الخميس , 8 ديسمبر 2016
الرئيسية » مركز البحوث » حركات وأحزاب » رباني .. سيرة ومسيرة

رباني .. سيرة ومسيرة

يعد مقتل البروفسور برهان الدين رباني، الرئيس الأفغاني السابق الذي كان يقود جهود السلام في أفغانستان، يوم الثلاثاء الماضي، في هجوم انتحاري استهدف منزله في قلب كابل، أكبر عملية اغتيال لشخصية بارزة منذ الغزو الذي شنه التحالف الذي قادته الولايات المتحدة للإطاحة بنظام طالبان في أواخر عام 2001. وكان الرئيس الأفغاني حميد كرزاي قد عينه على رأس المجلس الأعلى للسلام منذ أكتوبر (تشرين الأول)، وكلفه بإجراء اتصالات مع قادة طالبان الذين ينتمون إلى عرقية الباشتون، أكبر العرقيات الأفغانية، بغية بدء مفاوضات سلام.

ويعد رباني البالغ من العمر 71 عاما، من قادة المجاهدين ضد القوات السوفياتية في الثمانينات. غير أن منظمات الدفاع عن حقوق الإنسان تتهمه، كجميع زعماء الحرب الأفغان، بارتكاب جرائم حرب خلال التسعينات حين كان رئيسا من دون صلاحيات لبلاد تشهد حربا أهلية دامية. وربما يكون رباني أبرز شخصية أفغانية تغتال منذ سقوط حكومة طالبان عام 2001.

وقال محمود عبد الرحمن خبير الشؤون الأفغانية في العاصمة كابل لـ«الشرق الأوسط» إن مقتل رباني، زعيم «الجمعية الإسلامية»، يعد «الضربة الكبرى لجهود المصالحة والسلام في أفغانستان». وأوضح أن مقتله «يحمل رسالة من باكستان الجار القوي الذي يمر بعلاقات متأزمة مع واشنطن بعد تصفية أسامة ابن لادن زعيم تنظيم القاعدة في مدينة أبوت آباد في مايو (أيار) الماضي، حيث أرادت إسلام آباد أن تمرر رسالة تقول إن لا يمكن حل المشكلة الأفغانية م ندون باكستان، كما كان في التسعينات».

وأضاف: «من الواضح أن هناك جماعات وليس طالبان وحدها تعارض السلام في أفغانستان»، مشيرا إلى أن مقتل رباني «سيؤجج الصراع الطائفي من جديد في أفغانستان». واعتبر عبد الرحمن أن اغتيال رباني «يمثل تعبيرا قويا عن معارضة طالبان لمحادثات السلام، وهو الأحدث في سلسلة اغتيالات لشخصيات رفيعة المستوى، مما يهز ثقة المواطنين في إمكانية تحسن الأوضاع الأمنية».

ورباني الذي كان من شخصيات الطاجيك البارزة، كان الرئيس الثاني لأفغانستان بعد سقوط الحكم الشيوعي، حيث تولى رئاسة البلاد وسط فوضى الحرب الأهلية من 1992 وحتى عام 1996. وقاد «الجمعية الإسلامية» التي خرج من صفوفها القائد أحمد شاه مسعود الذي اغتالته عناصر من «القاعدة» في مثل هذا الشهر قبل عشر سنوات. وتولى رباني في عهد الرئيس الحالي حميد كرزاي رئاسة مجلس السلام الأعلى المكلف بالتفاوض مع حركة طالبان. وافتتح المجلس المؤلف من 68 عضوا اختارهم كرزاي بنفسه في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2010، وسط ازدياد الأنباء عن محادثات سلام سرية مع زعماء طالبان وعدد من الجماعات المسلحة الرئيسية.

وفي كلمته أثناء افتتاح المجلس، أعرب رباني عن ثقته بأن السلام ممكن. وقال «آمل في أن نتمكن من القيام بخطوات كبيرة لإحلال السلام والقيام بواجبنا بجهد لا يكل ولا يمل وبعون من الله». وكان آخر ظهور له في مؤتمر «الصحوة الإسلامية» الأول في العاصمة الإيرانية طهران يوم السبت الماضي. واشتهر رباني في البداية كمحاضر وناشط ثم أصبح مقاتلا مناهضا للاحتلال السوفياتي.

وعندما التقت «الشرق الأوسط» رباني في مارس (آذار) 2008، داخل فيلته التي يحرسها حراس أشداء من وادي بانشير، في شارع مغلق على عدد قليل من الفيلات، في حي وزير أكبر خان الذي توجد فيه كثير من السفارات الغربية وكان في عهد طالبان الحي المفضل لسكن الأفغان العرب وعرف باسم حي «سويسرا العرب»، ركز في حديثه على تصديه للهجمة الغربية والغزو الثقافي الشرس على عموم بلاد الأفغان.

وكان يعتبر رباني أحد أبرز زعماء تحالف المعارضة من السياسيين والمعارضين لطالبان. وكان عضوا فاعلا في البرلمان ويشرف على محطة تلفزيونية وليدة اسمها «النور» وهي قناة إسلامية على غرار محطة «اقرأ» بالعربية، والقناة الوليدة بالبشتو والداري. وقد بدأت بثها وهدفها التصدي، كما قال الشيخ رباني، للهجمة الثقافية الغربية الشرسة على أرض الأفغان.

تولى رباني منصب الناطق الرسمي باسم ائتلاف الأحزاب الجهادية عام 1986، وسافر إلى الولايات المتحدة مع وفد من المجاهدين كان يرأسه، والتقى بالرئيس الأميركي حينها رونالد ريغان، كما تولى منصب الرئاسة الجمهورية بعد «صبغة الله المجددي» لمدة ستة أشهر فقط يوم 28 يونيو (حزيران) 1992. وخرج من كابل في 26 سبتمبر (أيلول) 1996 على يد حركة طالبان. لكنه سرعان ما عاد إلى كابل بعد سقوط الحركة الأصولية نهاية 2001.

وكانت «الجمعية الإسلامية» بزعامة رباني من أكبر أحزاب المقاومة الإسلامية ضد القوات السوفياتية، وكان شمال وجنوب غربي أفغانستان مناطق نفوذها، خاصة في الطاجيك من سكان هذه المناطق، وقد تحالف رباني مع الولايات المتحدة في حربها ضد طالبان. وعمل الشيخ رباني قبل وفاته على توسيع سلسلة مدارس إسلامية للبنات نواتها «مدرسة السيدة فاطمة الزهراء» في العاصمة كابل، بهدف تربية جيل من الفتيات على الفضيلة والأخلاق الإسلامية، بعيدا عن نواحي الحياة الغربية التي تكتسح مظاهر الحياة في العاصمة كابل.

ورباني من مواليد 1940 في مدينة فيض آباد مركز ولاية بادشاه خان. وينتمي إلى قبيلة اليفتليين ذات العرقية الطاجيكية السنية. التحق بمدرسة أبي حنيفة بكابل، وبعد تخرجه من المدرسة انضم إلى جامعة كابل في كلية الشريعة عام 1960، وتخرج منها عام 1963، وعُيِّن مدرسا بها. وفي عام 1966 التحق بجامعة الأزهر وحصل منها على درجة الماجستير في الفلسفة الإسلامية عاد بها إلى جامعة كابل ليدرس الشريعة الإسلامية. واختارته «الجمعية الإسلامية» ليكون رئيسا لها عام 1972. وفي عام 1974 حاولت الشرطة الأفغانية اعتقاله من داخل الحرم الجامعي، ولكن نجح في الهروب إلى الريف بمساعدة الطلبة.

وتذكر رباني الذي يتحدث العربية بطلاقة في لقائه مع «الشرق الأوسط»، بإجلال أساتذته المصريين في الفقه والشريعة وعلوم الدين، مثل الدكتور عبد الحليم محمود شيخ الأزهر الراحل، الذي نصحه بدراسة شخصية العالم الأفغاني اللغوي عبد الرحمن جامي كمدخل لرسالته للدكتوراه، وأستاذه في الفقه عبد الله عطوة، والشيخ الصواف. وتحدث رباني عن ذكرياته في شوارع القاهرة، وكان عمره وقتها 28 عاما، وأشار إلى أنه زار القاهرة عام 2008 على رأس وفد برلماني أفغاني للمشاركة في اجتماعات البرلمان الإسلامي. ومنذ الاحتلال السوفياتي لأفغانستان في عام 1979، كان برهان الدين رباني مشاركا في أعمال المقاومة ضد السوفيات التي عرفت باسم «الجهاد الأفغاني». وكانت قواته أولى القوات التي تدخل كابل بعد هزيمة الشيوعيين فيها. وتحدث رباني عن حركة طالبان، وكشف للمرة الأولى أن طالبان ليست عينة واحدة، ففيهم المتطرف والمتشدد وفيهم أناس يمكن التفاهم معهم، وكان يرى أنه حل المشكلة، ليس بالقتال، وكان يفضل البحث عن طريق التفاهم والحل السياسي.

كان رباني يشعر أن محمد داود، ابن عم الملك محمد ظاهر شاه الذي خلع عن العرش عام 1974، كان ليبراليا إلى حد كبير. وانطلاقا من الأراضي الباكستانية قام رباني بشن غارات مسلحة ضد داود، لكن شهرة رباني الكبيرة جاءت بعد الغزو السوفياتي عندما استفاد من الدعم الذي قدمته وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية وباكستان، الذين قاموا بتقديم الأسلحة والمال إلى «الجمعية الإسلامية» بكميات كبيرة.

وعلى الرغم من طموحه الواضح وأسلوب حديثه الهادئ، فإنه خلال وجوده في المعارضة، لم يكن قد تملكه العناد أو شهوة الحكم الذي آل إليه عندما سقط النظام الشيوعي في عام 1992. وفي أعقاب عودته منتصرا إلى كابل، لم يكن رباني سعيدا بالاتفاق الذي وقعه قادة أحزاب المجاهدين السبعة لتدوير الرئاسة فيما بينهم. وعندما تولى رباني الرئاسة عام 1992 كان من الواضح أنه لم يكن يرغب في تسليم السلطة مع انتهاء فترته الرئاسية.

وخلال وجوده في السلطة سمح رباني للنساء بالعمل ودخول المدارس الثانوية. وكان رباني آخر رئيس دولة اعترفت به الأمم المتحدة قبل أن تستولي حركة طالبان على الحكم في كابل في 1996. وقد اعترض الزعماء البشتون، أكبر العرقيات الأفغانية التي ينحدر منها الملوك القدامى وقادة طالبان، على سلطة هذا الرئيس الطاجيكي الذي تولى الرئاسة خلال السنوات الأربع للحرب الأهلية الدامية بين قادة الحرب المجاهدين التي ألحقت بكابل دمارا جزئيا.

ويفيد عدد كبير من تقارير منظمات غير حكومية أن رباني تورط، على غرار عدد كبير من زعماء الحرب الأفغان الآخرين، في انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان قبل أن يلتحق أواخر 2001 بالحكومة التي تحظى بتأييد البلدان الغربية. ولم يمسك رباني الذي انتخب في 1992 لدى سقوط النظام الموالي للسوفيات بعد ثلاث سنوات على انسحاب الجيش الأحمر من أفغانستان، بمقاليد السلطة بصورة فعلية أبدا. وكان رباني الذي نازعه البشتون سلطته واجه أيضا في بلد تسوده التقاليد الحربية، منافسة زعماء الحرب وفي طليعتهم وزير دفاعه الطاجيكي أحمد شاه مسعود الملقب بـ«أسد بانشير»، أو «بطل المقاومة» ضد الاتحاد السوفياتي ثم حركة طالبان والذي اغتيل قبل يومين من اعتداءات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 في الولايات المتحدة.

وتمكن رباني من تأجيل انتقال السلطة أشهرا عدة، بحجة وجود مشكلات أمنية، ثم عقد بعد ذلك صفقة للاحتفاظ بمقعد الرئاسة في الوقت الذي يسمح فيه لمنافسه الرئيس قلب الدين حكمتيار، الأصولي البشتوني، بشغل منصب رئيس الوزراء. لكن لم يكتب لهذه الحكومة أن تستمر، فيما تمكن رباني من الاحتفاظ بالسلطة حتى تمكنت طالبان من هزيمة الجميع في سبتمبر (أيلول) 1996.

ويلقي رباني، باللوم على الباكستانيين في التأثير على حكمتيار واستغلال الورقة العرقية لإثارة العداء البشتوني للحكومة. ومهما كان صدق الاتهامات فيمن أشعل هذه الفتنة، إلا أن الحقيقة المؤلمة في ذلك هي أن السياسات تحولت إلى حرب عرقية خطيرة في أفغانستان بعد عام 1992. وأبعدت حركة طالبان التي أعادت السلام إلى عاصمة أدمتها سنوات من المواجهات، رباني عن الحكم في 1996. لكن تفسيرها الصارم للشريعة الإسلامية واستضافتها أسامة بن لادن حملا الأمم المتحدة على عدم الاعتراف بها، ثم أطاحتها قوة عسكرية تزعمتها الولايات المتحدة بعد اعتداءات 11 سبتمبر 2001.

وفي 12 نوفمبر (تشرين الثاني) من تلك السنة، ويعد مغادرة طالبان كابل، عاد رباني إلى العاصمة كما لو أن شيئا لم يحصل. وعقد فيها بضعة مؤتمرات صحافية وفرض نفسه رئيسا وحيدا للبلاد. وبضغط من المجموعة الدولية، وافق رباني أخيرا على تسليم السلطة إلى البشتوني حميد كرزاي في 22 ديسمبر (كانون الأول) 2001. ومنذ ذلك الحين، استقر رباني في كابل حيث ازدهرت أعمال عشيرته، وأصبح عضوا في البرلمان الأفغاني.

وفي 10 أكتوبر (تشرين الأول) 2010 اقترح اسمه حميد كرزاي وانتخب رئيسا للمجلس الأعلى الجديد من أجل السلام المسؤول عن إجراء اتصالات بالمتمردين، لا سيما حركة طالبان، وإيجاد حلول لإنهاء الحرب، ولم تحمل هذه الهيئة الجديدة الأطراف الآخرين على الانفتاح لأن حركة طالبان ما زالت حتى الآن تعارض رسميا إجراء أي مفاوضات.

تجمعت حشود الأفغان صباح أول من أمس في الشارع الذي يوجد به منزل رباني في حي وزير أكبر خان الذي تم إغلاقه، وأقلت سيارات مدرعة كبار المسؤولين والأصدقاء والشخصيات الأفغانية البارزة لحضور مراسم تشييعه.

وقال رئيس التحقيقات الجنائية في كابل محمد زاهر إن «رجلين كانا يتفاوضان مع رباني باسم طالبان الثلاثاء وخبأ أحدهما المتفجرات في عمامته». وأضاف أن الرجل «اقترب من رباني وعانقه وهو يحييه وفجر العبوة الناسفة». وقتل رباني وأربعة آخرون، ونجا معصوم ستانكازاي مستشار الرئيس حميد كرزاي.

وبمعزل عما إذا كان رباني قادرا فعليا على تسهيل مفاوضات السلام ودفعها قدما، وهو موضوع لا يجمع عليه الخبراء، فإن اغتياله بعد سلسلة من الهجمات شنتها وحدات مسلحة تابعة لطالبان في قلب العاصمة الخاضع لإجراءات أمنية مشددة، يشكل بالتأكيد انتكاسة شديدة لمساعي كابل وحلفائها الغربيين لجلب طالبان إلى طاولة المفاوضات.

لكن على الرغم من دعوات كرزاي الملحة في هذا الصدد والاهتمام الصريح الذي أبدته الولايات المتحدة التي تساهم بثلثي القوة الدولية التابعة للحلف الأطلسي في أفغانستان، فإن رباني لم يحقق نجاحا يذكر في مهمته. وتم اغتياله على خلفيه هذه الجهود. وأوضحت أوساطه أن أعضاء في المجلس الأعلى أوصوه باستقبال الانتحاري الذي قدم نفسه على أنه قيادي في طالبان مكلف التفاوض. وسمح مستشاروه وحراسه للانتحاري «الحامل رسالة خاصة من طالبان» بدخول منزله بثقة تامة دون تفتيشه، على ما أفاد محيطه.

إلا أن كرزاي أعلن أن اغتيال رباني «لن يردعنا عن المضي قدما في الطريق الذي رسمناه» سعيا للتفاوض مع المتمردين. ويسلط اغتيال رباني الضوء من جديد على تدهور الأوضاع الأمنية في أفغانستان بشكل عام، والعاصمة كابل بشكل خاص، التي تعرضت لسلسلة من الهجمات مؤخرا على يد مسلحي طالبان.

 

 

-- الشرق الأوسط: محمد الشافعي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*