الجمعة , 21 يوليو 2017
الرئيسية » مركز البحوث » حركات وأحزاب » حزب الدعوة الشيعي .. صورة جماعة الإخوان السنية

حزب الدعوة الشيعي .. صورة جماعة الإخوان السنية

البذرة الإخوانية الأُولى التي بُذرت داخل العِراق، نمت وصارت شجرة وصلت أغصانها إلى البصرة والرمادي وكركوك وأربيل، فصار للكرد إخوانهم وللتركمان إخوانهم أيضاً.

بعد تأسيس جماعة الإخوان المسلمين بمصر، العام 1928 بجهود الشَّيخ حسن البنا، صارت لها فروع خارج مصر. فلما عاد الشَّيخ محمد محمود الصَّواف(ت 1992) من دراسته في الأزهر بالقاهرة بدأ بتشكيل هذه الجماعة بالموصل حيث مسقط رأسه. وينقل جمال البنا، الشَّقيق الأصغر لحسن البنا، عمَّا كتبه الصَّواف في ما حصل حول تسمية الجمعية، التي يُراد لتنظيم الإخوان المسلمين التَّستر بها.

قال (الصَّواف): “رفضت أن تكون التَّسمية مقلدة لاسم في بلد آخر، ويصر الأخ (السَّيد عبد الرَّحمن أحد الشركاء) أن تحمل الجمعية الاسم نفسه، أي جمعية الإخوان المسلمين، فقلت لإخواني لما رأيت بوادر الخلاف بينهم إن الأسماء لا تهمنا، نحن نريد أن نحمل فكرة. وبعد ذلك شاء الله أن أسافر مع هذا الأخ، الذَّي كان يصر على أن نجعلها باسم الإخوان المسلمين إلى مصر للعمل، والتقينا في مصر بالإمام الشَّهيد(حسن البنا)، رحمه الله، وسألناه في الأمر، فقال: سيروا مع الشَّيخ الصَّواف، فهذا هو الصَّحيح، لأننا لا تهمنا الأسماء، وإنما تهمنا الدَّعوة الإسلامية، ويهمنا الإسلام نفسه، بأي اسم كان، وبأي ثوب خرج”(البنا، مسؤولية فشل الدَّولة الإسلامية في العصر الحديث).

تلك هي البذرة الإخوانية الأُولى التي بُذرت داخل العِراق، ثم نمت وصارت شجرة وصلت أغصانها إلى البصرة والرمادي وكركوك وأربيل، فصار للكُرد إخوانهم وللتركمان إخوانهم أيضاً، لكن إخوان العراق على ما يبدو خالفوا الأم أو لنقل الأخت الكبرى جماعة الإخوان بمصر ، وبادروا إلى تأسيس حزبهم “الحزب الإسلامي العِراقي”(1960). وعلى ما سمعته مِن الشيخ نعمان عبد الرزاق السَّامرائي، الرئيس الأول للحزب منذ العام 1960، أنه لأسباب تتعلق بالتنظيم وأمنه أُتخذ قرار أن يُعلن الحزب وتبقى الجماعة “الإخوان المسلمون” سرية، وهي هكذا إلى يومنا هذا.

كان بذرة الإخوان الأُولى غُرست بالعراق في نهاية العد الرابع من القرن الماضي، أو بداية العقد الخامس، وحينها لم يكن هناك تنظيم إسلامي شيعي، إنما كانت حركات أو منظمات، يصعب إطلاق صفة الحزب عليها، مثل جماعة الشيخ عزَّ الدين الجزائري (ت 2005)، وما عُرف بالحزب الجعفري(في بداية الخمسينيات)، وظل في إطار النَّجف تقريباً، وقيل عُرف بهذا الاسم كي يبعد المؤسسون شبهة الوهابية عنهم، وكان يعاني مِن ضغطين: السلطة التي تمنع قيام حزب على أساس ديني، والمرجعية الدينية التي لا تعترف بالحزبية مِن الأساس آنذاك.

لكن بتأثير جماعتين سُنيتن هما: الإخوان المسلمون وحزب التحرير الإسلامي انتمى شباب شيعيون إلى هاتين الجماعتين، بدوافع إسلامية بحتة، ومنهم الذين نشطوا في ما بعد في داخل حزب الدَّعوة، الذي تأسس في تموز 1959 بردة فعل لقوة اليسار العراقي.

مِن هذه الأسماء التي انتمت إلى الإخوان المسلمين وحزب التحرير: محمد عبد الهادي السُبيتي، الذي صار، في ما بعد، قيادياً في حزب الدعوة، وقيل نشط في حزب التحرير وجماعة الإخوان المسلمين معاً. والطبيب جابر العطا (ت 2011)، وكان في البداية قومياً مستقلاً، يوم كان يعيش بالنَّجف، ولما ذهب إلى بغداد تأثر بفكر “الإخوان المسلمين”، فانطلق معهم في دعوتهم وانتظم في كشافتهم. والشَّيخ عارف البصري، وأخوه عبد علي البصري، والشَّيخ سُهيل السَّعد، وعبدالمجيد الصَّيمري، وعبدالغني شُكر مِن أهل النَّاصرية، وهادي شعتور، وهو مِن سوق الشِّيوخ، جنوب النَّاصرية. وأخبرني الشيخ نعمان السَّامرائي أن والد القيادي في حزب الدعوة الآن علي الأديب حالياً كان إخوانياً آنذاك (لقاء معه بالرياض، مارس 2012).

يقول السَّيد طالب الرِّفاعي، وهو أحد أبرز مؤسسي حزب الدَّعوة الإسلامية: “لما كان السُّبيتي ينشط ضمن الإخوان المسلمين يأتيني بنشراتهم، وكنت أقرأها كلها، وأنا بالكاظمية، فصارت عندي خميرة إسلامية سياسية، وبحكم ترددي على الأستاذ أحمد أمين تكوّنت لي علاقة معهم. كنت شاباً معمماً مِن النَّجف، وفي ذلك الوقت كنت في العشرين مِن عمري، وهناك تعرفت بجابر عطا على الرَّغم من أننا نحن الاثنان مِن النَّجف، وكنت أراه، لكنه كان حينها يميل إلى حزب الاستقلال القومي”.

وأردف قائلاً: “خطّط السُّبيتي وجابر عطا على كسبي إلى نشاطهم الحزبي التحريري، أي في حزب التَّحرير، فأنا معمم ونجفي. فحدثاني عن حزب جديد يُعرف بـحزب التَّحرير، وأن الموفد إلى العِراق، مِن قبل الحزب، عبدالقديم زلوم(ت 2003) يريد رؤيتي. فسألاني: هل لديك مانع في أن تلتقي به؟ فقلت: على العكس أُرحّبُ بلقائه، وأحبُّ الإطلاع على نشاط هذا الحزب وأفكاره”(أمالي السيد طالب الرِّفاعي). كذلك يقول: “إن أوّلَ تعرّفنا إلى الإسلام السِّياسي كان عن طريق الإخوان، وهم أرضيتنا في العمل السِّياسي”.

أغلب هؤلاء صاروا أعضاءً وقادةً في حزب الدَّعوة الإسلامية، لكن بما أن الإسلام السياسي طائفي في ذاته، فلا يمكن أن يبرز بإسلام عام. أن الإسلام العام صار مجرد مفهوم، لا بد أن يُمارس مِن خلال مذهب مِن المذاهب، أما دعوى تلك المذاهب بأنها تُمثل ذلك الإسلام الشامل فهذا مخالف للواقع، فإسلام بلا مذاهب لا وجود له على الإطلاق، وهو مجرد مفهوم عام لا يظهر إلا مِن خلال مسائل عبادات ومعاملات وأصول وفروع، وفي كل هذا هناك اختلافات وتباينات تقل وتكثر بين المذاهب. بل حتى الإسلام السُّني هو موزع إلى مذاهب، والخصومات بين الشافعية والحنفية وبين الحنابلة والأشعرية معروفة في التاريخ، وكذلك الحال بين فرق الشيعة نفسها، ويكفي قراءة كتاب “فرق الشيعة” للنوبختي (نهاية القرن الثالث الهجري) تعطي صورة واضحة على تلك الاختلافات.

لهذا لم يستمر هؤلاء الإسلاميون الشيعة في حزب التحرير، ولا في أي تنظيم سُنِّي آخر عندما اصطدموا بصخرة فكرة الإمامة، وذلك عندما تنكر لها أو وقف ضدها مؤسس حزب التحرير الشيخ تقي الدين النبهاني (ت 1977) في كتابه “الخلافة” الذي لم يعترف فيه بحديث الغدير، أو لم يعترف بما بنى الشيعة عنه فكرة الإمامة أو ما يُعرف بالوصية للإمام علي بن أبي طالب (اغتيل 40 هـ)، فعلى أثر ذلك خرج هؤلاء من حزب التحرير باحثين عن حاضنة شيعة لهم، ولم ينضج الظرف لوجودها حتى تموز 1959 ممثلة بحزب الدَّعوة

كانت ثقافة حزب الدَّعوة، وهو حزب عقائدي، بالكتب ذاتها التي يتثقف فيها الإخوان المسلمين، وهي مِن تأليف قادة الإخوان المسلمين، منها حسب ما أخبرني به السَّيد علي الأمين، وكان منتمياً في فترة ما للحزب وشخصه السيد محمد باقر الصَّدر (اُعدم 1980) على أن يكون وكيلاً له بمدينة الشَّطرة، أن جانب كبير مِن التثقيف الحزبي كان يجري بمطالعة كتب سيَّد قطب: “في معالم الطَّريق”، و”في ظلال القرآن”، ومؤلفات أبي الأعلى المودودي (ت 1979)، وهو من أعلام المسلمين الهنود المعروفين. بمعنى حضور الحاكمية، حسب المنطق السُّنَّي موجودة في أهداف الحزب.

بشكل عام، ليس هناك مِن اختلاف في توجهات الإسلام السياسي، مِن ناحية أسلمة المجتمع والدَّولة وبناء دولة إسلامية، وإن كان هناك اختلاف فهو اختلاف طائفي، مع أن الطرفين تعاملوا مع الظرف السياسي بنفعية، أي لغرض سياسي طارئ تراهم يتجاوزون المذهبية لكنه تجاوز طارئ أيضاً قياساً بالعمل السياسي وتوجهاتهم البعيدة.

لهذا لا نستغرب إذا ما حاول الإخوان المسلميون، لغرض تكثيف الجهود ضد حكومة عبد الكريم قاسم (قُتل 1963)، أن يكون على رأس حزبهم شيعياً صاحب عِمامة كرئيس شرفي أو لنقل فخري، لكن إلى حين، وهذه قصة أخرى!

بالجملة يمكن القول وبوضوح أن مِن بين المنظمات والأحزاب الدينية الشيعية، يقترب مِن عقيدة الإخوان المسلمين بل يكاد يكون نسختها الشيعية، ليس هناك سوى حزب الدَّعوة الإسلامية، فهو الآخر ، مثلما هم الإخوان بمصر، صار الأم لفروع حيث يوجد الشِّيعة.

-- بقلم: رشيد الخيُّون

التعليقات

  1. واقع المسلمين المشكلة والحل/ الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد: ففلم يعد خافياً على ذي بصيرة، ما يضمره أعداؤنا الذين سماهم لنا ربنا في كتابه العزيز، وكشف عما تكنه صدروهم تجاهنا، قائلاً: (ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزَّل عليكم من خير من ربكم.. البقرة/ 105)، وقائلاً: (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالاً ودوا ما عنتم قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر قد بينا لكم الآيات إن كنتم تعقلون. هاأنتم أولاء تحبونهم ولا يحبونكم وتؤمنون بالكتاب كله وإذا لقوكم قالوا آمنا وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ.. آل عمران/ 118، 119).. كما لم تعد مخططات أولئك الأعداء ومكرهم الليل والنهار في تقسيم بلادنا وتفتيت وحدتنا وتفكيك جيوشنا وتخريب ديارنا.. سراً، أو بالأمر الذي يغيب عن ذي لب.. ففي حين نقرأ: “أوباما قبل رحيله عن البيت الأبيض الأمريكي يدعو الشعب الأمريكي إلى التوحد ونبذ الانقسام داخل المجتمع، ويضيف: (إذا كنتم تشكون في التزام أمريكا أو التزامي إحقاق العدل، فاسألوا أسامة بن لادن)”.. نقرأ في بعض ما تخطط له أمريكا وفي سقوط بعضنا في براثنهم رغم أمر الله بمعاداتهم، عناوين:
    “طارق البشبيشي القيادي المنشق عن الإخوان: الجماعة أصبحت قفازاً.. للمشروع الأمريكي في المنطقة”.. “الصحفي عمر نجيب عن المشروع الأمريكي: إخضاع العراق بالكامل لنفوذ الولايات المتحدة، وتحويله إلى مستعمرة تتقاسم النفوذ فيه: القوى الإقليميةُ المتحالفة معهم، مع السيطرة المباشرة على ثرواته من النفط والغاز، ثم تحويل العراق إلى نموذج للشرق الأوسط الجديد وتقسيم دول المنطقة إلى 54: 56 دولة على أساس ديني ومذهبي وعرقي ومناطقي”.. “اللواء د.نبيل فؤاد أستاذ العلوم الإستراتيجية: مخطط إثارة الفتن الطائفية في الدول العربية، بدأ منذ التصريحات الأمريكية عن (الفوضى الخلاقة) التي يرعاها النظام الأمريكي والتي بدأت بهدم الدول العربية بعد احتلال العراق، ومازال العمل يجري علي تنفيذها بكل الطرق”.. “جماعة الإخوان بمصر حاولت جاهدة تفكيك جهاز أمن الدولة بإشراف أمريكي، حيث عملت على الإطاحة بـ 500 ضابط من جنرالاته، وتم توزيعهم على قطاعات أقل أهمية في الوزارة، الأمر الذي دفع بعضهم لتقديم استقالته والسفر للعمل بالدول العربية”.. كما نقرأ: “برهامي يفضح الإخوان ويعلن: (إراقة الدماء في رابعة كانت مطلوبة من قِبل جماعة الإخوان، حتى يَحدث انفجار ثوري على غرار 28 يناير 2011)، ويصرح: (اعتصام رابعة كان فيه أسلحة، وأنه كان هناك من يطلق النار من وسط المعتصمين)”.. “بموافقة من مكتب (الإرشاد): وثيقة إسرائيلية متداولة تكشف: (مرسى) التقى ضابط بالموساد يونيو 2012”.. “بعد الكشف عن كواليس لقاء الـ30 دقيقة بين المعزول مرسى وضابط الموساد: 5 وقائع للرئيس الأسبق تؤكد صحة الوثيقة المتداولة، وتتضمن: (الوساطة بين حماس وإسرائيل)، (خطاب عزيزي بيريز)، (التقاعس في مواجهة إرهاب سيناء)”.. “في إحدى زياراته لسوريا: فيديو ليوسف القرضاوى يمدح بشار الأسد ويقول: عقله متفتح وأحييه على مواقفه، ويشيد بحزب الله اللبناني بسبب حرب تموز 2006”.. “التحالف الغربي يقتل 70 جندياً سورياً بطريق الخطأ” بزعمهم.. “في توريطة جديدة: أمريكا تدعو إلى دور تركي في معركة الموصل”.. “أجهزة أمنية مصرية ترصد 700 ألف حساب جديد على (فيس بوك وتويتر) لإثارة الفوضى”، “إعلامي سعودي: 17 ألف حساب وهمي على (تويتر) تنفِذ مؤامرة ضد مصر والسعودية”، وتحته: “فضَح الكاتب محمد الساعد في مقاله تحت عنوان (السعودية ومصر.. أولاً يا إخوان)، دور الجماعة الإرهابية في التحريض والوقيعة بين مصر والسعودية لخلق حالة توتر بينهما، مشيرًا إلى أن ملايين الدولارات تُصرف في العديد من البلدان لتغيير السياسات السعودية الراسخة، حتى يتسنى لهم حكم (اليمن وسورية)، وأولاً وأخيرًا (مصر)”.
    كما ننقل عن (جلوبال ريسيرش): “قطع (داعش) للرؤوس هو جزء من برنامج تتبناه الولايات المتحدة لتدريب الإرهابيين في السعودية وقطر”.. “مشروع (الخلافة) – التي يريدها الإخوان على خلاف منهاج النبوة – جزء من جدول أعمال السياسة الخارجية التي تتبناها أمريكا منذ فترة طويلة لتقسيم العراق وسوريا إلى أجزاء منفصلة: (أ) خلافة إسلامية سنية، (ب) جمهورية عربية شيعية، (ج) جمهورية كردية”.. “حلف شمال الأطلسي والقيادة العليا التركية، مسئولان عن تجنيد مرتزقة (الدولة الإسلامية) و(النصرة) منذ بداية التمرد السوري في مارس 2011، ووفقًا لمصادر إستخباراتية إسرائيلية، تألفت هذه المبادرة من: (حمْلة لتجنيد آلاف المتطوعين المسلمين من دول الشرق الأوسط والعالم الإسلامي للقتال إلى جانب المتمردين السوريين، على أن يقوم الجيش التركي بإيواء هؤلاء المتطوعين وتدريبهم وتأمين مرورهم إلى سوريا، والناتو يمنح المتمردين أسلحة مضادة للدبابات – ديبكا)”.. ” توجد قوات خاصة وعملاء مخابرات غربيين في صفوف (داعش)، كما شاركت القوات الخاصة البريطانية ومخابرات في تدريب المتمردين الجهاديين في سوريا”.. “بوكو حرام في نيجيريا، والشباب في الصومال، والجماعة الإسلامية المقاتلة في ليبيا، تلقوا دعمًا من الناتو في عام 2011.. والقاعدة في المغرب الإسلامي، والجماعة الإسلامية في إندونيسيا، إلى جانب فروع القاعدة الأخرى تتلقى دعمًا سريًا من المخابرات الغربية”.. “رغم أن الولايات المتحدة هي المؤسِّس غير المعلَن لـ (تنظيم الدولة)، فإن مهمة أوباما المقدسة هي حماية أمريكا ضد هجمات (داعش)”.. “الغارات التي تشنها أمريكا والناتو لا تستهدف (داعش)، بل تقصف البنية التحتية الاقتصادية في العراق وسوريا، بما في ذلك المصانع ومصافي النفط”.. “قوات (داعش) هم جنود المشاة التابعين للتحالف العسكري الغربي، ومهمتهم غير المعلَنة هي تخريب وتدمير سوريا والعراق، بالنيابة عن راعيهم الأمريكي”.
    هذا عمن أحسن الظن بأعداء الإسلام فأوردوه الموارد، أما دورنا نحن، فيتمثل فيما قاله إمام أهل السنة أحمد بن حنبل في أول كتابه (الرد على الجهمية والزنادقة): “الحمد لله الذي جعل في كل زمانِ فترة من الرسل: بقايا من أهل العلم يَدعُون من ضل إلى الهُدى، ويصبرون منهم على الأذى، يُحيون بكتاب الله الموتى، ويُبَصِّرون بنور الله أهل العمى، فكم من قتيل لإبليس أحيَوه وكم من تائه قد هَدَوه، فما أحسن أثرهم على الناس وأقبح أثر الناس عليهم، ينفون عن كتاب الله تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين الذين عقدوا ألوية البدع وأطلقوا عقال الفتنة، فهم مختلِفون في الكتاب يقولون على الله وفي الله وفي كتاب الله بغير علم، يتكلمون بالمتشابه من الكلام ويخدعون جهَّال الناس بما يشبِّهون عليهم، فنعوذ بالله من فتن الضالين”إ.هـ
    الإخوان ممن (يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم يحسبونه لهم وهو عليهم):
    وقد سبق أن ذكرنا بالأدلة والوقائع في مقال فائت: أن ثمة قواسم مشتركة تجمع بين إخوان الحاضر وخوارج الماضي، وأن أهم هذه القواسم: (تكفير الغير نتيجة جعل بيعتهم للمرشد بمثابة البيعة للإمام العام، ومن ثم فالخارج عليه مفارق لجماعة المسلمين التي هي جماعتهم)، و(الخروج على حكام المسلمين ومنازعة الأمر أهله جراء تصورهم الخاطئ عن البيعة)، و(استحلال الدماء المعصومة جراء نفس التصور)، ونزيد هنا في رابع هذه القواسم: ما جاء في قوله عليه السلام من أنهم أينما وجدوا: (يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم)، ومن مظاهر ذلك في خوارج عصرنا:
    1-الوثوق بأعداء الإسلام والارتماء في أحضانهم، مع صريح نهي القرآن عن ذلك:
    ذلك أنه ومع ما سبق ذكره من آي سورتي البقرة وآل عمران، إلا أنك ترى الثقة التامة من قِبَل داعش والإخوان فيمن حذر القرآن منهم، فقد آمن الإخوان لمن لم يتْبعْ دينَهم بالمخالفة لقوله تعالى: (ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم)، وبلغ الأمر بأن ارتضى أعداء الإسلام مسلكهم، بل ورأوا فيه وفيهم: تحقيق أهدافهم من النيل منا معاشر المؤمنين ومن إسلامنا، وتقرأ لهيلاري كلينتون قولها في كتابها: (خيارات صعبة) ويقع في أكثر من 600 صفحة: “أمريكَا قد درست مشروع: (تنظيم الدولة الإسلامية) وأحالته على التنفيذ، وقد كان منتظراً أن تقام هذه الدولة على سيناء المصريّة، وأن تُلاقِي اعترافات واسعة بها من لدن دول كثيرة وكبرى فور إعلانها”، وتقول كلينتُون – وهي تَسرد معطيات وقوف أمريكَا ورَاء دَاعش خلال فترة إمساكها بحقيبة الخارجيّة، وتُقرن فشل المخطّط بقيام الحراك المصريّ الذي أسقط مرسِي –: “شاركنا فيما جرى بالعراق وسورية وليبيا، لكنّ ما قام بمصر أضاع كلّ شيء.. وقد فكرنا في استخدام القوّة، لكنّ الجيش المصري فطن لتحركاتنا بمياه البحر المتوسط قُبالة الإسكندريّة.. كما أنّ جودة عسكر مصر والالتفاف الشعبي حوله جعلنا ننسحب لمعاودة استراتيجياتنا”، وهنا تورد (هيلاري) اعترافها بتحركاتها الدولية من أجل تمهيد الطريق أمام دولة (دَاعش)، مقرّة بنَيلها موافقة 112 دولة مستعدّة للاعتراف بهذا الكيان فور الإعلان عن قيامه، خاصّة من أُورُوبَّا.. وتزيد: “لقد كان من المقرّر أن يُعلن عن (الدولة الإسلاميّة) بحلول الخامس من يوليو العام الماضي، لكنّ كلّ شيء كُسر ونحن ننظر إليه حين ثار المصريون في الثلاثين من يونيو”.. المسئولة الأمريكيّة ذكرت في كتابها، تخطيطَ أمريكا للتحكم في الطاقة والمنافذ البحريّة عن طريق (مُتعاونين مع وَاشنطن)، وأقرت بأنّ مُفَعِّلي مشروع (دَاعِش) منهم، وأنّ (الإخوان) كانوا مهيئِين لمساعدة أمريكا على ذلك من وسط دول: كـ (الكويت والسعودية والإمارات والبحرين وعُمَان)، وأنّ الغرض كان تقسيم المنطقة لصالح أمريكَا.. والحق أن هذا الكلام الذي يعكس المخطط الجهنمي الذي ساهم فيه الإخوان بشكل فعال، يغني عن كثير من تفاصيلِ وعديدِ الخطط التي وضعها من لا يرقب فينا إلا ولا ذمة لتدميرنا وأوطاننا بالكلية، وآمل من كل إخواني ومن كل ساذج مثله غلبت عليه عاطفة التدين المغلوط ويتكلم عن ولي أمره وعن وطنه الذي آواه بطريقة غير لائقة، أن يتأمل ما قالته هذه السيدة المخلصة لدينها ووطنها، وأن يقرنه بمحاولاتها المستميتة ومعها إدارتها بتنحي المجلس العسكري المصري عن سدة الحكم عقب ثورة يناير لإعطاء الفرصة كاملة لـ (إخوان مصر) بتولي الحكم، ليتأكد كل إخواني بنفسه كيف أن جماعته التي سلم نفسه لها تسليم مفتاح: ممن (يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم).. ونطالع في تقرير وتأكيد ما ذكرنا:
    أ) تصريح القيادي الإخواني د. محمد البلتاجي: بأن “ما يحدث في سيناء سيتوقف في اللحظة التي سيتراجع فيها الجيش عما وصفه بالانقلاب، وعودة مرسي إلى مهامه”، وهذا اعتراف ضمني بمسؤولية جماعته وحماس عن أحداث العنف التي جرت في سيناء، وبخاصة أن الأيام التي أعقبت تصريحه وأعقبت عزل مرسي كانت قد شهدت سلسلة هجمات استهدفت مقرات أمنية وكمائن للشرطة، في مدن (العريش ورفح والشيخ زويد)، ولا يزال هذا المسلسل مستمراً وآخر ذلك مقتل العميد أركان حرب (عادل رجائي) قائد الفرقة التاسعة مدرعات السبت 22/ 10/ 2016، والعقيد رامي محمد حسنين قائد الكتيبة 103 صاعقة السبت 30/ 10.
    ب) قول عاصم عبد الماجد في 5/ 2016، فيما نصه: “الإخوان دعموا أمريكا بالعراق، وبايعوا مبارك – يعني: الذي خرجوا عليه بالسلاح فيما بعد – وتركوا اليمن للحوثي”.
    جـ) شهادة لواء أركان حرب متقاعد (حسام سويلم)، وهي بعنوان: (جرائم الجماعة ضد الشعب المصري فاقت ما ارتكبته إسرائيل)، إذ يقول في حديثه الكاشف: “قد تأكد لأمريكا أن دعم الإخوان ومساندتهم يَصُبان في خدمة مصالح الولايات المتحدة ويحققان أهدافها، ما يعنى لأمريكا مزيدًا من السيطرة على دوائر صنع القرار في مصر، وبالتالي تنفيذ مخطط (الشرق الأوسط الكبير)، ومضت الخطة الأمريكية لتمكين الإخوان من حكم مصر بدءً بإزاحة المجلس العسكري من السلطة في أغسطس 2012، وإصدار الإعلان الدستوري الذي حصَّن به مرسى نفسه وقراراته ومجلس الشورى، وانتشار الإخوان في جميع مؤسسات وهيئات الدولة ومد خطوط التعاون بين نظام الحكم الإخواني في مصر وحكومتي قطر وتركيا، إلى أن فوجئت (أمريكا) ومعها (الإخوان وحلفاؤها) بشخص (الفريق السيسي) يقلب الطاولة عليهم جميعًا، وينحاز إلي ثورة الشعب في 30 يونيه ويطيح بنظام حكم الإخوان، بل ويفسد على أمريكا مخططاتها للهيمنة علي باقي دول الشرق الأوسط، ولم يستطع أوباما أن يصمد طويلاً في ترديد ما أشاعته جماعة الإخوان بأن ما حدث انقلابٌ عسكري، حيث اعترف مجبرًا بأنها ثورة شعبية ضد نظام حكم الإخوان الفاشل.. ولكن تحت ضغوط الجمهوريين في الكونجرس، اتخذَ قرارات معاقَبَة الجيش المصري بدءً بإلغاء مناورات النجم الساطع، ثم تجميد شحنة 4 مقاتلات إف ـ 16 كانت في طريقها إلى مصر، ثم منع تحويل مبلغ 550 مليون دولار المستحقة لمصر من ميزانية 2013، وأخيرًا تخفيض المساعدات العسكرية بشكل جوهري بما يعنى منع بيع أنظمة التسلح الرئيسية المتفق عليها وهى 12 مقاتلة إف ـ 16، 12 هيليوكوبتر أباتشى، 120 دبابة ابرانر م ـ 1، و2 فرقاطة بحرية، وصواريخ هاربون، ومعدات أخرى، معتقدًا أن هذه العقوبات من الممكن أن تنهى أسطورة (الفريق السيسي) وتجبره على الانصياع للإرادة الأمريكية، لكن ما حدث بعد ذلك كان العكس تماماً، فرغم تأكيدات وزير الدفاع (تشاك هيجل) في اتصالاته العديدة مع الفريق السيسي، على أن العلاقات العسكرية بين أمريكا ومصر لن تتأثر بهذه القرارات المؤقتة، إلا أن الفريق السيسي أجابه بأن مصر لا تحتاج فعلاً للمساعدات الأمريكية، ولن تقبل بضغوط أمريكية أو التلويح مرة أخرى بقطع المساعدات، كما ترفض مصر كل صور الوصاية الخارجية، واختصر (الفريق السيسي) المكالمة مع وزير الدفاع الأمريكي لانشغاله بمواعيد مهمة، وقبل أن ينهى المكالمة أعطى السيسي هيجل نصيحة ليبلغها لأوباما مفادها: (أنه – أوباما – في حاجة لأن يقضى ما تبقى من حياته بعد الخروج من الرئاسة لدراسة تاريخ الشعب المصري)”.
    2-الخيانة والاستقواء وطلب النصرة ممن أخبر القرآن عنهم بمواصلة عدائهم بل قتالهم لنا معاشر أهل الإيمان:
    وهنا يستطرد اللواء حسام سويلم ليعاود الحديث عن: قصة (خيانة الإخوان لمصر)، فيقول: “إن الخيانة وإن كانت سمة عامة في عقيدتهم الفاسدة منذ إنشاء هذه الجماعة، إلا أنها برزت بشكل فاجر لإفساد العلاقات بين مصر وكل من الولايات المتحدة وأوروبا، حيث كانت قيادات الإخوان – سواء في مصر أو في التنظيم الدولي – على اتصال دائم بدوائر صنع القرارات في هذه الدول، ومارست ضغوطًا هائلة، ودفعت أموالاً لمسئولين ورجال إعلام لوصف النظام الجديد في مصر بأنه انقلاب عسكري، ولم يخجل قادة الإخوان من دعوة القوات الأمريكية والأوروبية للنزول في مصر لإزالة نظام الحكم الجديد وضرب الجيش المصري، حتى وصل الأمر بأحدهم إلى أن يبشر المعتصمين في رابعة بنزول (7000) من جنود المارينز الأمريكيين في السويس، فيرددون من ورائه (الله أكبر.. الله أكبر)، بل ويسجدون على الأرض شكرًا!!”.. يقول سويلم في حواره البالغ الخطورة: “وقد كشف مرسى بنفسه عن تواطؤ جماعته مع الأمريكيين لحماية نظام حكم الإخوان في مصر، عندما أبلغ الفريق السيسي في آخر لقاء جمعهما، أن على الجيش توقع تدخل عسكري أمريكي لمساندة ودعم حكم الإخوان في مصر، وهو ما يدل على اتفاق مسبق بين أمريكا والإخوان، انعكس ذلك في البداية مع اقتراب بعض قطع الأسطول الأمريكي من المياه الإقليمية في مصر، وترحيب الإخوان بذلك على النحو الذي ظهر بوضوح في كلمات أقطابهم في اعتصام رابعة.. وبلغ إرهاب وخيانة الإخوان قمته بمحاولة الاستقواء بالولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي واستعداء الإعلام الغربي ضد مصر: عندما تزامنت الهجمات الإرهابية التي شنتها في ربوع مصر مع تدفق موجات من وسطاء السوء من أمريكا والاتحاد الأوروبي في محاولات مستميتة للعودة بالزمن إلى ما قبل 30 يونيه، وإفراغ ثورة الشعب من مضمونها، تارة بالترغيب في نيل رضا الغرب، وتارات أخرى بالتهديد والوعيد بقطع المعونات عن مصر وإنذار القائمين على النظام الجديد في مصر بمغبة إقصاء الإخوان عن المشاركة في الحياة السياسية!!.. وعندما رفضت مصر كل الشروط والمطالب التي قدمها الوسطاء وتبين لهؤلاء الوسطاء صلابة الموقف المصري، وأعلنت الإدارة الأمريكية تجميد مساعداتها العسكرية لمصر استجابة لمطالب التنظيم الدولي للإخوان، انطلقت أفراح الإخوان داخل وخارج مصر ابتهاجًا بهذا القرار نكاية في الجيش المصري، بل واقترنت هذه الأفراح بتكثيف هجمات الإخوان وحلفائها في المنظمات الإرهابية وحماس في سيناء، والتي انتقلت إلى منطقة القناة داخل العمق المصري، حيث شاهدنا هجمات ضد سفن عابرة في القناة، وهجمات أخرى ضد عناصر من القوات المسلحة والشرطة في طرق (الإسماعيلية والسويس وأبو صوير)، ومحاولة تفجير خط سكة حديد (السويس – بورسعيد) لإحداث أكبر خسائر ممكنة في جنود الجيش العائدين من أجازاتهم، والملاحظ هنا: أن أركان الكونجرس والإدارة الأمريكية وكبار المحللين السياسيين لم يهللوا لقرار قطع المساعدات الأمريكية عن مصر، كما هلل واحتفى الإخوان في مصر بهذا القرار نكاية في بلادهم، إلى هذا المستوى من الحضيض – يقول سويلم – وصلت خيانة الإخوان لبلدهم مصر!!؛ بل إن من توهمناهم أول المستفيدين أسرعوا بانتقاد القرار الأمريكي، ورأوا أنه غير مفيد وليس مؤثراً ولا يليق بالعلاقات مع حليف تاريخي مثل مصر، بل إن إسرائيل ذاتها انتقدت هذا القرار واعتبرته لعبًا بالنار، وتوقعت له آثاراً سلبية على معاهدة السلام وعلى جهود مكافحة الإرهاب في سيناء”.
    وبعد كلامه المستفيض عن مؤامرات التنظيم الدولي في تركيا وقطر على مصر، يقول سويلم في حديثه المسجل بالصوت والصورة: “قام التنظيم الدولي للإخوان بالاستعانة بأربع شركات دعاية عالمية (واحدة أمريكية و3 إنجليزية) لشن هجمات في وسائل الإعلام العالمية ضد الجيش المصري والمسئولين عن إدارة المرحلة الانتقالية والرموز الوطنية المساندة لثورة 30 يونيه، وقد تم تخصيص 2 مليون دولار لهذا الغرض من حسابات القياديين: (حسن مالك وخيرت الشاطر) في بنوك خارجية، وبدأت الشركات الأربع التواصل مع عدد من الكتاب والإعلاميين الغربيين للتركيز على أن مصر تعيش في حالة فشل دائمة، وأن الجيش هو المسيطر، وبما يعد انقلاباً عسكرياً، وقد رصدت الأجهزة الأمنية في مصر استعدادات التنظيم الدولي للإخوان لتنفيذ خطة إشاعة الفوضى أثناء محاكمة مرسى، حيث أنشأ صفحات عبر الإنترنت يشرف عليها قيادات إخوانية لنقل تعليمات للعناصر الإخوانية في مصر، ومن المقرر أن تكون شبكة (رصد) التي أنشأها خيرت الشاطر وتبث موادها من قطر وتركيا، أحد أهم العناصر التي ستزود قواعد الإخوان بالمعلومات من الخارج، والهدف هو تأجيل محاكمة مرسى وقيادات الإخوان لما بعد 25 يناير المقبل حتى يتمكن التنظيم من التصعيد مع قوى ثورية مناهضة للجيش في الذكرى الثالثة للثورة، ولذلك تم تجهيز غرف متابعة مركزية لتنفيذ خطط إشاعة الفوضى، موجودة في قطر وأخرى داخل مصر”.. وعن دور الإخوان في تحريض العمال على العصيان، يقول سويلم: “بعد فشل جماعة الإخوان في حرق الجامعات وتعطيل الدراسة، وفى إطار المخططات القذرة التي وضعتها هذه الجماعة الإرهابية لضرب الاقتصاد المصري، رصدت الأجهزة الأمنية تعليمات صدرت من قيادات التنظيم الدولي للإخوان باختراق الطبقة العاملة في مصر، وتحريض العمال في أكثر من موقع على الإضراب والتظاهر وإحداث فوضى وشلل تام في مختلف مواقع الإنتاج والخدمات، خاصة المترو والسكة الحديد والمطارات والموانئ ومصانع الغزل والنسيج والمواد الغذائية والاستهلاكية، وأن هذه التعليمات قد عرفت طريقها إلى كوادر الجماعة، بالمحافظات والمراكز، إضافة إلى الاستمرار في مهاجمة أقسام ومراكز الشرطة وتنظيم مسيرات إلى الميادين العامة والشوارع الرئيسية للضغط على النظام الحالي بقبول المبادرات التي تطرحها بعض القيادات والشخصيات الوسيطة لاستمرار الجماعة في المشهد السياسي، فقد كشف كمال أبو عيطة وزير القوى العاملة: عن أن جماعة الإخوان أصدرت تعليمات لكوادرها بالمصانع وغيرها من المواقع الصناعية والإنتاجية والجامعة العمالية بالتظاهر، وحرق بعض المنشآت التابعة للوزارة مقابل إمدادهم بالأموال، وأن القيادي الإخواني المقبوض عليه (سعد الحسينى) كان وراء عمليات تحريض العمال ومدهم بالأموال لوقف عجلة الإنتاج، وإظهار الحكومة الحالية بالضعف أمام الشعب والعالم”.
    ويخلص الخبير العسكري فيما يصور الواقع الفعلي لما جرى، إلى القول بأن “الأيام والأحداث أثبتت حقيقة أن جماعة الإخوان قد تردت في مستنقع خيانة مصر وشعبها حتى النخاع، متمسكة بمبدئها وشعارها: (إما أن نحكم مصر أو نحرقها)، ومن أجل ذلك لا تبالي هذه الجماعة بما ترتكبه من جرائم: إزهاق أرواح، وإسالة دماء المصريين، واستحلال حرمات، وتخريب وتدمير كل ما على أرض مصر من منشآت ومرافق إنتاج وخدمات، وما تتسبب فيه من تيتيم أطفال وترميل نساء وأمهات ثكلى وآباء يفقدون كل يوم أعز ما يملكون من أبناء بسبب ما تفتعله هذه الجماعة الخائنة لله ورسوله والمؤمنين من صراعات مسلحة وإثارة فوضى وأعمال عنف في جميع جنبات مصر، وهو ما لم تفعله إسرائيل في حروبها الأربع ضد مصر.. وسيفرد التاريخ المصري سجلاً خاصا بجرائم جماعة الإخوان سيطلق عليه (سجل العار)، يسجل فيه لها كل ما ارتكبته من جرائم مشينة وموبقات في حق مصر وشعبها سيندى لها الجبين مدى القرون، فلم تتورع هذه الجماعة الخائنة عن التعاون مع جميع أعداء مصر في الداخل والخارج من أجل تخريبها وهدم جيشها ومؤسساتها الأمنية، حتى تحولها مرتعاً للمجرمين والقتلة والإرهابيين الذين أخرجتهم من السجون وسمحت لهم بالقدوم من الخارج ليعيثوا في أرض مصر فسادًا، ولينتهكوا حرمات المصريين، ويستبيحوا أرضها ونيلها وقناتها وكل خيراتها، في مقابل أن يمكنوا تلك الجماعة الخائنة من حكم مصر ولو على بقعة صغيرة من أرضها، بعد أن أبدت الجماعة استعدادها للتنازل عن الكثير من الأراضي الحدودية في سيناء وجنوب مصر وغربها لحلفائها في الدول المجاورة، وقامت بأداء الدور المطلوب منها في تفتيت مصر خدمة للأهداف الأمريكية والإسرائيلية.. ومن فضل الله على مصر وشعبها أن جعل سياسات وسلوكيات جماعة الإخوان تتسم بقدر هائل من الغباء السياسي والغرور القاتل.. فقد زرع فيهم مرشدوهم وكهنتهم أقبح صفة نهى عنها الله ورسوله، وهى الكبر والاستعلاء، وأنهم وحدهم المسلمون وما دونهم كفرة، متجاهلين حديث سيدنا رسول الله: (لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر)، لذلك ومن هذا المنطلق لا يستوعبون دروس الماضي ولا ما تلقوه من ضربات موجعة عبر العقود الماضية على أيدي أجهزة الأمن.. أما اليوم فإنهم بغبائهم لا يدركون أنهم لا يواجهون فقط الأمن والشرطة ولكن الجيش أيضا ومعه كل الشعب المصري الذي كشف حقيقة خيانتهم وانعدام الوطنية في نفوسهم، وأن جماعتهم أصبحت تشكل خطرا جسيما على هوية مصر”.. وليعذرني القارئ الكريم أن أطلت النفَس في الأخذ عن هذا المناضل، فالمصاب الذي حل بأمة الإسلام جلل، والأمر جد خطير، والرجل أدرى بما تحيكه جماعة الإخوان من مكر ودهاء ومن خيانات ودسائس ومؤامرات ليست ضد مصر فحسب وإنما ضد عالمينا العربي والإسلامي، ولعل في مقالنا: (الإخوان خنجر مسموم في صدر وظهر وخاصرة كل دولة عربية وإسلامية) ما يكشف عن التأصيل الشرعي من قِبَلهم فيما أفضنا فيه هنا.
    3-الخلل في عقيدة الولاء والبراء: وعجيب أن نقرأ – ومعنا علماء السعودية وقُرَّاء حرميها الشريفين بل وكل علماء وقراء عالمينا العربي والإسلامي – ونحفظ من غير ما صدَّرنا به هذا المقال، قول الله تعالى: (وقالوا كونوا هوداً أو نصارى تهتدوا قل بل ملة إبراهيم حنيفاً وما كان من المشركين.. البقرة/ 135)، وقوله فيما يتمنونه لنا: (ود كثير من أهل الكتاب لو يردوكم من بعد إيمانكم كفاراً حسداً من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق.. البقرة/ 109)، ومثله: (ودت طائفة من أهل الكتاب لو يضلونكم.. آل عمران/ 69)، وقوله في التحذير من كيدهم ومن الاستجابة لما يودونه لنا: (ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم قل إن هدى الله هو الهدى ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم ما لك من الله من ولي ولا نصير.. البقرة/ 120) ومثله قوله: (ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم.. آل عمران/ 73)، وقوله: (يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقاً من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين. وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم.. آل عمران/ 100، 101)، وقوله: (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين.. المائدة/ 51).. ثم نقرأ ونسمع أيضاً في الوقت ذاته عن الوقائع السالفة الذكر، وما خفي من تلك الوقائع كان أعظم، وكلها تنم عن جهل فاضح ومخالفة صريحة لما جاء في آي التنزيل؟.
    وقد يقول قائل عن كل ما ذكرنا: (إن المصالح تتصالح)، ونقول: نعم، لكن ليس على حساب الدين ولا باسمه، ولا عملاً بمبدأ الغاية تبرر الوسيلة، ولا لأجل تحقيق أهداف أعداء الإسلام، ولا لأجل تغيير الولاءات وجعل من أمر الله بموالاتهم أعداء والعكس، إذ النهي عن كل ذلك في القرآن والسنة والإجماع جد صريح، بل ولا حتى لتحقيق خلافة هي بكل تأكيد ليست على (منهاج النبوة)، ولا هي لصاحب تركيا كونها كما أخبر النبي: (في قريش) على ما أفضنا في هذا من قبل.. وإنما التصالح في أمور الدنيا لأجل إعمارها حيث لا تستغني الدول والمجتمعات والشعوب بعضها عن بعض في تبادل المنافع والخبرات، وأيضاً بغرض الدعوة من خلال ذلك لتحقيق غاية: (فليعبدوا رب هذا البيت)، وليقرأ من يريد نموذجاً وتطبيقاً عملياً لذلك: (سورة قريش).
    ونشير هنا مع الآيات السالفة الذكر، إلى قول الله عن محاربي أهل الكتاب: (ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا.. البقرة/ 217)، وإلى قوله عن حلفائهم من أهل النفاق الذين استقووا بهم: (بشر المنافقين بأن لهم عذاباً أليماً. الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين أيبتغون عندهم العزة فإن العزة لله جميعاً).. إلى أن قال: (الذين يتربصون بكم فإن كان لكم فتح من الله قالوا ألم نكن معكم وإن كان للكافرين نصيب قالوا ألم نستحوذ عليكم ونمنعكم من المؤمنين فالله يحكم بينكم يوم القيامة ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً.. النساء/ 138، 139، 141)، وقوله: (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين أتريدون أن تجعلوا لله عليكم سلطاناً مبيناً.. النساء/ 154)، أي: حجة عليكم في إحلال العقوبة بكم، وقوله: (فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين.. المائدة/ 52)، ونظير ذلك آية 11 من سورة الحشر، ونقول: إنه من العجيب أن تأتي هذه الآيات المحكمات على هذا النحو الصريح والواضح، ثم نقرأ عن دور الإخوان في تنفيذ حروب الجيل الرابع التي تخطط لها إسرائيل وأمريكا والغرب، وتتمثل في: إعادة رسم الخريطة السياسية لدول المنطقة بتقسيمها عرقيًا وطائفيًا ومذهبيًا عن طريق ذات الدول، وهو ما يستدعى بالضرورة إثارة الفوضى والصراعات المسلحة بين أبناء هذه الدول لإضعافهم جميعاً، مع دعم ومساندة منظمات الإسلام السياسي في الاستيلاء على الحكم باعتبارها وسائل وأدوات السياسة الأمريكية لتأمين مصالح أمريكا في المنطقة وتحقيق هدف الهيمنة عليها، ونقرأ من كلام اللواء سويلم: “لقد نجحت أمريكا في تنفيذ هذه المخططات في (العراق وليبيا واليمن والسودان وسوريا ولبنان والصومال)، ولم يتبق أمامها سوى (مصر)، وكان رهانها في ذلك على جماعة الإخوان، وقد كشف رئيس الأركان الأمريكي السابق (الجنرال هيوشيلنون) عن ذلك في تصريحات أخيرة له في صحيفة (وولدتربيون) الأمريكية، والتي أكد فيها أن أمريكا خططت لزعزعة استقرار الأنظمة في دولتين على الأقل من الدول العربية خلال العامين الماضيين وهما (مصر والبحرين)، إلا أن (مصر) نجحت في إيقاف الحملة التي قام بها أوباما لزعزعة الاستقرار في البلاد خلال عام 2013، لافتًا إلى أن وزير الدفاع المصري الفريق السيسي تمكن من كشف المؤامرة الأمريكية لدعم الإخوان الذين وصلوا إلى الحكم وسط اضطرابات لم يسبق لها مثيل، وأضاف الجنرال شيلنون: (إذا لم تتم الإطاحة بمرسى بمساعدة الجيش، لكانت مصر قد تحولت إلى سوريا أخرى، وتم تدمير الجيش المصري بالكامل)، في إشارة منه إلى 30 يونيه التي أوقفت هذه المؤامرة وحافظت على مصر وجيشها من الدمار، كما أوضح (شيلنون) أن الحلفاء العرب ابتعدوا عن واشنطن، وشكلوا تحالفًا بين مصر والسعودية والإمارات ضد الإخوان، مؤكدًا أن مصر في طريقها إلى الهدوء، وأن الفريق السيسي وضع نهاية لمشروع الشرق الأوسط الجديد.
    وكان السفير الأمريكي (جيفري فيلتمان) مساعد وزير الخارجية الأمريكية لشئون الشرق الأوسط هو عرّاب المخطط الأمريكي والذي أسندت إليه الإدارة الأمريكية ملف الشرق الأوسط، فقام بالتنسيق مع (قطر) لاحتضان قيادات الإخوان باعتبارهم القوة الأكبر في مصر بعد مبارك، وفى إبريل 2011 عُقدت عدة اجتماعات سرية بين قيادات الإخوان وممثل لأمير قطر تحت إشراف فيلتمان، وخلالها – والكلام لا يزال لسويلم – جرى الاتفاق على إعادة تنظيم الجماعة بتنظيمها الدولي ليعمل في عدد من الدول العربية لمواجهة متغيرات منتظرة خلال أشهر قليلة، ولتستعد الجماعة لتكون ذراع أمريكا الجديدة في المنطقة بعد الإطاحة بالأنظمة القائمة، وحتى تملأ الفراغ الناتج عن ذلك خشية تكرار السيناريو الإيراني بعد الإطاحة بالشاه عام 1979، وقد انحازت تركيا لهذا الفريق خاصة مع طموحات أردوغان في استعادة الخلافة العثمانية، وكان طبيعيًا أن يُطمْئِن (فيلتمان) إسرائيل على أن النظم الإسلامية الجديدة المخطط أن تحكم، تضمن جميع التعهدات الأمنية وعلى رأسها معاهدة السلام مع مصر، وإن كانت إسرائيل رأت أن النموذج السلفي – وليس الإخواني – هو الأنسب، لأنه سيكون دافعًا للاقتتال الداخلي وهو ما يصب في صالح إسرائيل، ويمثل تطبيقًا لسياسة (الفوضى الخلاقة)، إلا أن الأمريكيين ومعهم الأتراك رفضوا ذلك لصعوبة السيطرة على انفلات السلفيين، وفى النهاية اتفقت الأطراف – أمريكا وقطر وتركيا وإسرائيل – على دعم الإخوان في الوصول إلى الحكم، وأن تطبق جماعة الإخوان في مصر النموذج التركي حتى في اختيار حزب الإخوان السياسي (الحرية والعدالة)”.
    4-تكفير الإخوان لمجتمعات المسلمين، وتفوقهم على أعداء الله في العمل على تدميرها وإضعاف معنوياتها بكل سبيل، بقصد تحقيق مفاهيم خاطئة بوسائل خاطئة:
    ونقرأ في ذلك من كلام سويلم: “أن الآثام والجرائم التي ارتكبتها جماعة الإخوان في حق مصر وشعبها طوال الـ 85 عاماً منذ نشأتها من أعمال قتل وتخريب وتدمير، لا تقارن بما اقترفته خلال عام الشؤم الذي حكمت فيه مصر، فلقد فاقت جرائم الإخوان في بشاعتها ما ارتكبته إسرائيل ضد مصر في حروبها الماضية، فإسرائيل كانت ولا تزال عدواً واضحاً محدد الهوية والمعالم والمكان والأهداف والخطط والنوايا، أما جماعة الإخوان فهي من بني جلدتنا يعيشون بيننا ويدينون بديننا الإسلام، ويتحدثون لغتنا وينعمون بكل خيرات الوطن الذي يحملون هويته المصرية والذي للأسف لا يعترفون به، حيث يعتبرون الوطنية والقومية (علائق نتنة) علي حد تعبير حسن البنا وسيد قطب في كتبهم التي زرعوها في عقول ونفوس تابعيهم علي مدار العقود، وكلها تقطر سماً زعافاً في حق مفهوم الوطنية والقومية، وأورثت هؤلاء الأتباع كل ما نراه ونلمسه من بغض وحقد وكراهية لكل من لا ينتمي للإخوان، بل حرق وتخريب وتدمير لكل ما علي أرض مصر بزعم تقويض المجتمع الجاهلي القائم، ليقيم الإخوان علي أنقاضه المجتمع المسلم الذي يحكم بالشريعة طبقاً لمفاهيمهم الباطلة”، وحسبك من خطورة هذه المفاهيم: الإمعان في تكفير الغير، وحسبك من خطورتها تلك المقارنة التي تُظهر مدى الخلل الذي ينتاب الجماعة في ولاءاتها وانتماءاتها، والتي فيها يقول سويلم: “إن إسرائيل في حرب أكتوبر 1973– مفخرة العرب والمسلمين والتي يحلو لـ (سعود الشريم) أن يصفها بالعجوز الشمطاء – لم تنجح في تقسيم المصريين (أو السعوديين)، بل وحَّدتهم جميعاً علي اختلاف فئاتهم وطوائفهم ضدها، أما جماعة الإخوان في حربها في أكتوبر 2013، فقد نجحت بجدارة في تقسيم المجتمع المصري (وكذا السعودي) لأول مرة في تاريخهما إلي أقلية تابعة لهم أطلقت عليهم مسلمين، وما دونهم اعتبرهم الإخوان كفاراً، أحلوا حرماتهم من أرواح ودماء وأموال وأعراض، وهو ما انعكس بشدة في جرائم القتل التي ارتكبها الإخوان ضد المصريين منذ ثورة يناير 2011 حتى اليوم، عندما اعتلوا أسطح المباني في ميدان التحرير وغيرها من الميادين في المدن المصرية وأطلقوا نيرانهم ضد الشرطة والجماهير علي السواء لإشعال نيران الفتنة بين الاثنين، فيما عرف بعد ذلك بـ (الطرف الثالث)، واتضح بعد ذلك للجميع أن (الإخوان هم الذين كانوا يشكلون هذا الطرف الثالث).. في حرب أكتوبر 1973 كانت ساحة المعركة بيننا وبين إسرائيل محصورة فقط في منطقة سيناء ومدن القناة، أما في حرب أكتوبر 2013 التي أعلنتها جماعة الإخوان ضد المصريين فقد شملت ساحة القُطر المصري الممتدة، وبذلك نجح الإخوان في تشتيت جهود الجيش المصري علي كل الجبهة المصرية، وهو ما لم تستطعه إسرائيل.. في حرب أكتوبر 1973 لم تستطع أجهزة الدعاية والحرب النفسية الإسرائيلية أن تفرق بين الجيش والشعب، حيث شكل الجيش والشعب جبهة واحدة صلبة في مواجهة العدو الإسرائيلي، أما في حرب أكتوبر 2013 فقد سعت جماعة الإخوان إلي الوقيعة بين الجيش والشعب، بل استعْدَت الشعب المصري ضد جيشه، وبذلت أجهزة الدعاية الإخوانية جهودها للإساءة للجيش وقادته وتشويه سمعتهم.. في حرب أكتوبر 1973 لم تقم إسرائيل بقصف أي أهداف إستراتيجية في العمق المصري، كما لم تقصف أي كنيسة أو مسجد أو قسم شرطة، بينما الإخوان في حرب أكتوبر 2013 شنوا حرباً سافرة ضد المنشآت الإستراتيجية في كل العمق المصري، فلم يتورعوا عن إحراق أكثر من 90 قسم شرطة ومديرية أمن و66 كنيسة لإشعال الفتنة الطائفية بين المسلمين والمسيحيين فضلا عن تخريب المساجد غير التابعة لهم في رابعة ورمسيس وغيرهما، بل تعدي ذلك إلي إحراق المحاكم ومقار الشهر العقاري والفنادق والهجوم علي مقار وزارات الداخلية والدفاع والإعلام ومحطات القوي والبث الفضائي والتليفزيوني ومحطات المترو والكليات بالجامعات والبنوك، بل وإطلاق النار عشوائياً علي نوافذ المنازل من فوق كوبري 15 مايو لترويع السكان من رجال ونساء وأطفال وإشاعة الخوف والذعر بين المصريين.
    في حرب أكتوبر 1973 لم تقم إسرائيل بعرقلة خطوط السكة الحديد كما لم تتسبب في قطع الطرق أو الكباري في العمق المصري، ولكن الإخوان في حرب أكتوبر 2013 قاموا بتعطيل خطوط السكة الحديدية لأكثر من شهر، حتى اليوم عندما نسفوا القضبان وقطعوا معظم الطرق والكباري علي كل الساحة المصرية وتعمدوا عرقلة المرور وتعطيل مصالح الناس، بل وأنشأوا بؤر اعتصام في وسط البلد لتكون بمثابة مقار لمؤسسات سياسية تابعة لهم خارج سيطرة مؤسسات الدولة تمهيداً لطلب اعتراف الدول بهم، فوجدنا في اعتصام رابعة من يسمي نفسه رئيساً مؤقتاً للجمهورية، ومن يشكل مجلس وزراء بديلاً للموجود فعلاً، كما عقد مجلس شوري الإخوان المنحل اجتماعات له في رابعة دعا لها وسائل الإعلام العالمية.. إلخ.
    في حرب أكتوبر 1973 لم يتعرض من أسَرَتْهم إسرائيل من الضباط والجنود إلي أي تعذيب أو قهر حتى تم تبادل الأسري عند وقف إطلاق النار، أما في حرب أكتوبر 2013 فقد تعرض ضباط وجنود الشرطة والجيش الذين اقتحم الإخوان مقارهم وأحرقوها، لصنوف من الوحشية لم تقتصر فقط علي القتل بل شملت سحل جثثهم في الشوارع وإلقاء ماء النار عليهم وضربهم بالنعال، بل وصلبهم أحياء علي الأشجار في ميدان النهضة، وتقطيع أجزاء من أجسادهم ثم إلقاء جثثهم المشوهة بعد ذلك في الشوارع والحدائق وتحت الكباري، في وحشية لم نعهدها حتى من وحوش الغابة، وكل ذلك للأسف الشديد باسم الدين ودفاعاً عن الإسلام وفي سبيله كما يتشدقون وهو منهم ومن جرائمهم براء.
    في حرب أكتوبر 1973 لم تسع إسرائيل إلي فصل جزء من أرض مصر وإقامة دويلة مستقلة عليه، وحتى سيناء التي كانت تحتلها قوات إسرائيلية ست سنوات منذ 1967، لم تعلن إسرائيل انفصالها عن الجسد المصري، ولكن في حرب أكتوبر 2013 سعت جماعة الإخوان إلي تقطيع أوصال الجسد المصري بإعلان من التنظيم الدولي للإخوان أثناء اجتماعه في جنوب تركيا عن قيام (دولة صعيد مصر العليا) التي تضم في مخيلتهم محافظات المنيا وبني سويف والفيوم وأسيوط وسوهاج، وعزلها عن باقي القطر المصري، بل ودعوا إلي قطع كهرباء السد العالي في أسوان عن باقي أجزاء القطر المصري للضغط علي النظام الجديد القائم في مصر، كما أبدي الإخوان استعدادهم للتنازل عن 750 كم2 من شمال سيناء لحليفتهم (حماس) لإقامة غزة الكبرى علي حساب وحدة الأراضي المصرية، إلي جانب تجنيس خمسين ألف فلسطيني بالجنسية المصرية لتمكينهم من امتلاك أراض في سيناء والاستيطان فيها، بدعوي (أنهم منا ونحن منهم)، هذا فضلا عن سماحهم بمضاعفة عدد أنفاق التهريب عبر الحدود من (600) نفق إلي (2000) نفق في عهد مرسي، مما زاد من حركة تهريب الأسلحة والأموال من حماس إلي المنظمات الإرهابية في سيناء ليقاتلوا قواتنا هناك، ناهيك عن تهريب البضائع المصرية المدعمة والوقود من مصر إلي غزة مما أحدث أزمة وقود خانقة في مصر، وعندما طلبت قيادة قواتنا في سيناء التصديق علي هدم الأنفاق لوقف عمليات التهريب رفض مرسي بدعوي أنها تشكل (شرايين الحياة لشعبنا في غزة)، بل ووافق مرسي أيضاً علي مقترح حمساوي بإقامة منطقة حرة علي الحدود ليكون التهريب فوق الأرض وتحت الأرض، كما رفض مرسي طلباً للجيش بضرب البؤر الإرهابية التي تحددت أماكنها بدعوي تفضيله الحل السياسي مع المنظمات الإرهابية، لأنها من السلفيين حلفاء الإخوان في الانتخابات، وأرسل لهم بالفعل مساعده (عماد عبد الغفور) للتفاوض معهم، وغني عن القول أنه لا توجد دولة محترمة في العالم تتفاوض مع إرهابيين، أو تسمح بوجود أنفاق تهريب علي حدودها، وإمعانا في الخيانة لم يتورع مرسي عن أن يَعِد حلفاءه من الإخوان في السودان بالتنازل عن منطقتي (حلايب وشلاتين) أيضاً بدعوي (هم منا ونحن منهم)!؛ كذلك استعداد الإخوان للتنازل عن حق مصر في إدارة منطقة القناة والمشروعات الإنمائية علي ضفتيها لـ (دويلة قطر) أيضاً بدعوي (هم منا ونحن منهم)!! وعندما اعترض المصريون علي هذه الإجراءات الفردية من قبل مرسي التي تستقطع أجزاء من أرض الوطن لصالح حلفاء الإخوان في دول الجوار، انبري عصام العريان زعيمهم في مجلس الشورى مدافعاً عن حق رئيس الجمهورية في إعادة ترسيم الحدود، بزعم أن هذا حق كفله له الدستور!!، ولابد هنا – مع وضوح الفارق بين ترسيم مرسي للحدود وترسيم السيسي لها – من التذكير بأن عصام العريان هذا سبق له أن دعا اليهود إلي العودة إلي مصر واستعادة حقوقهم فيها!!”إ.هـ من كلام اللواء حسام وهو قليل من كثير مما في جعبته وجعبتنا، وأقول: إن الأغرب من كل هذا، أنهم يرون آثار القتال والدمار والخراب في البلاد التي حققوا فيها مآربهم ومآرب أعدائنا ونخص منها بالذكر: (سوريا والعراق واليمن والصومال ومصر وليبيا)، ويصرُّون –رغم هذا– على نقل هذا لسائر بلاد العرب والمسلمين تحت ذات المسمى ولنفس السبب والطريقة، وعلى السير في طريق الفشل حتى نهايته، حتى أصبح الاحتراب لديهم هو السبيل الوحيد لتحقيق غاياتهم، وأصبحنا نبصر أصحاب راية (الإسلام هو الحل) يقاتلون أصحاب راية (لا إله إلا الله محمد رسول الله)، وهما أو بعضهما يقاتل أصحاب راية (الله أكبر)، وبعض هؤلاء أو جلهم يقاتل أصحاب راية (حزب الله)، وآخرون يحاربون (أنصار الشريعة)!، وذلك بعد صار الجميع أضحوكة العالم وبعد أن فشل الجميع في التوحد على (صحيح الدين الاعتقاد) و(دعوة العباد إلى عبادة رب العباد)، وأضحى كلٌّ يقاتل الذين آمنوا ويترك (أشد الناس عداوة للذين آمنوا) ويطلب خلافة ليست له ولا هي على منهاج النبوة، ضاربين بقوله تعالى: (ولا تنازعوا فتفشلوا) وقول نبيه (لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض) وقوله: (الأئمة من قريش): عرض الحائط.. والأكثر غرابة أن من سلِم من الدول المسلمة من هذا القتل والخراب والدمار الناشئ عن فساد منهج (جماعة الإخوان)، لا يزال – وعلى الرأس منها السعودية – يأمنها ويحسن الظن بها ويسمح لعلمائه بنشر أفكارها التكفيرية، وسؤالنا: ألم يأت في التنزيل: (فاعتبروا يا أولي الأبصار)، وفي الأثر أن (السعيد من وعظ بغيره)، وأين ما تفعله هذه الجماعة وتدين الله به، من نصوص الوحي وكلام الأئمة التي سقناها على مدار المقالات السابقة وبينا فيها مخالفة كل ما يفعلونه لشرع الله؟، وهل أمام أي منصف للأمة الآن إلا أن يعترف: أ- بفشل فكرة (الإسلام السياسي).. ب – بألا ننازع الأمر أهله، إذ للسياسة رجالها وحسب أحد أصحابها – وهو (السيسي) – مناداته الآن بوحدة التراب السوري والعراقي واليمني.. إلخ، وإيثار الحل السياسي الذي سبق أن ارتضاه مرسي مع الخوارج، وذلك حتى نفوت على أعداء الإسلام مخططاتهم في تقسيمنا وتناحرنا فيما بيننا لصناعة (إسرائيل الكبرى) وإنفاذ مشروعي (الفوضى الخلاقة) و(الشرقأوسط الكبير)؟.. وأخيراً: أسأل الله هداية الجميع لصحيح الدين والاعتقاد ولما فيه خيري الدنيا والآخرة، اللهم آمين.

  2. صحة الاعتقاد وسلامة المنهج.. كيف السبيل لتحقيقهما وجمع الأمة عليهما؟! وما الواجب المنوط بمن جعل الله الخلافة فيهم؟؟
    الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.. وبعد:
    ففي ندائه لأئمة المملكة السعودية بخاصة، يقول سيدنا معاوية: (والله يا معشر العرب لئن لم تقوموا بما جاء به نبيكم، لَغيرُكم من الناس أحرى أن لا يقوم به)، وقد جاء لفظه عقب سرده لحديث: (إن أهل الكتابين افترقوا في دينهم على ثنتين وسبعين ملة، وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين ملة – يعني: الأهواء – كلها في النار إلا واحدة: وهي الجماعة، وإنه سيخرج في أمتي أقوام تَجَارَى بهم الأهواء كما يتَجَارَى الكلَب بصاحبه فلا يَبقى منه عِرْقٌ ولا مِفْصِلٌ إلا دخله)، قال معاوية:،، وذكره، والكلب بفتح اللام: داء يعرض للإنسان فيصيبه بشبه جنون ويمنعه عن شرب الماء حتى يموت.. والحديث صححه ابن تيمية وكذا الحاكم ووافقه الذهبي، كما جوَّده العراقي وحسنه ابن حجر، وهو كما في تحفة الأحوذي في شرحه لرواية أبي هريرة: “من معجزاته صلى الله عليه وسلم، لأنه أخبر عن غيب وقع”.. وفي بيان وخطورة ما تضمنه الحديث برواياته يقول القرطبي في تفسيره (12/ 130): “هذا بيِّنٌ أن الافتراق المُحَذَّر منه، إنما هو في أصول الدين وقواعده، لأنه قد أطلق عليها: (مِللاً)، وأخبر أن التمسك بشيء من تلك الملل موجبٌ لدخول النار، ومثل هذا لا يقال في الفروع، فإنه لا يوجب تعديل الملل ولا عذاب النار”، ويقول أبو منصور عبد القاهر بن طاهر التميمي في كتاب ألفه في شرح حديث افتراق الأمة: “قد عَلِم أصحاب المقالات أنه عليه السلام لم يُرِد بالفِرق المذمومة: المختلفين في فروع الفقه من أبواب الحلال والحرام، وإنما قصد بالذم: من خالف أهل الحق في أصول التوحيد وفي تقدير الخير والشر، وفي شروط النبوة والرسالة وفي موالاة الصحابة، وما جرى مجرى هذه الأبواب، لأن المختلفين فيها قد كفَّر بعضهم بعضاً، بخلاف النوع الأول – المعروف بخلاف التنوع – فإنهم اختلفوا فيه من غير تكفير ولا تفسيق للمخالف، فيَرجع تأويل الحديث في افتراق الأمة إلى هذا النوع من الاختلاف” وهو المسمى بـ (اختلاف التضاد).
    ولا أظن أن أحداً يخالف في أن ما يجري في واقعنا من خلل في بعض أصول الدين وقواعده، يتمثل في: ادعاء البعض – وأخص بالذكر منهم (جماعة الإخوان) – (أنهم دون سواهم: جماعة المسلمين)، وما يترتب على ذلك من: أ- (تكفير الغير، نتيجة جعل الخارج عليهم: مفارق للجماعة التي هي جماعتهم، وغير مؤمن {يعني: بدعوتهم التي هي بزعمهم: الإسلام}، ومُعَرَّض بالتالي إن هو نازعهم للقتل)، ب- و(جعل بيعتهم للمرشد بمثابة البيعة للإمام العام الممكن، ومن ثم فالخارج عليه مستوجب بزعمهم لقوله عليه السلام: من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية)، جـ- و(أن طاعته واجبة في المنشط والمكره والعسر واليسر، وإلا فهو ممن أخبر عنهم النبي بقوله: من خلع يداً من طاعة لقي الله يوم القيامة لا حجة له)، د- و(خروجهم على حكام المسلمين الفعليين ومنازعتهم الأمر أهله جراء هذه التصورات الخاطئة)، هـ- و(استحلالهم الدماء المعصومة جراء نفس التصورات)، و- ووضوح كل هذا بشكل بات معلناً ومشاهداً للعيان وعلى نحوٍ لا يحتمل اللبس؛ ز-وظهورُ آثار ذلك على أرض الواقع وفي سائر بلدان المسلمين في شكل تظاهرات وأعمال قتل وبلطجة وعنف وتفجير وتخريب وتدمير، أو دعوة إلى ذلك عند عجزهم.. أقول: لا أظن أن أحداً يخالفني في أن هذا كله مندرج تحت بند الإخلال بأصول الدين وقواعده، لاسيما وقد جاء ضمن قواسم أخرى مشتركة مع من أخبر النبي عنهم بأنهم: (يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم) كما سبق أن دللنا عليه في مقالنا: (واقع المسلمين المشكلة والحل)، ومن ثم وجب التحذير منهم تخوفاً من الوقوع فيما حذر منه نبينا من أمر الـ 72 فرقة.
    على أن ما ذكرنا وكذا ما جاء واضحاً في خطاب ونداء معاوية (خال المؤمنين): يحتم على أئمة السعودية خاصةً – حكاماً وعلماء –: أن يقوموا بالواجب المنوط بهم شرعاً، ويتمثل هذا الواجب في: (تحذير الأمة من الوقوع في براثن هذه الأفكار المنحرفة الهدامة، وممن تبنوها)، و(التنبيه على حتمية اطلاعهم بدور جمع شمل الأمة على صحيح الدين والاعتقاد)، وأن يبذلوا جهدهم في تحقيق تلك الغايات ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً، وبخاصة وقد نص النبي على تخصيصهم دون سواهم بالإمامة والريادة، وذلك قوله فيما رواه البخاري: (لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي منهم اثنان)، وقوله: (إن هذا الأمرَ في قريش لا يعاديهم أحد، إلا كبّه الله على وجهه، ما أقاموا الدين)، وقوله فيما رواه مسلم: (الناس تبع لقريش في الخير والشر)، يعني: في الإسلام والجاهلية، وفي رواية: (الناس تبع لقريش في هذا الشأن مسلمهم لمسلمهم، وكافرهم لكافرهم)، وكذا قوله فيما صححه الألباني: (الأئمة من قريش)، (قدِّموا قريشاً ولا تَقََدَّموها)، فهذه الأحاديث بضميمة قول الماوردي بحق الأخير منها: “ليس مع النص المسلم به شبهةٌ لمنازع فيه، ولا قولٌ مخالفٌ له”، ومن قبلُ قول أحمد في كتاب السنة: “والخلافة في قريش ما بقي اثنان، ليس لأحد أن ينازعهم فيها، ولا يَخرج عليهم، ولا نُقر لغيرهم بها إلى قيام الساعة”، وتعليق النووي على جملة هذه الأحاديث بقوله في شرح مسلم– وبنحوه ابن حجر في باب (الأمراء في قريش) 13/ 126 وما بعدها –: “هذه الأحاديث وأشباهها، دليل ظاهر أن الخلافة مختصة بقريش، لا يجوز عقدها لأحد من غيرهم، وعلى هذا انعقد الإجماع في زمن الصحابة فكذلك بعدهم، ومن خالف فيه من أهل البدع أو عرَّض بخلافٍ من غيرهم فهو محجوج عليه بإجماع الصحابة والتابعين فمن بعدهم وبالأحاديث الصحيحة، قال القاضي عياض: (اشتراط كونه قرشياً: هو مذهب العلماء كافة)، قال: (وقد عدها العلماء في مسائل الإجماع، ولم يُنقل عن أحد من السلف فيها قول يخالف ما ذكرنا، وكذلك مَن بعدهم في جميع الأمصار)، قال: (ولا اعتداد بقول النَّظام ومن وافقه من الخوارج وأهل البدع أنه يجوز كونه من غير قريش)”، وقوله بعدُ: “وبيّن النبي أن هذا الحكم مستمر إلى آخر الدنيا، ما بقي في الناس اثنان، وقد ظهر ما قاله عليه السلام.. فمن زمنه إلى الآن: الخلافة في قريش من غير مزاحمة لهم فيها، وتبقى كذلك ما بقي اثنان كما قاله”.. أقول: كل هذا يؤكد ضرورة اطلاع المملكة بما ذكرنا من أمر التحذير والتنبيه، وذلك إحقاقاً للحق ورفعاً لراية أهل السنة، وإبرازاً لما ينبغي أن يتميزوا به عن غيرهم ولو كان هذا الغير زعيم دول محسوبة على الإسلام.
    1- أبرز ما يميز جماعة أهل الحق المنوط بهم توجيه الأمة إلى صحيح الدين والاعتقاد:
    وإن من أبرز ما يميز أهل الحق والسنة والجماعة عن سواهم – فيما أجمع عليه أئمة العلم الثقات –:
    أ- التمسك بالشريعة وتقديم نصوصها على الهوى المتبع وآراء الرجال: إذ (الشريعة) لغةً: مورد الشاربة التي منها يشربون ويُستقون، ولذا سميت كذلك تشبيهاً لها بشريعة الماء بحيث من شرع فيه روي وطهر، كما أنها اصطلاحاً: “الائتمار بالتزام العبودية”، وفي شأن وجوب تقديم الشرع على الهوى والرأي، وجعل ذلك أصلاً عظيماً يفترق فيه أهل السنة المتبعون، عن مخالفيهم في كل زمان، يقول أبو المظفر السمعاني في كتابه (الانتصار لأصحاب الحديث)، إبان كلامه عمن ينازع الأمر أهله ولا يرجع إلى أهل النقل والراوية في معرفة ما كان عليه النبي وصحابته، وفيما نقله عنه الأصبهاني في كتاب (الحجة) 2/ 237 وما بعدها: “كل فريق من المبتدعة– من يوم أن بدت قرونها وحتى عصرنا – يَدّعي أن الذي يعتقده هو ما كان عليه رسول الله، لأنهم كلهم مدعون شريعة الإسلام ملتزمون في الظاهر شعائرها يرون أن ما جاء به النبي هو الحق.. غير أن الطرق تفرقت بهم بعد ذلك وأحدثوا في الدين ما لم يأذن به الله ورسوله، فزعم كل فريق أنه هو المتمسك بشريعة الإسلام، وأن الحق الذي قام به رسول الله هو الذي يعتقده وينتحله، غير أن الله أبى أن يكون الحق والعقيدة الصحيحة إلا مع أهل الحديث والآثار، لأنهم أخذوا دينهم وعقائدهم خلفاً عن سلف وقرناً عن قرن إلى أن انتهوا إلى التابعين، وأخذه التابعون من أصحاب رسول الله، وأخذه أصحاب رسول الله عن رسول الله، ولا طريق إلى معرفة ما دعا إليه رسول الله الناس من الدين المستقيم والصراط القويم، إلا هذا الطريق الذي سلكه أصحاب الحديث، وأما سائر الفرق فطلبوا الدين لا بطريقه، لأنهم رجعوا إلى معقولهم وخواطرهم وآرائهم، فطلبوا الدين من قِبله، فإذا سمعوا شيئاً من الكتاب والسنة عرضوه على معيار عقولهم، فإن استقام قبلوه وإن لم يستقم في ميزان عقولهم ردُّوه، فإن اضُّطروا إلى قبوله حرفوه بالتأويلات البعيدة والمعاني المستكرهة، فحادوا عن الحق وزاغوا عنه ونبذوا الدين وراء ظهورهم وجعلوا السنة تحت أقدامهم.. وأما أهل الحق فجعلوا الكتاب والسنة إمامهم، وطلبوا الدين من قِبلهما، وما وقع لهم من معقولهم وخواطرهم عرضوه على الكتاب والسنة، فإن وجدوه موافقاً لهما قبلوه وشكروا الله حيث أراهم ذلك ووفقهم إليه، وإن وجدوه مخالفاً لهم تركوا ما وقع لهم وأقبلوا على الكتاب والسنة، ورجعوا بالتهمة على أنفسهم، فإن الكتاب والسنة لا يهديان إلا إلى الحق، ورأيُ الإنسان قد يُرِى الحق وقد يُرِى الباطل، وهذا معنى قول الداراني: (ما حدّثتني نفسي بشيء إلا طلبت منها شاهدين من الكتاب والسنة، فإن أتت بهما وإلا رددته في نحرها).
    ومما يدل على أن أهل الحديث هم على الحق – دون سواهم من نحو الخوارج والشيعة مذ ظهروا حتى زماننا –: أنك لو طالعت جميع كتبهم المصنفة من أولهم إلى آخرهم قديمهم وحديثهم مع اختلاف بلدانهم وزمانهم وتباعد ما بينهم في الديار وسكون كل واحد منهم قُطراً من الأقطار، وجدتهم في بيان الاعتقاد على وتيرة واحدة ونمط واحد يُجْرُون فيه على طريقة لا يحيدون عنها ولا يميلون فيها، قولهم في ذلك واحد ونقلهم واحد، لا ترى بينهم اختلافاً ولا تفرقاً في شيء ما وإن قل، بل لو جمعت جميع ما جرى على ألسنتهم ونقلوه عن سلفهم وجدته كأنه جاء من قلب واحد وجرى على لسان واحد، وهل على الحق دليل أبين من هذا؟!.. وأما إذا نظرت إلى أهل الأهواء والبدع، رأيتهم متفرقين مختلفين أو شيعاً وأحزاباً، لا تكاد تجد اثنين منهم على طريقة واحدة في الاعتقاد، يبدع بعضهم بعضاً، بل يرتقون إلى التكفير يكفر الابن أباه والرجل أخاه والجار جاره، تراهم أبداً في تنازع وتباغض واختلاف، تنقضي أعمارهم ولما تتفق كلماتهم، (تحسبهم جميعاً وقلوبهم شتى ذلك بأنهم قوم لا يعقلون).. وهل على الباطل أظهر من هذا، قال تعالى: (إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً لست منهم في شيء)، وإنما السبب في اتفاق أهل الحديث: أنهم أخذوا الدين من الكتاب والسنة وطريق النقل فأورثهم الاتفاق والائتلاف، وأهل البدعة أخذوا الدين من المعقولات والآراء فأورثتهم الافتراق والاختلاف، فإن النقل والرواية من الثقات والمتقنين قلما يختلف، وإن اختلف في لفظة أو كلمة فذلك اختلاف لا يضر الدين ولا يقدح فيه، وأما دلائل العقل فقلما تتفق، بل عقل كل واحد يرى صاحبه غير ما يرى الآخر، وهذا بيِّنٌ والحمد لله”.
    وبعد أن ميَّز وضرب الأمثلة بما ساغ من خلاف بين أهل السنة، قال الأصبهاني عما لم يسغ فيه الخلاف: “فلما حدثت هذه الأهواءُ المرديةُ الداعيةُ صاحبها إلى النار – وما أشبه الليلة بالبارحة – ظهرت العداوة وتباينوا وصاروا أحزاباً، فانقطعت الأخوة في الدين، وسقطت الألفة، فهذا يدل على أن هذا التباين والفرقة، إنما حدثت في المسائل المحدثة التي ابتدعها الشيطان فألقاها على أفواه أوليائه ليختلفوا ويرمي بعضهم بعضاً، فكل مسألة حدثت في الإسلام، فخاض فيها الناس فتفرقوا واختلفوا، وأورث اختلافهم في ذلك التولي والإعراض والتدابر والتقاطع، وربما ارتقى إلى التكفير – يعني: على غرار ما مثلنا بفعل جماعة الإخوان في مسألتي: البيعات والخلافة بدعوى أنهم دون سواهم أربابها وأنهم أساتذة العالم ويمثلون جماعة المسلمين – علمتَ أن ذلك ليس في أمر الدين في شيء، بل يجب على كل ذي عقل أن يجتنب هذه المسألة ويُعرض عن الخوض فيها، لأن الله شرط في تمسكنا بالإسلام، أن نصبح جميعاً في ذلك إخواناً فقال تعالى: (واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا)”.. إلى أن قال: “وقد ظهر بما قدمنا: أن الطريق المستقيم مع أهل الحديث، وأن الحق ما نقلوه ورووه، ومن تدبر ما كتبناه وأعطى من قلبه النَّصَفَة وأعرض عن هواه، واستمع وأصغى بقلب حاضر وكان مسترشداً مهتدياً ولم يكن متعنتاً، وأمده الله بنور اليقين، عرف صحة ما قلناه، ولم يخفَ عليه شيء من ذلك، والله الموفق (من يشأ الله يضلله ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم.. الأنعام/ 39)”.
    ثم قال الأصبهاني في معرض رده على من يقحم نفسه فيما لا يبلغه عقله من دقائق علوم الاعتقاد والحديث ورجاله ومصطلحه فيهرف بما لا يعرف ويضر أكثر مما ينفع – على نحو ما ابتلينا به في زماننا من تصدي أطباء وصيادلة وزراعيين وكيمائيين ومهندسين.. إلخ، للإفتاء والتربية والإرشاد –: “لو قال صاحب التمر لصاحب العطر: (أنا عطار)، لقال له العطار: (كذبت، بل أنا هو) ولشهد له بذلك كل من أبصره من العامة، ثم إن كل صاحب صناعة وحرفة يفتخر بصناعته ويستطيل بها ويجالس أهلها ولا يذمها، وقد رأينا أصحاب الحديث قديماً وحديثاً هم الذين رحلوا في طلب هذه الآثار التي تدل على سنن رسول الله فأخذوها من معادنها وجمعوها من مظانها، وحفظوها فاغتبطوا بها ودعوا إلى اتِّباعها وعابوا من خالفها.. ووجدنا أهل الأهواء الذين استبدوا بالآراء والمعقولات بمعزل من الأحاديث والآثار التي هي طريق معرفة سنة رسول الله، فهذا الذي قلنا: سمةٌ ظاهرة وعلامة بينة تشهد لأهل السنة باستحقاقها، وعلى أهل الأهواء في تركها والعدول عنها، ولا نحتاج في هذا إلى شاهد أبين من هذا ولا إلى دليل أضوء من هذا”.
    ومن غير كلام أبي المظفر في وجوب التحاكم للشرع، يقول ابن تيمية في مجموع الفتاوى 16/ 440 –: “معلوم وجوب تقديم النص على الرأي، والشرع على الهوى، فالأصل الذي افترق عليه المؤمنون بالرسل والمخالفون على حدٍّ سواء: تقديم نصوصِهم على الآراء، وشرعِهم على الأهواء”.. ويقول ابن القيم في إغاثة اللهفان 2/ 138: “وكان السلف يُسَمُّون أهل الآراء المخالفة للسنة وما جاء به الرسول في مسائل العلم الخبرية وأهل مسائل الأحكام العملية، يسمونهم: (أهل الشبهات والأهواء)، لأن الرأي المخالف للسنة جهل لا علم، وهوى لا دين، فصاحبه ممن اتبع هواه بغير هدى من الله، وغايته الضلال في الدنيا والشقاء في الآخرة”.. ومن قبلهما يقول الشاطبي في الاعتصام 2/ 683: “سُمي أهلُ البدع: (أهلُ الأهواء)، لأنهم اتبعوا أهواءهم فلم يأخذوا الأدلة الشرعية مأخذ الافتقار إليها والتعويل عليها حتى يصْدروا عنها، بل قدَّموا أهواءهم واعتمدوا على آرائهم، ثم جعلوا الأدلة الشرعية منظوراً فيها من وراء ذلك”، وقال – بعد أن ساق قول عمر بن الخطاب (إياكم وأصحاب الرأي فإنهم أعداءُ السنة، أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها فقالوا بالرأي فضلوا وأضلوا) –: “وهذا هو دأب أهل البدع، يضعون أهواءهم أولاً ثم يطلبون الأدلة عليها من الشرع وكلام العرب، بعكس أهل الحق فإنهم يضعون الدليل أولاً ثم ينقادون له، فيعتقدون ويحكمون بعد ما يستدلون، وأهل الأهواء إذا وجدوا الأدلة على خلاف ما يعتقدون، أوَّلوها وحرّفوها وصرفوها عن حقيقة معناها”.. وتلك هي مصيبة زماننا ومصدر فتنتنا ليس في باب العقائد والخلافة فحسب؛ بل في سائر الأحكام المتعلقة بالأحداث التي تمر بأمة الإسلام.
    ب- ومن أبرزه كذلك (لزوم السنة والجماعة): وإنما عنوا بـ “السنة: (طريقة الرسول)، وبالجماعة: (جماعة المسلمين، وهم الصحابة والتابعون لهم بإحسان إلى يوم الدين)، فاتِّباعُهم هدى وخِلافُهم ضلال، قال الله لنبيه: (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم)، وقال: (ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيراً).. وقال عليه السلام من حديث معاوية وقد مرّ: (إن أهل الكتابين افترقوا في دينهم.. الحديث)، وفي رواية – في صحيح الترمذي (2641) – قالوا: وما هي يا رسول الله: قال: (ما أنا عليه وأصحابي)، فبين أن الاختلاف واقع لا محالة، وأن عامة المختلفين هالكون من الأمم السابقة ومن أمته، إلا أهل السنة والجماعة، وما أحسن قول ابن مسعود: (من كان مستناً فليستن بمن قد مات، فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة، أولئك أصحاب محمد، كانوا أفضل هذه الأمة، أبرها قلوباً وأعمقها علوماً وأقلها تكلفاً، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه وإقامة دينه، فاعرفوا لهم فضلهم، واتبعوهم في آثارهم، وتمسكوا بما استطعتم من أخلاقهم ودينهم، فإنهم كانوا على الهُدَى المستقيم)”إ.هـ من كلام ابن أبي العز على شرح قول الطحاوي: (ونتبع السنة والجماعة، ونجتنب الشذوذ والخلاف والفُرقة).. ولمزيد من التعرف على من (خالفوا السنة وفارقوا الجماعة) يقول ابن سيرين: “إن قوماً تركوا العلم ومجالسة العلماء، واتخذوا محاريب فصلُّوا فيها حتى يبس جلد أحدهم على عظمه، خالفوا السنة فهلكوا، والله ما عمل عامل بغير علم إلا كان ما يفسد أكثر مما يُصلح”.. ولمزيد من التعرف على من لازمهما من بين فرق المصلين، يشير ابن تيمية في مجموع الفتاوى3/ 347، إلى أنهم من: “ليس لهم متبوع يتعصبون له إلا رسول الله، وهم أعلم الناس بأقواله وأفعاله”، ويصرح ابن القيم في الصواعق بأنهم من “لا ينتسبون إلى مقالة معينة ولا إلى شخص معين غير الرسول، فليس لهم لقب يعرفون به ولا نسبة ينتسبون إليها سوى الحديث والسنة”، ويفيد ابن أبي العز – إبان شرحه قولَ الطحاوي: (ونرى الجماعة حقاً وصواباً)، بأنها المتراحمة المقرة بالحق المجتنبة محدثات الأمور الرَّادة أمورها تسليماً وانقياداً إلى الله ورسوله دون آراء الرجال وإن زخرفوه بالقول، ذلك أن: “الأمور التي تتنازع فيها الأمة في الأصول والفروع، إذا لم تُرَدُّ إلى الله ورسوله، لم يُتبين فيها الحق، بل يصير فيها المتنازعون: على غير بينة من أمرهم، فإن رَحِمهم الله: أقر بعضُهم بعضاً ولم يَبْغِ بعضُهم على بعض، كما كان الصحابة في خلافة عمر وعثمان يتنازعون في بعض مسائل الاجتهاد، فيُقِرّ بعضُهم بعضاً ولا يَعتدي ولا يُعتدى عليه، وإن لم يرحمهم: وقع بينهم الخلاف المذموم، فبغى بعضُهم على بعض إما بالقول مثل تكفيره وتفسيقه وإما بالفعل مثل حبسه وضربه وقتله، والذين امتحنوا الناس بخلق القرآن كانوا من هؤلاء”، وأقول: إن ما يجري في زماننا من ادعاء فرقة عليها من المآخذ والأخطاء الشرعية ما عليها بأنها جماعة المسلمين، وادعائها الخلافة لنفسها ولمن ليسوا من قريش، وامتحان الناس على ذلك، هو – لمن تأمله – من هذا القبيل.. وأهل السنة – دون أهل البدع من الخوارج والشيعة – على إمكانية انقطاع الخلافة، مصداقاً لقوله عليه السلام في جواب حذيفة (فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟): (فاعتزل تلك الفرق)، فجعل ذلك أمراً وارداً، بل وأمر حال حدوثه باعتزال فرق الضلال المنكِرة لذلك والمكفرة لغيرها والداعية على أبواب جهنم.. وأهل السنة كذلك على انعقادها في آخر الزمان للخليفة المهدي الذي ينكر البنا مؤسس جماعة الإخوان أحاديثه قائلاً في (حديث الثلاثاء) ص108: “فمن حسن الحظ لم نر في السنة الصحيحة ما يثبت دعوى المهدي, وإنما أحاديثه تدور بين الضعف والوضع”، كما ينكرها القرضاوي الذي ادعى في الجزء الأخير من مذكراته أنه لا أصل لها في القرآن والسنة، كل ذلك ليتسنى لهما أن يجعلاها بآخر الزمان في جماعتهما على الرغم من تواتر أحاديثها تواتراً معنوياً كما خلص إلى ذلك د. إسماعيل المقدم في كتابه عن (المهدي)، وحسبنا ما رواه مسلم من قوله عليه السلام: (يكون في آخر الزمان خليفة يُقسِّم المال – وفي رواية: يكون في آخر أمتي خليفة يَحثي المال حثياً – ولا يَعدُّه)، وقوله: (لو لم يبق من الدنيا إلا يوم، لطوَّل الله ذلك اليوم حتى يبعث الله رجلاً من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي، واسم أبيه اسم أبي، يملأ الأرض قسطاً كما ملئت ظلماً وجوراً)، وإن من أعجب العجب أن يسلِّم بعض مَن أخبر عنهم النبي بأنهم أصحاب الإمامة والخلافة، زمام أمورهم لمن يكفِّر الخلق وينكر تلك الأحاديث من أولئك الدعاة على أبواب جهنم، وينساقون لمن يخلع عنهم هاتين الفضيلتين، بعد أن ارتضوا لأنفسهم أن يكونوا أذناباً وتابعين وذيولاً للخوارج.
    على أن وجوب التمسك دوماً وعند كل شيء بالآية والحديث، هي أوَّل أوليات مصنفو كتب الاعتقاد، وما من مؤلف فيها إلا ونبّه على ألا قيام لدين الله إلا بهما، ومما أورده الأشعري إمام المذهب في هذا، قوله في مقدمة الإبانة: “جاءنا الله بكتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، جمع فيه علم الأولين والآخرين، وأكمل به الفرائض والدين، فمن تمسك به نجا ومن خالفه ضل وغوى، وفي الجهل تَرَدّى، وحثنا الله في كتابه على التمسك بسنة رسوله فقال: (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا)، وقال: (فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم)، وقال: (ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولى الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم)، وقال: (وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله).. وقال: (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم)، فأمرهم بطاعة رسوله كما أمرهم بطاعته، ودعاهم إلى التمسك بسنة نبيه كما أمرهم بالعمل بكتابه”.. إلى أن قال: “ديانتنا التي ندين بها: التمسك بكتاب الله وبسنة نبينا محمد وما روي عن السادة الصحابة والتابعين وأئمة الحديث، ونحن بذلك معتصمون”إ.هـ.
    وفي إطار تأكيد التمسك بالنصوص والتسليم لها، ينقل صاحب (الحجة) 2/ 316 عن بعض أهل العلم رده على الذين تلاعب بهم الشيطان وادعوا أن العقل يهديهم إلى الصواب، ثم يقول: “وإذا تأملت تعمقهم في التأويلات المخالفة لظاهر الكتاب والسنة، وعدولهم عنهما إلى زخرف القول والغرور لتقوية باطلهم وتقريبه إلى القلوب الضعيفة، لاح لك الحق وبان الصدق، فلا تلتفت إلى ما أسسوه ولا تبالِ بما زخرفوه والزَم نص الكتاب وظاهر الحديث الصحيح اللذين هما أصول الشرعيات، تقف على الصراط المستقيم”.. ثم أشاد الأصبهاني بصنيع عثمان الدارمي في: عقده باباً في توقير الأحاديث أن تُعارَض بشيء من المقاييس أو تُنفَى.. وساق في ذلك حديث: (ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه)، وأثر يحيى بن أبي كثير وفيه: (السنة قاضية على القرآن – تفسره – والقرآن أصول محكمة مجملة لا تفسِّر السنة، والسنة تفسرها وتبين حدودها ومعانيها وكيف يأتي الناس بها.. ثم راح يعقد بنفس المصدر 2/ 404 فصلاً في (التمسك بالسنة)، وآخر في (اجتناب البدع والأهواء)، وآخر في (التحذير من رد حديث رسول الله والقول بخلافه)، وفي (الحض على اتباع الصحابة بعد الكتاب والسنة).
    2-مرة أخرى؛ أين الخلل؟ وكيف السبيل إلى سلامة المنهج وصحة المعتقد، لأجل إنقاذ الأمة ووحدتها؟:
    والجواب: أما عن الخلل فيكمن في: (الخلط بين المصدرية والمرجعية، وربط المسلم بالثانية منهما دون الأولى)، فالمصدرية الوحيدة لدى المسلم بحق: هي الكتاب والسنة، وحينما يكونا كذلك تُضمَن السلامة من زلل ما نقع فيه الآن، على نحو ما ضُمنَت بحق من كان قبلنا، ذلك أن القرآن والسنة بفهم القرون الخيِّرة: صمام الأمان الواقي من الضلال، ومصداق ذلك قوله عليه السلام: (تركت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما: كتاب الله وسنتي)، نعم؛ لا مانع من اعتماد منابع أخرى تساعد على فهم النصوص الشرعية وتعكس فهوم الناس للتدين تصوراً وممارسة، لكن ليس باعتبارها مصادر يُنحاز إليها على حسابهما، ويُضفى عليها أنواعاً من القداسة الشعورية لدى المتربين من حيث ندري أو لا ندري، وإنما باعتبارها مراجع تتضمن تجارب قد تصيب وقد تخطئ، فذاك هو السياق الحقيقي الذي يمْكن للمرجع أن يُفاد منه، وأما رفعه إلى مقام المصدرية فذا عين الخطأ الذي يؤدي إلى الانصراف عن مصادر الإسلام إلى أقوال الرجال وأحوالهم، إذ هي بعدُ؛ أفكار بشر ونتاج عقول قد تضل.. وهذا في زماننا: ما نعاني منه الأمرّين، فمن آخذ في الأَحكام بالآراء الشاذة ومن قائل بالآراء الضعيفة، ومن هاجر لنصوص الشرع مؤثراً عليها ترهات العقول، ومن مقدم إياها على الآية والحديث، ومن مؤول متكلٍّف في تأويلاته، ومن مفتر على الله ورسوله الكذب، ومن محِل للحرام ومحرم للحلال، ومن قائل على الله بغير علم.. وكتب أمثال البنا وقطب وحوى وعودة والقرضاوي وغيرهم ممن يقدمون العقول والآراء على النقل، أو يفسرون النصوص على هواهم، كان البعض قديماً يؤثرون نظائرها على الآية والحديث، ولما أوردتهم المهالك وأدركوا خطورة ذلك، جاء تحذيرهم منها ومن سائر كتب أهل الأهواء والبدع، ومما يروى في هذا: ما جاء عن الإمام أحمد وقد سئل عن الوليد الكرابيسي وكان مخالفاً للسنة، فقال: “إنما جاء بلاؤهم من هذه الكتب التي وضعوها، تركوا آثار رسول الله وأصحابه وأقبلوا على هذه الكتب”، وما جاء عنه – وقد قال له المروزي: استعرت كتاباً فيه أشياء رديئة، ترى أن أخرقه أو أحرقه؟ – قال: (نعم)، قال المروذي: (قال أحمد: يضعون البدع في كتبهم، إنما أحذّر منها أشد التحذير)، ذلك أن البلاء إنما يأتي من كتب أهل الأهواء والبدع، وأصل ذلك: تحذير نبينا من قراءة كتب أهل الكتاب مع أنها لا تخلو من حق، فعن جابر أن عمر أتي النبي بكتاب أصابه من بعض أهل الكتاب، فغضب بأبي هو وأمي، وقال: (أمتهوكون يا ابن الخطاب؟ والذي نفسي بيده لقد جئتكم بها بيضاء نقية، لا تسألوهم عن شيء فيخبروكم بحق فتكذِّبوا به أو بباطل فتصدقوا به، والذي نفسي بيده لو أن موسى كان حياً ما وسعه إلا أن يتّبعني).. وباعتقادي أن في هذا القدر ما يكفي في الإجابة عن سؤال: (كيف السبيل إلى سلامة المنهج؟) وأنه يكمن فيما ذكرنا من: (التسليم لنصوص الوحي) و(لزوم السنة والجماعة).. على أن تبنينا لهذا الخط في قضية (الخلافة)، واعتمادنا المراجع التي أصابت فيما تؤول إليه آخر الزمان، وإيثارنا نهج الالتزام بصحيح المنقول، يُعدُّ تطبيقاً عملياً لهذا المنهج ولما نعتقد أنه السبيل القويم في تناول أحكام الشريعة على جهة العموم وسائر قضايا الاعتقاد على وجه الخصوص.. والله أعلى وأعلم.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*