السبت , 3 ديسمبر 2016
الرئيسية » مركز البحوث » حركات وأحزاب » قراءة حرّة باتجاه إخوان قطر

قراءة حرّة باتجاه إخوان قطر

 هل يرجع قرار حل تنظيم الإخوان إلى قناعة فكرية بعدم جدوى التنظيم، في ظل محافظة المجتمع الدينية، والوفرة المادية، وغياب السياسة بمعناها التنافسي والصراعي؟! وبالتالي يصبح وجود التنظيم تقمص ادوار إخوانية ليس لها محل في مثل المجتمع القطري.
تعامل الإخوان القطريون مع تساؤلاتهم وإشكالاتهم بجدية ووضوح وعلمية، فتم تفويض مجموعة منهم بدراسة الأسئلة والإشكالات، وتم استحضار فكر الشيخ حسن البنا وتجربته وتقييمها داخل مصر وخارجها، وانتهت هذه الدراسة عام 1991، وتكونت الدراسة من جزأين، وخلصت في قسمها الثاني الذي لم ينشر إلى أن فكر حسن البنّا لم يحدّد بدقة الموقف من الدولة، مثل : المشاكل الداخلية للدولة – الحكومة – الإدارة – الاقتصاد – الأمن – نظرية العلاقات الدولية، الاقتصاد – التعليم.
درس هؤلاء الإخوان القطريون “الإخوان” كمنظمة تحت عنوان “منظمة الإخوان”، فكان تشريحاً فكرياً وتنظيمياً للإخوان من حيث الهيكل، ونظم الاتصال، والتعاون البيني داخل المنظمة، والقيادة، والثقافة السائدة داخل المنظمة، والجمهور المخاطب من حيث طبيعته وطبيعة الخطاب الموجه له، وتكاليف الصراع الذي دخلته، وهل يمتلك الإخوان خطة فعلية يتحركون على هديها ويسترشدون بمراحلها؟ وتوصل القطريون، بعد هذا الجهد العلمي والبحثي، إلى قرار العام 1999 بحل التنظيم، وتم تبليغ ذلك إلى الإخوان المسلمين في مصر.
هل يرجع قرار حل تنظيم الإخوان إلى قناعة فكرية بعدم جدوى التنظيم، في ظل محافظة المجتمع الدينية، والوفرة المادية، وغياب السياسة بمعناها التنافسي والصراعي؟ وبالتالي يصبح وجود التنظيم في هذه الحالة نوعاً من تحميل الواقع ما لا يحتمل، وتقمص ادوار إخوانية ليس لها محل أو إمكانية للعيش والاستمرار في مثل المجتمع القطري، الذي لم يعرف الحزبية ولا يشهد دواعي إقامتها!
فاستنساخ التجربة الإخوانية التنظيمية المصرية في مثل المجتمع القطري تصبح ـ حسب رأي هؤلاء ـ أمراً غير ذي جدوى؛ فمجتمع الجزيرة العربية يعاني من خمول المجتمع المدني، وهو ما يشجع على فكرة التحول لتيار يقدم الخدمات المختلفة للجماهير دون أي لافتة تنظيمية واضحة أو مستترة.
إن قضية التنظيم داخل الحركة الإسلامية تحتاج إلى قدر من النقاش، فطبيعة الدولة الخليجية، الحديثة التكوين والتقليدية، تعاني من محدودية دور السياسية فيها، وهو ما يجعل قضية حل تنظيم جماعة الإخوان في قطر قضية ثانوية لا يجوز تعميم نتائجها لاعتبارات موضوعية، لكن هذا لا يمنع أن جاسم سلطان طرح فكرة مهمة تحتاج إلى قدر من النقاش والتحرير، وهي مسالة علاقة أي تنظيم حركي بفكرة ما.ويبدو أن ما طرحه يؤكد أن أي صيغة تنظيمية لها مبررات أوجدتها وأدوار ووظائف لا بد أن تلعبها، وجدوى من وجودها، فإذا لم توجد المبررات وغاب الدور وانتفت الجدوى يصبح التنظيم أو تلك المؤسسة فاقدة الصلاحية في الحياة والاستمرار ولا بد من إعلان وفاتها.
وقضية تأطير الدعوة الإسلامية في شكل منظم بطريقة ما، أصبحت تلقى قدراً من الانتقاد والتشكيك في جدواها وما جلبته من مصالح ومنافع للحركة الإسلامية، يقابلها، في الوقت ذاته، قدراً من الدفاع الشرس عن الهياكل المتوارثة داخل الحركة الإسلامية، حتى وإن فقدت صلاحيتها.
وما بين الحدين يمكن فهم ما انتهجه جاسم سلطان، ودوره في حل الوجود المنظم للإخوان في قطر، وما يطرحه في مشروعه عن النهضة، وهو مسألة الجدوى من أي فعل منظم داخل الدعوة باعتباره فعلا غير مقدس وقابل للنقد والمسائلة والمحاسبة، لأن التجارب لا تأخذ شرعيتها من السماء ولكن من قدرتها على الإنجاز في الأرض، فالقدر ليس الشماعة التي يعلق عليها الناس أخطائهم وقصورهم وتراخي أدوارهم.
ويرى الدكتور رفيق حبيب في بحث مهم له بعنوان “مستقبل رسالة البنا”: أن الجماعة، أو التنظيم داخل جماعة الإخوان، لعب دوراً مهما من حيث كونه الرافعة للفكرة الإسلامية، وكان مجسداً لها في الكثير من الأحيان، وأن مستقبل فكرة الجماعة مرتهن بمستقبل الجماعة أي التنظيم، لكنه أشار في الوقت نفسه إلى قضية جوهرية وهي أنه في فترة الانطلاق كانت الفكرة الإخوانية أكبر من التنظيم ولم يكن التنظيم حكرا عليها وهو ما حول فكر الإخوان إلى تيار عام في كثير من البلدان.
أما جاسم سلطان فكان في رؤيته يسعى إلى تفكيك التلاحم، الذي حدث في فترات معينة، ونتيجة لضغوط معينة بين تجربة الحركة الإسلامية والهياكل التي أنشأتها والأدوات، التي استخدمتها في الدعوة والأفكار التي طرحتها على جماهيرها وعلى الناس، وبين حقيقة النص الديني المقدس المنزه، فلا تقديس لتجربة إنسانية.فالتجربة خاضعة للتقييم والنقد والتطوير والإضافة والحذف والإلغاء والتجاوز، لأن ارتباطها الأساسي يكون بجدواها ومدى قدرتها على الإنتاج، وهو ما يحرر العقلية الإٍسلامية والحركية من تقديس ميراث الآباء المؤسسين، ويكون التمسك الرئيس بمنهجيتهم في التعامل مع مشكلاتهم وقضاياهم وفقا للنصوص المقدسة.
رأى جاسم أن هذه الأفكار اصطدمت بفكرة أن الواقع ليس فيه فراغ، لا على المستوى المحلي، ولا على المستوى الإقليمي، ولا على المستوى العالمي، فهناك دولة مركزية، وأينما وُجدت الدولة المركزية ستصطدم بهذه البنى الموجودة، وهذا الذي حدث، فهذه البنى بتشكيلاتها التي أنشأتها، وبأدبياتها التي أنشأتها لإسعاف هذه المنظومة اصطدمت بواقع صلب جعلتها تدفع تكاليف ضخمة جداً، فتم استنزافها في هذا الصراع، وبعد ذلك تم تفريغ طاقاتها، ثم دُفعت في مساحات العنف حتى تستهلك بقية طاقاتها، ثم على مساحة الأرض التي تعمل فيها أصبحت محاصرة حصاراً شديدا، هذا النوع من التفكير يحتاج إلى مراجعة المسلَّمات التي انطلق منها هذا المشروع.
ورأى جاسم أن انتقال مشروع الحركة إلى مناطق العالم الإسلامي انتقلت معه هذه المسلَّمات والأشكال التي أوجدتها هذه المسلمات؛ فهذه المسلمات إذا لم تكن صلبة بما يكفي وتتم مراجعتها ستنتج لنا نفس المشاكل التي أنتجتها في الفترات السابقة، فهناك خبرة عملية، تدفع إلى إعادة التفكير في مسألة التنظيم بعد تلك الصدامات المكلفة، وأن المراجعات يجب ألا تتوقف عند حدود الأفكار بل تتعداها إلى الأشكال التنظيمية؛ وهذا ما تم في الحالة القطرية.
ربما كانت حالة جماعة الإخوان في مصر أحد المداخل، ليعيد الإخوان في قطر التفكير في وجود التنظيم واستمراره في قطر ثم حله العام 1999.فبعض من أجرى الدراسة عن جماعة الإخوان في قطر ـ حسب ما أورده النفيسي ـ أشار إلى أن الإخوان في مصر تحوّلوا إلى إسفنجة تمتص كل الطاقات وتجمّدها، وأنهم ساهموا ـ بغير وعي ـ في تجميد الأوضاع داخل البلد بما يخدم النظام المصري، وأن الإخوان في مصر فقدوا البوصلة.
————–
*المقال ملخص من بحث ‘تجربة الإخوان المسلمين في قطر’ أعده الباحث مصطفى عاشور نشر ضمن كتاب المسبار (43) ‘الإخوان المسلمون والسلفيون في الخليج'(يوليو 2010) الصادر عن مركز المسبار للدراسات والبحوث ـ دبي.

-- ميدل ايست أونلاين

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*