الإثنين , 5 ديسمبر 2016
الرئيسية » مركز البحوث » لقاءات » العمل السري كارثة.. والسلفية مظلومة في عدد من بلدان العالم العربي.

العمل السري كارثة.. والسلفية مظلومة في عدد من بلدان العالم العربي.

ممدوح الشيخ باحث له بصمته المميزة … نشر ما يزيد عن عشرين مؤلفا في القاهرة وبيروت وعمان ودبي ومسقط، وحصل على جوائز عديدة ، كما نشر مئات المقالات في العديد من الصحف والمجلات العربية في القاهرة وبيروت ومسقط وأربيل ولندن.

وله اهتمام مبكر بالحركات الإسلامية، درسا وبحثا ونقاشا، وخاصة بمسألة المراجعات، وقد أصدر في ذلك عددا من الكتب.

. وقد أجرت “السكينة” معه هذا الحوار حول العديد من القضايا المتصلة بمجال تخصصه الرئيس كخبير بشؤون الحركات الإسلامية.
 
* كيف ترى تأثير المراجعات الفكرية للجماعة الإسلامية والدكتور فضل.؟

– المراجعات الفكرية التي قامت بها الجماعات التي مارست عنفا ذا إسناد إسلامي، تركت أثرا كبيرا في داخل العالم الإسلامي وخارجه، فهي أولا أعادت الاعتبار للمعايير الشرعية “الصحيحة” وكشفت حجم المغالطات التي شابت عملية الصياغة “الأيدولوجية” المؤسسة للعنف وإسباغ صبغة إسلامية عليها.

وهي من ناحية أخرى حرمت هذه الجماعات من “أنصار محتملين” بين الشباب الذين يحركهم الحماس الديني أولا، ومن الناحية المعرفية عززت هذه المراجعات أهمية المعالجة التأصيلية للظواهر بعيدا عن التمويه والاستثمار غير الموضوعي وغير الشرعي لها، فكلاهما ساهم بقوة في تأخر الوصول إلى لحظة المراجعة التي كان يمكن أن تأتي قبل سنوات، من التوقيت الذي حدثت فيه، ما كان كفيلا بأن يوفر على مجتمعاتنا الكثير من الخسائر.

* ما أهم الفروق بينهما؟ بين مراجعات الجماعة الإسلامية المصرية ومراجعات الدكتور فضل في رأيك؟

– بصفة عامة، كلا المراجعتين – المراجعة التي قامت بها الجماعة والمراجعة التي قام بها الدكتور فضل، كان له أثر نوعي مغاير للآخر، فمراجعة الجماعة اتسمت بروح جماعية – تبدو واضحة بقوة في صياغتها النهائية، وأفق واسع أعطى اهتماما واضحا بالتفاصيل والقضايا الفرعية وكان أقرب إلى “التصحيح” منه إلى “التراجع”، وقد كان تأثيرها في المسار العام لحركة الجماعة الإسلامية أكثر وضوحا من تأثيرات مراجعات الدكتور فضل.

والأخيرة طغت على أهميتها الكبيرة لغة السجال العنيف مع شخص الدكتور أيمن الظواهري ما جعل البعض يعتبرها أقرب إلى المعركة الثنائية منها إلى المراجعة الفكرية، وإن كشفت عن العديد من نقاط الضعف المهمة والعملية بالخصوص في فكر وممارسة الظواهري والقاعدة، وإن قلل البعض من أهميتها بأنها جاءت بعد أن كان قسم لا يستهان به من كوادر جماعة الجهاد قد انضم فعليا إلى تنظيم القاعدة.

* هل ترى فكر القاعدة في أفول؟

– تعبير “فكر القاعدة” يتسم بقدر كبير من الغموض والافتقار للتحدد، وهي حقيقة نادرا ما يتم التوقف أمامها، فالقاعدة التي أنشأها الشيخ عبد الله عزام ليست هي نفسها القاعدة التي أعاد تأسيسها الشيخ أسامة بن لادن، وكلاهما يختلف بشكل ملموس عن “الجبهة الإسلامية العالمية لقتال اليهود والصليبيين”، والجناح الجهادي – نسبة إلى جماعة الجهاد المصرية – شيء مخلتف عن تنظيم الجهاد، وقد كانت مصر تشهد في التسعينات نقاشا لا يتوقف عن مغزى أن يتوجه تنظيما الجماعة والجهاد بقوتيهما التنظيمية الكبيرة نحو مواجهة الدولة بدلا من مواجهة إسرائيل، وكان الرد أن “العدو الداخلي أولى بالقتال من العدو الخارجي”، وفجأة انعطف فصيل من الجهاد بزعامة أيمن الظواهري مؤسسا الجبهة التي أشرنا إليها معلنين أن المبدا تغير وأن “عدو الخارج أولى بالقتال من عدو الداخل”، ومؤخرا انعطف التنظيم ليوجه ضربة غامضة لمسيحيي العراق ثم ليوجه تهديدا أكثر غموضا لمسيحيي مصر.

وهذه الشواهد قد تعني على الأرجح أن التنظيم لا ينطلق من تصور فكري يمكن أن نبلوره فيما يمكن أن نسميه فكر القاعدة، بل ينطلق التنظيم من أولويات عملية تتغير بوتيرة سريعة نسبيا، والأمر نفسه ينطبق ما يستنتنج من أداء التنظيم في الجزيرة العربية واليمن والصومال والمغرب العربي وإندونيسيا وآسيا الوسطى…… والاعترافات الأخيرة لأحد قادة التنظيم عن علاقات بين القاعدة في الجزيرة العربية بجهات إقليمية تستخدمه ضد المملكة العربية السعودية قد يكشف عن أن لدى التنظيم “أجندات” لكن من التجاوز القول بوجود فكر للقاعدة، وهو عموما في تراجع واضع وبخاصة لجهة القدرة على الدعابية لأفكاره بين “الأنصار المحتملين”.

* كيف ترى استراتيجية السعودية في مواجهة الفكر المتطرف عبر برامج المناصحة وحملة السكينة؟

– إن هذه الاستراتيجية ربما تكون الأكثر كفاءة حتى الآن، فهي جمعت بين اليقظة الأمنية والتفاعل الفكري مع المنابع النظرية للعنف، رغم رؤيتنا أن المسار طويل ويحتاج الكثير، حيث لا تستطيع أي استراتيجية – مهما كانت كفاءتها – أن تحقق نجاحا تاما وكاملا مرة واحدة، في مواجهة ظاهرة وجماعات العنف الديني، في ظل الروافد المتشعبة والآليات التي أصبحت تتيحها ثورتا الاتصال والمعلومات تتيحان لأي تنظيم مساحة حركة غير مسبوقة، ومن هنا فإن تقييم الاستراتيجية السعودية في ضوء العوامل التي تتحكم في مسار الظاهرة، لكن تبقى نجاحة هذه الاستراتيجية واضحة في ظل الدور الكبير للعلماء، والاهتمام الرسمي بإعادة تأهيل المستدفين ببرنامج المناصحة والنشاط المدني المتمثل في حملة السكينة لا شك  يوفر لكل منهم بيئة حاضنة تحصنهم – جزئيا – من احتمال العودة للانخراط التنظيمي في التنظيمات المسلحة.

* ما السبل الأفضل في رأيكم لحماية الأجيال الجديدة من التطرف الذي تمثله القاعدة؟

– السبيل الأمثل لذلك تضافر الأمني والثقافي والاجتماعي والسياسي، فمثل هذه الظاهرة لا يصنعها سبب واحد مهما بلغ حجم تأثيره، والقضية التي أرى أنها ينبغي أن تستأثر بالاهتمام الأقصى هي ضرورة تبيين الحكم الشرعي في الانضمام للجماعات السرية أيا كان هدفها والتوعية الواسعة بـ “أمراض السرية” ومخاطرها التي لا تقتصر على العنف، فالسرية معناها العمل في سرداب مظلم وفي مثل هذه السراديب تكثر الأفاعي وتغيب الشفافية والمساءلة. وبالتالي فإن نزع المشروعية الفقهية عن العمل السري هي في تقديري حجر الزاوية في أي عمل هدفه تحصين الأجيال القادمة ضد القاعدة.

* السلفية مفهوم متعدد الدلالات ويربطه البعض بالتطرف كيف ترى الرد على ذلك.؟

– السلفية مفهوم تعرض لظلم كبير، فلا تكاد توجد رؤية فكرية شاملة أي كونية إلا وفيها بالضرورة بعد سلفي. والعلمانية نفسها فيها بعد سلفي ذلك أن لحظة تأسيسها خلفها وكلاسيكياتها المؤسسة تنتمي إلى الماضي، وهي بالتالي ذات بعد سلفي.

والتطرف يمكن أن يظهر في كل التيارات بلا استثناء ولا يستثنى من ذلك التيار التحديثي. بل إن الدراسات الحديثة تقدر ضحايا “التحديث المتطرف” في الغرب بحوالي 160 مليون قتيل من المدنيين. والسلفية الإسلامية كتيار على أرض الواقع لعب دورا تاريخيا في تنقية الدين من الخرافات والبدع كما قدمت للثقافة الإسلامية بعض أخم الجهود على الإطلاق في خدمة العلوم الشرعية وبخاصة علم الحديث. لكن “صورة السلفية” للأسف صورة فيها الكثير من الظلم.

ومن الضروري هنا الإشارة إلى حقيقة مهمة هي أن بعض الاختيارات الفقهية والاجتماعية التي ارتبطت بالمصطلح ليست جزءا من المفهوم.

* فوضى الفتاوى ومحاولة تنظيمها في مصر كيف ترى تأثير ذلك؟

– فوضى الفتاوى في مصر مشكلة متعددة الأبعاد، فهناك مشكلة سببها تصدي بعض غير المؤهلين، وأخرى سببها “تسليع” الفتاوى عبر الفضائيات الدينية والبرامج الدينية في الفضائيات الأخرى وخدمة خطوط الهاتف المختصة بالفتوى، لكن المشكلة أيضا كان موضوعا للاستغلال السياسي فرفعت اللافتة “التنظيم” وكان الحادث فعلا “التقييد”، والخطأ لا يبرر الخطأ. وقد أصبح هناك حاجة فعلية ملحة إلى “مشيخة إسلامية مستقلة” تقدم الرأي الشرعي للناس بعيدا عن سيطرة السلطة وحسابات السياسة. 

* الإخوان المسلمون والفقر النظري؟

– الإخوان المسلمون ظاهرة تاريخية على الساحة الإسلامية، وهي مرت عبر تاريخها بتحولات متنوعة فكرية وتنظيمية ما يجعل من التجاوز الحديث عن فكر نظري واحد لهذه الجماعة. ومحصلة هذه التحولات الآن وجود عدد من التيارات داخل الجماعة لكل منها تصوراته. والبعض يعتبر أن إحجام جماعة الإخوان المسلمين عن تقديم “برنامج” بالمعنى الشامل للكلمة حماية الجماعة من انشقاقات تبدو مؤكدة. والجماعة عبر تاريخها رفدتها روافد متعددة، بل أحيانا متناقضة: صوفية، سلفية، وطنية، وتجديدية.

والجماعة في حقبة ما بعد حسن لم تعد تضم بين صفوفها “منتجي أفكار” بل أصبح القسم الأكبر من قياداتها أصحاب مواهب تنظيمية، وهي بالتالي أقرب إلى الجماعة “المظلة” منها إلى الجماعة المتجانسة التي تستلهم أسسا فكرية واحدة.

* الجماعة الإسلامية هل ستمارس العمل السياسي مستقبلا.؟

– الجماعة الإسلامية – على الأرجح – أصبحت ذكرى، وهي في الحقيقة فقدت حيويتها يوم نجحت جماعة الإخوان في منتصف الستينات في اقتناص أهم كوادرها: أبو العلا ماضي، عبد المنعم أبو الفتوح، حلمي الجزار، وإبراهيم الزعفراني وغيرهم ممن كان انضمامهم للإخوان ميلادا ثانيا للجماعة بعد سنوات السجن الطويل، وقد كان خروج هؤلاء من الجماعة الإسلامية شهادة وفاة حقيقية للجماعة الإسلامية وإن بقيت كفاعل على الساحة الإسلامية.

* كيف ترى دور المؤسسات الدينية ومنظمات المجتمع المدني في مواجهة التطرف ؟

– التطرف ثقافة قبل أن يكون خيارا فقهيا وبالتالي فإن مواجهته مهمة مركبة لا تستقل بإنجازها جهة واحدة. وعلى المؤسسات الدينية في المقام الأول مهمة توسيع نطاق التعدد الفقهي لاستيعاب المتغيرات الاجتماعية والاقتصادية الثقافية، فالتضييق والعجز عن قبول التعدد أول روافد التطرف، ففي مرحلة تالية يبدأ كثير من المتدينين في رؤية العالم من منظور حدي ضيق ويتحول التطرف إلى مؤشر على التقوى ومع التطرف يولد الاستعداد والميل لفرض الرأي بالقوة والتخلص من المخالف، سواء كان شخصا أو فكرة أو ظاهرة، ثم يصبح الحكم الشرعي في المرحلة الأخيرة مجرد تبرير لاختيار انحاز إليه صاحبه بسبب مزاجه المتطرف وراح يبحث له عن إسناد.

ومنظمات المجتمع المدني مطالبة بأن تقيم توازنا بين الرغبة في تحديث المحتمع وتمدينه وبين الضوابط الشرعية، فعندما يصبح مفهوم المجتمع المدني مقصورا على علمنة ما هو قائم وتغريبه فإن هذا يستفز الكثير من المتدينين ويجعلهم ينتقلون من التفاعل إلى الخصومة والصراع فنخسر خسارة مزدوجة.

-- خاص بالسكينة

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*