات قرارا اتخذه قادة الجماعة أم أنها كانت إجماعا من مختلف أعضائها؟

وضحنا في كتابنا” نهر الذكريات” أن قرار المراجعات وسائر إصدارتها كان نتاج عملية حوار شاملة بين قادة الجماعة وعناصرها في السجون، الذين طاف عليهم قادة الجماعة، وكان مخاضا طويلا وشجاعة مقدرة من الجميع في اقتحام سبيل المراجعة والبناء الجديد.

وأؤكد أن هذا الطرح- المراجعات- لم تكن تقربًا إلى السلطة، ولكن كانت تقربًا إلى الله، ومن يتصور أن الإفراج عن المعتقلين هو ثمن لأفكارنا ومبادرتنا فهو مخطئ، فالاعتقال نفسه كان مخالفًا للقانون، والإفراج عنهم هو حق قانوني ودستوري لم يكن معمولًا به قبل ذلك، وتداركت الدولة هذا الخطأ بعد المبادرة. وعمومًا فهذا رأيي الشخصي وهو ليس ملزمًا لأحد.

ومن نافلة القول أن مراجعات أي تنظيم إسلامي مسلح لأفكاره ليست أمرا سهلا فهي عملية طويلة ومعقدة، تتخللها مفاوضات شاقة داخل الجماعة التي تقوم بهذه المراجعات،  خاصة إذا كانت مراجعة تنظيم وليست مراجعة أفراد يمكن أن يراجعوا ضمائرهم ومواقفهم، فقد كانت مراجعات الجماعة الإسلامية مراجعة فكرية شاملة وتصحيحا كليا للمفاهيم والمواقف فلا شك أنه لا بد أن يكون مبنيا على قناعات رصينة وذاتية دون ضغوط من أحد، ومن هنا استغرقت كتابتها عشر سنوات، لأنها تتعلق بوضع إطار فقهي فلسفي شرعي قادر على تصحيح فهم لأفكار وفتاوى إسلامية صدرت منذ قرون، تتعلق بأفكار عديدة مثل ضوابط وأحكام الجهاد والحاكمية وغيرها.

السكينة: كيف ترى تأثير مراجعات الجماعة وغيرها من المراجعات على فكر القاعدة والفئة الضالة؟

يمكننا القول بأن كافة المراجعات التي صدرت خلال العشر سنوات الأخيرة بداية من الجماعة الإسلامية، وانتهاءً بالجماعة الليبية كونت تراكما معرفيا كبيرا يكفي لمواجهة فكر القاعدة وأي فكر إسلامي، يؤمن بالعنف خلال القرون القادمة، فرؤية تأثير المراجعات على الجماعات الإسلامية المسلحة يحتاج لوقت طويل.

السكينة: ما هي المؤشرات التي تؤكد تأثير المراجعات الفكرية على مكافحة التنظيمات الإسلامية المسلحة؟

إبراهيم : ضربت مراجعات الجماعة” القاعدة” في كيانها الفكري الضعيف، الملئ بالكثير من الأخطاء الفقهية، وهذا حد من قدرتها في الكثير من الأوقات على تجنيد عناصر جديدة، فقد وصلت هذه المراجعات إلى دولتي ماليزيا وإندونيسيا في الأعوام القليلة الماضية، ولاقت جماهيرية كبيرة بين آلاف الشباب المسلم الذي كان البعض منهم يفكر في الانضمام للحركة الجهادية الخاصة بتنظيم القاعدة أو تنظيمات مماثلة لها هناك، بل وتسعى بعض الدول الغربية للاستفادة من برامجها لإفناع عناصر إسلامية موجودة في سجونها من أجل استتابتها.

والشئ بالشئ يذكر فقد أثرت المراجعات الفكرية لجماعة الجهاد التي كتبها الشيخ فضل، شيخ الدكتور أيمن الظواهري الرجل الثاني في القاعدة، على مستويات مختلفة في أعضاء التنظيم داخليا والأخطاء الفقهية والاستراتيجية الكبرى التي وقعت فيها القاعدة وضرت ببلاد المسلمين وشبابهم.

إبراهيم : تأثير المراجعات على الأجيال الجديدة في القاعدة وغيرها للأسف ضعيف، وذلك راجع إلى أن المراجعات الخاصة بالعديد من الحركات الإسلامية بها نقطة ضعف خطيرة، وهي ضعف التواصل مع المجتمع ونشرها بين الشباب، وهذا نابع من أنها لا تزال جديدة.

 

هذا بالإضافة إلى أن بعض حكومات المنطقة العربية لا تزال متخوفة من احتكاك منظري وقيادات الجماعات بالمجتمعات المحلية، ولكن قد يكون ذلك مسألة وقت.

السكينة : هل البناء الفكري للقاعدة ضعيف لحد انكساره أمام المراجعة؟

د ناجح: أرى أن فكر القاعدة ضعيف للغاية وبه ثغرات كثيرة، أولها أن فكرها تكفيري، وهذا النوع من الفكر أشبه بالقنبلة الانشطارية، فعلى سبيل المثال إن اختلاف الآراء في القاعدة له علاقة بالكفر والإيمان.

أما الثغرة الثانية، أن هذه الجماعات لا تدعو الناس لله نفسه وللدخول في الإسلام وإنما تدعو الناس للدخول في التنظيم، وليس كل الناس بل الشباب الصغار الأقوياء المتحمسين فقط كي يستغلوهم في القتال وهذه الازدواجية بها مخالفة شرعية كبيرة.
والثغرة الثالثة في فكر القاعدة هي القاعدة التي يقوم عليها فكرهم وهي “الجهاد للجهاد”، وهو ما سبق أن وضحته في حوارات وكتابات سابقة ونشرت الجماعة كتابا مهما في هذا السياق-  ضمن سلسلة المراجعات- حول الأخطاء الاستراتيجية للقاعدة، فقد أدى قتال وفكر القاعدة لقتل وإذلال المسلمين في الكثير من بقاع الأرض، ودماء هؤلاء في رقبة القاعدة، كما أن أعمالهم تضر الدول الإسلامية، كما يلاحظ أن معظم تفجيرات القاعدة تكون ضد مدنيين وهم بذلك يقتلون الأطفال والنساء والشيوخ والرهبان والفلاحين. هذه مخالفة كبيرة لأحكام الشريعة التي منعت قتل هذه الفئات لأنها لا تشارك في القتال.

السكينة: استغلت القاعدة اسم الدكتور عمر عبد الرحمن ووضعته اسما على عمليتها في مضيق هرمز ضد ناقلة النفط اليابانية إم ستار أوائل شهر أغسطس الماضي؟ كيف ترون ذلك؟

أنا أتعجب من هذا من ربط اسم د/ عمر عبد الرحمن بأعمال التفجير والترويع .. معتبراً أن مثل هذه الأعمال أبعد ما تكون عن فكر د/ عمر ومنهجه .. فهو يرفضها رفضاً تاماً وينهى عنها، والتضامن مع د/ عمر عبد الرحمن لا يكون بترويع الآمنين وتفجير السفن وقتل البشر، فتلك خدمة جليلة يقدمها هؤلاء إن صدق البيان الصادر عنهم ..  للإدارة الأمريكية للتمسك ببقاء د/ عمر في سجونها بحجة دعمه ورعايته للإرهاب .

كما أن الزج باسم فضيلة د/ عمر عبد الرحمن من شأنه أن يفقده التعاطف الدولي مع قضيته .. والذي قد يساهم بقدر ما في الوصول إلى حل لقضيته، ونؤكد أن الدكتور عمر عبد الرحمن كان مباركا ومؤيدا بالكلية لمراجعات الجماعة الإسلامية المصرية التي يعتبرها أباها الروحي ومنظرها الأول.

السكينة: كلمة أخيرة للشباب المسلم الذي تسعى القاعدة لتجنيده واستغلال حماسته؟

أقول لهم عليكم بالعلم والأدب ومراجعة العلماء، والحرص على الدين والوطن، والاستفادة من تجارب الجماعة الإسلامية ومجموعات الجهاد المصري التي انتهى قادتها ومنظروها وأعضاؤها لتصحيح الخطأ الذي تصر زعامات القاعدة على أنه الصواب رغم وضوح مآله وهشاشته.

-- أحمد الشريف- صحافي مصري

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*