الجمعة , 9 ديسمبر 2016
الرئيسية » مركز البحوث » حركات وأحزاب » سلطنة عمان والأحزاب الإسلامية الداخلية

سلطنة عمان والأحزاب الإسلامية الداخلية

بعد عودة الطلبة العُمانيين المبعوثين إلى مصر قاموا بتنظيم أنفسهم في إطار سياسي إسلامي متشدد، ومارسوا بعض الأنشطة التي تحظرها السلطات مما جعلهم في وضع المواجهة مع السلطة القائمة.

المقال ملخص لبحث عامر الرَّاشدي ‘محاولات تنظيم إسلامي في عُمان’ نشر ضمن كتاب المسبار الخامس والأربعين (2010) ‘الإسلاميون في الخليج- القضايا’، الصادر عن مركز المسبار للدراسات والبحوث- دبي.

ميدل ايست أونلاين

من بين الدول التي استقطبت الطلبة العُمانيين للدراسة فيها جمهورية مصر العربية، والمملكة الأردنية الهاشمية، واللتان تنتشر فيهما الحركات الإسلامية، وكذلك دول صديقة كالولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا، ويبدو أن احتكاك الطلبة العُمانيين واختلاطهم بحملة الفكر الإسلامي الحركي، في تلك الدول ، كحركة الإخوان المسلمين على سبيل المثال، جعلهم يتأثرون بهذا الفكر، بل أن بعضهم اعتنقه.

بعد عودة هؤلاء الطلبة إلى السلطنة قاموا بتنظيم أنفسهم في إطار سياسي إسلامي متشدد، ومارسوا بعض الأنشطة التي تحضرها السلطات مما جعلهم في وضع المواجهة مع السلطة القائمة.

فقد أعلنت الحكومة العُمانية في عام 1994 اعتقال مجموعة من المعارضين، من ذوي التوجه الإسلامي المتشدد، وقد أشار حينها أحد المسؤولين أن أعضاء التنظيم السري المحظور تأثروا بمنظمة عالمية لها فروع في دول عربية، وأن هذه المنظمة لها وجود في دول خليجية. وقد فهم من تصريحاته آنذاك أن المقصود من المنظمة العالمية هو جماعة الإخوان المسلمين.

لم يكن الانتماء إلى تنظيم الإخوان المسلمين حكراً على أبناء مذهب معين، إذ لوحظ أن من بين معتنقي فكر هذا التنظيم هم ممن ينتمون إلى المذهب الاباضي، إضافة إلى المذاهب الأربعة المعروفة، وربما يعود ذلك إلى اقتناع القائمين على التنظيم بالتقارب الفكري بين هذه المذاهب، ووحدة هدفهم المتمثل في تنزيل أحكام الإسلام الحرفية على مختلف نواحي الحياة في الواقع المعاصر.

لعلَّ من العوامل التي ساعدت على انتشار الحركات الإسلامية، في العالم الإسلامي بشكل عام، ومنطقة الخليج بشكل خاص، هو ثلاثة أحداث رئيسية وقعت متقاربة في أواخر السبعينات، والمتمثلة في قيام الثورة الإسلامية بإيران، وما حملته من أفكار كتصدير الثورة على سبيل المثال، وما ترتب على هذه الفكرة من هاجس لدى المذاهب الأخرى، ودخول قوات الاتحاد السوفيتي إلى أفغانستان، وما ترتب على ذلك من ظهور حركات الجهاد الإسلامي، وحادثة الاستيلاء على الحرم المكي من قبل إحدى المجموعات المتطرفة.

كل تلك العوامل ساهمت بشكل مباشر، أو غير مباشر، في صعود تيار الإسلام السياسي، وكذلك بما يعرف بانتشار الصحوة الإسلامية، وربما يضاف إلى ذلك ما ترتب عن التغيرات النفطية في المنطقة من حيث الرخاء الاقتصادي، إلا أن ما يجدر ذكره هنا أن سلطنة عُمان لم تواجه تشدداً إسلامياً يذكر، وربما يعود ذلك إلى أن الحكومة العُمانية تنبهت إلى ذلك مسبقاً، فعملت من خلال مناهج التعليم الديني على احتواء التشدد، ونشر التسامح.

عرفت عُمان، على امتداد تاريخها، نظام الإمامة، فقد حرص أهل الحل والعقد من المذهب الاباضي على انتخاب رجل عاقل فقيه عادل بين الرعية، يقيم حدود الله ويدافع عن البلاد والعباد، فكان تنصيب الإمام في حالة عدم وجوده من أولويات كل حركة علمية تجديدية، ويرى بعضهم أن عقد الإمامة على المسلمين فرض واجب وحق لازم، إذ إليه تختصم القبائل وبواسطته تفض النزاعات، ومع ذلك تبقى حقيقة وهي أن ظهور الإمامة كدولة لم يكن إلا في فترة ضعف الدولة المركزية.

يعتبر العام 1954 علامة فارقة في التاريخ العُماني الحديث، فبوفاة الإمام محمد بن عبد الله الخليلي كانت بداية النهاية لحقبة الإمامة في عُمان، وبالرغم من مبايعة الشيخ غالب بن علي الهنائي إماما على داخل عُمان، خلفا للإمام الراحل، إلا أن سياسة الهنائي جعلته في صدام مباشر مع السلطان سعيد بن تيمور (1940 ـ 1970).

فمحاولة الإمام نيل الاستقلال الكامل والاعتراف الدولي بما يعرف باسم دولة إمامة عُمان، وطموح السلطان سعيد بن تيمور في توحيد عُمان تحت قيادته، كل ذلك أدى إلى نشوب حرب الجبل الأخضر عام 1954 بالمنطقة الداخلية، وانتهت العام 1959 بخروج الشيخ غالب الهنائي، وبعض أركان حكومته من السلطنة واستقرارهم في المملكة العربية السعودية، التي منحتهم اللجوء السياسي، وقد عاش فيها حتى وفاته مؤخرا في ديسمبر 2009.

أصدرت المحكمة أحكاماً بالسجن لمدد متفاوتة أقصاها خمسة وعشرون عاماً على أعضاء التنظيم السري المحظور، ومرة أخرى جاء عفو صاحب الجلالة في مايو2005 حائلاً دون تنفيذ تلك الأحكام.

هنا يبرز سؤال عن مسلك العفو هذا، هل هو لضعف هذه النوعية من التنظيمات؟ أم هو تجلي لشخصية صاحب الجلالة في حبه للسلام والتسامح؟ إن المتتبع لسيرة السلطان قابوس منذ توليه الحكم يلحظ هذا السلوك المتكرر، ابتداء من ثورة ظفار، فقد أصدر عفواً عاماً عن كل من حمل السلاح آنذاك، بل أن بعض قادة الجبهة تبوؤا مناصب وزارية حتى يومنا هذا، واستمر على هذا النهج في العفو عن الخصوم السياسيين حتى الآن.

لقد كان هذا التنظيم خاصاً بمعتنقي المذهب الإباضي دون غيره من المذاهب الأخرى؛ وربما يعود ذلك إلى أن المذهب الاباضي، في فكره التاريخي، اعتاد هذا النوع من نظام الحكم فرأوا فيه خصوصية من خصوصيات المذهب، ومثال يستحق أن الاحتذاء به للديمقراطية الإسلامية، وقد امتدح الدكتور حسين غباش في كتابه المسمى “عُمان الديمقراطية الإسلامية” الأسلوب الفريد في حرص الاباضية على انتخاب عالم من عامة المسلمين، على رأس دولة الإمامة. وقد يضاف إلى ذلك أن نجاح الثورة الإسلامية في إيران، والاعتلاء باسم المذهب سدة الحكم لمدة تربو على الثلاثين عاما، كان هذا النجاح عاملا مؤثراً في إنعاش بعض الحالمين بإعادة نظام الإمامة.

مما سبق يتبين لنا وجود نوعين من الحركات الإسلامية، الأولى امتداد لحركة الإخوان المسلمين، والمنتشرة في معظم الأقطار الإسلامية، أما الحركة الأخرى، حركة الإمامة، فتنفرد بها سلطنة عُمان، وربما يعود ذلك إلى أن هذه الحركة قد تحمل طابعا مذهبيا، وقد عرفت عُمان على امتداد تاريخها الدولة الاباضية في شكلها التقليدي، المتمثل في الإمامة، فسعى هذا التيار إلى إعادة الإمامة، وبعثها من مرقدها إلى الوجود، ومع كل ذلك فإن السمة الأساسية لسلطنة عُمان، في الفترة المعاصرة، هي الاستقرار بشكل عام، والتعايش بين جميع المواطنين في بيئة من التسامح.

——————–

المقال ملخص لبحث عامر الرَّاشدي ‘محاولات تنظيم إسلامي في عُمان’ نشر ضمن كتاب المسبار الخامس والأربعين (2010) ‘الإسلاميون في الخليج- القضايا’، الصادر عن مركز المسبار للدراسات والبحوث- دبي.

-- ميدل ايست أونلاين

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*