الجمعة , 2 ديسمبر 2016
الرئيسية » مركز البحوث » لقاءات » (الفتن) تعالج وفق شرع الله··وليس بالأهواء!

(الفتن) تعالج وفق شرع الله··وليس بالأهواء!

قال فضيلة الدكتور خالد بن راشد العبدان – عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية: إن نعمة الأمن من أجلّ النِعم التي امتن الله بها على عباده وتكتمل نعمة الأمن مع رغد العيش والتمتع بصحة البدن، كما أخبر بذلك الصادق المصدوق عليه الصلاة والسلام·

وأكد فضيلته أن اختلال الأمن في أي مجتمع معناه وقوع الفتن والمخاطر الكثيرة على العقيدة وعلى الفكر وعلى حياة الناس وحياتهم·

وشدد الدكتور خالد العبدان على أهمية الحفاظ على الأمن بالالتجاء إلى الله وقيام المجتمع على توحيد الله ومعالجة ما يقع من الفتن وفق شرع الله وليس وفق الأهواء والفلسفات والنظريات·

جاء ذلك في سياق المحاضرة القيمة التي ألقاها فضيلته مؤخراً بالجامع الكبير بالرياض حول مسؤولية الدعاة في حفظ الأمن·

الأمن نعمة عظيمة

يؤكد الدكتور العبدان أن الأمن من أعظم الأمور التي يسعى إليها الإنسان منذ بدء الخليقة، فالأمن نعمة كبيرة تتطلع إليها الدول والشعوب، والأمن أنواع: أمن في العقيدة وأمن في الفكر، وأمن النفس والروح وأمن على الأعراض وأمن على الممتلكات·

وأوضح فضيلته أن الأمن مفهوم شامل لا يمكن الاستغناء عنه وقد امتن الله جلَّ وعلا بهذه النعمة العظيمة على عباده فقال في سورة قريش: {الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ } الآية· وقال سبحانه: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ }·· فنعمة الأمن عظيمة وإذا اجتمع معها رغد العيش أو توفر المعيشة والصحة في البدن فهذه كلَّها من أجلِّ النعم، يقول صلى الله عليه وسلم: “من بات آمناً في سربه، معافى في بدنه، عنده قوت يومه، فكأنما حيِّزت له الدنيا بحذافيرها”· هذه النِعم يجب أن نذكرها ونشكرها دائماً وأبداً، والله وعد بالأجر والزيادة لمن شكر فقال سبحانه: {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ }· علينا أن نكون من الشاكرين على نعمة الأمن ولا نغتر بمن ينسون هذه النعمة ولا يعرفون فضلها أو يفرطون فيها·· ونحن في هذا البلد الطيب المبارك ولله الحمد ننعم برغد العيش منذ عقود طويلة، بل منذ قرون وهذه البلاد تنعم بنعمة الأمن في العقيدة، فالعقيدة صحيحة، فهذه من أجل النعم وهذه النعمة في بلادنا ليس هناك ما يكدرها وليس هناك ما يشكك في هذا الأمن ويخل به· أيضاً هناك نعمة الأمن الفكري فلا يكون هناك ما يكدر الفكر وينحدر به إلى الانحراف مثل تلك المناهج التي تخل بالأمن الفكري عند الإنسان، كذلك الأمن في الأوطان من اعتداء النفس أو العرض أو المال كلّها من أعظم النعم التي ننعم بها في بلادنا حفظها الله ولا بد أن نشكر الله في كل حين ووقت·

غياب الأمن وظهور الفتن

وتحدث فضيلة الدكتور العبدان عن الفتن التي تمر بالأمم وبالمسلمين خاصة هي فتن كقطع الليل المظلم يجب على المسلم أن يكون حريصاً على الوقاية منها وأن يتقيها حتى ينعم بالأمن·· فالأمن إذا اختل ينبني على اختلاله مخاطر عديدة، فالاختلال في العقيدة وظهور العقائد الباطلة، وكالاختلال في الأمن الفكري فيظهر أهل الأفكار الهدامة والمنحرفة ويكون لهم شأن وشوكة وخطر، وكذلك إذا غاب الأمن ظهر أهل الشك والنفاق وظهر المجرمون الذين يعيثون في الأرض فساداً من القتل والسرقة وتخريب الممتلكات ويهددون الأعراف وكل ذلك بسبب الاختلال في الأمن·

كيف نحافظ على نعمة الأمن؟

ولكن كيف نحافظ على نعمة الأمن؟

يجيب الدكتور العبدان موضحاً: إن أعظم سبل المحافظة على نعمة الأمن الالتجاء إلى الله جلَّ وعلا والاستعانة به سبحانه ودعائه وسؤاله الحفظ وتجنب الفتن، ومن هذه السبل: القيام على توحيد الله سبحانه ونشر العقيدة الصحيحة وتربية النشء على التوحيد الخالص والعقيدة الصافية·· ومعالجة الفتن بشرع الله ووفق تعاليم المولى عزَّ وجلَّ وليس وفق الأهواء والفلسفات والنظريات التي لم ينزل الله  بها من سلطان وشريعة الإسلام صالحة لكل زمان ومكان، وقد شملت من الضمانات والأسس والمبادئ والأصول ما يكفل للأمة جميعها أخطار الفتن ويحميها من الوقوع فيها ومن ثم توفر الأمن الذي ينشده الإنسان·

ومن الأمور المهمة في هذا الابتعاد عن مواطن الفتن ومجانبة أسبابها وتجنب كل ما يؤدي إلى اختلال الأمن وحصول الفوضى والشر {وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً }·

كذلك من سبل تجنب الفتن، الاعتصام بالكتاب والسنَّة وهو الذي يحقق للأمة النجاة من كل شر وانحراف {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ}· فعند الفتن والتنازع لا يكون الرجوع إلى الأهواء والأفكار البشرية والعلوم والثقافات الإنسانية وإنما لا بد من رد الأمر إلى الله والرسول والرد إلى الله يعني الرجوع إلى كتابه والرد إلى الرسول يعني الرجوع إلى سنّته صلى الله عليه وسلم، وكما جاء في قوله تعالى: {وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً }·

ومن سبل الوقاية من الفتن تحقيق تقوى الله جلَّ وعلا والإنابة إليه والثبات على دينه والاستقامة على شرعه، فالتقوى سبيل للنجاة من الأزمات والمحن ومن القلاقل والفتن {وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ }· فعلينا جميعاً أن نتقي الله في أمور حياتنا وأن نعود إلى ديننا وأن نتقي الفتن ما ظهر منها وما بطن، وألا نتساهل في شيء منها حتى يحصل لنا الأمن والطمأنينة·

لزوم الجماعة وإمامهم

وكذلك من الأصول المهمة أن يلزم المسلم في حالة الفتن واختلال الأمن جماعة المسلمين وإمامهم، يقول تعالى: {وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ }، وحبل الله عند أهل السنَّة والجماعة يشمل كتاب الله، كما يشمل لزوم الجماعة وإمامهم، يقول صلى الله عليه وسلم : “إن الله يرضى لكم ثلاثاً ويكره لكم ثلاثاً، فيرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً، وأن تعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا، ويكره لكم قيل وقال وإضاعة المال وكثرة السؤال”

أيضاً من الأصول المهمة في هذا المقام، تحلي المسلم بالصبر حال الفتن وحال اختلال الأمن، فالصبر صفة تمنع المسلم من القيام بأعمال لا تحمد عقباها والتمثل بالصبر  فيه السلامة بإذن الله من غوائل الانحرافات وشرور الفتن، بل الصبر يطفئ كثيراً من الفتن والله جلَّ وعلا يقول في الاستعانة على كل ما يقع: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ }·

مسئولية العلماء والدعاة

ونحن نعلم أن الفتن إذا أقبلت يكون لها زينة ويكون لها شهوة ويكون لها قبول عند عامة الناس، وهنا يأتي دور العلماء وأهل البصيرة الذين يعرفون إقبال الفتن، فالفتن إذا أقبلت عرفها العلماء وإذا أدبرت عرفها الناس كافة وقد يكون بعد فوات الأوان، لذلك فالواجب الرجوع  إلى أهل العلم الراسخين ليعرفوا كيف يواجهون الفتن وكيف يتقونها· إذن من الأصول المهمة فيما يتعلق بالأمن هو قيام العلماء والدعاة بالمسؤولية في التنبيه على خطر الفتن واتقائها والتعامل مع الأمور وفق قاعدة الحلم والتأني وعدم التسرع والتعجل والتبصر بالأمور قبل الحكم عليها والخوض فيها··

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم  لأشجع عبدالقيس: “إن فيك خصلتين يحبهما الله ورسوله·· الحلم والأناة” فبالحلم والتأني ترى الأمور على حقيقتها وتوزن بميزانها الصحيح ويتبصر الإنسان بواقع الداء ويستكشفه ويستجلي الدواء والشفاء ويصيبه، فمتى أدلهمت الخطب ونزلت النوازل فإن الناس أحوج ما يكونون إلى الإتصاف بالحلم والتأني وعدم العجلة والتسرع وذلك أساس من أسس حفظ الأمن والإبقاء على الأمة بعيداً عن مخاطر الفتن، وهذا عمرو بن العاص رضي الله عنه  يعلل بقاء الأمم وكثرتها بصفات منها: أنهم أحلم الناس عند الفتن وإن كانوا كفاراً، كذلك مطلوب الرفق في الأمور والاتصاف باللطف في التعامل مع الناس من قبل الدعاة، فالرفق عند نزول الفتن عامل مهم لتحقيق الخير والصلاح والأمن في المجتمعات، فالقاعدة الشرعية في الإسلام لزوم الرفق في الأمور كلَّها، واللطف في الأمور جميعها، فرسولنا صلى الله عليه وسلم  يقول: “ما كان الرفق في شيء إلا زانه ولا نُزِع من شيء إلا شانه”

الثقة في العلماء وسؤالهم

ومن الأصول المهمة لتجنب الفتن أن الواجب على عامة الناس رعاية حق العلماء ومعرفة حقوقهم وسؤالهم عند وقوع الإشكال، فإذا كان الناس يحتاجون إلى العلماء ويلجأون إليهم لمعرفة أمور العبادات والمعاملات، بل يعبدون الله بما تعلموه من فقه وعلم على يد هؤلاء العلماء وكذلك في الأمور الأخرى مثل وقوع الفتن والنوازل لا بد للناس أن يثقوا بالعلماء والرجوع إليهم واستفتائهم عمَّا أشكل في  هذه المسائل {فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ }·

إذن  فعلينا أن نكون حريصين على أن نحقق الأمن في مجتمعنا وحريصين على اتقاء الفتن وتجنب ما يخل بالأمن وألا نغتر بكثرة الهالكين، فعليك بالحق وإن قل تابعوه، وإياك وكثرة الهالكين وأهل الهوى والمتحمسين الذين ليس عندهم علم ولا بصيرة ولا بد من لزوم جماعة المسلمين وطاعة أولي الأمر وهذا أعظم الوقاية من الفتن والشرور وتحقيق الأمن في المجتمع··

يقول الإمام سهل بن عبدالله التستري – رحمه الله -: “لا يزال الناس بخير ما عظموا السلطان والعلماء، فإن عظموا هذين أصلح الله دنياهم وأخراهم”

-- الدعوة الإسلامية

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*