السبت , 10 ديسمبر 2016
الرئيسية » مركز البحوث » حركات وأحزاب » رفسنجاني .. والإبعاد من السياسة

رفسنجاني .. والإبعاد من السياسة

تلقى علي أكبر هاشمي رفسنجاني، أحد أبرز رموز الثورة الإسلامية في إيران، في الآونة الأخيرة الضربة تلو الأخرى، شملت أبناءه أيضا، للنيل منه وإبعاده تدريجيا عن الساحة السياسية في البلاد ومركز صناعة القرار، وربما قبل أكثر من ثلاثين عاما، وتحديدا سنة 1979 عندما اندلعت الثورة ما كان لأحد أن يتصور أن يؤول مصير رفسنجاني، تلميذ آية الله روح الله الخميني وأشد المقربين منه، إلى ما آل إليه مؤخرا عندما وجد نفسه مجبرا على التخلي عن رئاسة مجلس خبراء القيادة، في الوقت الذي يبدو فيه استمراره في منصبه الحالي كرئيس لمجمع تشخيص مصلحة النظام محل شك أيضا.

وتحول رفسنجاني، الرقم الصعب في المعادلة الإيرانية، إلى «تهديد» لكيان الجمهورية الإسلامية وبالتحديد لمرشدها الأعلى آية الله علي خامنئي عندما أعلن دعمه الصريح للمعارضة الإصلاحية في البلاد وزعيميها مير حسين موسوي ومهدي كروبي مع اندلاع الاضطرابات إثر إعادة انتخاب الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد في يونيو (حزيران) 2009، الأمر الذي حدا بالمرشد وآخرين مقربين منه، في مطلعهم أحمدي نجاد، إلى محاولة التخلص منه بأي ثمن.

ورغم أن رفسنجاني هو الذي دفع بخامنئي إلى أن يصبح خليفة لآية الله روح الله الخميني لدى وفاته عام 1989 وأن يتولى تقرير السياسات العليا في البلاد بصفته المرشد الأعلى، فإن خامنئي لم يتورع عن تنفيذ خطته في التخلص منه بعد أن أخذ القلق يتسرب إليه رويدا رويدا من نفوذه وطموحه ودعمه للخط الإصلاحي في البلاد.

وبدأت الضربات بمنعه من إمامة صلاة الجمعة في طهران، ثم وجد نفسه مرغما على التخلي عن سعيه لتجديد رئاسته لمجلس خبراء القيادة، وهو الهيئة المسؤولة عن تعيين وعزل المرشد الأعلى، بعد أن رشح آية الله محمد رضا مهدوي كاني، نفسه للمنصب، مرغما هو الآخر على القبول به بعد حصوله على 63 صوتا من أصل 86 وهو عدد أعضاء المجلس، بعد ضغوط مارسها خامنئي عليه لمنافسة رفسنجاني، إذ إن مهدوي كاني تجاوز عمره الثمانين كما أنه يعاني من مشكلات صحية قد لا تؤهله لقيادة المجلس أو حتى حضور جلساته.

وقال رفسنجاني، الذي ترأس مجلس خبراء القيادة منذ عام 2007، إنه لا ينوي إثارة خلاف، وأفاد في كلمة أمام المجلس في حينها «أرى أن الانقسام في المجلس ضار.. قلت من قبل إنه إذا ترشح (مهدوي كاني) للمنصب فإنني سأنسحب لمنع أي انشقاق».

وتعرض رفسنجاني (المحافظ البراغماتي) لهجوم سياسي كبير من المحافظين المتشددين الذين يأخذون عليه دعمه للمعارضة الإصلاحية خلال الأزمة التي تلت إعادة انتخاب أحمدي نجاد، عندما انضم للمشككين في صحة تلك الانتخابات، بينما وجه أعضاء بارزون في مجلس خبراء القيادة انتقادات لتوجهات رفسنجاني، الأمر الذي مهد لإبعاده عن رئاسة المجلس.

وسبق إبعاد رفسنجاني، وهو متزوج ولديه 5 أبناء، إقصاء نجله الأكبر محسن، المدير التنفيذي لشركة قطارات الأنفاق (المترو) في طهران وضواحيها، عن منصبه بعد مضايقات تعرض لها من حكومة أحمدي نجاد، وتزامن ذلك مع اعتقال ابنته الصغرى فائزة الناشطة في مجال الدفاع عن حقوق المرأة بعد اتهامها بالمشاركة في مظاهرة 14 فبراير (شباط) الماضي التي دعت إليها المعارضة الإصلاحية، كما كانوا قد أغلقوا مجلة كانت تصدرها بعنوان «المرأة»، بينما اختار نجله الآخر، مهدي، البقاء بمنفاه في لندن، خشية اعتقاله بزعم ارتباطه بمظاهرات يونيو 2009.

وبحسب مصادر إيرانية، فإن رفسنجاني من مواليد عام 1934 في جنوب شرقي إيران لأسرة ميسورة من المزارعين، وخلال دراسته العلوم الدينية في مدينة قم المقدسة لدى الشيعة التقى بالخميني وسرعان ما أصبح أحد أنصاره المقربين، وانخرط في العمل السياسي في 1963 حين كان مجرد طالب في حوزة قم عندما تم اعتقاله.

وبعد الإطاحة بنظام الشاه رضا بهلوي وطد رفسنجاني مكانته مع قيام الثورة الإسلامية فازداد نفوذه تدريجيا وتولى منصب رئاسة مجلس الشورى الإسلامي (البرلمان) بين 1980 و1989، وفي آخر أعوام الحرب العراقية – الإيرانية (1980 – 1988) عينه الخميني قائدا للقوات المسلحة بالوكالة. وتعززت سلطته أثناء الحرب فأجرى اتصالات غير مباشرة مع الأميركيين من أجل الحصول على أسلحة، مما أدى إلى فضيحة «إيران غيت» حين قامت إدارة الرئيس الأميركي الأسبق رونالد ريغان ببيع أسلحة لإيران سرا لقاء الإفراج عن رهائن غربيين في لبنان.

وينظر لرفسنجاني على أنه القوة المحركة التي أدت في آخر المطاف إلى أن يقبل الخميني على مضض بقرار مجلس الأمن الدولي الذي أنهى الحرب العراقية – الإيرانية.

وتولى رفسنجاني رئاسة الجمهورية لدورتين (1989 – 1997) أعاد خلالها إعمار إيران معتمدا سياسة الانفتاح الاقتصادي على الخارج وسمح للشركات الأجنبية بالاستثمار، غير أن تلك السنوات سجلت كذلك انتهاكات لحقوق الإنسان وتضخما هائلا وتزايدا كبيرا في ديون طهران، كما طرحت علامات استفهام حول ثروته ومصادرها واحتمالية ضلوعه في قضايا فساد.

ويسعى رفسنجاني لتجسيد الإسلام المنفتح وتأييد التطور السياسي والاقتصادي والانفتاح على الخارج، وهو ما لا يمنعه من انتقاد السياسة الأميركية باستمرار، على الرغم من محاولاته المتكررة للتقرب من واشنطن.

وكان دور رفسنجاني الأبرز عندما دخلت الثورة الإسلامية في البلاد مرحلة دقيقة إثر وفاة الخميني عام 1989 استلزمت توافقا بين كبار رجال الدين لتعيين خليفة له، فما كان من رفسنجاني إلا أن يحسم الأمر لصالح خامنئي، رغم أن الأخير لم يكن قد أصبح بعد مرجعا دينيا، وهو الشرط المطلوب توفره لولاية الفقيه.

ويقول علي نوري زادة المحلل السياسي الإيراني ورئيس مركز الدراسات الإيرانية العربية في لندن، لـ«الشرق الأوسط» إن «رفسنجاني صنع خامنئي»، ويوضح فكرته قائلا إن «الجميع يعلم أن خامنئي لم يكن مؤهلا حينها لأن يصبح قائدا للثورة بوجود عدد من كبار آيات الله، لكن رفسنجاني ذهب إلى مجلس الخبراء وخاطب الحضور قائلا سألت الخميني في أواخر أيامه ماذا نفعل بعد رحيلك؟ فأجابني: لا تخافوا فخامنئي بينكم! فحصل الأخير على أصوات 54 عضوا من بين ثمانين من أصوات مجلس الخبراء، وهكذا أصبح مرشدا أعلى». وأضاف أن «رفسنجاني صانع خامنئي ورغم ذلك فإن خامنئي طعنه في ظهره وفرض عليه الانسحاب من معركة الانتخابات الرئاسية لمجلس الخبراء، وأعتقد أن الخطوة الثانية ستكون عزله من رئاسة مجمع تشخيص مصلحة النظام».

وفي إيران، ينظر لرفسنجاني على أنه «أبو الإصلاحيين»، فهو من لعب دورا أساسيا في انتخاب الإصلاحي محمد خاتمي لرئاسة الجمهورية في وجه مرشح المحافظين أكبر ناطق نوري عام 1997.

ويقول نوري زادة، وهو أحد المؤيدين للحركة الخضراء المعارضة، إن «رفسنجاني مهد الطريق لظهور خاتمي والإصلاحيين، ففي الانتخابات الرئاسية عام 1997 شارك أكبر ناطق نوري في الانتخابات كتحصيل حاصل، على اعتبار أنه الرئيس المقبل، فكل المؤشرات تدل على أن خامنئي اختاره للمنصب، حتى إن صحيفة (كيهان) المحافظة نشرت خبرا عنوانه أن المرشد يفضل ناطق نوري، لكن رفسنجاني رفض ذلك ودعا إلى انتخابات نزيهة، وقال في خطبة صلاة الجمعة في الأسبوع الأخير قبل إجراء الانتخابات: لن أسمح بأي تزوير في الانتخابات ومن يفوز بأغلبية الأصوات سيكون رئيسا للجمهورية»، في تحد ضمني لرغبة المرشد الأعلى، وهكذا وصل خاتمي إلى سدة الرئاسة بدورتين من (1997 – 2005).

وكانت هذه اللحظة هي بداية مفترق الطرق بين رفسنجاني وخامنئي، التي تعززت بعد ثمانية أعوام من ذلك عندما أوصى الأخير رفسنجاني بعدم الترشح للانتخابات الرئاسية عام 2005 لمنافسة المرشح الآخر المفضل لدى خامنئي ألا وهو أحمدي نجاد، غير أن رفسنجاني رفض النصيحة قائلا بأنه يريد مواصلة الإصلاح، ولو بطريقة مختلفة عن خاتمي بعد أن توترت العلاقات بينهما.

ويقول نوري زادة في هذا الصدد إن «خامنئي كان يريد أن يشغل أحمدي نجاد منصب رئاسة البلاد، لأنه أراد سكرتيرا له وليس رئيسا للجمهورية أو حتى شريكا».

وانتهت الانتخابات في آخر المطاف لصالح أحمدي نجاد بعد تزوير «فاحش»، وقال رفسنجاني في حينها «سأشكو إلى الله لأني لا أرى حكما صالحا أشكو إليه». فكانت هذه نقطة التحول لدى آية الله هاشمي رفسنجاني الذي أصبح منذ تلك اللحظة «عراب التيار الإصلاحي»، فقرر وضع نفوذه وماله وصحفه وجميع إمكانيته في خدمة الإصلاحيين، وبإصراره رشح مير حسين موسوي، رئيس الوزراء الأسبق، إلى الانتخابات الرئاسية في 2009 التي انتهت بالتمديد لنجاد لكنها تمخضت عن ظهور المعارضة الإصلاحية في البلاد.

ويرى المحلل السياسي نوري زادة أن «خامنئي رأى أنه من أجل تدمير البنية التحتية للإصلاحيين لا بد من القضاء على رفسنجاني فشنوا هجوما عنيفا عليه وعلى أولاده منذ أكثر من عامين، وعندما تصفه صحيفة (كيهان) المحافظة بأنه عميل وخائن لولاية الفقيه وهو الذي كان من أشد المقربين من الخميني، فهذا يعني أن خامنئي يعتبره رفسنجاني العدو الرئيسي».

لكن هل دعم الإصلاحيين كان السبب الوحيد الذي جعل خامنئي يخشى رفسنجاني ويحسب له ألف حساب، أم أنها طموحات الأخير ورغبته، في أن يصبح مرشدا أعلى؟

فقد كشفت وثيقة أميركية، يعود تاريخها إلى أغسطس (آب) 2009 سربها موقع «ويكيليكس»، عن أن آية الله خامنئي، يعاني من مرض سرطان الدم في مراحله النهائية، وأنه قد يتوفى خلال أشهر، وأن هاشمي رفسنجاني يخطط لخلافته. وأفادت الوثيقة بأن الأخير قام بعد إعلامه بالوضع الصحي للمرشد الأعلى «بوقف حملته ضد خامنئي في مجلس الخبراء وقرر ترك الأمور تأخذ مجراها الطبيعي»، وتابعت أنه «بعد وفاة المرشد الأعلى، سيحاول رفسنجاني استخدام مجلس الخبراء لتتم تسميته مرشدا أعلى جديدا. إذا نجح في ذلك (..) سيدعو أحمدي نجاد إلى الاستقالة وسيطالب بانتخابات جديدة».

وعللت الوثيقة أسباب تراجع المظاهرات لاحقا التي كانت قد اندلعت في أعقاب فوز نجاد بدورة رئاسية ثانية، بأن رفسنجاني حث قادة المعارضة على وقف تلك الاحتجاجات وأي «نشاطات استفزازية يمكن أن تعرقل جهوده لترشيح نفسه لمنصب القائد الأعلى في المستقبل».

ومن هذا المنطلق فإن خامنئي لا يخشى فحسب من خطط رفسنجاني الإصلاحية بل إن لديه أسبابا شخصية، فهو لا يخشى موسوي أو كروبي، زعيمي المعارضة الإيرانية، كما يقول نوري زادة، «لأنه يعرف أنه ليس لموسوي أو كروبي قواعد في الحرس الثوري أو المؤسسة الأمنية بينما لرفسنجاني قواعد، فالمئات من رجال الحرس من الموالين له ولديهم علاقات متينة به منذ قيادته للجيش إبان الحرب العراقية – الإيرانية، ناهيك عن صلاته الدولية، ولهذا فإن خامنئي يخاف رفسنجاني أكثر من أي شخص آخر».

وتدل المؤشرات على أن رفسنجاني سيخسر عاجلا أم آجلا منصبه الأخير في المؤسسة الحاكمة كرئيس لمجمع تشخيص مصلحة النظام، الذي ينسق العمل ما بين مجلس صيانة الدستور ومجلس الشورى الإسلامي، بتخطيط من خامنئي، ويقول نوري زادة إنه إذا حصل ذلك فإنه «سيكون بداية لمواجهة علنية وشاملة بين رفسنجاني وخامنئي، وعندما نقول رفسنجاني فهذا لا يعني رفسنجاني كشخص بل كتيار ومجموعة سياسية اقتصادية عسكرية أمنية، فالآن كل الإصلاحيين مع رفسنجاني فهو القادر على توفير المال والتدابير العسكرية والأمنية لهم، فهو قد حصل على تعاطف الشارع وبعض أقطاب الحرس الثوري، كما أن هناك اعتقادا لدى الإيرانيين بأنه إذا ما حصل تغيير في مؤسسة الملالي الحاكمة فإنه سيكون على يد رفسنجاني، الرجل القوي البراغماتي، فإذا اتخذ قرارا بمعركة علنية فإنه سيعتمد على الشارع ومراكز القوة داخل الحرس والقوة الأمنية المتعاطفة معه وكذلك أسرة الخميني والكثير من كبار آيات الله في قم وسيكون قادرا على إحداث مشكلات كثيرة لخامنئي وأحمدي نجاد».

ومع ذلك، فإن العداء مع خامنئي، قد لا يجعل من رفسنجاني محبوبا في عيون الإيرانيين، رغم تعاطفهم، إذ يرى المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية، ومقره باريس، أن رفسنجاني وخامنئي، وجهان لعملة واحدة، ووصف عزل رفسنجاني عن رئاسة مجلس خبراء القيادة بأنه مثل عملية جراحية لفصل توأم سيامي، متنبئا بأنه بداية انهيار النظام الإيراني. وقالت مريم رجوي، رئيسة المجلس، حسب بيان حصلت «الشرق الأوسط» على نسخة منه إن «موقع خامنئي بصفته الولي الفقيه منذ 21 عاما في يونيو 1989 كان مرهونا بالدرجة الأساسية برفسنجاني ومعتمدا عليه وكما أكدت المقاومة الإيرانية مرارا خلال العقدين الأخيرين: فإن تنحي رفسنجاني من قبل خامنئي وتغيير التوازن بين هذين الزوجين، المتخاصمين لكنهما غير قابلين للانفصال عن بعضهما، يقدم مؤشرا للسقوط المحتم للنظام المورث من الخميني».

ورفض مصدر في مكتب مجلس المقاومة الإيرانية في باريس اعتبار رفسنجاني «إصلاحيا»، مؤكدا أنه «العقل المدبر» بل إنه «مهندس» سلسلة الاغتيالات السياسية التي استهدفت رؤوس كبار المعارضة الإيرانية، من بينهم عبد الرحمن قاسملو، رئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني عام 1989، كما أنه صاحب فكرة بناء القنبلة النووية في إيران كسلاح يستعاض به عن خسارة البلاد للخميني بعد وفاته.

واعتبر المصدر خروج رفسنجاني من دائرة الحكم إضعافا للنظام الإيراني، واستطرد قائلا لـ«الشرق الأوسط» إن «قوات الحرس الثوري والباسيج عندما تضغط الزناد لتصوب أسلحتها على صدور الإيرانيين في الشوارع فإنها تستمد قوتها ليس فقط من أموال النظام بل من الولي الفقيه، وكلما انهارت قوة هذا الولي الفقيه وجبروته فإن ذلك يؤثر على عزم تلك القوات الداعمة للنظام، ولذلك فإن خروج رفسنجاني من دائرة الحكم يضعف معنويات تلك القوات»، معتبرا أن إقصاء رفسنجاني بداية النهاية للنظام الإيراني الذي أصبحت قاعدته ضيقة جدا، فبعد أن كان الخميني يضم تحت مظلته الجميع من رفسنجاني وخامنئي وخاتمي وموسوي وكروبي وآخرين فإن خليفته خامنئي لا يحظى إلا بدعم أحمدي نجاد وقلة من المناصرين.

-- الشرق الأوسط: شذى الجبوري

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*