الجمعة , 2 ديسمبر 2016
الرئيسية » مركز البحوث » حركات وأحزاب » حكيم الله محسود .. قائد طالبان باكستان

حكيم الله محسود .. قائد طالبان باكستان

يعد القائد الشاب حكيم الله محسود شخصية غامضة بالنسبة لسكان كوتكاي؛ القرية الصغيرة التي تقع جنوب وزيرستان التي نشأ وترعرع بها. حيث لا يتذكر أي من سكان القرية أنه قد التقى به أو رآه خلال السنوات الماضية. فيقول أواز خان، أحد سكان كوتكاي الذي وصل أخيرا إلى «ديرة إسماعيل خان» التي تقع على الحدود مع جنوب وزيرستان، لـ«الشرق الأوسط»: «لم أره قبل ذلك أبدا، ربما كان يعيش في الجبال، ولكنني لا أعرفه».

وقد أعرب معظم النازحين من قرية كوتكاي في الحوارات التي أجرتها معهم «الشرق الأوسط» بعد الهجوم البري الذي شنه الجيش الباكستاني على حركة طالبان في 16 أكتوبر (تشرين الثاني) عن جهلهم التام بشخص حكيم الله محسود ونشاطاته.

وربما يكون التفسير المنطقي الوحيد لعدم معرفتهم بحكيم الله محسود هو أنه قد هجر قريته في سن صغيرة جدا وظل مختبئا عن أعين الناس نظرا لطبيعة الأنشطة التي كان يمارسها. أو ربما يخشى أهل مسقط رأسه أن يتحدثوا حول قائد طالبان الدموي الذي اشتهر بسرعة لجوئه للقتل؛ فقد كان يذبح خصومه بيديه العاريتين كما يتردد، كما اشتهر بعمليات القتل الوحشي في منطقة أوراكزاي القبلية، وشن الغارات ضد قوات الأمن، وتدمير المئات من شاحنات الإمدادات التابعة لحلف شمال الأطلسي التي تمر عبر المناطق القبلية الباكستانية.

وهو ما جعله يكتسب السمعة والمقام المطلوبين لكي يعلن نفسه خلفا لرئيس طالبان السابق بيت الله محسود الذي قتل خلال هجمة أميركية بطائرات الدرون في أغسطس (آب) 2009.

ودفع مقتل بيت الله محسود في هجمة بطائرات الدرون (طائرة بدون طيار) في 5 أغسطس بحركة طالبان باكستان إلى الفوضى التنظيمية. وكانت هناك شائعات حول وجود معارك على الخلافة، وشقاق داخلي؛ حيث ظهر رجلان باعتبارهما المرشحين لقيادة حركة طالبان باكستان؛ وهما حكيم الله محسود المقاتل الوحشي، وولي الرحمن العقل التنظيمي والسياسي والمالي وراء المنظمة. وبعدما بثت وسائل الإعلام الباكستانية تقريرا حول حوادث تبادل إطلاق النار بين فصائل طالبان المتصارعة في أعقاب وفاة بيت الله محسود، ظهر وزير الداخلية الباكستاني وأكد مقتل حكيم الله محسود خلال صدام مع فصيل ولي الرحمن في منظمة طالبان.

ولكن سرعان ما أحرجه حكيم الله عندما ظهر في مقطع فيديو تم توزيعه على وسائل الإعلام الباكستانية مع منافسه ولي الرحمن، وأكد عدم وجود أي انقسامات في صفوف حركة طالبان.

وقد أعلن حكيم الله وولي الرحمن معا أن حكيم الله قد أصبح قائد حركة طالبان باكستان، وأن مهمة الإشراف على شؤون جنوب وزيرستان قد أصبحت من اختصاص ولي الرحمن. ولكن الكثير من المراقبين كانوا يتشككون حول ما إذا كانت منظمة واحدة تستطيع تحمل شخصين بمثل تلك القوة والطموح. فبعد الكثير من المداولات بين صفوف حركة طالبان، استقرت المنظمة الإرهابية على القائد الجديد الذي سوف يخلف قائدها المقتول بيت الله محسود. وتم الإعلان بعد ذلك عن أن حكيم الله محسود القائد المسلح الطموح والدموي الذي يبلغ 29 عاما، قد استحوذ على السلطة بعدما توصل إلى اتفاق تسوية مع خصمه النافذ ولي الرحمن محسود.

وأعلنت الحكومة في البداية عن مقتل حكيم الله وولي الرحمن في تبادل لإطلاق النار بين الفصيلين المتصارعين بعد يومين من الهجمة التي شنتها طائرات الدرون (بدون طيار) في 5 أغسطس، والتي قتل فيها بيت الله. ولكن اتصالا هاتفيا يفترض أن الرجلين قد أجرياه، أظهر أنهما في صحة جيدة وأنهما متفاهمان، كما أكد الاتصال أن حكيم الله أمير قائد حركة طالبان باكستان على قيد الحياة وأنه أصبح على رأس المنظمة المسلحة.

وبابتسامته العفوية، وبنائه المتين، قدم القائد الجديد صورة مختلفة تماما عن سلفه القصير المتوعك. وبخلاف سلفه الذي كان لا يجيد تقديم نفسه، يجيد حكيم الله التعامل مع وسائل الإعلام حيث كان يعمل كمتحدث رسمي باسم بيت الله في 2007 تحت اسم ذو الفقار محسود، وهو الدور الذي جعل منه شخصية شهيرة.

ولا يوجد الكثير من المعلومات المتعلقة بحياته قبل تلك المرحلة؛ سوى أنه ولد في قرية كوتكاي بجنوب وزيرستان، وكان يطلق عليه جامشيد محسود، كما أنه ينتمي إلى عشيرة إهانغاي من قبيلة محسود. وعلى الرغم من أن اسمه مشابه لبيت الله، فإن الحقيقة أنهما لا توجد بينهما أي صلة قرابة. ولكن حكيم الله هو ابن عم قاري حسين القائد العسكري الذي قام بتدريب الكثير من الانتحاريين الذين هاجموا باكستان في السنوات الأخيرة.

ولم يتلق حكيم الله أي تعليم رسمي، ولكنه كان يذهب إلى المدرسة في منطقة «هنغو» التي كان يدرس فيها بيت الله كذلك. ويقال إنه قد ترك الدراسة لكي ينضم إلى طالبان في أعقاب الغزو الأميركي لأفغانستان في 2001. ولا توجد معلومات أخرى متوافرة عن حياته قبل أن يصبح قائدا لحركة طالبان باكستان سوى أنه كان يعمل كسائق لبيت الله لفترة من الزمن.

في نوفمبر (تشرين الثاني) 2008، استولى حكيم الله محسود على منطقة أوراكزاي القبلية بألفين من المقاتلين، وذبح خصومه. ثم مد نفوذه إلى مناطق كورام وخيبر. كما أنه تمكن من تكوين تحالف مثمر مع العصابات التي تختطف النشطاء والتي كانت مصدرا رئيسيا لتمويل حركة طالبان باكستان.

ونظرا لأنه يرغب في إلحاق الأذى بالولايات المتحدة، فقد نجح حكيم الله في قطع طريق إمدادات حلف شمال الأطلسي في أفغانستان الذي يمر عبر منطقة خيبر القبلية. كما أعلن مسؤوليته عن تدمير المئات من عربات الهامفيس وثبط عزم قوات التحالف.

ولا عجب إذن أن يصفه أحد مساعديه المقربين بأنه: «صاروخنا النووي الذي يمكن يصل إلى أي مكان في أي وقت». بل إن حكيم الله لا يشبه أيا من رفقائه في حمل السلاح، فهو يجيد التعامل مع أي نوع من الأسلحة بدءا من المسدسات وصولا إلى الـ«آر بي جي 7»: «لدينا النية للاستيلاء حتى على إسلام آباد إذا ما استمرت باكستان وجيشها في حماية المصالح الأميركية». قال ذلك في لقاء صحافي قام بتنظيمه بنفسه في نوفمبر 2008 بقاعدته بأوراكزاي.

ولكن فعالية حكيم الله كقائد لحركة طالبان باكستان لم تختبر بعد؛ وقد أثيرت الكثير من التساؤلات حول كونه شابا وعديم الخبرة. ولكن الأيام وحدها هي التي سوف تظهر إذا ما كان سيتمكن من إدارة الفصائل المتعددة التي تقع تحت مظلة حركة طالبان باكستان والحفاظ على السلام مع ولي الرحمن، أم لا.

وبالنسبة للمحللين والخبراء الأمنيين، فإن وصول حكيم الله محسود لمنصب القائد الجديد لحركة طالبان باكستان لم يكن مستغربا، وذلك على الرغم من أنه كان يعمل حارسا شخصيا قبل خمس سنوات ثم سائقا لرئيس طالبان بيت الله محسود. وقد أخبر مسؤول بالحكومة الباكستانية شريطة عدم الإفصاح عن هويته «الشرق الأوسط»: «قبل أن يصبح رئيس المنظمة الإرهابية، كان قد أظهر وحشية في قتله للأبرياء وإحداث ضرر بالغ بقوات الأمن الباكستانية، بالإضافة إلى قوات حلف شمال الأطلسي في أفغانستان».

ويتذكر الكثير من الصحافيين الباكستانيين حكيم الله محسود كمتحدث رسمي صغير السن باسم حركة طالبان باكستان، ويتذكرون أنه كان يتصل بهم بنفسه من هاتفه الفضائي كي يعلن مسؤولية الجماعة عن كل هجوم إرهابي يحدث في المراكز المدنية في باكستان. فيقول صحافي بارز في بيشاور: «في ذلك الوقت كان يقدم نفسه باسم ذو الفقار محسود، وكان يخبرنا بأن حركة طالبان وراء كل عملية انتحارية أو هجوم إرهابي في شمال غربي البلاد».

ولكن وسائل الإعلام الباكستانية ووكالات الأمن الحكومية على حد سواء لم تبدآ في التعامل معه بجدية إلا بعد أغسطس 2007، عندما اختطف رجاله 300 جندي باكستاني في جنوب وزيرستان. وهو ما يعد نقطة تحول في تاريخ حكيم الله محسود؛ حيث وفر ذلك له الفرصة لكي يتقرب من رئيسه بيت الله محسود؛ حيث إن تلك الغارات هي التي ساعدت على ترقيه في السلم التنظيمي لحركة طالبان باكستان.

فقد وفرت عملية اختطاف 300 جندي باكستاني الفرصة لقائد طالبان بيت الله محسود للتفاوض مع قائد الجيش السابق الجنرال برويز مشرف. وكنتيجة للمفاوضات السرية بين طالبان والحكومة الباكستانية، اضطر الرئيس السابق مشرف أن يأمر بإطلاق سراح 25 من الإرهابيين الذين كانت قوات الأمن الباكستانية تحتجزهم لكي يؤمنوا إطلاق سراح 300 جندي باكستاني.

وقد مثل ذلك حرجا بالغا بالنسبة للحكومة الباكستانية، وتم اعتباره نصرا كبيرا تمكن حكيم الله محسود ـ الذي كان في ذلك الوقت قائدا عاديا بحركة طالبان والذي كان قد تجاوز الخامسة والعشرين للتو ـ من تحقيقه لصالح طالبان.

وبعد ذلك مباشرة، رفع بيت الله محسود القائد الشاب حكيم الله إلى رتبة قائد العمليات الرئيسي في ثلاث من المقاطعات القبلية؛ خيبر، وكورام، أوراكزاي. وعلى الرغم من أن التوتر الطائفي كان محتدما بالفعل في هذه المناطق الثلاث عندما ذهب حكيم الله محسود كنائب عن بيت الله محسود؛ ولكن حكيم الله أظهر وحشية في تلك المناطق القبلية. وهو ما دفع عددا كبيرا من سكان المناطق القبلية بكورام وأوراكزاي إلى النزوح بعد وصول حكيم الله محسود في بداية 2007. فيقول سهيل ناصر الصحافي المتخصص في الشؤون القبلية والصراعات الطائفية: «لقد شهدت أوراكزاي، وكورام أسوأ صدامات طائفية منذ وصول حكيم الله محسود إلى هناك».

وقد استأنف حكيم الله محسود أجندته لفرض تفسير طالبان لتطبيق الشريعة في منطقة أوراكزاي القبلية في ديسمبر (كانون الأول) 2008، وهو العام الذي شهد فرض الجزية على غير المسلمين في المنطقة. وكان هناك عدد كبير من الهندوس والسيخ الذين يعيشون في أوراكزاي وخيبر قبل وصول حكيم الله محسود. وبعدما فرضت حركة طالبان الجزية على غير المسلمين نزح جميعهم من المناطق القبلية الباكستانية.

وقد اشتهر حكيم الله محسود من خلال تلك الأحداث على نطاق واسع خاصة في ظل تغطية وسائل الإعلام الباكستانية لتلك الأحداث.

وكان الصحافيون الباكستانيون يهرعون إلى إجراء لقاءات مع القادة العسكريين، ولم يرفض حكيم الله أبدا طلبا بإجراء لقاء معه، كما لم يمانع أبدا في التقاط صور له. وخلال تلك الفترة كان حكيم الله على صلة مباشرة برجال الإعلام الباكستاني وكان يتطوع بإجراء مكالمات هاتفية يخبر فيها الصحافيين بمسؤولية طالبان عن هجوم إرهابي. حتى إن بعض الصحافيين الباكستانيين قد ألفوا صوته على الهاتف، وبالتالي فعندما اتصل بهم لكي ينفي التقارير التي كانت تتحدث عن وفاته في أغسطس 2009، استطاعوا التعرف على صوته.

وعلى الرغم من مرجعيته الدينية، فإن حكيم الله محسود لا يتردد في أن يقدم نفسه باعتباره رجلا عصريا قادرا على التعامل مع الأسلحة والمركبات الحديثة.

وفي نوفمبر 2008، نظم حكيم الله محسود زيارة إلى الصحافيين الباكستانيين إلى معسكر تابع للحركة في أوراكزاي؛ فقد أراد أن يستفيد من وجود وسائل الإعلام في معسكره، وفقا لما قاله أحد الصحافيين الذين التقى بهم.

فيقول زاهر شاه شيرازي، الذي كان أحد أفراد المجموعة الصحافية التي زارت معسكر حكيم الله محسود: «لقد كان يرغب في التباهي أمام المصورين من خلال قيادة سيارة الهامفي المدرعة التي كان رجاله قد اختطفوها خلال غارة على موكب للعربات الأميركية في خيبر بسرعة شديدة ثم دعا الصحافيين بعد ساعة للمشاركة في مسابقة لإطلاق النيران».

ويتذكر الصحافيون الباكستانيون أن حكيم الله محسود قد عبر عن وجهة نظره حول حركة طالبان في أفغانستان والقاعدة بشكل تفصيلي، فيقول أحد الصحافيين الذين كانوا موجودين ضمن الفريق الذي زار معسكره: «لقد عبر عن احترامه العميق للقائد الأعلى لحركة طالبان الملا عمر، كما أثنى بشدة على تنظيم القاعدة على الرغم من أنه أنكر وجود حركة القاعدة في المناطق القبلية الباكستانية».

ويبدو حكيم الله محسود سهل المعشر أكثر من سلفه؛ فقد دعا حكيم الله في أول أسبوع من أكتوبر (تشرين الأول) في رسالة مصورة مسجلة بثتها وسائل الإعلام الباكستانية كلا من النخبة الباكستانية والصحافيين إلى الحوار كي يثبت أنه ليس عميلا أجنبيا.

ويعتقد معظم الباكستانيين أن حركة طالبان وحكيم الله محسود يحصلان على التمويل من الهند وغيرها من أعداء العالم الإسلامي بما في ذلك إسرائيل. فيقول محمد أمير المدرس بجنوب وزيرستان في حوار مع «الشرق الأوسط»: «إن حركة طالبان هي جزء من مؤامرة دولية لتقسيم باكستان، وهي مؤامرة تمولها كل من الهند وإسرائيل».

ولم تسمع أي معلومات حول حكيم الله محسود منذ بداية العمليات العسكرية في جنوب وزيرستان في مساء 16 أكتوبر (تشرين الأول). فيقول الخبراء العسكريون إن تفوق الجيش الباكستاني في جنوب وزيرستان؛ سواء من حيث العدد أو القوة هو تفوق حاسم، إلى الدرجة التي لن يتجرأ معها أي قائد من حركة طالبان على إظهار المقاومة لقوات باكستان المتقدمة. والخيار الوحيد أمامهم سوف يكون اللجوء لحرب العصابات. وعلى الرغم من أن ذلك الخيار لم يتم اختباره على أرض الواقع، فإن حكيم الله محسود يزعم أنه لديه خبرة في ذلك النوع من الحروب ولكن النتيجة بلا شك غير مؤكدة.

-- الشرق الأوسط: عمر فاروق

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*