الأحد , 4 ديسمبر 2016
الرئيسية » مركز البحوث » حركات وأحزاب » كردستان الكبرى – القنبلة الموقوتة

كردستان الكبرى – القنبلة الموقوتة

الأكراد شعب عريق يحتلُّ مكانةً عظيمةً بين شعوب العالم الإسلامي، ولعب دورًا مجيدًا في فترات عصيبة من التاريخ الإسلامي، خصوصًا في فترة الحروب الصليبية، فقد ساهم الكرد في عملية التصدي الإسلامي البطولي للممالك الاستعمارية الأربع التي أقامها الصليبيون في بيت المقدس وطرابلس وأنطاكية والرَّها، وبرز من بينهم قادة أبطال، مثل أسد الدين شيركوه، وابن أخيه صلاح الدين يوسف الأيوبي محرر بيت المقدس.

يستوطن الأكراد منطقةً جغرافيةً شاسعةً تمتد من القوقاز شمالاً إلى مشارف بغداد جنوبًا، ومن كرمنشاه في إيران شرقًا، إلى القاميشلي في سوريا غربًا، ويتراوح عددهم بين 35 و40 مليون نسمة، يتوزعون كما يلي:

•في تركيا، ويتراوح عددهم بين (18) و(20) مليونًا، ويشكِّلون غالبيةً في المناطق الجنوبية الشرقية للأناضول، ومن أهم مدنهم في تركيا: ديار بكر وإرضروم وفان.

•في إيران؛ حيث يبلغ عددهم بين (8) و(10) ملايين نسمة، ويشكِّلون الأكثريةَ في أقصى المناطق الغربية والشمالية الغربية، ومن أهم مدنهم: كرمنشاه ومهاباد وسنندج.

•في العراق، وعددهم هناك حوالي (5) ملايين نسمة، يقطنون المناطق الشمالية والشمالية الشرقية من البلاد، ومن أهم مدنهم: أربيل والسليمانية وكركوك ودهوك.

•في سوريا؛ حيث يبلغ عددهم مليوني نسمة تقريبًا، ويشكِّلون كثافةً سكانيةً في المناطق الشمالية الشرقية لسوريا، ومن أهم مدنهم: القاميشلي والحسكة.

وهناك حوالي مليون كردي يعيشون في آذربيجان وأرمينيا ولبنان وغيرها.

أما من ناحية المعتقد، فالغالبية العظمى من الأكراد على مذهب أهل السنة والجماعة، ويتبعون المذهب الشافعي، وهناك أقليات من الشيعة الإثني عشرية (الفيلية) والنصيرية واليزيدية وغيرهم.

ولم يكن الأكراد يعانون من أي مشاكل قومية أوعنصرية أيام الدولة العثمانية، بل إن منهم من وصَل إلى أعلى المراتب السياسية والعسكرية في ظل هذه الدولة الإسلامية، ولكن عندما انهارت هذه الدولة الكبيرة لأسباب داخلية وخارجية، وأطلَّت الفتن، وبرزت الدعوات العنصرية، أصبح الأكراد- مثلهم مثل العرب والترك- هدفًا للدعوات القومية التي غزت ديار المسلمين على حساب الوحدة العقدية والأخوة الإسلامية، وأصبحت كردستان مرتعًا لرايات القومية الكردية والمبادئ الماركسية.

تتمثل لبّ المشكلة الكردية اليوم في عاملين اثنين: وجود تطلعات قومية لدى معظم الأكراد في الدول الأربع الرئيسة التي يتواجدون فيها (تركيا، إيران، العراق، سوريا) .. وإحساسهم بالظلم الاجتماعي والسياسي الواقع عليهم من قبل حكومات هذه الدول، وهذا العامل (الثاني) كان بدوره سببًا رئيسًا في تقوية العامل الأول (النزعات القومية) بطبيعة الحال.

إن الواقع الذي تكرس شيئًا فشيئًا بين شعوب المنطقة بعد زوال الخلافة الإسلامية، والتي عملت القوى المعادية للإسلام على نشره وتقويتها، هو انتشار المبادئ العلمانية، المصحوبة بالأفكار اليسارية من اشتراكيةٍ وماركسية، وبالتالي فإن الوضع الذي ساد بين الشعب الكردي كان عبارة عن : تطلعات قومية يقودها أشخاص نفعيون.. ومبادئ يسارية تستغل كل مظاهر الظلم التي يعاني منها الشعب الكردي.

ففي تركيا، مارس الحكم الأتاتوركي أبشع أنواع الظلم والاستبداد، ومارس سياسة قومية عنصرية بغيضة، تتجلى في رفضه لوجود القومية الكردية أساسًا، حتى إنَّ وسائلَ الإعلام التركية الرسمية كانت ترفض استعمال مصطلح (الأكراد)، وتستعمل بدلاً منه مصطلح (أتراك الجبل) في وصفهم!

وقد أدَّى ذلك إلى ردود فعل قوية لدى الكرد، تمثل في تبنيهم للقومية الكردية، واعتناق كثير من شبابهم للمبادئ الماركسية، وأبرز مثال على ذلك تلك الشعبية التي يتمتع بها حزب العمال الكردستاني.

أما في إيران، فلم يكن الوضع أقل سوءًا، فقد كان الشاه يمارس سياسةً دكتاتوريةً عانى منها عموم الشعوب الإيرانية، والسنية منها بوجهٍ خاص.. وقد حاول الأكراد هناك- استفادة من الجو المضطرب الذي تلا الحرب العالمية الثانية- إقامة دولة منفصلة لهم، فأعلنوا في سنة 1946 قيام (جمهورية مهاباد) في المناطق الشمالية الغربية، متخذين من مدينة (مهاباد) عاصمةً لدولتهم.. هذه الدولة التي استمرَّت عدة أشهر ثم قضت عليها جيوش الشاه، ولا يزال الأكراد إلى اليوم يعانون من مشكلةِ التمييز ضدهم من حكومة (ولاية الفقيه)! التي تتبع سياسة هي مزيج من العنصرية القومية والتعصب المذهبي.

أما في سوريا، فقد عانى الأكراد- ولا يزالون- من سياساتِ حزب البعث المجرم.. هذا البعث الذي يبطن التعصب المذهبي الشديد جدًّا (النصيرية)، ويتستر برايةِ العروبة، والعروبة منه براء.

أما عن وضع الأكراد في العراق.. فقد عانوا، شأنهم شأن سائرِ العراقيين، من الظلم والاضطهاد أيام حكم البعث الرهيب، وقد بلغ هذا الظلم مداه مع مأساة (حلبجة) في مارس 1988م والتي راح ضحيتها خمسة آلاف كردي نتيجة لاستخدام الأسلحة الكيماوية؛ وكذلك حملة الإبادة التي عُرفت بحملة (الأنفال) في أغسطس من نفس العام، والتي قُتل فيها عشرات الآلاف من الأكراد، ومُحيت آلاف القرى من الوجود.

ثم جاءت أحداث غزو واحتلال العراق في 2003م وسقوط النظام البعثي ليجد الأكراد فرصةً سانحةً للمطالبة بالانفصال وإقامة كيانٍ مستقلٍ في كردستان العراق، أو للمطالبة بحكمٍ ذاتي مُوسَّعٍ على أقل تقدير، ودخلوا في سبيل ذلك في تحالفٍ مصلحي هش مع القوى الطائفية الشيعية في الجنوب، برعاية أمريكية وتشجيعٍ إيراني، متناسين العرب السنّة الذين أصبحوا في موقفٍ سياسي صعب بسبب هذا التحالف المشين.

ينشط اليوم في كردستان العراق مجموعةٌ من الأحزاب المختلفة الاتجاهات والأهداف على الشكل التالي:

1.الحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة مسعود البارازاني (رئيس إقليم كردستان الآن)، وهو حزب علماني قومي قديم.

2.الاتحاد الديمقراطي الكردستاني بزعامة جلال الطالباني (رئيس جمهورية العراق الآن!!)، وهو أيضًا حزب علماني قومي منشق عن الحزب الأول.

3.الحزب الشيوعي الكردستاني، وهو الفصيل الأكبر من مجموعةِ الأحزاب والمنظمات التي تتبنى الفكر اليساري.

4.الحركة الإسلامية في كردستان العراق، وهي حركة إسلامية قديمة أسسها الشيخ عثمان عبد العزيز رحمه الله، ويقودها اليوم شقيقه الشيخ علي عبد العزيز.

5.الجماعة الإسلامية في كردستان العراق بقيادة الشيخ علي بابير.

6.الاتحاد الإسلامي الكردستاني، وهو الفصيل الذي يحمل فكر الإخوان المسلمين في كردستان العراق، وقد تمَّ الإعلان عنه في فبراير 1994م، ويقوده الأستاذ صلاح الدين محمد بهاء الدين.

والواقع المؤلم للوضع العراقي اليوم يفرض على الحركات الإسلامية الكردية ما يلي:
1.العمل على وحدةِ الصف الكردي المسلم، في مواجهة النفوذ الكبير للأحزاب العلمانية القومية والعشائرية والشيوعية.

2.توعية الشعب الكردي بأهمية المحافظة على وحدةِ العراق، إذ إنَّ العملَ على إقامةِ كيانٍ كردي مستقل سيشعل المنطقة بأسرها.

3.التنسيق مع الأحزاب والقوى العربية السنية، خاصةً الحزب الإسلامي العراقي، بهدف مواجهة المشاريع الاستعمارية والطائفية والفئوية التي تستهدف ليس العراق فحسب، بل الإسلام نفسه على المدى الأبعد! وعدم تناسي حقيقة أنَّ كلاًّ من الطرفين (العربي والكردي) يُشكِّل بُعدًا إستراتيجيًّا للطرف الآخر في مواجهةِ كلٍّ من: العدو الداخلي القريب، المتمثل في أصحاب المشروع الطائفي الصفوي المدعوم من إيران، والعدو الخارجي البعيد، المتمثل في المشروع الاستعماري الصليبي/ الصهيوني! الذي ينتظر فرصة نجاح مشروعه في العراق، ليعمم التجربة في أجزاء أخرى من الوطن الإسلامي الكبير المنهك.

إنَّ التحدي الحقيقي اليوم أمام أبناء الشعب الكردي البطل، أحفاد صلاح الدين محرر القدس وأبناء الشيخ سعيد بيران الثائر ضد أتاتورك، ليتمثل في منع تحويل إخواننا الأكراد إلى فتيلٍ في يد أعداء الداخل والخارج ليشعلوا المنطقة بنارٍ لا تُبقي ولا تذر.. وإنَّ التحدي الحقيقي أمام الإسلاميين الأكراد بصفةٍ خاصة، أن يخففوا من غلواء العاطفة القومية لدى أبناء الشعب الكردي المسلم، وألا يجعلوا من أنفسهم قنبلةً موقوتةً تُفجِّر الأوضاع ليس في الدول الأربع المعنية فقط، بل في الشرق الأوسط كله.. وانظروا إلى التمهيداتِ التي تجري اليوم في لبنان ودارفور والصومال.

-- بقلم: محمود حسن جناحي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*