السبت , 10 ديسمبر 2016
الرئيسية » مركز البحوث » حركات وأحزاب » نهاية القاعدة في الجزائر – الحلقة الخامسة

نهاية القاعدة في الجزائر – الحلقة الخامسة

من خلال متابعة شأن القاعدة تبين أن رهان السعودية على بن لادن كان إبان الحرب الأفغانية السوفياتية بالتدعيم المالي وفتح مراكز تدريب المتطوعين، واليوم صار لها رهان آخر وذلك عن طريق محاربة تنظيمه بكل الوسائل، وطبعا في كل المراحل كانت الفتوى هي السلاح الذي يعتمد عليه في إثارة المشاعر الدينية لدى الناس.

أما إيران بدورها جعلت من القاعدة ذلك اللغم الذي تستعمله حسب ما تمليه مصالحها، فقد تتحالف معها في بلد كاليمن وتسعى لاحتوائها في العراق، وقد تحاربها في قطر آخر مثل لبنان عن طريق «حزب الله»، أما على أرضها فلا مكان لها ولا لعناصر منها، خاصة أنها محسوبة على السنّة النواصب حسب التوصيف والتقدير العقدي الشيعي الإيراني.

قشور بلا لباب في فلسطين

دخول فلسطين هو من أبرز محطات الفشل في عمر تنظيم القاعدة وخاصة أنه يعتبر ذلك مرحلة مهمة إن لم تكن ما قبل الأخيرة، والنهائية تتمثل في حلمهم لإعلان »الخلافة الإسلامية« وإسقاط كل الأنظمة العربية. كما هو معروف في أدبياتهم ومخططاتهم البعيدة المدى أو حتى القريبة منها، هو الدخول في حرب مباشرة مع إسرائيل وضرب مصالحها، وذلك في عقر دارها وليس في بلدان أخرى.

لم تتمكن القاعدة من تشكيل فرع لها في فلسطين والتي تعتبر البلاد العربية الوحيدة التي تعيش على وقع حروب طاحنة وأخفق التنظيم أن يخلق بها جناحا يواليه، بالرغم من أنها لبّ القضية في أطروحاته العقدية والإيديولوجية.

فقد ظهر في العراق وأخفق ولم يبق إلا في أفغانستان وممثلا في شخص بن لادن وذراعه اليمنى الظواهري حتى وإن كان في بعض الأحيان مجرد تواجد معنوي وليس جسدي، والملاحظ أن بن لادن وضع بيضه كله في سلة طالبان وتحت أقدام الملا عمر يحركها حيثما يشاء ووقتما يريد.

لقد راهن التنظيم كثيرا على جماعة »جند أنصار الله« وأيضا جماعة »فتح الإسلام« في مخيمات نهر البارد بلبنان حتى تكون منطلقا لتحقيق الهدف، ولكن نهاية عبداللطيف موسى المكنى »ابوالنور المقدسي« في أوت 2009 على يدي حركة حماس، وأيضا نهاية شاكر العبسي ـ حتى وان تضاربت المعلومات عن مصيره ـ وجماعته في مايو 2007 بسلاح الجيش اللبناني وبإيعاز من »حزب الله«، جعل رهان القاعدة فاشلا لأجل خلق جناح مسلح في فلسطين والتي هي القضية المحورية التي تستغل من أجل اللعب على المشاعر الدينية لدى الناقمين على ما آل إليه الوضع الفلسطيني وخاصة في ظل حصار أمريكي إسرائيلي مصري معلن على قطاع غزة وصار مليون ونصف مليون مواطن مهددون بالإبادة عن طريق التجويع بعدما فشلت آلة الدمار بالفسفور الأبيض في هولوكوست جانفي 2009.

بل لم يقتصر الفشل على الداخل الفلسطيني بل وصل حتى لدول الجوار وعلى رأس ذلك لبنان التي هي في تماس مباشر مع إسرائيل، إضافة لأحداث نهر البارد نذكر قصة إسماعيل الخطيب الذي تعتبره جهات أمنية أول قائد فعلي للقاعدة في لبنان، وأنه قد كانت له محاولات فاشلة لتأسيس التنظيم قبل وفاته الغامضة وهو بالمعتقل في 2004.

كما تجدر الإشارة إلى أنه توجد مجموعة أطلقت على نفسها »كتائب أنصار السنة« وهي إحدى تشكيلات السلفية الجهادية، إلا أن نشاطها محدود للغاية كما تتعرض لحصار أمني كبير يعيقها عن التمدد وزرع فكرها الذي يظهر في حيثياته موالي للقاعدة إلا أنه لم يتم الإعلان الرسمي عن ذلك، وآخر الضربات الموجعة هو مقتل 3 من عناصرها في غارة إسرائيلية بتاريخ 10 / 01 / 2010.

لقد اتهم من قبل رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس حركة حماس باستقدام القاعدة لغزة، في حديث الى صحيفة »الحياة« في 27 / 02 /2008 حيث قال أبومازن: »القاعدة موجودة في غزة واعتقد أنهما حلفاء.

اعتقد أن ذلك الوجود للقاعدة تم بتسهيل من حماس وفي غزة بالتحديد«. ولكن ظل ذلك مجرد إتهام أو فبركة إعلامية أو تراشق لفظي يدخل في إطار الصراع القائم بين فتح وحماس على السلطة والقطاع.

ولحد اللحظة لم يظهر أي دليل يثبت تواجد التنظيم في فلسطين، وما يجري هو مجرد تخمينات واتهامات يراد منها تأليب الدول العظمى وحتى أنظمة الممانعة على المقاومة في فلسطين. ويكفي أن طوني بلير مبعوث الرباعية للشرق الأوسط عزف على وتر جعل حماس مثل القاعدة في حديث أدلى به مؤخرا لصحيفة »هآرتس« العبرية (09 / 01 /2010).

بذور الفناء في عالم متقلب

كل شيء في الوجود يحمل بذور فنائه ونهايته، والقاعدة منذ ظهورها الفعلي كانت أسباب النهاية ترافقها وواضحة للعيان برغم محاولات التجاهل المختلفة، وتوجد عدة عوامل يمكن أن نصفها في خانة الأسباب التي سهلت نمو بذور الفناء وتكاثرها، بل جعلت نهاية القاعدة في طبعتها الحالية هي الأقرب عكس ما قد يراه غيرنا، بل أنها منذ رهانها على المنطقة المغاربية انطلاقا من الجزائر قد غامرت نحو النهاية الانتحارية، فالجريح الذي رأى نفسه قد هلك غالبا ما يقوم بحركات طائشة.

1- أسباب من داخل التنظيم نفسه

نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر:

أولا: أخطرها تلك الصراعات الداخلية التي هي دليل على الإحباط النفسي والمعنوي، وقد ظهرت ما بين أمراء منطقة القبائل والتي كان يمثلها مؤسس وأمير »الجماعة السلفية« الأسبق حسان حطاب ولم ينته الأمر طبعا حتى ولو كان قد سلم نفسه فيوجد جناح آخر ينشط في منطقة القبائل ويمتد حتى إلى تخوم بومرداس.

ومن جهة ثانية نجد جماعة الوسط أو ممكن تسميتها »جماعة مفتاح« والتي يتزعمها عبدالمالك درودكال المكنى »أبومصعب عبدالودود«، وعرف عن هذه الجماعة تزمتها وتطرفها في مسألة القيادة، بل ترفض أي نفوذ ولو كان محدودا من طرف أمراء ينازعون دروكدال الإمارة وبعض مسائل التسيير.

أما الجهة الثالثة التي دخلت على خط المواجهة هي ما تعرف بإمارة الجنوب والتي هي نفسها مقسمة إلى جناحين واحد محسوب على مختار بلمختار »الأعور« الذي تحوم حوله شبهات عديدة من بينها أنه على تتصال مع السلطات لأجل تستفادته من ميثاق السلم والمصالحة، وأيضا دخوله في تحالفات ومواجهات مع مافيا التهريب بالجنوب. أما الجناح الثاني فهو الذي يتزعمه يحيى جوادي وهو ينافس لإثبات وجوده وتعزيز قوته.

وقد جمعني حديث مع مسجونين كانوا أمراء ومقاتلين في صفوف الجماعات المسلحة وأكدوا لي أن الجهوية والخلافات من النوع الذي ذكرنا هي التي عصفت بهم، وسهلت مهمة مصالح الأمن في الوصول إلى معاقلهم ومن لم يفلحوا في القضاء عليه فيقتل من أجنحة أخرى متناحرة. أما في الجهة الشرقية يسجل جناح يقوده المدعو »الشيخ منير« والموالي لدروكدال وجناح آخر يتزعمه أحدهم يتحدر من منطقة وادي سوف ولايزال مواليا لعبدالرزاق البارا الذي كان أميرا للمنطقة السادسة وهو موقوف حاليا وتشير المصادر الأمنية أنه من العرابين للمصالحة الوطنية على غرار رفيقه حطاب.

ثانيا: مما يسجل أيضا ويدفع إلى التذمر الرهيب داخل تنظيم دروكدال هو اتهامه بالانحراف عن ميثاق »الجماعة السلفية للدعوة والقتال« التي خرجت من رحم »الجماعة الإسلامية المسلحة« والتي كفرتها وأخرجتها من الملة بسبب اتباعها لمنهج الخوارج، حيث حاولت تجاوز تلك الدموية التي كان عليها عنتر زوابري أو جمال زيتوني أو حتى نورالدين بوضيافي آخر الأمراء والموقوف حاليا تحت طائلة حكم بالإعدام وقضايا كثيرة ومتعددة.

وهذا التذمر تم إخفاءه لمرحلة معينة بهالة تزكية القاعدة وأسامة بن لادن لهم وهو ما اعتبر نصرا مؤزرا، ولكن سرعان ما طفا على السطح مجددا بسبب أن الأمور لم تتغير أصلا والشيء الوحيد هو التسمية التي لم تأت بالخير سواء ماليا أو عسكريا كما كان يخيل. نشير في هذا السياق إلى ما أحدثته وثيقة صدرت من التنظيم وأساءت إلى العلماء بينهم عبدالرحمن السديس وعبدالعزيز بن عبدالله آل شيخ، سلمان العودة، سعيد رمضان البوطي، يوسف القرضاوي… الخ، الذين أدانوا التفجيرات.

نشرية أصدروها كرد فعل على الإساءة قد لمحت إلى كل من مبرك يزيد وكنيته »يوسف العنابي« وهو رئيس مجلس أعيان دروكدال ومن قدماء نشطاء »الجيا«، وجوادي يحيى وكنيته »ابوعمار« وهو أمير سابق بالجهة الغربية في تنظيم »الجيا« وقيادي بارز في ما يسمى »تنظيم القاعدة«، وقاسمي صلاح وكنيته »أبوصلاح محمد« رئيس ما يطلق عليه اللجنة الإعلامية. ووصفتهم بالمفسدين في الأرض والإرهابيين.

وكان ذلك مؤشرا على تفجير داخلي يهز التنظيم سرعان ما خفت وجرى احتواءه لكن ظهرت بعض بوادره لاحقا باختفاء صلاح قاسمي لفترة وراجت حوله الأخبار بأنه يستعد لتسليم نفسه أو حتى مقتله، وأيضا جوادي الذي يرفض الكثير من قرارات دروكدال ويحاول التفرد بجماعته والسيطرة على الصحراء، مما قد يعجل بمواجهة مسلحة مستقبلا بين الأطراف المتصارعة بسبب خلافات فقهية وعقدية ومالية وكذلك التعارك على الغنائم والمناصب والنفوذ الجهوي.

وفي السياق نفسه نذكر ما راج أيضا حول اجتماع للأمراء في منطقة جراح الجبلية على الحدود بين تيزي وزو والبويرة شهر سبتمبر 2007، وتم خلالها إبعاد دروكدال عبدالمالك عن الإمارة وعين بدله آخر يدعى أحمد هارون. ولكن دوما يجري إحتواء الموقف بطرق مختلفة، وتقول بعض المصادر أن أحمد هارون تعرض لإصابات طائشة كادت تودي بحياته.

ثالثا: المعترف به كثيرا سواء داخل التنظيم أو خارجه هو إفلاس الخطاب التعبوي الذي يحفز المقاتلين على المضي قدما في حربهم أو حتى كسب ود أطراف جديدة تشكل الدعامة الرئيسية للدعم والإسناد والذي هو شرط البقاء والاستمرار، فقد أفلحت مصالح الأمن في تفكيك أغلب شبكات الدعم في الشرق والغرب والجنوب والشمال، وبتوقيف عناصر لم تكن ملاحقة بأي شبهة ولا هي معروفة لدى الأمن، جعل التنظيم يفقد شبكاته التي كانت هي شريان الحياة له، ولا يمكنه أن يغامر بوجوه مشبوهة والتي ستكون رأس الخيط الذي يجعل الجيش يدك معاقلهم ويفسد خططهم.

ومن جهة أخرى عجز في تجنيد شبكات جديدة وهذا يعود بالأساس لانعدام الخطاب التعبوي الجاد سواء عن طريق الأشرطة أو الأنترنيت أو المنشورات. ولا يوجد أيضا خطاب مقنع للجيل الجديد الذي يتطلع لمستقبل أفضل وربما يحلم بالضفة الأخرى ولو بالمغامرة في أعماق المحيطات. وحتى استغلال حالة الاحتقان التي يعيشها العالم الإسلامي أخفق فيها التنظيم كثيرا، فالوضع في العراق برغم تواجد الإحتلال تورطت فيه القاعدة وأدمت الشعب المغلوب على أمره، بل أن الزرقاوي صار وبالا على العراقيين أكثر من الاحتلال نفسه حسب الكثيرين ممن تحدثنا إليهم.

أما فلسطين فهي بدورها لم يستطع التنظيم استغلالها لدغدغة مشاعر الجزائريين للرصيد السيء الذي يمتلكه قادته منذ أيام »الجيا« التي نحرت القرى وأبادت العائلات بصور مقززة فاقت ما يقوم به الصهاينة في غزّة والقدس المحتلة.

وتفيد مصادر متعددة أنه بسبب الخطاب الفاشل سواء على المستوى الديني الذي أفلس بمواقف علماء أجلاء يشهد لهم بالنزاهة والعدل، أما الخطاب السياسي فهو منعدم ويرجع إلى محدودية المستوى الذي يتمتع به نشطاء التنظيم، فأغلب من يتزعمون سراياه وخلاياه ممن لم يكن لهم أي ماضي سياسي بل برزوا في جبهة القتال فقط. هذا عكس ما كانت عليه الأمور في الفترة الممتدة ما بين 1992 ـ 1995 والتي كان في واجهة العمل المسلح أسماء برزت في مشهد جبهة الإنقاذ المنحلة مثل محمد السعيد وعبدالرزاق رجام وباعة وبوبكر زرفاوي… الخ.

أما الخطاب العسكري فهو غير أكاديمي ولا متخصص محترف، لأن الذين يدربون اكتسبوا المهارات القتالية وتكتيكاتها من خلال تواجدهم في الميدان ولا يوجد إلا القلة القليلة التي كانت لها نصيب من التدريب بحكم أداء الخدمة الوطنية أو العمل في المؤسسة العسكرية لسنوات. فالقتال عندهم يخضع للعشوائية والمباغتة في الكمائن وفق حسابات ومصطلحات خاصة اخترعوها ولقنوها لبعضهم بعضا.
******************
روابط الحلقات السابقة

http://www.assakina.com/center/parties/10252.html
http://www.assakina.com/center/parties/10290.html
http://www.assakina.com/center/parties/10421.html
http://www.assakina.com/center/parties/10483.html

-- الحوار المتمدن-انور مالك

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*