الجمعة , 9 ديسمبر 2016
الرئيسية » مركز البحوث » لقاءات » وكيل وزارة الشؤون الإسلامية المساعد : خطط استراتيجية للأمن الفكري ، وحماية الخطب من الانحراف عن مقاصدها

وكيل وزارة الشؤون الإسلامية المساعد : خطط استراتيجية للأمن الفكري ، وحماية الخطب من الانحراف عن مقاصدها

الدعوة إلى الله عزَّ وجلَّ عملٌ عظيم، بل هو من أحسن القول  والعمل كما  ذكر الله عزَّ وجلَّ، {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ }، وعمل بهذه المنزلة العظيمة لا بد أن يجد له إعداداً  متميزاً ليؤتي ثماره يانعة بإذن ربه.
للوقوف  على جانب من أطراف هذا الموضوع العظيم وما ينبغي أن يكون عليه الداعية إلى الله عزَّ وجلَّ، التقينا فضيلة الشيخ عبدالرحمن بن غنام الغنام وكيل وزارة الشؤون الإسلامية المساعد لشؤون الدعوة والإرشاد عبر الحوار التالي..

عوامل النجاح

*  في البداية سألناه: ما عوامل نجاح الداعية إلى الله في دعوته؟

– إن  المتأمل في كتاب الله – عزَّ وجلَّ – وسُّنة رسوله – صلى  الله عليه  وسلم – يجد أن عوامل نجاح الداعية إلى الله في دعوته تنقسم إلى ثلاثة أقسام:

– قسم يتعلق بعلاقة الداعي مع ربه عبادة ويقيناً، وقياماً بحقه سبحانه وتعالى، وطلباً لمرضاته، وإطابة مطعمه والتوكل عليه، والإيمان بقوله تعالى: {(إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ  }، فهذه عوامل معنوية لها تأثيرها في إنارة الطريق أمام الداعية.

– وقسم يتعلق بالصفات المكتسبة مثل: العلم، والحُلم، والمعرفة، والأخلاق العالية، والاطلاع على الرسائل والكتب المعينة على الدعوة إلى الله من علوم الفصاحة والبلاغة ونحوها.

– وقسم يتعلق بالحكمة وهي قسمان: حكمة تعني العلم والتحقيق لما يدعو إليه، والإلمام بجوانبه ومتطلباته. وحكمة تعني وضع الشيء في موضعه من حيث المناسبة والمكان والزمان والأسلوب، وكلها لا يستغني عنها الداعية. والدعاة متفاوتون فيها، وترى تأثيرها وتأثر الدعاة بها ظاهراً وباطناً.

مستوى المدعويين

* هناك من الدعاة مَنْ لا ينظر لحال المدعوين، فتراه يشرّق ويغرّب ولا أحد يفهم ما يقول. ما رأي فضيلتكم بهذا؟

– من الحكمة بمكان أن يدرك الداعية مستويات المدعويين العملية، والإيمانية ومخاطبتهم بما يناسبهم، وبما يحتاجون إليه، لا أن يخاطبهم بما يمْلون من سماعه، ولا بما لا يحتاجون إليه، وقد قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – لمعاذ – رضي الله عنه -: “إنك تأتي قوماً أهل كتاب…. إلخ”. فبيّن له حال المدعوين أولاً، ثم أعطاه الخطوات التي يتبعها والمراحل التي يسلكها.

فعلى الداعية إلى الله أن يختار من موضوعات الدعوة ما يناسب أحوال المدعوين، إذْ هو الطريق الصحيح لحصول القبول والمنفعة بإذن  الله. وللمدعوين حالات كما ذكرها الشيخ محمد بن عثيمين – رحمه  الله – في رسالته “الدعوة إلى الله”: الحالة الأولى – أن يكون راغباً في الخير مقبلاً عليه لكنه قد يجهله ويخفى  عليه، فهذا يكفي في حقه مجرد الدعوة مثل أن يقال له: هذا مما أمر الله به ورسوله فافعله، أو هذا مما نهى عنه الله ورسوله فاجتنبه. وهو من أجل رغبته في الخير وإقباله عليه سيقبل ويطيع.

الدعوة والموعظة

الحالة الثانية – أن يكون عنده فتور وكسل عن الخير وإقبال ورغبة في الشر، فهذا لا يكفي معه مجرد الدعوة، بل لا بد أن يضاف إليها موعظة حسنة بالترغيب في الخير والطاعة وبيان فضل ذلك وحسن عاقبته وضرب الأمثال في العواقب الحميدة وموعظة حسنة للترهيب من الشر والفسوق وبيان إثم ذلك وسوء عاقبته وضرب الأمثال في العواقب السيئة للفاسقين {ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاؤُوا السُّوأَى أَن كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُون }.

الحالة الثالثة – أن يكون عنده إعراض عن الخير واندفاع إلى الشر ومحاجة في ذلك، فهذا لا يكفي في حقه مجرد الدعوة والموعظة الحسنة، بل لا بد أن يضاف إليها مجادلته بالتي هي أحسن في المجادلة وأحسن في بيان الحق لتُدحض حجته وتبطل طريقته وإلى هذه الأحوال الثلاثة يشير قوله )تعالى: {ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ }، قال شيخ الإسلام بن تيمية: “الناس ثلاثة أقسام؛ إما أن يعترف بالحق ويتبعه فهذا صاحب الحكمة، وإما أن يعترف به لكن لا يعمل به، فهذا يوعظ حتى يعمل، وإما ألا يعترف به، فهذا يُجادل بالتي هي أحسن لأن الجدال فيه مظنة الإغضاب، فإذا كان بالتي هي أحسن حصلت منفعة بغاية الإمكان”.

فإن سألك المدعو بعد الجدال بالتي هي أحسن سبيل العدل واعترف بالحق وأذعن له وإلا انتقلنا معه إلى:
الحالة الرابعة – التي أشار إليها قوله تعالى: {وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ} ، قال ابن كثير – رحمه الله-: “أي حادوا عن أوجه الحق وعموا عن واضح المحجة وعاندوا وكابروا،  فحينئذ ينتقل من الجدل إلى الجلاد ويقاتلون بما يمنعهم ويردعهم”، وهذه الحالة الرابعة قد لا تكون من وظائف الأفراد غير ذوي السلطة، لأن سلوك الأفراد لها إذا لم يكونوا من ذوي السُّنة يحدث من الفوضى ما يكون فيه ضرر كثير وفساد كبير.

حسن اختيار الموضوع

* ما مدى أهمية استعداد الداعية وتحضيره تحضيراً جيداً لما سيتحدث عنه؟

– لا شك أن اختيار الموضوع المناسب الذي سيتحدث عنه الداعية من أهم الخطوات التي ينبغي للداعية الاهتمام بها، ذلك لأن بقية الخطوات مبنية عليها ومتفرعة عنها، ومنها التحضير الجيد للموضوع، بحيث يقرأ عنه ويحفظ أدلته أو يكتبها أو يعرف معانيها، وكذلك يتقن قراءة الآيات والأحاديث والأسماء والأماكن التي سترد في موضوعه، كما ينبغي له الرجوع إلى الكتب المعتمدة في ذلك. بخلاف من لا يُحضّر لما سيتحدث عنه من درس أو محاضرة أو كلمة، فترى كلامه غير مُركّز، وغير مرتبط مما يفوّت على الحاضرين الاستفادة منه.

تكرار الموضوع

* بعض الدعاة يُقصر نفسه على موضوعات معيّنة يكررها دائماً. ما  رأي فضيلتكم بهذا النهج؟

– تكرار الموضوع بأسلوب واحد قد يستثقله بعض الناس وينفرون منه ولا يرغبون في الاستماع إليه، وهذا لا يعني عدم تكرار بعض الموضوعات المهمة، لأن تكرارها مهم ولا يكفي في بعضها الكلام لمرة واحدة، ولكن أقصد تكرار نفس الموضوع بنفس الأسلوب والطريقة ولنفس الأشخاص، فإذا كان ولا بد من التكرار وأن الموضوع يتطلب ذلك ولنفس الأشخاص، فيراعي في ذلك تغيير الأسلوب وطريقة الإلقاء والعرض، فيمكن ذكرها مرةً مختصرة، ومرةً مفّصلة، ومرةً تذكر بعض  الأمور ومرةً تترك وتذكر أمور أخرى تتعلق بها، وهكذا كما هي طريقة القرآن الكريم في ذكر القصص مثلاً.

الأمن الفكري

* الأمن الفكري مطلب لسلامة المجتمع وأبنائه من الزلل. ما مدى أهمية تخصيص الدعاة جزءاً من محاضراتهم وما يلقونه من خطب وكلمات لهذا الأمر؟

– تحقيق الأمن الفكري والتصدي للفكر الضال لا يقتصر على جهة دون أخرى، بل هو مسؤولية يشترك فيها الجميع، والوزارة من منطلق مسؤوليتها الشرعية وإدراكاً منها لأهمية هذا الموضوع وخطورته قامت بجهود أساسية في هذا المجال، حيث أعدت خطة تنفيذية لتحقيق الأمن الفكري ومكافحة الفكر الضال، ومنها التأكيد على الدعاة وخطباء المساجد بتخصيص بعض خطب الجمعة وبعض المحاضرات والندوات والكلمات لتبيان حرمة دم المسلمين والمعاهدين، وحرمة الإفساد في الأرض، وبيان تلبيس الفئة الضالة وخطرها على المجتمع ومُقدراته وفساد معتقدها ومنهجها، والجرائم الفظيعة التي ارتكبتها، والتحذير من فتنها، وبيان الأحكام الشرعية في جرائمها وأفعالها الآثمة.

لا يأس مع الدعوة الناجحة

* بعض  الدعاة تمر به حالة إحباط، ويرى انصراف الناس عنه. ماذا تقولون له؟

– الداعية الناجح هو مَن لا ييأس من الإصلاح إن كان في ذلك صلاح المجتمعات أو صلاح النفوس واستجابة القلوب، فإن أخفق مرة فلا بد أن يُفلح مرات، وإن صبر فلا بد أن تُفتح له أبواب القلوب الموصدة، فعلى الداعية أن يخلص لله تعالى في دعوته، وليعلم أنه بدعوته إلى الله – عزَّ وجلَّ – وارث لنبيه محمد – صلى الله عليه وسلم – في نشر سنَّته وهديه ليكون ذلك حافزاً له على اتباعه في الدعوة إلى الله عزَّ وجلَّ والصبر فيها ورجاء الثواب عليها والدخول في قوله تعالى: {قُلْ هَـذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ } [يوسف: 108] ، كما أن عليه أن يصبر ويصابر على ما يناله من أذى من شرار الخلق وما أكثرهم، وأن يعتبر بما جرى لنبينا محمد – صلى الله عليه وسلم – ولمن سبقه من الرسل الكرام – عليهم السلام – {وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُواْ عَلَى مَا كُذِّبُواْ وَأُوذُواْ حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللّهِ} [الأنعام: 34].

تنويع وسائل الدعوة

* ما مدى أهمية تنويع وسائل الدعوة والأساليب والآليات التي يستخدمها الداعية؟

– إن أساليب الدعوة إلى الله عزَّ وجلَّ – كثيرة جداً وليست مقتصرة على إلقاء الخطب وإقامة المحاضرات والدروس والكلمات، بل تعددت قنوات الاتصال وتطورت وسائل الإعلام تطوراً كبيراً وانتشرت انتشاراً واسعاً، مما يحتم على الداعية أن يستغل هذه الوسائل ويوظفها في خدمة الدعوة إلى الله تعالى. اختيار ما يناسب من هذه الأساليب والوسائل مما لم يرد مانع شرعي من استخدامها والتنويع بين هذه الوسائل والأساليب وطرحها، فلكل وسيلة طبيعة خاصة بها وسمات ومزايا خاصة بها تميزها عن غيرها، ويمكن تصنيفها على النحو التالي:

– الوسائل المطبوعة (المقروءة) مثل الصحف، والمجلات، والرسائل، والنشرات، والكتب، والبحوث العلمية.
– الوسائل السمعية (الإذاعة والشريط الإسلامي).
– الوسائل البصرية: التلفاز، والقنوات الفضائية، والفيديو، وشبكة الإنترنت، وبرامج المحادثة المباشرة، والساحات الحوارية، والمنتديات، والبلوتوث، وأجهزة البروجكتر وغيرها كثير، ولا بد من عرض الوسائل على أصول الشريعة فما وافقها أخذ وعمل به وما لم يوافق فإنه يرد ويبحث عن غيره.

-- الدعوة

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*