السبت , 10 ديسمبر 2016
الرئيسية » مركز البحوث » حركات وأحزاب » نشأة وتحولات الجماعات الإرهابية

نشأة وتحولات الجماعات الإرهابية

منذ بداية هذا القرن الواحد والعشرين برز نوع من أشد أنواع القتال وأعقدها، ذلك هو قتال الجماعات الإرهابية ( وهو ما سمي مؤخرا الحرب على الإرهاب). وقد تواجدت الجماعات الإرهابية على مر التاريخ, ولكنها لم تحظى بالاهتمام والتغطية الإعلامية كما هو الحال في الحملات الراهنة على الإرهاب. ورغم التداخل الكبير بين حركات التحرر والكفاح العادل والأخرى من الحركات الإرهابية، فإن تناولنا هنا للحركات الإرهابية.

هنالك منظمات ينظر إليها على أنها حركات إرهابية ومنها حركة فارك الكولومبية والتي تعد من أقدم التنظيمات في العالم وحركة نمور التاميل السيريلانكية والجيش الجمهوري الإيرلندي وحركة ايتا في أسبانيا؛ وحركة قوة كوماندوز خاليستان السيخية والألوية الحمراء الإيطالية والسنديرو لومينوزو – الشايننج باث (الدرب المشع) البيروفية, وحركتي كاخ وكاهانا تشاي الإسرائيليتين المتطرفتين الإرهابيتين وغيرها الكثير. ورغم أن بعض تلك الحركات قد اندثر فإن أغلبها لازال نشطاً.

ومنذ أحداث 11 سبتمبر 2001م نالت الحركات الإرهابية اهتماما إعلاميا استثنائيا حيث تزخر وسائل الإعلام العالمية بتغطيات كبيرة لأخبار وأحداث الجماعات الإرهابية وخصوصاً تلك الجماعات التي تُنسب إلى منطقة الشرق الأوسط أو العالم الإسلامي.

فحركة القاعدة تعد أكثر الجماعات شهرة مما حدى ببعض الجماعات الإرهابية الأخرى في الدول الإسلامية أو الدول التي يوجد بها أقليات مسلمة بأن تنسب نفسها إلى القاعدة سواء كان ذلك صحيحاً أو من باب الحصول على الدعاية والشهرة.

ومن تلك الجماعات التي تنتسب إلى القاعدة، تنظيم القاعدة في جزيرة العرب وتنظيم القاعدة في بلاد الرافدين وتنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي وغيرها. وتشير المصادر التي تسجل تاريخ هذه الحركات أن هناك جماعات إرهابية سبقت القاعدة في التكوين وبعضها يعد جزءاً من تأسيس القاعدة كالجماعة الإسلامية المصرية وحركة الجهاد الإسلامي المصرية بالإضافة إلى الجماعة الإسلامية المسلحة في الجزائر.

تحولات الجماعات الإرهابية

المتابع لأخبار الجماعات الإرهابية لا بد وأن يرد في ذهنه التساؤل عن كيفية نشوء وتحولات هذه الجماعات الإرهابية وكيف يتحول بعض أفراد المجتمع من أفراد طبيعيين إلى قتلة وإرهابيين, وذلك ما سوف نحاول تسليط الضوء عليه في هذه المقالة. ويؤكد المختصون في نشوء الجماعة الإرهابية وتحولاتها أنها لا تنشأ فجأة بدون مقدمات,- بل تمر بمراحل التحول من هيئة إلى أخرى حتى تتبلور في شكلها النهائي كجماعة إرهابية تطغى عمليات الإرهاب على مجمل أهدافها. فالحركة الإرهابية تبدأ كجزء من فئة من فئات المجتمع ممن يحسون بوقوع مظالم عليهم أو ممن يطالبون بتغيير أو منع تغيير بعض الأمور في مجتمعهم.

هذه الفئة تبدأ بالتعبير عن مطالبها بطرق سلمية لفترة من الزمن وذلك شأن مقبول في غالبية البلدان وينظر إليه بمنظور إيجابي طالما أن الحركة تمارس أنشطتها في إطار القوانين المعتبرة. وتعتبر بداية التحول السلبي حين يتم التغيير في أسلوب المطالبة من قبل بعض عناصر الفئة التي تؤكد المؤشرات أنها لم تعد تنتهج الخيار السلمي. ويشمل ذلك التغيير بالإضافة إلى أسلوب التعبير وعرض المطالب تكوين نفس المجموعة إلى أن ينتهي المطاف بجزء من هذه الفئة بأن يصبح جماعة إرهابية يغلب على نشاطها طابع العنف والإرهاب.

فكيف تتم عملية التحول هذه؟

تأتي الإجابة على هذا السؤال من خلال تسليط الضوء على طبيعة تكوين الجماعات الإرهابية معتمدا على ثلاث دراسات هامة لمختصين في شؤون الحركات الاجتماعية والجماعات الإرهابية وأشير إلى كل منها في مكانه المناسب.

هذه الدراسات للدكتور رودني ستارك عالم الاجتماع الأمريكي والباحث في الحركات الاجتماعية، والدكتورة دانتيلا ديلابورتا أستاذة علم الاجتماع بجامعة ديجلي ستودي دي فيرنزتي الإيطالية وهي متخصصة في دراسات الجماعات الإرهابية اليسارية الأوروبية، والدكتور ميشيل ويفيوركا عالم الاجتماع الفرنسي ومدير مركز الدراسات المتقدمة في العلوم الاجتماعية بفرنسا، والمعروف بدراساته عن العنف والإرهاب والعنصرية والحركات الاجتماعية وهو صاحب نظرية في التغير الاجتماعي.

فالدكتور رودني ستارك، يسرد في كتابه «علم الاجتماع» كيفية نشوء الحركات الاجتماعية. وذلك من خلال توافر أربعة عوامل لتكونها وهي:

أولاً: ( الشأن المشترك ) ضرورة وجود مجموعة عناصر من المجتمع يتشاركون في هم معين أو معاناة معينة ويرومون إلى تغيير ذلك الشأن، سواءً بإحداث تغيير في المجتمع أو منع حصول تغيير في المجتمع حيث يرون ذلك تهديدا لكيانهم أو مصالحهم. فالناس عادة لا يحاولون التغيير في مجتمعهم إذا كانوا راضين على أموره كما هي. وبالتالي فلكي تتكون الحركة الاجتماعية فلا بد من أن يكون لدى فئة أو مجموعة من عناصر المجتمع امتعاضات أو مظالم معينة أو بمعنى آخر فهم على قناعة بأن لديهم نوع من المعاناة يرغبون في تخفيفها أو إيجاد حلولا لها.

ثانياً: ( التفاؤل بالنجاح) لا بد أن يكون لدى أعضاء الحركة الاجتماعية تفاؤل بتحقيق النجاح ويعتقدون باحتمالية نجاحهم.

ثالثاً: ( الوقت المناسب ) غالباً وليس دائماً، يكون هنالك حدث عارض يسهم في إثارة معاناتهم مما يؤدي إلى اقتناع الناس بأنه حان الوقت لعمل شيء ما لتعديل وضعهم. وعادة ما تأتي ولادة أي حركة اجتماعية بسبب حدث درامي عابر يؤدي إلى إثارة الناس ودفعهم إلى المشاركة في تكوين حركة اجتماعية للمطالبة بتصحيح أو ضاعهم وإنهاء معاناتهم

رابعاً:( شبكة اتصالات اجتماعية ) وجود شبكات داخل المجتمع تقوم بعمليات التجنيد للحركة الاجتماعية، حيث تتم دعوة الناس للانضمام للحركات الاجتماعية من خلال شبكات موجودة أصلاً في المجتمع. فمثلاً تتم الدعوة عن طريق الأقرباء، الزملاء، المراكز الترفيهية وماشابه ذلك.

وفي الغالب أنه وبمجرد وقوف الحركة على قدميها تبدأ مجموعات ومنظمات قائمة بالانضمام إليها، كإتحاد العمال أو المعلمين أو غيرها. فالناس عادة لا يقومون فجأة ويلتحقون بالحركات الاجتماعية بسبب قراءتهم عنها في الصحف أو سماعهم عنها في الأخبار. ولكنهم يلتحقون بها بسبب علاقاتهم المتداخلة مع أشخاص ممن اصبحوا أعضاء مشاركين فيها.

إضافة إلى ذلك فإن الحركات الاجتماعية في العادة لا تتأسس عن طريق شخص واحد يقوم بعدها بدعوة أقاربه وأصدقائه، بل أن الحركات الاجتماعية تٌنشأ من قبل مجموعة ومن ثم يقوم عناصر هذه المجموعة بالاتصال بآخرين ممن لهم بهم علاقة سواء كانت تلك العلاقة عائلية أو اجتماعية. وعادة ما يحدث أن تنتشر عضوية الحركة الاجتماعية من مجموعة إلى مجموعة أخرى بدلاً من فرد إلى آخر.

ويضيف الدكتور ستارك بأن أي حركة اجتماعية بحاجة إلى توفر أربعة عوامل أخرى لكي تصبح حركة ناجحة. وتلك العوامل هي:

أولاً: ( الحشد الفعال ) لا بد من تحقيق حشد فعال للأفراد والموارد. بمعنى أن الحركة الاجتماعية تكون أقرب إلى النجاح بدرحة كبيرة في حالة توفر القيادة الفعالة لها والتي بدورها تكون قادرة على جلب أعضاء مطيعين ومخلصين لأهداف الحركة بالإضافة إلى قدرتها على تأمين الموارد المالية والمنشآت اللازمة لبقاء الحركة. وتصنف هذه العوامل كعوامل داخلية مؤثرة على الحركة الاجتماعية؛ فالحركات الاجتماعية لا تظهر فجأة، ولكنها تتطلب عدد من العوامل الضرورية لتكوينها، والتي يمكن تقسيمها إلى عوامل داخلية وعوامل خارجية. فالعامل الداخلي الرئيسي (الأول) هو وجود مجموعة من الأشخاص ممن لديهم الإخلاص والحماس للمشاركة في أعمال مصممة لإحداث تغيير.

هذه الافعال قد تتطلب التضحية و تشمل بعض المخاطرة وذلك لكي تتغلب الحركة الاجتماعية على الصعاب التي تواجهها. والعامل الداخلي الثاني حسب تحليل الدكتور ستارك هو وجود القيادة الفعالة، حيث يقول بأن الحركة الاجتماعية تتطلب وجود قيادة فعالة تؤمن لها النجاح.

وفي تحليله فإنه لابد للحركة أن تضم بعض الأعضاء ممن لديهم الخبرة الكافية والمهارات اللازمة لعمل وتنسيق وتخطيط أعمال فعالة لصالح الحركة. والعامل الداخلي الثالث هو توفر الموارد المادية المختلفة التي تعتمد عليها الحركة في النجاح.

فيتعين أن يكون لدى عناصر الحركة وسائل الاتصال اللازمة للاتصال بعضهم ببعض، كما لابد لهم من توفير مواقع لعقد اجتماعاتهم بعيدا عن أعين المراقبة وكذلك توفر موارد مالية لمواجهة تكاليف نشراتهم ودعاياتهم وغيرها.

ثانياً: ( التغلب على المعارضة ) لكي تنجح الحركة فإنه يلزمها التغلب على المعارضة الخارجية لها. وهذا يعتبر العامل الخارجي الرئيسي الذي يساهم في نجاح الحركة. وفي الغالب أنه عند قيام أي حركة مطالب اجتماعية فإنها تؤدي إلى قيام حركة أو أكثر مناوئة تعارض مطالبها.

فعندما تطالب حركة ما بإحداث تغيير فإنها عادة ما تواجه بحركة أو اكثر تعارض ذلك التغيير حيث تراه تلك المجموعات المعارضة تهديدا لكيانها أو لمصالحها. وبالتالي فإن نجاح الحركة يعتمد على قدرتها على التغلب على تلك المعارضات.

ثالثاً: ( التحالفات الفعالة ) يعتمد بقاء الحركة الاجتماعية أيضاً على قدرتها على تسجيل حلفاء خارجيين من المجموعات الرئيسية الأخرى ومن المؤسسات المدنية القوية في المجتمع أو على الأقل تضمن بقاءهم على الحياد. وكلما تقدمت الحركة الاجتماعية في تحقيق مطالبها كلما سعى معارضيها إلى تنظيم حركة مضادة لها أقوى منها من أجل منع حدوث تلك التغييرات والمطالب التي تسعى إليها الحركة الاجتماعية.

وبالإضافة إلى ذلك فإن كلتا المجموعتين ستسعىa إلى الحصول على حلفاء ومؤيدين لمشروعاتهما وعلى وجه الخصوص سوف يسعون للحصول على الدعم الاقتصادي والسياسي والقانوني لأهدافهم. فكلما كانت الحركة الاجتماعية قادرة على النجاح في الحصول على الحلفاء من بين تلك المجموعات الخارجية كلما زادت إمكانية نجاحها كحركة ناشئة.

رابعاً: ( السيطرة على محاور التنافس السلبي ) عندما تنشأ حركة اجتماعية بسبب وجود معاناة يشترك فيها الكثير من عناصر أحد فئات المجتمع وعند توفر الكثير من الموارد لتلك الحركة فإن ذلك يقود في العادة إلى تكوين عدد من المنظمات المتفرقة داخلها.

هذه المنظمات أو المجموعات الداخلية قد تتعاون فيما بينها مما يؤدي إلى النجاح، وفي الغالب فإنه ينشأ التنافس فيما بينها بهدف فرض السيطرة على الحركة الأم. ويؤكد ستارك بأن نجاح الحركة الاجتماعية يعتمد على قدرتها في الاستفادة من تواجد تلك المجموعات وكسب تعاونها ومنع حدوث تنافس فيما بينها يؤدي إلى إضعاف الحركة.

مآلات الحركات الإرهابية

وبعد أن تنجح الحركة الاجتماعية في التكون وتعرض مطالبها بالتغيير أو بمنع التغيير فإنها ستواجه ثلاثة احتمالات. الأول, وهو أن تلبى كافة مطالبها وفي هذه الحالة غالباً ما تنتهي الحركة تماما من الوجود لأن مطالبها تحققت ولم يعد هناك سبب لبقائها كحركة، وفي بعض الحالات يحاول قادتها الاستفادة من الشهرة الإعلامية والإمكانات التي حصلوا عليها أثناء تكوين الحركة في الاستفادة من ذلك سياسياً حيث يتعمدون إبقاء الحركة حية والدخول بسببها في المعترك السياسي مستفيدين من القاعدة الجماهيرية التي حصلت عليها الحركة أثناء مطالباتها.

والاحتمال الثاني, وهو تلبية جزء من مطالب الحركة ورفض الجزء الآخر وفي هذه الحالة يتخلى الأغلبية من أنصار الحركة وخصوصا المتعاطفين ممن لم يكن لهم شيء من المطالب عن الحركة ويعودون إلى الاندماج في المجتمع ولا يبقى في الحركة إلا المتحمسين لاهدافها والمنتفعين من بقائها وبالتالي يترتب على ذلك إعادة تكوين الحركة. الاحتمال الثالث, وهو عدم تلبية أي مطالب للحركة والتصدي لها بقوة إما سياسياً أو عسكرياً.

وفي هذه الحالة يتخلى عنها الكثير من المتعاطفين والعامة من الناس قليلي الحماس لأهداف الحركة ومطالبها. وفي المقابل ستبقى نسبة أكبر مما هو في الاحتمال الثاني وهم في غالبيتهم من المتحمسين لأهداف الحركة والمنتفعين منها. يقوم هؤلاء المتبقون بإعادة تنظيم الحركة واللجوء إلى أساليب وخيارات أخرى غير تلك التي كانوا يتبعونها.

وكما ذكر آنفاً, فإنه في حالة عدم تلبية جزء أو كل مطالب الحركة فإن المتحمسين للحركة والمنتفعين منها يلجأون إلى إعادة ترتيب أوراقهم وإيجاد خيارات أخرى غير تلك التي كانوا يتبعونها في السابق. وللتعرف على كيفية تحول الأفراد من عناصر في حركة اجتماعية تطالب بتصحيح أوضاعها بطرق سلمية إلى عناصر في حركة إرهابية لا هم لها إلا إلحاق الأذى وإرهاب الآخرين. قامت الدكتورة ديلابورتا بدراسة الجماعات الإرهابية الإيطالية التي نشطت في خلال السبعينيات وأوائل الثمانينيات الميلادية من القرن الماضي في إيطاليا.

ولقد أعدت دراسة تعد من أفضل الدراسات عن كيفية تحول الحركات الاجتماعية من حركات مدنية مسالمة إلى حركات وجماعات إرهابية تعمل بشكل سري. كانت استنتاجات الدكتورة ديلابورتا عن نشوء الحركات الإرهابية مبنية على ثلاثة مستويات من التحاليل هي: المستوى الأشمل (ماكرو), والمستوى الأوسط (ميسو), والمستوى الأصغر(مايكرو).
تقول ديلابورتا، لكي ينشأ الإرهاب فلا بد من توفر بعض الأمور المحددة في المجتمع (البيئة) والتي تعرف بالمصالح أو المطالب أوالإيدولوجيات والتكتيكات؛ موضحة فكرتها تلك في العناصرالثلاثة التالية:

– العنصر الأول، وهو وجود بعض المطالب الجماعية التي لم تحقق أو تصحح بالشكل الجيد. فالجماعات السرية عادة ما تزعم مسؤوليتها عن تحقيق تلك المطالب الجماعية التي يطالب بها جزء من المجتمع.

– العنصر الثاني, وهو وجود إيدولوجية أو ثقافة سياسية تؤيد العنف. فعادة ما تعتنق المجموعات السرية إيولوجيات تسمح لها باستخدام العنف للوصول إلى أهدافها.

– العنصر الثالث, وهو استخدام التكتيكات العنيفة – أي القتل والإرهاب. فعادة ما تقوم المجموعات التي تتبنى العمل السري باستخدام أشكال العنف المختلفة حتى قبل أن تعمل بشكل سري حيث يتكون العنف المنظم بشكل تدريجي بالمواجهات المتكررة مع أطراف أخرى في الصراع.

وتلجأ هذه الجماعات التي تستخدم العنف للتعبير عن توجهاتها إلى نوع من الإيديولوجية المتطرفة كالإيدولوجية اليسارية في أوروبا (الشيوعية) أو التطرف المنسوب إلى الديانات السماوية كما هو التطرف اليهودي كما في الحركات العنصرية الإسرائيلية وغيرها من الإيدولوجيات, وتلك الحركات الإسلامية المتطرفة التي تزعم أنها جهادية وهي تقتل وتروع المسلمين والآمنين.

عند ذلك ستنقسم المجموعة، أي القسم الثاني الذي يلجأ إلى استخدام العنف أحياناً، إلى قسمين، القسم الأول وهو الذي يستخدم العنف بشكل غير منتظم وغالبا ما يكون عند حدوث أمر يُذَكر أو يثير معاناته ومطالبه. هذا القسم قد يستمر لفترة ثم يتوقف أو أنه سيستمر بين فينة وأخرى ولكن بشكل غير منتظم وبدون تنظيم يثير المخاوف.

أما القسم الآخرمن المجموعة بعد انقسامها للمرة الثانية فهو الذي سيكون في المجموعة التي تتبنى استخدام العنف بشكل منتظم لإحداث التغيير المطلوب وتحقيق أهدافها.

هذا القسم الثاني الذي يتبنى استخدام العنف بشكل منتظم يتحول في الأرجح إلى قسمين، الأول يستمر على وضعه ولكن بدون تكوين تنظيم واضح له وهذا القسم من السهل القضاء عليه لأنه يعتمد على أفراد وليس على تنظيم واضح. أما القسم الثاني من القسم الذي يتبنى استخدام العنف بشكل منتظم فإنه سيقوم بعمل تشكيل تنظيمي له من قيادات وأقسام عسكرية وإدارية وإعلامية ومالية وتجنيد وغيره. وهذا القسم الأخيرهو ما ينتهي إليه مطاف حركات التمرد أوالتحرير ذات التنظيم الواضح. ومن حركات التحرير ما تنطلق من مطالب عادلة ومنها أخرى ينظر إليها بأنها حركات تمرد.

وبناءً على تحليل السيدة ديلابورتا فإنه وفي مرحلة لاحقة تقوم قوات الدولة بالتعامل مع هذه الحركات وبالتالي فإن هذه الحركة التي كونت لها تنظيم واضح ومحدد وتبنت استخدام العنف بشكل منتظم وتحت ضغط قوات أمن الدولة ستنقسم على نفسها مرة أخرى إلى قسمين.

القسم الأول سيختار خيار استراتيجي غير العمل كتنظيم سري حيث قد يعود إلى طاولة الحوار أو صرف النظر نهائيا عن استخدام العنف.أما القسم الثاني فسيتخد خيارا استراتيجيا بالعمل كمنظمة سرية ومن هنا تبدأ المنظمة التي اختارت العمل السري باستخدام الإرهاب وهو ما يجعل الحركة تتحول إلى العمل الإرهابي.

من هو الإرهابي؟!

وتشير الدكتورة ديلابورتا بأن المجموعة التي تتبنى العمل السري هي التي ستتحول إلى حركة إرهابية تستخدم العنف العشوائي حيث لم يعد لديها مجالات اخرى للمناورة فيها. من هذه النقطة نأتي إلى دراسة الدكتور ميشيل ويفيوركا، حيث يقول أنه لم يتم التوصل إلى تعريف الإرهابي أو تحديد من يكون الإرهابي.

فمن يعد إرهابيا بالنسبة لفئة من الناس يعتبر في نفس الوقت مناضلا من أجل الحرية بالنسبة لآخرين.

وفي دراسته, قسم السيد ويفوركا المجموعات التي تقوم بأعمال إرهابية إلى قسمين. القسم الأول يعتمد ارتكاب الأعمال الإرهابية كوسيلة لتحقيق أهدافه فقد يتم القيام بتنفيذ أعمال إرهابية لإرهاب مجموعة معينة من المجتمع أو لإيصال رسالة إلى مجتمعهم أو إلى حلفاء محتملين أو للحكومة التي قد تدعمهم أو حتى تتبناهم لاثبات جدوى ذلك.

أما القسم الآخر وهو الإرهاب الخالص والذي يكون فيه الإرهاب هو الوسيلة والغاية كتلك الأعمال التي تقوم بها القاعدة في شبه جزيرة العرب والمجموعات المسلحة في الجزائر وكاخ وكاهانا في الاراضي الفلسطينية المحتلة وما شابه تلك المجموعات.

وقد وضح السيد ويفوركا من هو الإرهابي الخالص ومن هو الذي يستخدم الإرهاب كوسيلة لتحقيق أهدافه. فالإرهابي الخالص هو من يستخدم الإرهاب من أجل الإرهاب نفسه أو كما اسماه استخدام الإرهاب كمنطق أما القسم الآخر فهو من يستخدم الإرهاب كوسيلة لتحقيق غاية.

ويستطيع القارئ أن يطبق ماذكر في الدراسات الثلاث أعلاه على المجموعات النشطة حاليا في العالم ويحدد موقعها, وهل هي حركات ذات مطالب عادلة وعملياتها مشروعة أو أنها حركات تمرد، أو حركات تستخدم الإرهاب كوسيلة, أو حركات إرهابية يعتبر الإرهاب غايتها ووسيلتها.

في الختام نستطيع أن نلخص تلك الدراسات بالقول أن الحركات الإرهابية في مجملها لا تنشأ بمحض الصدفة وبدون أية مقدمات بل هي سلسلة متصلة من الأحداث والتحولات التي تمر خلالها مجموعة من عناصر أحدى فئات المجتمع. فهي قد تبدأ كفئة من مجموعة من الناس ممن لديهم بعض المطالب والتي يستخدمون الوسائل السلمية للتعبير عنها.

ثم ما تلبث تلك المجموعة حتى تنقسم على نفسها لأسباب مختلفة مكونة مجموعات أخرى بعضها قد يلجأ إلى استخدام العنف أحياناً للتعبير عن مطالبه.

وعادة ما يكون هنالك عدد من الأشخاص ممن لديهم حماس وتعاطف قوي تجاه تلك المطالب حيث يستمرون في احتجاجاتهم ومطالبهم مستخدمين عدة طرق تقود البعض منهم في النهاية إلى التحول للعمل السري بعيداً عن رقابة أجهزة الدولة.

وعند الوصول إلى هذه الحالة فإن المجموعة التي لجأت للعمل السري لا تلبث حتى تبدأ في استخدام الإرهاب كوسيلة لتحقيق أهدافها. بعد ذلك يتفرع من هذه المجموعة التي اتخذت خيارها الاستراتيجي بالعمل السري مجموعة أخرى أكثر تطرفاً وعنفاً حيث لم تعد تستخدم الإرهاب كوسيلة فقط بل يصبح الإرهاب بالنسبة لها هو الوسيلة والغاية في نفس الوقت.

وتعد أسباب هذا التحول الخطير في سلوك بعض الأفراد والمجموعات مجالا حيويا يجدر بالمعنيين في الحكومات دراسته وتسخير كافة الامكانات للسيطرة عليه ووضع الحلول المناسبة لقمع الإرهاب وتحقيق السلام.

-- بقلم المهندس العقيد الركن / حسن أبو ساق

التعليقات

  1. ﺗﺤﻠﻴﻞ ﺟﻤﻴﻞ ﻟﻨﺸﺄﺓ ﺍﻟﺎﺭﻫﺎﺏ ﻭﻟﻜﻦ ﻟﻴﺖ ﺍﻟﺒﺎﺣﺚ ﺷﻤﻞ ﺑﺪﺭﺍﺳﺘﻪ ﺍﻟﺠﻤﺎﻋﺎﺕ ﺍﻟﺎﺳﻠﺎﻣﻴﺔبﺑﻜﺜﻴﺮ ﻣﻦ ﺍﻟﻮﺿﻮﺡ ﻭﺍﻟﺸﻔﺎﻓﻴﺔ
    ﻫﻞ ﻫﻨﺎﻙ ﺩﺭﺍﺳﺎﺕ ﺍﺧﺮﻯلﻟﻬﺬﺍ ﺍﻟﻜﺎﺗﺐ?

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*