الأربعاء , 7 ديسمبر 2016
الرئيسية » مركز البحوث » حركات وأحزاب » حزب الدعوة الشيعي .. صورة جماعة الإخوان السنية

حزب الدعوة الشيعي .. صورة جماعة الإخوان السنية

البذرة الإخوانية الأُولى التي بُذرت داخل العِراق، نمت وصارت شجرة وصلت أغصانها إلى البصرة والرمادي وكركوك وأربيل، فصار للكرد إخوانهم وللتركمان إخوانهم أيضاً.

بعد تأسيس جماعة الإخوان المسلمين بمصر، العام 1928 بجهود الشَّيخ حسن البنا، صارت لها فروع خارج مصر. فلما عاد الشَّيخ محمد محمود الصَّواف(ت 1992) من دراسته في الأزهر بالقاهرة بدأ بتشكيل هذه الجماعة بالموصل حيث مسقط رأسه. وينقل جمال البنا، الشَّقيق الأصغر لحسن البنا، عمَّا كتبه الصَّواف في ما حصل حول تسمية الجمعية، التي يُراد لتنظيم الإخوان المسلمين التَّستر بها.

قال (الصَّواف): “رفضت أن تكون التَّسمية مقلدة لاسم في بلد آخر، ويصر الأخ (السَّيد عبد الرَّحمن أحد الشركاء) أن تحمل الجمعية الاسم نفسه، أي جمعية الإخوان المسلمين، فقلت لإخواني لما رأيت بوادر الخلاف بينهم إن الأسماء لا تهمنا، نحن نريد أن نحمل فكرة. وبعد ذلك شاء الله أن أسافر مع هذا الأخ، الذَّي كان يصر على أن نجعلها باسم الإخوان المسلمين إلى مصر للعمل، والتقينا في مصر بالإمام الشَّهيد(حسن البنا)، رحمه الله، وسألناه في الأمر، فقال: سيروا مع الشَّيخ الصَّواف، فهذا هو الصَّحيح، لأننا لا تهمنا الأسماء، وإنما تهمنا الدَّعوة الإسلامية، ويهمنا الإسلام نفسه، بأي اسم كان، وبأي ثوب خرج”(البنا، مسؤولية فشل الدَّولة الإسلامية في العصر الحديث).

تلك هي البذرة الإخوانية الأُولى التي بُذرت داخل العِراق، ثم نمت وصارت شجرة وصلت أغصانها إلى البصرة والرمادي وكركوك وأربيل، فصار للكُرد إخوانهم وللتركمان إخوانهم أيضاً، لكن إخوان العراق على ما يبدو خالفوا الأم أو لنقل الأخت الكبرى جماعة الإخوان بمصر ، وبادروا إلى تأسيس حزبهم “الحزب الإسلامي العِراقي”(1960). وعلى ما سمعته مِن الشيخ نعمان عبد الرزاق السَّامرائي، الرئيس الأول للحزب منذ العام 1960، أنه لأسباب تتعلق بالتنظيم وأمنه أُتخذ قرار أن يُعلن الحزب وتبقى الجماعة “الإخوان المسلمون” سرية، وهي هكذا إلى يومنا هذا.

كان بذرة الإخوان الأُولى غُرست بالعراق في نهاية العد الرابع من القرن الماضي، أو بداية العقد الخامس، وحينها لم يكن هناك تنظيم إسلامي شيعي، إنما كانت حركات أو منظمات، يصعب إطلاق صفة الحزب عليها، مثل جماعة الشيخ عزَّ الدين الجزائري (ت 2005)، وما عُرف بالحزب الجعفري(في بداية الخمسينيات)، وظل في إطار النَّجف تقريباً، وقيل عُرف بهذا الاسم كي يبعد المؤسسون شبهة الوهابية عنهم، وكان يعاني مِن ضغطين: السلطة التي تمنع قيام حزب على أساس ديني، والمرجعية الدينية التي لا تعترف بالحزبية مِن الأساس آنذاك.

لكن بتأثير جماعتين سُنيتن هما: الإخوان المسلمون وحزب التحرير الإسلامي انتمى شباب شيعيون إلى هاتين الجماعتين، بدوافع إسلامية بحتة، ومنهم الذين نشطوا في ما بعد في داخل حزب الدَّعوة، الذي تأسس في تموز 1959 بردة فعل لقوة اليسار العراقي.

مِن هذه الأسماء التي انتمت إلى الإخوان المسلمين وحزب التحرير: محمد عبد الهادي السُبيتي، الذي صار، في ما بعد، قيادياً في حزب الدعوة، وقيل نشط في حزب التحرير وجماعة الإخوان المسلمين معاً. والطبيب جابر العطا (ت 2011)، وكان في البداية قومياً مستقلاً، يوم كان يعيش بالنَّجف، ولما ذهب إلى بغداد تأثر بفكر “الإخوان المسلمين”، فانطلق معهم في دعوتهم وانتظم في كشافتهم. والشَّيخ عارف البصري، وأخوه عبد علي البصري، والشَّيخ سُهيل السَّعد، وعبدالمجيد الصَّيمري، وعبدالغني شُكر مِن أهل النَّاصرية، وهادي شعتور، وهو مِن سوق الشِّيوخ، جنوب النَّاصرية. وأخبرني الشيخ نعمان السَّامرائي أن والد القيادي في حزب الدعوة الآن علي الأديب حالياً كان إخوانياً آنذاك (لقاء معه بالرياض، مارس 2012).

يقول السَّيد طالب الرِّفاعي، وهو أحد أبرز مؤسسي حزب الدَّعوة الإسلامية: “لما كان السُّبيتي ينشط ضمن الإخوان المسلمين يأتيني بنشراتهم، وكنت أقرأها كلها، وأنا بالكاظمية، فصارت عندي خميرة إسلامية سياسية، وبحكم ترددي على الأستاذ أحمد أمين تكوّنت لي علاقة معهم. كنت شاباً معمماً مِن النَّجف، وفي ذلك الوقت كنت في العشرين مِن عمري، وهناك تعرفت بجابر عطا على الرَّغم من أننا نحن الاثنان مِن النَّجف، وكنت أراه، لكنه كان حينها يميل إلى حزب الاستقلال القومي”.

وأردف قائلاً: “خطّط السُّبيتي وجابر عطا على كسبي إلى نشاطهم الحزبي التحريري، أي في حزب التَّحرير، فأنا معمم ونجفي. فحدثاني عن حزب جديد يُعرف بـحزب التَّحرير، وأن الموفد إلى العِراق، مِن قبل الحزب، عبدالقديم زلوم(ت 2003) يريد رؤيتي. فسألاني: هل لديك مانع في أن تلتقي به؟ فقلت: على العكس أُرحّبُ بلقائه، وأحبُّ الإطلاع على نشاط هذا الحزب وأفكاره”(أمالي السيد طالب الرِّفاعي). كذلك يقول: “إن أوّلَ تعرّفنا إلى الإسلام السِّياسي كان عن طريق الإخوان، وهم أرضيتنا في العمل السِّياسي”.

أغلب هؤلاء صاروا أعضاءً وقادةً في حزب الدَّعوة الإسلامية، لكن بما أن الإسلام السياسي طائفي في ذاته، فلا يمكن أن يبرز بإسلام عام. أن الإسلام العام صار مجرد مفهوم، لا بد أن يُمارس مِن خلال مذهب مِن المذاهب، أما دعوى تلك المذاهب بأنها تُمثل ذلك الإسلام الشامل فهذا مخالف للواقع، فإسلام بلا مذاهب لا وجود له على الإطلاق، وهو مجرد مفهوم عام لا يظهر إلا مِن خلال مسائل عبادات ومعاملات وأصول وفروع، وفي كل هذا هناك اختلافات وتباينات تقل وتكثر بين المذاهب. بل حتى الإسلام السُّني هو موزع إلى مذاهب، والخصومات بين الشافعية والحنفية وبين الحنابلة والأشعرية معروفة في التاريخ، وكذلك الحال بين فرق الشيعة نفسها، ويكفي قراءة كتاب “فرق الشيعة” للنوبختي (نهاية القرن الثالث الهجري) تعطي صورة واضحة على تلك الاختلافات.

لهذا لم يستمر هؤلاء الإسلاميون الشيعة في حزب التحرير، ولا في أي تنظيم سُنِّي آخر عندما اصطدموا بصخرة فكرة الإمامة، وذلك عندما تنكر لها أو وقف ضدها مؤسس حزب التحرير الشيخ تقي الدين النبهاني (ت 1977) في كتابه “الخلافة” الذي لم يعترف فيه بحديث الغدير، أو لم يعترف بما بنى الشيعة عنه فكرة الإمامة أو ما يُعرف بالوصية للإمام علي بن أبي طالب (اغتيل 40 هـ)، فعلى أثر ذلك خرج هؤلاء من حزب التحرير باحثين عن حاضنة شيعة لهم، ولم ينضج الظرف لوجودها حتى تموز 1959 ممثلة بحزب الدَّعوة

كانت ثقافة حزب الدَّعوة، وهو حزب عقائدي، بالكتب ذاتها التي يتثقف فيها الإخوان المسلمين، وهي مِن تأليف قادة الإخوان المسلمين، منها حسب ما أخبرني به السَّيد علي الأمين، وكان منتمياً في فترة ما للحزب وشخصه السيد محمد باقر الصَّدر (اُعدم 1980) على أن يكون وكيلاً له بمدينة الشَّطرة، أن جانب كبير مِن التثقيف الحزبي كان يجري بمطالعة كتب سيَّد قطب: “في معالم الطَّريق”، و”في ظلال القرآن”، ومؤلفات أبي الأعلى المودودي (ت 1979)، وهو من أعلام المسلمين الهنود المعروفين. بمعنى حضور الحاكمية، حسب المنطق السُّنَّي موجودة في أهداف الحزب.

بشكل عام، ليس هناك مِن اختلاف في توجهات الإسلام السياسي، مِن ناحية أسلمة المجتمع والدَّولة وبناء دولة إسلامية، وإن كان هناك اختلاف فهو اختلاف طائفي، مع أن الطرفين تعاملوا مع الظرف السياسي بنفعية، أي لغرض سياسي طارئ تراهم يتجاوزون المذهبية لكنه تجاوز طارئ أيضاً قياساً بالعمل السياسي وتوجهاتهم البعيدة.

لهذا لا نستغرب إذا ما حاول الإخوان المسلميون، لغرض تكثيف الجهود ضد حكومة عبد الكريم قاسم (قُتل 1963)، أن يكون على رأس حزبهم شيعياً صاحب عِمامة كرئيس شرفي أو لنقل فخري، لكن إلى حين، وهذه قصة أخرى!

بالجملة يمكن القول وبوضوح أن مِن بين المنظمات والأحزاب الدينية الشيعية، يقترب مِن عقيدة الإخوان المسلمين بل يكاد يكون نسختها الشيعية، ليس هناك سوى حزب الدَّعوة الإسلامية، فهو الآخر ، مثلما هم الإخوان بمصر، صار الأم لفروع حيث يوجد الشِّيعة.

-- بقلم: رشيد الخيُّون

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*